جديد الموقع

العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم الثالث : ( علم الإيمان ) للقضاء على فوضى الغلو في التكفير في أوساط المسلمين

[  1  ]  علم الإيمان وفقه مسائله وأحكامه على المنهاج الحق لعلماء أهل السنة والجماعة من أهم العلوم المفقودة في هذا الزمان والتي ادى غيابها إلى الخلل الفكري والعقدي بين فرق المسلمين ، وهو علم بالغ الأهمية للقضاء على فوضى الغلو في التكفير في أوساط المسلمين ، إنّ فقه مسائل وأحكام الإيمان والكفر على المنهاج الحق لعلماء أهل السنة والجماعة يجعلنا نفرق بين إيمانين ، الأول : ( الإيمان المطلق ) ، وهو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً من غير عذاب ، و الإيمان الثاني ( مطلق الإيمان ) وهو أدنى ما يصح به الإيمان وينجي فقط من الخلود الأبدي في النار  ، إذ هو لا يمنع من دخول النار  ، ولكن يمنع من الخلود في النار خلود الكافرين ، وهذا الإيمان هو : ( أصل الإيمان ) الذي يصح معه اسم الإيمان وحكمه ، وهو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر ، وهو الذي يأخذ المرء به اسم الإيمان وحكمه ، ومن خلاله يتم ضبط أسماء الملة وأحكامها جميعاً ، ومتى تم تحديد عناصر هذا الأصل بدقة انضبطت أسماء الملة وأحكامها وعُرف الكافر المرتد من الكافر في إطار الملة من الفاسق وهكذا ، واستطاع طالب العلم الشرعي فضلاً عن العالم أن يضع الضوابط الصحيحة لمسائل تكفير أهل القبلة والاحتياط الراسخ فيها دون خلط بين من صح له أصل إيمانه ومن لم يصح له هذا الأصل ، ودون خلط بين نواقض الإيمان المخرجة من الملة إلى الكفر الأكبر وبين نواقص الإيمان التي تنقص من درجته ولا تنقضه بالكلية ، إنّ التكفير حكم شرعي ، فلا يكفي فيه الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، وعلم الإيمان وفقه مسائله وأحكامه على المنهاج الحق لعلماء أهل السنة والجماعة من أهم العلوم المفقودة في هذا الزمان التي من ثمرة معرفتها : القضاء على فوضى الغلو في التكفير في أوساط المسلمين بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ،

[  2  ]  من فقه أحكام ومسائل الإيمان التفريق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق :  ( الإيمان المطلق ) هو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً من غير عذاب ، و ( مطلق الإيمان ) وهو أدنى ما يصح به الإيمان وينجي فقط من الخلود الأبدي في النار  ، إذ هو لا يمنع من دخول النار  ، ولكن يمنع من الخلود في النار خلود الكافرين ، ( أ  ) كثيراً ما نجد القرآن الكريم ينفي عن مسلم ما -  يشهد الشهادتين -  صفة الإيمان ، وذلك كقوله تعالى : { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ الحجرات : 14 ] ، فهل نفي الإيمان هنا معناه نفي أصل الإيمان ( مطلق الإيمان ) وبالتالي وصف المنفي عنه الإيمان بالكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، أم معناه نفي الإيمان الواجب الذي معناه نزول العبد من مرتبة الإيمان إلى الإسلام وليس إلى الكفر الأكبر ، الآية دلت على نفي الإيمان ودلت على اثبات مسمى الإسلام ، وفقه الآية يوجب التفريق بين إيمانين ، الأول الإيمان المطلق ، وهو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً ، وهذا الإيمان ليس نفيه وصف بالكفر الأكبر وإنما نفيه يدل على الكفر في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرائن الأدلة الدالة على إحداها ، والمنفي عنه هذا الإيمان ( المطلق ) ليس كافراً الكفر الأكبر بل هو مسلم معه مطلق الإيمان الذي منعه من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ،  والثاني هو  ( مطلق الإيمان ) : وهو أدنى ما يصح به الإيمان ، وهذا الإيمان يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين ، ونفي هذا الإيمان معناه الكفر الأكبر الموجب لأحكام الردة والخلود الأبدي في النار ،  ( ب ) وكذلك كثيراً ما نجد القرآن الكريم  يفصل بين الإيمان والعمل وذلك بعطف العمل على الإيمان مع أن العمل من الإيمان ، وقد تكرر كثيرا في القرآن الكريم قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ، وإذا كان الإيمان يشمل العمل فإن التفريق في الآيات بين الإيمان والعمل يوجب التفريق بين إيمانين ، أصل وفرع ، أصل لا يصح الإيمان بغيره ، وفرع يضاف إليه فيزيده ، وقد فهم فقهاء أهل السنّة والجماعة من هذا الفصل أن المقصود بالإيمان الأصل المقتضي للعمل ، وفي ذلك يقول البيهقي " قوله {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} لا يدل على أن عمل الصالحات ليس بإيمان ، وإنما معناه أن الذين آمنوا مثل الإيمان الناقل عن الكفر ثم لم يقتصروا عليه ولكنهم ضموا إليه الصالحات فعملوها حتى ارتقى إيمانهم من درجة الأقل إلى الأكمل [ شعب الإيمان للبيهقي ج 1/ 49  ] أهـ ،  ( ت ) وكذلك كثيراً ما نجد نفي الرسول صلى الله عليه وسلم الإيمان عن أشخاص مسلمين ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن )) [ أخرجه مسلم ] ، فالزاني وشارب الخمر والسارق مؤمن ناقص الإيمان ، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ؛ فلا يعطى الإيمان المطلق ، ولا يسلب مطلق الإيمان ، ولذلك كان من فقه أحكام ومسائل الإيمان على مذهب أهل السنّة والجماعة تقسيم الإيمان إلى ( إيمان مطلق ) و( مطلق الإيمان ) والتفريق بينهما : ( ث  ) المصطلح الأول ( الإيمان المطلق ) : وهو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً ، وهذا الإيمان ليس نفيه وصف بالكفر الأكبر وإنما نفيه يدل على الكفر في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرائن الأدلة الدالة على إحداها ، والمنفي عنه هذا الإيمان ( المطلق ) ليس كافراً الكفر الأكبر بل هو مسلم معه مطلق الإيمان الذي منعه من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ،  وعلماء أهل السنة يعبرون عن الإيمان المطلق بعدة مصطلحات قد وردت في بيانهم لأقسام الإيمان ، من ذلك فرع الإيمان و الإيمان الواجب و الإيمان الكامل الكمال المأمور به ، والمصطلح الثاني ( مطلق الإيمان ) : وهو أدنى ما يصح به الإيمان ، وهذا الإيمان يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين ، وليس بعده إلا الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار،  وهذا الإيمان يسميه العلماء أيضاً ( أصل الإيمان ) أو ( الحد الأدنى من الإيمان ) ، ( ج  ) وأجمع علماء أهل السنّة والجماعة على أنّ العاصي والفاسق من أهل القبلة لا ينفي عنه مطلق الإيمان بعصيانه وفسوقه ولا يوصف بالإيمان المطلق ، ولكن هو مؤمن ناقص الإيمان ، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم ، ( ح  ) الإيمان المطلق يدخل صاحبه في مثل قوله تعالى ( والله ولي المؤمنين ) و قوله ( قد أفلح المؤمنون ) وقـوله ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) وقوله ( أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَ‍قًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ )  فالإيمان المطلق يستحق أهله به الثواب بلا عقاب ، ومطلق الإيمان يدخــل صاحبه في قوله تعالى ( فتحرير رقبة مؤمنة ) وفي قوله ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) وفي قوله ( لا يقتل مؤمن بكافر ) وأمثال ذلك مما يثبت مجرد الإيمان وإن استحق أهله الوعيد بالعقاب ، (  خ  ) قد ينف الإيمان المطلق عن قوم مسلمين لهم مطلق الإيمان كما في قوله تعالى : { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } إلى قوله تعالى { بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان } فالأعراب مسلمون جفاة نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات ورفعوا أصواتهم فوق صوته غلظة منهم وجفاءً لا نفاقاً وكفراً أمرهم الله تعالى بحسن الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم ووعدهم خيرا إن أطاعوا الله والرسول :{ وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً إن الله غفور رحيم } ، ومثاله من السنة نفى النبي صلى الله عليه وسلم " الإيمان المطلق " عن الزاني وشارب الخمر والسارق وإن لم ينف عنه " مطلق الإيمان " في قوله ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ) فالزاني وشارب الخمر والسارق مؤمن ناقص الإيمان ، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ؛ فلا يعطى الإيمان المطلق ، ولا يسلب مطلق الإيمان ، وقوله صلى الله عليه وسلم ( من غشنا فليس منا ومن حمل السلاح علينا فليس منا ) فهذا كله نفي للإيمان المطلق وليس نفيا لمطلق الإيمان ، وصاحب ( مطلق الإيمان )  يصح أن يقال : هو  مؤمن باعتبار ما أتى به من أصل الإيمان ، ويصح أن يقال ليس مؤمناً باعتبار تفريطه في الإيمان الواجب ،  (  د  ) من أجل فوائد التفريق بين الإيمانين الإيمان المطلق و مطلق الإيمان : أنّه إذا نفى الشرع الإيمان عن أحد فهل المقصود به كفره الكفر الأكبر المخرج من الإسلام أم المقصود به الكفر دون كفر والفسوق والعصيان ، فتجري عليه أحكام المسلمين ، ومعرفة هذا من الفقه الراسخ في دين الله تعالى ، ،

[  3  ]  من فقه أحكام ومسائل الإيمان عند علماء أهل السنّة والجماعة ، تقسيم الإيمان إلى أصل وفرع ، وأصل الإيمان هو أقل ما يصح به الإيمان وفرع الإيمان يدخل فيه كافة شعب الإيمان وكافة شرائع الدين ، ثم تقسيم فرع الإيمان إلى فرع واجب يتناول أداء الواجبات والكف عن المحرمات وهو ما يسمى ( الإيمان الواجب ) وفرع مستحب يتناول ما زاد على الواجب من السنن والمندوبات ، وهو ما يسمى ( الإيمان المستحب ومنزلة الإحسان ) ، ( ب  ) معرفـة وتحديد أدنى الإيمـان ( أصل الإيمان ) الذي يصح معه اسم الإيمان وحكمه ، هو أهم علوم الإيمان ، ولما كان علم الإيمان هو علم الفقه الأكبر في الدين ، صار ( أصل الإيمان ) هو  أصل الفقه في الدين كله ، وهو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر ، وهو الذي يأخذ المرء به اسم الإيمان وحكمه ، ومن خلاله يتم ضبط أسماء الملة وأحكامها جميعاً ، وبالتالي متى مُيز الأصل عن الواجب انضبطت أسماء الملة وأحكامها وعُرف الكافر المرتد من الكافر في إطار الملة من الفاسق وهكذا ، وإذا تميز الأصل عن الواجب استطاع طالب العلم الشرعي فضلاً عن العالم أن يضع الضوابط الصحيحة لمسائل تكفير أهل القبلة والاحتياط الراسخ فيها وعدم الخطأ في هذه المسائل دون تمييز بين من صح له أصل إيمانه ومن لم يصح له هذا الأصل ، ودون تمييز واضح بين نواقض الإيمان المخرجة من الملة إلى الكفر الأكبر وبين نواقص الإيمان التي تنقص من درجته ولا تنقضه بالكلية ، ( ت ) من الفوائد العظيمة لتحديد أصل الإيمان ومعرفة عناصره وتمييزها عن عناصر الإيمان الواجب وعناصر الإيمان المستحب الكامل ، هو إعطاء كل عنصر من عناصر الإيمان حقه الشرعي اللازم له فعنصر يدخل في أصل الإيمان ليس كعنصر يدخل في الإيمان الواجب وهذا ليس كعنصر يدخل في الإيمان المستحب ، فأهم عناصر الإيمان ما دخل في الأصل لأن نقصه يعني الكفر الأكبر ويليه ما دخل في الواجب لأن نقصه يعني الكفر دون الكفر أو الفسوق واستحقاق الوعيد بالنار ،   وهذا الأصل والإحاطة بأحكامه وتحديد عناصره من أهم  الفقه في مسائل الإيمان لكون صاحبه له في الدنيا اسم الإسلام وحكمه ولا يخلد في الآخرة في النار خلود الجاحدين ،  ويليه ما دخل في الإيمان المستحب لأن نقصه يعني نقص الدرجة والمنزلة دون الدخول في إطار الوعيد بالنار ،  وليس مقصود فقهاء وعلماء أهل السنة والجماعة الراسخون في ا لعلم والفقه والدين بهذا الفصل بين أصل الإيمان وواجبه ومستحبه الاستهانة ببعض عناصر الإيمان -  حاشا لله بل هو الميزان الذي أنزل الله عز وجل به دينه وشرعه وملته الحنيفية السمحة

[  4  ]  أقسام الإيمان ثلاثة  : ( الأصل ) الذي يصح معه اسم الإيمان وحكمه ، و ( الواجب ) الذي أوجبه الله تعالى على عباده ، و ( المستحب ) الذي به كمال الإيمان ،  القسم الأول : وهو أصل الإيمان ومطلق الإيمان وأدنى ما يصح به الإيمان وهو أدنى ما يصح به الإيمان ، وهذا الإيمان يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين ، ونفي هذا الإيمان معناه الكفر الأكبر الموجب لأحكام الردة والخلود الأبدي في النار ،  والقسم الثاني  : وهو الإيمان الواجب المأمور به ، وهو بأداء الواجبات والكف عن المحرمات إضافة إلى عناصر الأصل والتي لا يصح الإيمان إلاّ بها ، وهذا الإيمان يسميه العلماء " الإيمان الواجب " وهذا الإيمان هو إيمان المقتصد الذي يؤدي الواجب الذي عليه ويكف عن المحرمات التي نُهي عنها ، والقسم الثالث : وهو الإيمان المستحب ويكون بأداء السنن والمندوبات والتنزه عن المكروهات فضلاً عن أداء أصل الإيمان وواجبه ، وهذا الإيمان هو إيمان المحسنين السابقين إلى الخيرات بإذن الله عز وجل ، والإيمان المطلق الواجب هو الذي يمنع صاحبه من دخول النار ابتداء ويهي صاحبه لدخول الجنة ابتداء ، أما المستحب فإنما يرفع درجة صاحبه في عِلِّيّين ، وحدود الإيمان المطلق الواجب : أداء الفرائض والكف عن المحرمات والوقوف عند حدود الله دون تعد لها ، ودرجات الإيمان المطلق المستحب عديدة : تتمثل في أداء السنن والمستحبات والقربات والتنزه عن الشبهات والمكروهات وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح ، ( ب ) ضد الإيمان الأصل : الكفر الأكبر المخرج من الملة ، ومن أتى بأصل الإيمان وصح له هذا الأصل فهو في مأمن من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، وضد الإيمان الواجب الكفر ولكن في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرب المتروك منه أو بعده عن الإيمان الأصل ، فالأقرب للإيمان الأصل كالصلاة فإن تركها كفر ولكن دون كفر ، وما كان بعيدا عن الأصل فإن ضده العصيان ، فإن تكرر كان ضده الفسوق ، وأياً كان المتروك من الإيمان الواجب ،  فلا يبلغ منه شيء أن يخرج من الملة بكفر أكبر حتى يأتي على أصل الإيمان من الإقرار والاعتقاد على وجه الإجمال حين الإجمال ، والتفصيل حين التفصيل ، ومن أهم الفوائد من تقسيم الإيمان إلى أصل وواجب ومستحب :  أنّ من حقق أصل الإيمان ( مطلق الإيمان ) نجا من الكفر الأكبر ونجا من الخلود الأبدي في النار ، وإذا زاد العبد عن الأصل فأدى كل ما وجب عليه وانتهى عن كل ما حرّم عليه فقد حقق الإيمان الواجب واستحق اسم الإيمان المطلق ، وإذا مات العبد على الإيمان الواجب دخل الجنّة بلا عذاب ، وإن زاد العبد على الواجب بأداء المستحبات والنأي عن الشبهات واجتناب المكروهات فقد دخل في دائرة الإيمان الكامل المستحب ، وأهل الإيمان الكامل المستحب متفاوتون في المنازل والدرجات تفاوتاً شديداً وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، و ( الإيمان ) إذا أطلق في نصوص الشرع فإنه يدخل فيه الإيمان الواجب والمستحب ، وإذا نفي في نصوص الشرع فالمقصود به الإيمان الواجب دون الأصل أو المستحب ، وأنّ من قال من العلماء أن المنفي هو كمال الإيمان فالمراد به الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة ، وأنّ الإيمان بهذا التقسيم ثلاثة مراتب الظالم لنفسه وأدناه الوقوف على ( أصل الإيمان)  لأنه ليس بعده إلاّ الكفر الأكبر ، ثم المقتصد ( الإيمان المطلق الواجب ) وصاحبه هو المؤدي للواجبات الكاف عن المحرمات ، ثم السابق بالخيرات بإذن الله وهو مرتبة ( الإيمان المطلق المستحب )  ويصدق ذلك قوله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [ فاطر : 32 ] ،

[  5  ]  الإيمان قول وعمل : قـول القلب و عمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح : هناك عناصر أربعة تدخل جميعا في مسمى الإيمان الشرعي الذي جاء به كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وهذه العناصر هي : الاول ( قـول القلب ) : ويشمل معرفة القلب بالشهادتين وعلمه بهما وتصديقه إياهما ، والثاني ( عمل القلب ) : ويشمل كافة أعمال القلوب من الانقياد والخضوع والمحبة والخشية والإخلاص وغيرها من أعمال القلب ، والثالث : ( قول اللسان ) : ويدخل فيه الإقرار بالشهادتين وتـلاوة القـرآن وذكر الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من عبارات اللسان ، والرابع ( عمل الجوارح ) : ويدخل فيه كافة أعمال الجوارح من أداء الفـرائض والمندوبات والكف عن المحرمات والمكروهات ،  ولكل عنصر من تلك العناصر الأربعة أدلته من كتاب الله وسنة نبيه ، فمن الأدلة على دخول قول القلب في الإيمان : قوله تعالى : {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [ الحجرات : 14 ] وقوله تعالى :{حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ } [ الحجرات : 7 ] وقوله تعالى : { إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ } [ النحل : 106 ]  وقوله تعالى : {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ } [ المجادلة : 22 ] فهذه الآيات تدل على ما وقر في القلب من الإيمان ، ومن الأدلة على دخول عمل القلب في الإيمان : قوله تعالى : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }[ النساء : 65 ] وقوله تعالى : {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}[ البقرة : 165 ]وقوله تعالى : { فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}[ آل عمران : 171 ] وقوله تعالى :{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}[ آل عمران 160 ] وقوله تعالى :{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}[ الأنفال : 2 ] وقوله صلى الله عليه وسلم : (( التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات )) [ أخرجه مسلم ح ( 2564 ) ] وقوله صلى  الله عليه وسلم : (( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب )) [ متفق عليه ] فالإذعان والانقياد والتسليم والرضا بحكـم الله ورسولـه صلى الله عليه وسلم و الخوف والخشية من الله والركون إليه والتوكل عليه وتعظيمه عز وجل في القلب و الإخلاص وجميع أعمال القلوب داخلة في مسمى الإيمان ،  ومن الأدلة على دخول قول اللسان في الإيمان : قوله تعالى : {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ } [ البقرة : 136 ]وقوله تعالى : {وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ . .} [ العنكبوت : 46 ]، ومن الأدلة على دخول عمل الجوارح في الإيمان : قوله تعالى : {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}[ السجدة : 15 ] . دلت الآية على أن السجود من الإيمان وهو عمل من أعمال الجوارح ، وقوله تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } [ الأنفال : 2 - 3 ] .دلت الآية على دخول إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في مسمى الإيمان ، وأن كلاهما من الإيمان ، فهذه هي الأدلة البينة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الدالة على أن الإيمان قـول وعمـل  (( قول القلب وعمل القلب ، وقول اللسان وعمل الجوارح )). وأن هذه العناصر الأربعة داخلة جميعا في مسمى الإيمان الشرعي الذي جاء به كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ،

[  6  ]  الإيمان أصل وفرع  ، وأصل الإيمان هو أقل ما يصح به الإيمان وهو قول وعمل  ، وفرع الإيمان يدخل فيه كافة شعب الإيمان وهو قول وعمل :  إنّ الفقه في الدين عند أهل السنّة والجماعة جعلهم يقسمون العمل إلى قسمين عمل القلب وهو القبول والانقياد القلبي والاذعان ، وعمل الجوارح من صلاة وصيام وزكاة وحج وسائر العبادات والطاعات ، وأدخلوا القسم الأول ( عمل القلب ) في أصل الإيمان ، وأدخلوا القسم الثاني ( عمل الجوارح ) فيما زاد عن الأصل من الإيمان الواجب  والمستحب ،  وهذا الفقه في الدين عند أهل السنّة والجماعة جعلهم يتميزون عن كافة الفرق الضالة في مسائل واحكام الإيمان سواء بالتفريط أو الافراط ، فهم تميزوا عن المرجئة المفرطة في مسائل الإيمان فأدخلوا العمل ( عمل القلب ) في أصل الإيمان ، لأنّ المرجئة لا يدخلون أي عمل في الإيمان الأصل ، وتميزوا عن الخوارج والمعتزلة الغالية في مسائل وأحكام الإيمان بإدخال عمل الجارحة في الأصل وبالتالي غالوا في تكفير المسلمين بغير حق  ،

[  7  ]  المعرفة الصحيحة لعناصر أصل الإيمان والإحاطة بأحكام هذا الأصل من أهم وأدق الفقه في مسائل الإيمان ، وهي من أهم الفقه في باب أسماء الملة وأحكامها ، وذلك لأن صاحب أصل الإيمان له في الدنيا اسم الإسلام وحكمه ولا يخلد في الآخرة في النار خلود الجاحدين ، ولأنه  الحد الفاصل بين الإيمان والكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، فمن أتى به وحافظ عليه فلم ينقضه بناقض كانت له أحكام الإيمان الدنيوية والأخروية ، بمعنى أنه : سيكون له اسم الإيمان وحكمه فيعامل معاملة المسلمين في الدنيا فيأخذ أحكامهم بأن تحل لزوجته المسلمة البقاء معه ويحل لأولاده المسلمين أن يبقوا تحت سلطانه ، و إذا مات يغسّل ويصلى عليه ويدفن في مدافن المسلمين ويورث ماله ، وتجوز عليه الرحمة والمغفرة ، وينجو من الوصف بالكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار وينجو من أحكامه الدنيوية ، فلا يحل دمه ردة وإن كان قد يحل حداً وعقوبة ، وإذا مات يغسّل ويصلى عليه ويدفن في مدافن المسلمين وتجوز عليه الرحمة التي تعم كل من قال لا إله إلا الله معتقداً لها بقلبه تصديقاً وانقياداً  ، إنّ فوائد معرفة الحد الأدنى للإيمان عظيمة لأنها أصل الفقه في الإيمان ، والإيمان أصل الديانة فأصل الفقه في الدين كله هو معرفة الحد الفاصل بين الإيمان والكفر حتى يكون عالماً بفقه مسائـل الإيمان والكفر وأخطرها أصل الإيمان الذي به يأخذ المرء اسم الإيمان وحكمه ومن هذه الفوائد ضبط أسماء الملة وأحكامها جميعاً وبالتالي متى مُيز الأصل عن الواجب انضبطت أسماء الملة وأحكامها وعُرف الكافر المرتد من الكافر في إطار الملة من الفاسق وهكذا ، فإذا تميز الأصل عن الواجب استطاع طالب العلم الشرعي فضلاً عن العالم أن يضع الضوابط الصحيحة لمسائل تكفير أهل القبلة والاحتياط الراسخ فيها وعدم الخطأ في هذه المسائل دون تمييز بين من صح له أصل إيمانه ومن لم يصح له هذا الأصل ، ودون تمييز واضح بين نواقض الإيمان المخرجة من الملة إلى الكفر الأكبر وبين نواقص الإيمان التي تنقص من درجته ولا تنقضه بالكلية ، ومن ذلك فإن هناك آيات كريمات جاءت بنفي الإيمان وأحاديث عديدة جاءت بنفي الإيمان ، وهنا يأتي الفقه في دين الله بمعنى إن كان النفي لأصل الإيمان حل محله الكفر الأكبر وإن كان النفي لما زاد على الأصل أي ما دخل في مرتبة الواجب حل محله الكفر دون الكفر الأكبر ، كما أنّ من الفوائد العظيمة لتحديد أصل الإيمان ومعرفة عناصره وتمييزها عن عناصر الإيمان الواجب وعناصر الإيمان المستحب الكامل ، هو إعطاء كل عنصر من عناصر الإيمان حقه الشرعي اللازم له فعنصر يدخل في أصل الإيمان ليس كعنصر يدخل في الإيمان الواجب وهذا ليس كعنصر يدخل في الإيمان المستحب ، فأهم عناصر الإيمان ما دخل في الأصل لأن نقصه يعني الكفر الأكبر ويليه ما دخل في الواجب لأن نقصه يعني الكفر دون الكفر أو الفسوق واستحقاق الوعيد بالنار ، ويليه ما دخل في الإيمان المستحب لأن نقصه يعني نقص الدرجة والمنزلة دون الدخول في إطار الوعيد بالنار ،

[  8  ]  أصل الإيمان محله القلب وهو قول وعمل ولا يصح أصل الإيمان الذي وقر في القلب حتى يظهر أثره على جارحة اللسان بالإقرار ، وعناصر الأصل ثلاثة لا رابع لها ، هي :  إقرار اللسان ، وقول القلب ( التصديق ) ، وعمل القلب ( الانقياد ) ، ولا يمكن أن يستغني الأصل عن أحد تلك العناصر الثلاث ، لأنه إذا انتفى إقرار اللسان لم نعلم بإيمان المرء ، وهذا هو كفر الجحود ، وإذا انتفى قول القلب ( التصديق ) حل محله كفر التكذيب ، أو الشك ، أو النفاق ، وإذا انتفى عمل القلب ( الانقياد ) حل محله كفر الاستكبار والإباء ، وهو كفر ابليس الرجيم ، أما عمل الجارحة فهو خارج عن الأصل داخل في الإيمان الفرع فإن كان واجبا دخل في الفرع الواجب وإن كان مستحبا دخل في الفرع المستحب ، والادلة على ذلك  من كتاب الله عز وجل وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة جدا ، فمن الأدلة من كتاب الله عز وجل على صحة هذه القاعدة : أنّ الإيمان جاء مقروناً بالعمل الصالح في أكثر من خمسين موضعاً في كتاب الله عز وجل : منها قوله تعالى : { وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة : 82 ] ، وقوله تعالى : { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ  } [ الروم : 45 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ } [ البينة : 7 ] ، فهذه الآيات التي فيها عطف العمل على الإيمان , والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما ، ولا يُقال ها هنا أنّ العطف من باب عطف الخاص على العام , لأنّ ذلك خلاف الأصل, فالأصل أن العطف يقتضي المغايرة إلا أن توجد القرينة الصارفة ولا قرينة هنا على الخروج عن الأصل بل كثرة الآيات التي عُطف فيها العمل على الإيمان أكبر دليل على المغايرة ،  فدل ذلك الحرص على الفصل بين لفظ الإيمان ولفظ العمل الصالح في القرآن الكريم على التغاير بين دلالة الإيمان ودلالة العمل الصالح ، فالإيمان هاهنا المقصود به الإيمان الأصل الذي يعطي لصاحبه اسم الإسلام وحكمه ويمنع من دخوله في الكفر الأكبر وأحكامه ، والمقصود بالعمل الصالح هو الإيمان الواجب المتمثل في أداء الواجبات والكف عن المحرمات ذلك الإيمان الذي تتحقق به النجاة من الكفر في إطار الملة ومن لقب الفسوق ومن دخول النار ابتداء ، ويستحق به صاحبه الحمد والثناء ، ومن الأدلة على ذلك أيضاً : الآيات الكثيرة في كتاب الله عز وجل الدالة على أن أصل الإيمان منبعه في القلب : كقوله تعالى : {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ } ، وكقوله تعالى : { إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ } ، وقوله تعالى : {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [ الحجرات : 14 ] ،  وقوله تعالى : {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ } [ المجادلة : 22 ] ، وقوله تعالى : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }[ النساء : 65 ] ، فدلت الآيات على أن مقر الإيمان هو القلب ، وكقوله صلى الله عليه وسلم : (( التقوى هاهنا )) ، ويشير إلى صدره ثلاثاً ، وكقوله صلى الله عليه وسلم ، (( ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب )) [ أخرجه البخاري ] وكقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله عز وجل : (( أخرجوا من النار من وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان )) [ أخرجه البخاري ] ، فهذه الأدلة من الكتاب والسنة تدلنا على أن أهم الإيمان وأصله هو ما وقر في القلب وأن هذا الأصل هو الفاروق بين الخلود الأبدي في النار وعدم الخلود فيها ، ومن الأدلة على ذلك أيضاً : الأدلة من الكتاب والسنة على أن أصل الكفر ومنبعه أيضاً هو القلب :  ومن ذلك قوله تعالى : {طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ }وقوله تعالى :{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ } وقوله تعالى :{كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} وقوله تعالى :{ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ .. إلى قوله تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ }فهذه الآيات تدلنا على أن محل الكفر الأكبر هو القلب وأنه ضد لأصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر ، ومن الأدلة على ذلك أيضاً : أنّ الإيمان جاء في كتاب الله عز وجل مقروناً بالعمل الصالح وجاء أيضاً مقروناً بضده : ومثاله قوله تعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا }[ الحجرات : 9 ] فعبر القرآن الكريم عن المقتتلين بلفظ الإيمان مع أن الحديث الصحيح مفاده ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) فعلينا عند الجمع بين الآية والحديث أن المقتتلين من المسلمين لهم مسمى الإيمان بما أتوا به من الأصل وأن كفرهم في إطار الملة وليس خارجها ، ومثاله أيضاً قوله تعالى : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ..}[ البقرة : 178 ] فجاء التعبير القرآني بإثبات أخوة القاتل لولي الدم ولا شك أنه قد أتى بضد العمل الصالح الذي هو من قبيل الإيمان الواجب وهذا بخلاف من انتفى عنه التصديق ـ مثلاً ـ فأولئك قال عنهم الله عز وجل :{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } [ البقرة : 8 - 9 ]  وحكم عليهم القرآن الكريم بالنفاق وجعل الدرك الأسفل من النار مأواهم يوم القيامة ، ومن الأدلة على ذلك أيضاً : الأدلة من السنة على صحة هذه القاعدة  :  1) ما أخرجه مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقي الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة )) [ مسلم : ح 44 ] .والحديث يدل على أن الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما سبب لدخول الجنة وإن دخل النار بذنوبه فإنه لا يخلد فيهما خلود الجاحدين لأن مآله إلى الجنة ، 2) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار )) [ مسلم : ح 47 ]فمن أقر بالشهادتين واعتقدهما حرم الله عز وجل عليه الخلود الأبدي في النار وهذا ما يجب حمل الحديث عليه إذ هو مذهب أهل السنة والجماعة لا يعرفون غيره فيقولون بأن أصحاب الكبائر في المشيئة ، وقد دلت الأخبار الصحيحة على أن بعضهم يدخل النار بقدر ذنوبه ثم يخرج بالشفاعة أو ضمن قبضة الرحمن الذين لم يعملوا خيراً قط ، 3) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)) اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة (([ صحيح مسلم : ح 52 ] . ففي الحديث دلالة على أن كل من شهد الشهادتين معتقداً لهما ومات على ذلك فإن مآله إلى الجنة ، 4) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار ، قال ( أي معاذ ) يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا قال : " إذا يتكلوا " فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً))[ صحيح مسلم : ح 53 ]  ،  5) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم(( ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة " قلت –    أي راوي الحديث وهو أبو ذر – رضي الله عنه – وإن زنى وإن سرق قال : ( وإن زنى وإن سرق ) ثلاثاً ثم قال في الرابعة ( على رغم أنف أبي ذر ) فخرج أبو ذر وهو يقول وإن رغم أنف أبي ذر)) " [ صحيح مسلم : ح 154 ] ، وبعد فهذه بعض الأحاديث التي تدل على صحة ما ذكرناه من كون أصل الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار الإقرار بالشهادة مع اعتقادها ، واعتقادها يشمل قول القلب أي تصديقه وعمل القلب بالانقياد لها إذ لا تصح الشهادة إلا بذاك ، ومن الأدلة على ذلك أيضاً : [ أحاديث الشفاعة ] : حتى نصل إلى تحديد الحد الأدنى من الإيمان الذي يصح به اسم الإيمان وحكمه علينا أن نبحث عن آخر أهل الجنة دخولاً وعن صفة إيمان هذا العبد ، وذلك لأن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة ، وما دام هذا العبد قد دخل الجنة فقد حاز مسمى الإيمان ، ولما كان هذا العبد آخر أهل الجنة دخولاً للجنة كان عنده أدنى الإيمان الذي يأخذ به اسم الإيمان وحكمه وكان عنده أصل الإيمان الذي أتاح له دخول الجنة ، لذلك إذا توجه البحث إلى أبواب الشفاعة وخروج الموحدين من النار لوضح لنا أصل الإيمان المنجي من الخلود في النار وذلك لأن آخر أهل الجنة دخولاً للجنة هو يقيناً آخر أهل النار من الموحدين خروجا من النار ، لذلك ذهب الفقهاء إلى جمع هذه الأحاديث من كتب الصحاح والسنن وتتبعها والتوفيق بينها لبيان الحد الواضح لأدنى الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار ، وقد بينت هذه الأحاديث أن للشفاعة مراحل عدة : المرحلة الأولى :شفاعات المؤمنين وهذه  للمصلين يعرفونهم بأثر السجود فالنار لا تأكل  منهم أثر السجود ، والمرحلة الثانية : شفاعات الملائكة لمن بقي من المصلين لا يعرفهم المؤمنون فيخرجونهم أيضاً ويعرفونهم بأثر السجود ، والمرحلة الثالثة : شفاعات النبيين وهي ولا شك لمن كان حالهم أدنى وأسوأ من سابقيهم ممن أخرجهم المؤمنون والملائكة ، والمرحلة الرابعة : شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم وهي ثلاث تنال آخرها من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجهم من النار ، والمرحلة الأخيرة : وفيها يطلب النبي صلى الله عليه وسلم من الله عز وجل الشفاعة الرابعة له وهي في حق من اقتصر على قول لا إله إلا الله معتقداً لها مجردة عن الأعمال فيأبى الله عز وجل ذلك له لأنها شفاعة لا تنبغي إلا لله سبحانه أرحم الراحمين فيقـول الله عـز وجـل كما جاء في الحديث : (( لـيس ذاك إليـك وعزتي وكبريـائي وعظمـتي وجبريائي لأخرجـن مـن قال لا إله إلا الله ))  ، فالذي يدل على شفاعات المؤمنين وأنها تنال المصلين : ما أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه (( وإذا رأوا أنهم قد نجو في إخوانهم يقولون : ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا فيقول الله تعالى اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه ويحرم الله صورهم على النار فيأتونهم وبعضهم غاب في النار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه فيخرجون من عرفوا  ..)) الحديث [ أخرجه البخاري ح 7439 ] ، والذي يدل على شفاعات الملائكة وأنها تنال المصلين : ما أخرجه البخاري عن الرسول – صلى الله عليه وسلم – الحديث وفيه ((… حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرج ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله أمر الملائكة أن يخرجوهم فيعرفونهم بعلامة السجود فيخرجونهم قد امتحشوا فيصب عليهم ماء يقال له ماء الحياة فينبتون نبات الحبة في حميل السيل …)) الحديث[ أخرجه البخاري ح 6573 ] ، والذي يدل على شفاعات الأنبياء : ما أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – الحديث وفيه ( فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً قد امتحشوا ) الحديث [ أخرجه البخاري ح 7439 ] ، والذي يدل على شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم الثلاث : ما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحديث وفيه : فأقول : يا رب ، أمتي أمتي ، فيقال : انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان ، فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجداً فيقال : يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك ، وسل تعط ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب أمتي أمتي . فيقال : انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان . فانطلق فافعل ثم أعود فاخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان . فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجداً فيقال : يا محمد ، ارفع رأسك وقل يسمع لك ، وسل تعط ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب أمتي أمتي فيقول : انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار من النار من النار ، فأنطلق فأفعل …" [ البخاري : ح 7510 ومسلم : ح 326 ].فدل الحديث على أن هناك ثلاث شفاعات للنبي صلى الله عليه وسلم :الأولى : لمن كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان ، والثانية : لمن كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان ، والثالثة : لمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردلة من إيمان  ، والذي يدل على شفاعة الرحمن وأنها تعم كل من اقتصر على قول لا إله إلا الله المجردة عن الأعمال :  تتمة حديث أنس الذي أخرجه البخاري ومسلم في الشفاعة وفيه " … ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً  فيقال لي : يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع . فأقول : يا رب ائذن لي فيمن قال : لا إله إلا الله قال : ليس ذاك لك ( أو قال ليس ذاك إليك ) ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال : لا إله إلا الله "[ متفق عليه واللفظ لمسلم ] ، وما أخرجه البخاري– رحمه الله – في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه وفيه : " يشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار : بقيت شفاعتي ، فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً قد امتحشوا ، فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له : ماء الحياة ، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل ، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة ، إلى جانب الشجرة . فما كان إلى الشمس منها أخضر ، وما كان منها إلى الظل كان أبيض ، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ فيجعل في رقابهم الخواتيم ، فيدخلون الجنة فيقول أهل الجنة : هؤلاء عتقاء الرحمن ، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه فيقال لهم : لكم  ما رأيتم ومثله معه " [ صحيـح البخاري ك التوحيد باب / 24 ح 7439 ] ، وما أخرجه مسلم–  رحمه الله – في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري أيضاً وفيه : " فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومـاً لم يعملوا خـيراً قـط ,, يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه " [ صحيـح مسلم كتاب الإيمان باب 81 ح 302 ] ، فالشفاعة الرابعة لا تنبغي إلا لأرحم الراحمين لأنها تعم كل من اقتصر على قول لا إله إلا الله المجردة عن الأعمال كما دل على ذلك لفظ الحديث في الشفاعة الثالثة وأنها تتناول صاحب أدنى عمل زائد على أصل التوحيد ، والشاهد لهذه الشفاعة الرابعة وأنها لا تنبغي إلا لله ما جاء في حديث مسلم –   رحمه الله –(( فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله قال : ليس ذاك لك ( أو قال ليس ذاك إليك ) ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله ))[ مسلم : ح326 ] ، والذي يؤكد يقيناً أن صاحب هذه الشفاعة الرابعة جاء بالإقرار المجرد عن الأعمال تماماً ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري والشاهد منه (( فيقول الجبار بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً قد امتحشوا … إلى قوله فيدخلون الجنة فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم ا لجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه )) [ البخاري : ح 7439 ]فأهل الجنة يصفون أصحاب القبضة بأنهم دخلوا الجنة بغير أعمال عملوها ولا خيرات قدموها ، وهو  كما جاء بالحديث الأول، والأكثر دلالة منهما على خروج الأعمال عن حد إيمان أصحاب القبضة حديث مسلم رحمه الله : (( فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج قوماً لم يعملوا خيراً قط ))[ مسلم : ح 302 ] ، فالحديث صريح الدلالة على أن إيمان أصحاب القبضة كان مجرداً عن الأعمال لقوله صلى الله عليه وسلم(( لم يعملوا خيراً قط )) وفيه نفي مؤكد بلفظ ( قط ) بمعنى لم يعملوا خيراً أبداً ، ويؤيد ذلك ويؤكده مجموع الأدلة المأخوذة من الأحاديث السابقة لهذا الحديث ، فكلها قد تضافرت على إثبات إيمان مجرد من الأعمال لأصحاب القبضة الذين هم أقل الخلق إيماناً وآخر أهل الجنة دخولاً ، وما أقوله من الاستدلال بهذه الأحاديث على هذا النحو ليس بدعاً من القول بل هو ما قاله العلماء منذ تعرضهم لشرح أحاديث الشفاعة والاستدلال بها ،  قال القاضي عياض : عند قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث عن رب العزة سبحانه (( لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله )) " فهؤلاء هم الذين معهم مجرد الإيمان ، وهم الذين لم يؤذن في الشفاعة فيهم ، وإنما دلت الآثار على أنه أذن لمن عنده شيء زائد على مجرد الإيمان وجعل للشافعين من الملائكة والنبيين صلوات الله وسلامه عليهم دليلاً عليه وتفرد الله عز وجل بعلم ما تكنه القلوب والرحمة لمن ليس عنده إلا مجرد الإيمان "[ نقله عنه النووي في شرح مسلم ج 439 ط الشعب ] أهـ  ، وتبقى بعد هذه الأحاديث وقفة مهمة جدا جدا تحتاج إلى فقه وبصيرة : وهي هل النجاة من الخلود الأبدي في النار والمتحققة في الأحاديث السابقة تتناول من اقتصر على قول لا إله إلا الله فقط أم أنها تتناول القائل لها بلسانه والمعتقد لها بقلبه والاعتقاد يتناول قول القلب ( التصديق ) وعمله وهو ( الانقياد ). والإجابة على هذا السؤال يسيرة واضحة وهي أنه لا يصح الإقرار إلا بالتصديق وإلا كان المنافقون مؤمنين ، ولا يصح التصديق إلا بالانقياد و إلا كان إبليس الرجيم مؤمناً فقد كـان كفره كفر إباء وعناد واستكبار ، فمما يدل على أنه لا يصح الإقرار إلا بالتصديق : قوله عز وجل { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}[ البقرة : 8 - 9 ] وقوله جل شأنه : {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ}[ النساء : 142 ] وقوله جل شأنه : {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}[ المنافقون : 1 ] وقوله جل شأنه {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا}[ النساء : 145 ]فهذه الآيات جميعها دلت على أن الإقرار لا يصح بلا تصديق وأن صاحبه منافق نفاق اعتقادي حاله في النار أسوأ من حال الكفار الأصليين لأنه في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لأحد منهم منقذاً من النار ولا نصيراً ، ودخول التصديق( ومنه المعرفة والعلم ) في أصل الإيمان أمر أجمع عليه أهل السنة حتى قال الإمام أحمد بن حنبل : " وإن جحد وقال لا يحتاج ( أي الإيمان ) إلى المعرفة والتصديق فقد قال قولاً عظيماً ولا أحسب أحداً يدفع المعرفة والتصديق " نقله عنه ابن تيمية في كتابه الإيمان ، وعلق عليه بقوله : " وأحمد ذكر أنه لا بد من المعرفة والتصديق مع الإقرار وقال إن من جحد المعرفة والتصديق فقد قال قولاً عظيماً ، فإن فساد هذا القول معلوم من دين الإسلام ولهذا لم يذهب إليه أحد قبل الكرامية ، مع أن الكرامية لا تنكر وجوب المعرفة والتصديق"[ الإيمان لابن تيمية ص 377 ] ، ومما يدل على أنه لا يصح الإقرار والتصديق إلا بالانقياد القلبي : ما جاء في كتاب الله تعالى عن كفر إبليس الرجيم مع أنه يقيناً كان مصدقاً وإنما أتى كفره من قبل عدم الانقياد وليس من قبل التكذيب كما ذكر ذلك المولى تعالى في سورة البقرة بقوله تعالى {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [ البقرة : 34 ] وفي سورة الإسراء نجد قول الله تعالى : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا } [ الإسراء : 61 - 62 ] . في الآيات دلالة واضحة على أن كفر إبليس إنما هو لمعاندة أمر الله تعالى وليس لتكذيبه والمعاندة واضحة في قوله ( أأسجد لمن خلقت طيناً ) ، فهذا معاندة للأمر واستكبار عن اتباعه وليس هو من باب التكذيب أبداً  ، وفي سورة ص نجد قول الله تعالى : { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ }[ ص : 71 - 85 ] . وفي هذه الآيات دلالات عديدة على تصديق إبليس وأنه إنما أتي من قبل انتفاء عمل القلب وهو انقياده وإذعانه لأمر الله ، وبالتالي استكباره عن طاعة الله وهذا هو كفر إبليس الحقيقي ، ومعصية إبليس لم تكن في ترك السجود وإلا فقد أكل آدم من الشجرة بعد أن نهاه الله تعالى عنها ولكنه عصى الله بجوارحه وقلبه منقاد لأمر الله يعلم أنه ما كان ينبغي له مخالفة أمر الله في شيء ولذلك لما تاب وأناب تاب الله تعالى عليه ، أما إبليس فلم يكن تركه للسجود معصية جارحة وإنما هو استكبار القلب وعناده وخلوه عن الانقياد لأمر الله فاستحق الكفر والرجم  ، ولو نظرنا إلى الآيات لوجدناه يخاطب الله عز وجــل بقوله " رب فأنظرني إلى يوم يبعثون " فهو مصدق بالله بربوبيته له وللعالمين أجمعين ، ولم يكن مكذباً بشيء من ذلك أبداً بل هو يحلف بعزة الله ويعلم أنها صفة جليلة للرحمن سبحانه فيقول " فبعزتك لأغوينهم أجمعين " ومن ذلك كله نعلم يقيناً أن التصديق المجرد لا ينفع بشيء حتى يضاف إليه انقياد القلب وإذعانه وخضوعه لأمر الله  ، وكذلك ما جاء في كتاب الله تعالى عن كفر فرعون وقومه مع أن الكتاب الكريم أشار إلى تصديق قلوبهم بقوله تعالى في حق فرعون وقومه : {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ }[ النمل : 13 - 14 ] فكما ذكر القرآن الكريم أنهم استيقنوا بآيات الله ، واليقين أعلى درجات التصديق القلبي . ومع ذلك فكان كفرهم الحقيقي هو كفر الجحود جحود اللسان عن الإقرار بما صدقه بقلبه ، وجحود القلب عن الانقياد والإذعان والخضوع لما صدقه بقلبه  ، وجاء في كتاب الله تعالى عن كفر اليهود قال تعالى : {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}[ البقرة : 146 ] وقال تعالى : {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }[ البقرة : 109 ] . وقال تعالى : {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ }[ البقرة 89 – 90 ] . فدلت الآيات الكريمات على أن اليهود قد تبين لهم الحق وأنهم يعرفونه بقلوبهم معرفة لا شك فيها ، بل قد جاء في السنة ما يدل على أن بعضهم أقر برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وأقر أنه يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي ولكن لما كان الإقرار والتصديق مجرداً خالياً من انقياد القلب وخضوعه وإذعانه لأمر الله ونهيه ، دل ذلك على أنهم لم ينفعهم تصديقهم ولا إقرارهم بشيء إذ خلا قلبهم من عمله الداخل في أصل الإيمان ألا وهو الانقياد القلبي لدين الله والطاعة القلبية لأمر الله ونهيه ، وعلى ذلك فإقرار أصحاب القبضة الذين يخرجهم الله عز وجل من النار بشفاعته لنفسه سبحانه لا يصح إلا باعتقاد ما أقروا به من توحيد الله عز وجل والاعتقاد قول وعمل يتناول قول القلب ( ومنه المعرفة والعلم والتصديق ) وعمل القلب ( ومنه الانقياد والخضوع والإذعـان ) , وهذا هو إجماع أهل السنة لا خلاف بينهم فيه ، قال ابن القيم : " إذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة ، فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب وهو محبته وانقياده كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول ، بل ويقرون به سراً وجهراً ويقولون ليس بكاذب ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به " [ الصلاة وحكم تاركها ص 25 ط . دار الحديث ] أ.ه فإجماع أهل السنة على أن الإيمان لا يصح إلا بالتصديق والانقياد وأن التصديق المجرد لا ينفع بشيء مع انتفاء عمل القلب وهو الانقياد , وعلى ذلك : فعناصر الأصل ثلاثة هي : (1)  إقرار اللسان (2)  قول القلب ( التصديق ) (3) عمل القلب ( الإنقياد ) ، وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الإيمان الأصل داخلة في الإيمان الواجب ، فلا مجال لتكفير المسلم الكفر الأكبر إلا بما ينقض أصل الإيمان من التصديق والانقياد والإقرار ، وهذه من أعظم ضوابط أهل السنة والجماعة في الباب ، ، وقد اتفقت المدارس المتخصصة في العقيدة على منهاج أهل السنة والجماعة ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) بعلمائها وهم على مر عصور الإسلام سواد أهل العلم الأعظم ، على أن حد الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار هو قول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وقول اللسان ( الإقرار ) ، ونسب غالبهم هذا التحديد إلى دلالات الكتاب والسنة وإلى قول السلف ويشيرون إلى أنه مذهب أهل الحق الفرقة الناجية ، ومن أقوال علماء أهل السنة في ذلك : ما نقله البدر العيني في كتابه عمدة القارئ شرح صحيح البخاري عن الإمام الشافعي– رحمه الله – أنه قال : (  الإيمان هو التصديق والإقرار والعمل فالمخل بالأول وحده منافق والمخل بالثاني وحده كافر والمخل بالثالث وحده فاسق ينجو مـن الخلـود في النـار ويدخل الجنـة ) ،   وقال الإمام النووي ( ت 676 هـ ) : " واتفق أهل السنّة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك ، ونطق بالشهادتين فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلاً " [ شرح مسلم ج1/2 11 ] ، وقال ابن حجر العسقلاني  :  السلف قالوا هو اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله ومن هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقص  ، وخلاصة القول : عناصر أصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر ثلاثة هي : (1)  إقرار اللسان (2)  قول القلب ( التصديق ) (3) عمل القلب ( الانقياد والتعظيم ) ، وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الإيمان الأصل داخلة في الإيمان الواجب ، فلا مجال لتكفير المسلم الكفر الأكبر إلا بما ينقض أصل الإيمان من التصديق والانقياد والإقرار ، وهذه من أعظم ضوابط أهل السنة والجماعة في الباب

[  9  ]  عناصر أصل الإيمان ثلاثة لا رابع لها ، هي :  إقرار اللسان ، وقول القلب ( التصديق ) ، وعمل القلب ( الانقياد ) ، ولا يمكن أن يستغني الأصل عن أحد تلك العناصر الثلاث ، أما عمل الجارحة فهو خارج عن الأصل داخل في الإيمان الفرع فإن كان واجبا دخل في الفرع الواجب وإن كان مستحبا دخل في الفرع المستحب ، وصاحب هذا الأصل وإن كان له اسم الإيمان وحكمه إلا إنه إن وقف على هذا الحد لا يزيد عليه ولا يتعداه إلى شعب الإيمان الواجب فهو في حقيقة أمره على شفا حفرة من الهلاك وعلى شفا جرف هار من الكفر ، لأن الإيمان يزيد وينقص ، وهذا الواقف على أصل الإيمان لا يتعداه بالزيادة إن نقص إيمانه دخل في الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، كما أنّ الله عز وجل لم يمتدح إلا أصحاب الإيمان الواجب الذين يؤدون ما أوجبه الله عز وجل عليهم من أعمال الإيمان ، قياماً بالواجبات وكفاً عن المحرمات ، أما هذا الواقف على أصل الإيمان لا يتعداه فإنه إن مات عليه فهو من أهل الوعيد بالنار ، بل دلت الأحاديث الصحيحة على أنه يدخل النار ، بل وأنه أسوأ أهل النار – الذين لا يخلدون فيها – حالاً فلا تنفعه شفاعة المؤمنين ولا شفاعة الملائكة ولا شفاعة النبيين ، بل ولا شفاعة خير المرسلين صلى الله عليه وسلم ، حتى تناله شفاعة الرحمن فيخرج مع أصحاب القبضة لما أتى به من أصل الإيمان ، ثم إننا لا ينبغي أن نستهين بدخول النار فإن غمسة واحدة في النار لا تساويها لذة الدنيا بأسرها ، بل إن داخل النار لو أن له ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدى به من سوء العذاب يوم القيامة ، وهو لا يملك ذلك ، ولو ملكه لما قبل منه ، بل وبدا له من عذاب الله ونكاله ما لم يكن في حسبانه ولا خطر على باله نسأل الله عز وجل السلامة من النار ومن عذاب النار كدعاء عباد الرحمن المؤمنين قبلنا{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ً }[ الفرقان : 65 - 66 ] ودعاؤهم {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}[ آل عمران : 192 ]فأي خزي أعظم من دخول النار التي هي عنوان سخط الله وغضبه ، وقد جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس –رضي الله عنهما – ((أن النبي صلى  الله عليه وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن قولوا اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم…. الحديث ))[ أخرجه مسلم ] ، وجاء في صحيح البخاري عن أنس – رضي الله عنه : ( كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }[ أخرجه البخاري ] ، الشاهد من ذكر ذلك أن أمر النار عظيم ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون وإلا صرنا كاليهود الذين وصفهم الله عز وجل بقوله{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } [ البقرة : 74 ] حيث قالوا {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً }[ البقرة :80 ] استهانوا بعذاب النار التي هي سخط الله وغضبه وعقابه وعذابه فكان عاقبة استهانتهم أن ختم الله تعالى على قلوبهم ، فكانوا يعرفون الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ومع ذلك ضرب الله على قلوبهم فكفروا به فلعنة الله على الكافرين فصاروا من الخالدين المخلدين في النار أبداً نسأل الله السلامة ، وخلاصة القول : أن الحد الأدنى للإيمان هو الأصل الأهم الذي ينبغي أن يبدأ به صاحب الإيمان فيحسنه حتى ينجو من الكفر الأكبر ومن الخلود الأبدي في النار وحتى يأخذ به اسم الإيمان وحكمه ، ولكن عليه ألا يقف عند حده بل ينبغي أن يتعداه إلى الإيمان الواجب المتمثل في أداء الواجبات والكف عن المحرمات والذي امتدح الله عز وجل أصحابه ووعدهم به الجنة ، وعافاهم به من دخول النار ، فإن استوفاه وأراد أن يحظى بالمنازل العالية والدرجات السامية فعليه أن يتعداه إلى الإيمان المستحب الأكمل الذي يتناول أداء الواجبات والقربات والكف عن المحرمات والمنهيات والمسارعة إلى الخيرات حتى يكون من عباد الله السابقين المقربين ، والحذر الحذر من الوقوف على حد الإيمان الأدنى لا يزيد عنه لأن الإيمان على مذهب أهل الحق – أهل السنة والجماعة ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، وصاحب هذا الحد الأدنى لا طاعة  تزيد إيمانه، وهو إلى النقصان بالتقصير أقرب. والحد الأدنى من الإيمان لا يقبل النقصان في إطار الإيمان فإذا نقص زال الإيمان بالكلية وحل محله الكفر الأكبر نعوذ بالله من الخسران ،  ومع كل ما سبق : فإن صاحب الحد الأدنى له اسم الإيمان وحكمه ، وهذا دين الله عز وجل الذي أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتلك هي رحمة الرحمن التي وسعت كل شيء ، وذلك هو الفقه الأكبر في دين الله عز وجل في مسائل الإيمان والكفر ، لأنه الضابط للحد الفاصل بين الإيمان والكفر وصاحبه يستحق اسم الإيمان لاحتفاظه بأصله ، والمقصر عنه في إطار الكفار المخلدين في نار جهنم أبد الآبدين ، ( تنبيه ) : ليس مقصود فقهاء وعلماء أهل السنة والجماعة الراسخون في العلم والفقه والدين بهذا الفصل بين أصل الإيمان وواجبه ومستحبه الاستهانة ببعض عناصر الإيمان -  حاشا لله بل هو الميزان الذي أنزل الله عز وجل به دينه وشرعه وملته الحنيفية السمحة ، وإذا علمنا أن عمل الجوارح عند أئمة أهل السنة المقتدى بهم في الدين والمحققون لمسائل الإيمان والكفر لا يدخل منها في أصل الإيمان شيء  عدا إقرار اللسان لأنه لازم لأصل الإيمان ، وأن جميعها يدخل في إطار الواجب ثم المستحب ، وتارك عمل الجارحة متى ما أتى بالاعتقاد والانقياد والإقرار فهو من أهل الوعيد بالنار يمكث فيها ما شاء الله له أن يمكث حتى يخرج آخرهم بشفاعة الرحمن سبحانه وهم أصحاب القبضة ، أقوام لم يأتوا إلا بأصل الإيمان ولم يعملوا خيراً قط ، إذا علمنا ذلك ، علمنا الميزان الذي ميز الله عز وجل به القلب عن سائر الجوارح وجعله محل الإيمان كما يفهم من مثل قوله تعالى{حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ } [ الحجرات : 7 ] وقوله تعالى {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [ المجادلة : 22 ] وقوله تعالى {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [ النحل :106 ] وقوله صلى الله عليه وسلم (( ألا في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله )) وليس المقصود بذلك – عند علماء الأمة – تقليل قيمة أعمال الجوارح فقد ذكرت في المبحث السابق أن غمسة في النار تعدل الدنيا وما فيها من لذة فما بالنا بمن يلبث في النار أحقاباً ويتعرض لغضب الله وسخطه ، ولكنه الميزان الرباني المعجز الذي أبى أن يسوي بين  الجاحدين وبين المقرين المصدقين المنقادين بقولهم ، فإذا كان هذا وذاك يخلدان في النار خلوداً أبدياً فقد سوت الشريعة الحكيمة بين الجاحد والمعتقد وشتان بينهما ، فالأول إذا قيل له لا إله إلا الله يستكبر ويقول أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون ، أما الثاني فإنه يقول لا إله إلا الله ويقر بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ويشهد أنه رسول الله الذي يتوجب طاعته واحترامه وإجلاله . والشريعة لا تسوي أبداً بين الحالتين ، وهكذا تظهر حكمة الشرع في عقاب المذنبين وإن كانوا من أهل الإيمان وتظهر – رحمة الرب سبحانه في إخراج أصحاب أصل الإيمان المقرين المنقادين من النار بعدما أخذوا عقابهم إلى الجنة وإن لم يعملوا خيراً قط ، والشاهد من ذلك كله أن من فوائد معرفة الحد الأدنى للإيمان معرفة الميزان الشرعي وحده الشرعي الذي قررته لنا الشريعة الغراء والملة الحنيفية السمحة . وكفي بذلك فقهاً عظيماً في مسائل الإيمان وفي مسائل أسماء الملة وأحكامها وهذا هو الفقه الأكبر في دين الله تعالى ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين

[  10  ]  من فقه مسائل وأحكام الإيمان الكامل  : أن نعلم أنّ الإيمان الكامل قسمان : ( الأول ) : وهو الإيمان الكامل الكمال المأمور به وهو بأداء الواجبات والكف عن المحرمات إضافة إلى عناصر الأصل والتي لا يصح الإيمان إلاّ بها ، وهذا الإيمان يسميه العلماء " الإيمان الواجب " وهذا الإيمان هو إيمان المقتصد الذي يؤدي الواجب الذي عليه ويكف عن المحرمات التي نُهي عنها ، و ( الثاني ) : وهو الإيمان الكامل الكمال المستحب وهو بأداء السنن والمندوبات والتنزه عن المكروهات فضلاً عن أداء أصل الإيمان وواجبه ، وهذا الإيمان هو إيمان المحسنين السابقين إلى الخيرات بإذن الله عز وجل ، والإيمان الكامل هو الإيمان المقصود بالثناء المطلق كما في قوله تعالى : {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا }[ الأحزاب : 47 ]وقوله تعالى : { وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }[ التوبة : 72 ] ، وذلك لأن الإيمان الكامل هو الإيمان المطلق الذي يمنع صاحبه من دخول النار ابتداء ويهيمنُ صاحبه لدخول الجنة ابتداء ، وهذا هو الواجب منه أما المستحب فإنما يرفع درجة صاحبه في عِلِّيّين ، وحدود الإيمان الواجب : أداء الفرائض ، والكف عن المحرمات ، والوقوف عند حدود الله دون تعد لها ، ودرجات الإيمان المستحب عديدة : تتمثل في أداء السنن والمستحبات والقربات ، والتنزه عن الشبهات والمكروهات ، وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح ، فإذا ما حقق العبد الإيمان الواجب فأدى كل ما وجب عليه وانتهى عن كل ما حرم عليه ظاهراً وباطناً فقد استحق اسم الإيمان المطلق ، فإن مات على ذلك دخل الجنة بلا عذاب ، فإذا زاد العبد على ذلك ما شاء الله له أن يزيد ، بأن اجتنب المكروهات ونأى بنفسه على المشتبهات ، وأتى بالمستحبات بقدر ما ييسر الله له ذلك ، فقد دخل في دائرة الإيمان الكامل المستحب ، وتفاوت العباد في هذه المرتبة يقابله تفاوتهم في درجات الجنة ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، ولا ينفى الإيمان في النصوص إلا في مجال ترك الأفعال الواجبة ، فإن تارك الأفعال المستحبة لا ينفى عنه الإيمان ، فإذا ما نفت النصوص الإيمان عند انعدام بعض الأفعال علم أنها واجبة وأن تاركها معرض للوعيد ، وإن ذكر فضل إيمان صاحبها ولم ينف إيمانه دل على أنها مستحبة، وحاصل المستفاد من تلك القاعدة ما يلي : من حقق أصل الإيمان نجا من الكفر الأكبر ونجا من الخلود الأبدي في النار ، إذا زاد العبد عن الأصل فأدى كل ما وجب عليه وانتهى عن كل ما حرّم عليه فقد حقق الإيمان الواجب واستحق اسم الإيمان المطلق ، إذا مات العبد على الإيمان الواجب دخل الجنّة بلا عذاب ، فإن زاد العبد على الواجب بأداء المستحبات والنأي عن الشبهات واجتناب المكروهات فقد دخل في دائرة الإيمان الكامل المستحب ، أصل الإيمان الكامل المستحب متفاوتون في المنازل والدرجات تفاوتاً شديداً وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، الإيمان إذا أطلق في نصوص الشرع فإنه يدخل فيه الإيمان الواجب والمستحب ، الإيمان إذا نفي في نصوص الشرع فالمقصود به الإيمان الواجب دون المستحب ، الإيمان إذا نفي في نصوص الشرع فالمقصود به الإيمان الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة ، الإيمان بهذا التقسيم ثلاثة مراتب الظالم لنفسه وأدناه الوقوف على أصل الإيمان لأنه ليس بعده إلاّ الكفر الأكبر ، ثم المقتصد وهو المؤدي للواجبات الكاف عن المحرمات ، ثم السابق بالخيرات بإذن الله وهو مرتبة الإيمان الكامل المستحب ويصدق ذلك قوله تعالى {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}[ فاطر : 32 ] .

[  11  ]  فقـه مسائل الإيمان الواجب والمستحب : من فقـه مسائل الإيمان الواجب  : أن نعلم أنّ الإيمان إذا أطلق في نصوص الشرع ( الكتاب والسنّة ) فإن أدنى ما يتناوله هو الإيمان الواجب الذي أوجبه الله على عباده ، وإذا نفي في نصوص الشرع فالمقصود به نفي الإيمان الواجب ، ومن نفى عنه الشرع الإيمان الواجب لم يخرج من الإيمان إلى الكفر ولكن من الإيمان إلى الإسلام  ، وهذه القاعدة بينة واضحة في كثير من كتابات علماء أهل السنة والجماعة رحمهم الله ، أذكر منها على سبيل المثال : قال ابن عبد البر : " قول رسول الله  صلى الله عليه وسلم (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن يريد مستكمل الإيمان ولم يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر )) "[ التمهيد لابن عبد البر ج4 / 237 ] ، قال النووي في شرح قوله صلى الله عليه وسلم (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه أو قال لجاره ما يحب لنفسه )) قال العلماء رحمهم الله معناه لا يؤمن الايمان التام والا فأصل الايمان يحصل لمن لم يكن بهذه الصفة " [ شرح النووي على صحيح مسلم ج2 / 16 ] ،  وحدود هذه المرتبـة تتمثـل في : القيام بالفرائض والواجبات ، والكف عن الكبائر والمحرمات ، والوقوف عند حدود الله تعالى في الأمر والنهي والحظر والإباحه ، وغالب أوامر ونواهي القرآن الكريم تدخل في إطار الأمر بتحقيق هذه المرتبة ولذلك كانت مبتدئه بنداء المولى سبحانه{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } ومعناه كما نقلنا معناه عن الإمام البيهقي وغيره " يا أيها الذين أتوا بأصل الإيمان من الإقرار والاعتقاد" وجب عليكم من أعمال الإيمان أو حرّم عليكم من أعمال الفسوق والعصيان كذا وكذا ، وهذا الإيمان الواجب هو الذي مدح الله تعالى أصحابه ووعدهم به الجنة ابتداء وبشرهم بالفضل الكبير والمكانة الصادقة ، وأكثر ما في القرآن من الآيات المسبوقة بقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } هي في إطار الإيمان الواجب . فإمّا أن تأمر بواجب أو تنهى عن محـرّم أو تحـد حـداً من شـرع الله . نسأل الله عز وجل أن يعيننا على القيام بحق مرتبة الإيمان الواجب وأن يجعلنا من عباده المؤمنين ، ومن فقـه مسائـل الإيمـان الكامـل المستحـب  :  أنّ نعلم أنّ الإيمان الكامل المستحب هو مرتبة المحسنين ، وهـذه المرتبة العالية التي يسميها العلماء مرتبة الإحسان وذلك لحديث النبي صلى الله عليه وسلم المشهور وفيه : (( فأخبرني عن الإحسان ؟ قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) [ أخرجه مسلم ]  .ويسميها العلماء كذلك مرتبة السابق بالخـيرات وذلـك لقـوله تعـالى : {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ }[ فاطر : 32 ] ويسميها العلماء كذلك مرتبة المقربين لقوله تعالى : {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ *أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ  * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ }[ الواقعة : 10 - 12 ] ، ومرتبة الإحسان هي أعلى مراتب الإيمان ، وهي مرتبة الصديقين والسابقين والمقربين والمسارعين إلى عمل الخيرات والمتنافسين في القرب من رب العباد ونيل رضوانه . وهي مرتبة العارفين بالله السالكين طريقه الخائفين من مقامه وعذابه والطامعين في رضوانه والراجين لرحمته . وهي مرتبة القوامين بالليل الصوامين بالنهار المجاهدين في سبيل الله لا تأخذهم فيه لومة لائم . وهي مرتبة الدعاة إلى الله السالكين نهج النبي صلى  الله عليه وسلم الحاملين دعوته إلى الناس جميعاً . وهي مرتبة أئمة العلماء العاملين وأئمة المحتسبين والمجاهدين وجميع المسارعين في الخيرات المتنافسين في مرضاة الرحمن ، وحدود مرتبة الإحسان : مرتبة الإحسان هي مرتبة الإيمان الكامل المستحب الجامع لكافة شعب الإيمان بأصله وفرعه ، وعلى ذلك فالإحسان إتمام الإيمان الواجب ثم الزيادة عليه بأداء النوافل والسنن والمندوبات والتنـزه عن المكروهات والشبهات وهو إحسان الاعتقاد والعمل وتصويبه وإخلاصه وإتقانه ابتغاء مرضاة الله ، ولمرتبة الإحسان درجات عظيمة متفاوتة تبدأ بالمراقبة وهي تُعلم من قوله صلى الله عليه وسلم (( فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) ويندرج المحسن في منازلها حتى يبلغ مرتبة المشاهدة وهي كما قال صلى الله عليه وسلم (( أن تعبد الله كأنك تراه )) . فالمراقبة تكون بمراقبة الله تعالى في الأعمال الظاهرة والباطنة مع اليقين الدائم بأن الله يراك في كل حين فتحسن العمـل وتخلصـه وتتقنـه لله . ويدرج المحسن بعد ذلك في منازل الإحسان عن طريق إتقان مقامات القلوب من التوبة والزهد والفقر والصبر والتوكل والرضا وإحسان أعمال القلوب من التقوى والمحبة والخوف والرجاء والخشية والإنابة والصبر والشكر والتقوى . وعن طريق العبادات والقربات والطاعات من الصلاة والصيام والصدقة والإنفاق والقيام وتلاوة القرآن ، وعن طريق التنـزه عن المكروهات فضلاً عن المحرمات ، واتقاء الشبهات واجتناب الصغائر فضلاً عن الموبقات ، فبإحسـان أعمال القلب ، وبإحسـان أعمال اللسان ، وبإحسـان أعمـال الجـوارح لا يزال العبد يتقرب إلى الله حتى يُنعم عليه بالصعود في منازل الإحسان وأعلى تلك المنازل منزلة المشاهدة وهي (( أن تعبد الله كأنك تراه )) ، ومهما وصل العبد في القربى من الله ، وفي المعرفة والعلم وفي العبادة والطاعة ففيه تقصير ، وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابين ، وأهل مرتبة الإحسان السابقون بالخيرات ، قد يُقصّر أحدهم في أوراده العبادية أو العلمية أو العملية فيكون ذلك في حقهم تقصير ، وكما قيل( حسنات الأبرار سيئات المقربين ) ، وقد يكون منهم اللمم الذي وعدهم الله عليه المغفرة بقوله :  {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [ النجم : 32 ] ،

[  12  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ الإيمان الاعتقادى يضاده الكفر الاعتقادى ، والإيمان العملي يضاده الكفر العملي ، والكفر العملي لا يخرج المسلم من الدائرة الإسلامية ، والملة بالكلية ، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان ،  قال النووي : في شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم : (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) : " أما قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أهل الحق كفراً يخرج من الملة ، كما قدمناه في مواضع كثيرة إلا إذا استحله ، إذ تقرر هذا في تأويل الحديث أقوال أحدها أنه في المستحل والثاني أنّ المراد كفر الإحسان والنعمة وأخوة الإسلام لا كفر الجحود والثالث أنه يؤول إلي الكفر والرابع أنه كفعل الكفار  " [ صحيح مسلم بشرح النووي ج 2/54 ]أهـ ، وقال النووي  أيضاً : وذلك عند شرحه لحديث النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض))  ما نصه : "قيل معناه سبعة أقوال : أحدهما أن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق ، والثاني المراد كفر النعمة وحق الإسلام ، والثالث أنه يقرب من الكفر ويؤدى إليه ، والرابع أنه فعل كفعل الكفار ، والخامس المراد حقيقة الكفر ومعناه لا تكفروا بل دوموا مسلمين والسادس حكاه الخطابي وغيره المراد بالكفّار المتكفرون بالسلاح ، يُقال تكفر الرجل بسلاحه ، إذا لبسه ثم نسب إلي الأزهري قوله في كتابه حديث اللغة : يقال للابس السلاح كافر والسابع قاله الخطابي معناه لا يكفر بعضكم بعضاً فتستحلوا قتال بعضكم  " [ صحيح مسلم بشرح النووي ج 2/55 ] أهـ ، وإنما أورد الإمام النووي هذه التأويلات جميعاً ليدلنا على أن ظاهر الحديث لم يقل به أحد من علماء أهل السنّة والجماعة وإلا وقع الناس فيما وقعت فيه الخوارج من قبل من تكفير المسلمين بالمعاصي والآثام ، وقد أطال رحمه الله في سرد التأويلات وحاصله أن المقصود به كفر دون كفر ، أي كفر في إطار الملة لا يخرجه عن اسم الإسلام وحكمه ، وإنما عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم { بالكفر } ليدلنا على وخامة هذا الفعل وخطورة عاقبته التي قد تؤول بصاحبه إلي خذلان الله عز وجل له فيضرب على قلبه قبل الموت ، فيموت كافراً ، نسأل الله السلامة وحسن الختامة ، وليس بعد هذا التحذير النبوي البليغ من تحذير ، وليس بعد ترهيبه من هذا الفعـل مـن ترهيب ، وقد أوتى النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم وهو أبلغ من نطق بالعربية ـ لغة القرآن  الكريم ـ بإجماع ، فجمع الترهيب والتحذير ، وبيان خطورة العاقبة في كلمة ( الكفر ) وهو صلى الله عليه وسلم يعلم يقيناً أن علماء أمته سيحملونها على محاملها الصحيحة لا سيما ودليلهم القرآن الكريم يدلهم على أنّ القاتل المسلم له اسم الإسلام وحكمه وله أخوة الإيمان ورابطته فدّل على أنه ليس بكفر ينقل من الملة ، ولكن هو كفر في إطار الملة ، 

[  13  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ هناك فرق واسع بين الكفر الأكبر وبين الكفر دون كفر ، ف ( الكفر الأكبر ) : هو الكفر المناقض لأصل الإيمان ( الإقرار والتصديق والانقياد ) ، ولهذا كان ستة أنواع منها ما يضاد الإقرار ومنها ما يضاد التصديق ومنها ما يضاد الانقياد : فكفر التكذيب يضاد الإقرار والتصديق ، وكفر الجحود يضاد الإقرار ، وكفر العناد ومنه الاستكبار والإباء يضاد الانقياد ، وكفر الشك يضاد التصديق ، وكفر النفاق يضاد التصديق ، وكفر الإعراض يضاد الإقرار والتصديق ، وكل ما يناقض أصل الإيمان فهو كفر أكبر مخرج من الملة ومآله إلى أحد أنواع هذه الستة الذي ذكرها العلماء في أنواع الكفر الأكبر ، والكفر الأكبر  : يخرج من الملة بالكلية فلا يأخذ صاحبه أبداً ـ اسم الإسلام ولا حكمه ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فيجب تفريق زوجته المسلمة عنه ولا يحل لها البقاء تحت سلطانه ، ويجب تفريق أولاده القصر عنه لأنه لا يؤتمن عليهم ويخشى أن يؤثر عليم بكفره ، ويجب أن يحاكم إلى قضاء المسلمين وتقام عليه الحجة فإن تاب وإلا قتل رٍدّة ، إذا مات أو قتل رٍدّة فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مدافن المسلمين ولا يورث كما أنه لا يرث إذا مات مورث له ، والكفر الأكبر يوجب الخلود الأبدي في النار ـ فصاحبه من أصحاب النار الذين لهم  الخلود الأبدي في النار فلا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ولا هم منها بمخرجين ، وهم في النار لا يجوز لهم شفاعة ولا تنفعهم شفاعة ولا هم تحت المشيئة بل هم أصحاب النار خالدون فيها أبداً وبئس المصير ، وأما ( الكفر دون الكفر الأكبر ) : وهو ما يسميه بعض العلماء بالكفر داخل إطار الملة أو بالكفر الأصغر ، وهذا الكفر لا مناقضة فيه لأصل الإيمان وإنما هو يناقض الإيمان الواجب القريب من أصل الإيمان ، ولهذا كانت خطورته في أنه يفتح طريقاً عريضاً نحو الكفر الأكبر ويخشى على صاحبه بسوء الخاتمة ، وذلك لأن الإيمان من شأنه الزيادة والنقصان ، ومن يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، وصاحب الكفر دون الكفر الأكبر مفرط في الإيمان الواجب من أصل الإيمان فهو يكاد ويوشك أن يقع فيما ينقض أصل الإيمان ، ومن أمثلة هذا الكفر قتل المسلمين وقتالهم لأنه قريب من اعتياد ذلك واستحلاله ، واستحلاله كفر أكبر ، ومن أمثلته النياحة على الميت لأنه قريب من اعتياد الاعتراض على قضاء الله وقدره ، والظن السيئ بالله ، وهو بذلك قريب من الكفر الأكبر ، ومن أمثلته تكفير المسلم لأخيه المسلم بغير وجه حق لأنه قريب إلى استحلال دمه وماله وعرضه بغير وجه حق ، وهكذا فكل ما حكم الشرع بكونه كفر دون كفر ، فهو دلالة على قربه من الكفر الأكبر وأنّ اعتياده طريق إلى الكفر الأكبر المضاد لأصل الإيمان والموجب للخلود الأبدي في النار ، " قلت " ، ومن أمثلته أيضاً عند جمهور السلف والخلف وغالب الفقهاء ترك الصلاة لأنّه قريب من اعتياد ذلك وجحوده فيختم لهم بسوء الخاتمة ، نسأل الله عز وجل التثبيت وحسن الخاتمة ،  ومنه نعلم خطورة الكفر دون كفر وأنه أعلى من الفسوق بكثير فإن الفسوق يتناول ترك الواجبات أو فعل الكبائر التي تؤثر مباشرة في الإيمان الواجب ، وإن كان إدمانها عند البعض قد يصل به إلى الشك وعاقبة السوء ، أما تلك الأعمال التي وصفها الشرع بكفر دون كفر فهي لا شك أكبر من أكبر الكبائر وأعظم من أعظم المحرمات دون الكفر الأكبر والشرك الأكبر والنفاق الاعتقادي الأكبر ، وهى التي يظن بصاحبها الزندقة والانحلال ، ويخشى عليه برجحان سوء الخاتمة وسوء العاقبة وهو على شفا جرف هار قد ينهار به إلى الكفر الأكبر الذي لا شفاعة فيه ، ولا مكان له إلا الخلود الأبدي في جهنم وبئس المصير ، وأبرز أمثلته ترك الأركان العملية الأربعة التي بني عليها الدين ( الصلاة والزكاة والصيام والحج ) ،   ومن هنا نعلم سبب الخلاف بين بعض العلماء في مسائل الكفر بشقيه الأكبر والأصغر وفى مسائل الفسوق والعصيان ، فإنّ من العلماء من جعل الكفر دون الكفر الأكبر بمثابة الفسوق ، كلاهما سواء ـ ومنهم من جعله بمثابة الكفر الأكبر المخرج من الملة بالكلية وإن كان صاحبها مقراً معتقداً منقاداً بقلبه لها ـ وكلاهما ـ جانب الصواب ، فالفريق الأول قصّر وفرط ولم يفرق بين ما يجب تفريقه بين الكفر داخل إطار الملة والفسوق داخل إطار الملة ، وليس مسمى الكفر في الشرع كمسمى الفسوق ، والفريق الثاني ، أفرط فلم يراعى قواعد الشرع العامة ولا أصول المحكمة كقاعدة ( من عاش على التوحيد ومات عليه استوجب الجنة ) وقاعدة ( ماعدا الشرك الأكبر بالله كله داخل تحت إمكان المغفرة ) وقاعدة ( من أتى بأصل الإيمان حكم له باسمه وحكمه ) وقاعدة ( لا نكفر أحداً من المسلمين بعمل حتى يتضمن ترك أصل الإيمان ) ، وقاعدة ( أصل الإيمان إقرار وتصديق وانقياد ) ، وقاعدة ( عمل الجوارح يدخل في الإيمان الواجب ولا يدخل في أصل الإيمان ) وقاعدة ( الكفر نوعان كفر جحود وكفر عمل ) وقاعدة ( قد يجتمع في المسلم كفر وإيمان وشرك وتوحيد وتقوى وفجور وله اسم الإيمان وحكمه حتى ينقض أصل الإيمان ) ، إلى غير ذلك من قواعد أهل السنة ، ـ الشاهد ـ أن الكفر دون كفر أنّ يوجب استحقاق الوعيد دون الخلود في النار . فالكفر الأصغر أو الكفر دون الكفر صاحبه وإن كان على شفا جرف هار يوشك أن ينهار به إلى الكفر الأكبر ، إلا أن صاحبه لا يزال له اسم الإيمان وحكمه وإن مات فتجرى عليه كافة أحكام المسلم ما لم يكفر الكفر الأكبر عندنا بيقين وهذا من أصول الملة الحنيفية السمحة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم  من عند الله ، فإذا مات غسل وصلى عليه ودفن في مدافن المسلمين ويورث ويرث ، وتجوز عليه الرحمة وهو داخل إطار المشيئة ، هذا في الحكم الظاهر أما أحكام الآخرة فإن كان مات على الإيمان فم يخذل عند خروج الروح فهو حقاً تحت المشيئة ، وهو لا يخلد في النار ، خلود الكافرين بل مآله ـ وإن لبث في النار أحقاباً ـ إلى الجنة برحمة الله عز وجل ولو مع أصحاب القبضة الذين يخرجهم الله عز وجل من النار إلى الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه  ، والشاهد من ذلك : أنّ كل من كان كفره في إطار الملة فإنه في الأحكام يأخذ اسم الإيمان وحكمه ، وإذا كان كفره يوجب القتل فإنه يقتل حداً ، فيغسل ويكفن ، ويدفن في مدافن المسلمين لما أتى به من الإقرار الظاهر ، ولهذا كان مذهب جماهير السلف والخلف أنّ تارك الصلاة يقتل لأدلة شرعية كثيرة منها قوله تعالى { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ.. }[ التوبة : 5 ] وقوله صلى الله عليه وسلـم (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله )) ، ولكنه يقتل حداً فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مدافن المسلمين ويورث ماله ، وما ذلك إلا لما أتى به من الإقرار ولما أظهر من التصديق والانقياد وحسابه على الله تعالى ، وبعد ـ فهذا ما تيسر في بيان الفرق بين الكفر الأكبر وكفر دون كفر كما وضحه الشرع وكما فهمه علماء الأمة الفقهاء أعلام أهل السنّة والجماعة الناجين .

[  14  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ الكفر الأكبر : كفر اعتقاد وجحود ، والكفر دون كفر : كفر عمل مجرد عن الاعتقاد  :  هذه القاعدة : ( الكفر الأكبر كفر جحود واعتقاد ، وكفر العمل لا يكون كفراً  أكبر حتى يصاحبه كفر القلب من زوال قوله أو عمله ) قاعدة مطردة عند علماء أهل السنّة والجماعة الفقهاء ، فكل ما كان من الكفر  يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة ، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر  ، ولا يخرج عن هذه القاعدة المطردة سوى الأعمال التي أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على كفر فاعلها كإهانة المصاحف ودوسها بالأقدام وإلقائها في الحشوش وهذه لا إشكال فيها ولا تأثير لها على اطراد القاعدة ، إذ هذه الأعمال لا تصدر إلا مع ذهاب عمل القلب وانقياده ، وإذا خلا القلب من الانقياد زال أصل الإيمان وحل محله الكفر الأكبر ، فهذه الأعمال إنما كانت كفراً أكبر لأنها لكفر القلب فحلّت محله ، ومن أمثلة على تطبيقات العلماء لهذه القاعدة : يقول الطحاوي وهو يشير إلى عقيدة أهل السنّة : " ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين ، وله وبكل ما قاله وأخبر مصدقين ، ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله إلى أن قال ولا يخرج العبد من الإيمان إلاّ بجحود ما أدخله فيه " أهـ ، وبيان قوله رحمه الله :  أن أهل القبلة مسلمين مؤمنين بما جاءوا به من الإقرار والتصديق  – أي الانقيادي لأنه قول أهل السنّة قاطبة ، وأن أهل السنّة والجماعة لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بالذنوب والمعاصي إلاّ إن لازمها استحلالا قلبياً ، وأن باب الإسلام هو الإقرار والتصديق الانقيادي ومن هذا الباب يدخل المرء إلى الإسلام وكما أنه دخل من هذا الباب فلا يخرج إلا منه بمعنى أنه لا يكفر الكفر الأكبر حتى يصدر منه ما يناقض إقراره وتصديقه وانقياده ، وهذا هو ما عبّر عنه الإمام الطحاوي بالاستحلال والجحود ، ويقول ابن عبد البر  وهو يطبق القاعدة -  : وذلك بعد ذكره لحديث (( خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له )) ، قال : " فيه دليل على أن من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله إذا كان موحداً مؤمناً بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً مقراً وإن لم يعمل ، وهذا يرد على المعتزلة والخوارج بأسرهـا ، ألا ترى أن المقر بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلماً قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقد نيته فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافراً إلا برفع ما كان به مسلماً وهو الجحود لما كان أقرّ به واعتقده . والله أعلم "[ التمهيد حـ 23 / 288 - 290 ] أهـ ،

[  15  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ الكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة [ الإقرار – التصديق – الانقياد ]  ، والكفر دون كفر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً للإيمان الواجب أو لعنصر من عناصره الأساسية التي حكم الشرع على تاركه بالكفر أي الكفر في إطار الملة ، وأصل الإيمان كما حققه فقهاء أهل السنّة والجماعة يشمل ثلاثة عناصر قول القلب وهو التصديق وعمل القلب وهو الانقياد وقول اللسان وهو الإقرار ، والكفر الأكبر عند هؤلاء الفقهاء العلماء هو ما كان ضداً لهذا الأصل كله أو لعنصر من عناصره الثلاثة ، فما كان ضد الإقرار فهو كفر أكبر : ومنه عدم الإقرار بالشهادتين أصلاً أو التلفظ بكلمة الكفر الناقضة للإقرار أو إقرار الكفر المناقض للإيمان أو جحود شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله في كتاب الله تعالى أو في سنة نبيه  صلى الله عليه وسلم الصحيحة المتواترة ، ويدخل فيه سبّ الله أو سب رسوله أو دينه أو كتابه لأن ذلك ناقض لأصل الإقرار إذ الإقرار ينبئ عن التصديق والانقياد والسب ينبئ عن التكذيب أو الاستكبار أو كليهما ، ويدخل فيه أيضاً الاستهزاء بالله أو برسوله أو بدينه أو بكتابه إذ الإقرار ينبئ عن التعظيم والاحترام والاستهزاء ينبئ عن الاستخفاف وعدم الاحترام فلذا كان ناقضاً للإقرار ، وكل ما كان ناقضاً للتصديق فهو كفر أكبر : ومنه الشك وهو عدم التصديق الجازم بل التردد بين التصديق والتكذيب ومنه التكذيب ومنه النفاق وهو إظهار التصديق باللسان مع تبطن الكفر ، وكل ما كان ناقضاً للانقياد كان كفراً أكبر : ومنه العناد والكبر والإباء والاستكبار ، وكـل ما كـان مصاحبـاً بانتفـاء عناصـر الإيمـان الثلاثـة كـان كفـراً أكبـر ، ومنه كفر الجهل بجهل الإقرار والتصديق والانقياد ، وكفر الإعراض وهو الإعراض عن الإقرار والتصديق والانقياد والفرق بينهمـا أن الأول لم يسمـع بالرسالـة فهـو جاهـل والثاني سمع عنها فأعرض ، وهكذا فالكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة ، ويدخل فيه عندهم أنواع كثيرة منها : كفر التكذيب وكفر الجحود وكفر العناد وكفر الإعراض وكفر النفاق وكفر الشك وكفر الاستهزاء ومنه السب .ولكل هذه الأنواع أدلتها التي قال بها فقهاء أهل السنّة والجماعة الأعلام ، وسيأتي بمشيئة الله تعالى بيانها تباعا ، وأعمال الجوارح كما حققناها عند فقهاء أهل السنّة لا تدخل في أصل الإيمان ولكنها تدخل في الإيمان الواجب ، وبعضها أقرب من بعض إلى أصل الإيمان ، وأقر بها إلى أصل الإيمان إقامة الصلاة ، ولهذا غلّظ الشرع في تركها ووصف تاركها بالكفر وهو عند جمهور المحققين - وغيره من أعمال الجوارح من باب الأولى - داخل في إطار كفر دون كفر ، وصاحبه لا يخرج من الملة بالكلية وإن كان يُخشى عليه ذلك لكونه على شفا جرف هار يوشك أن ينهار به إلى الكفر الأكبر ، وكل ما حكم الشرع عليه بانتفاء الإيمان أو بالبراءة منه أو بالكفر أو بالشرك أو بالنفاق ولم يكن داخلاً في أصل الإيمان فهو باتفاق المحققين كفر دون كفر وشرك دون شرك ونفاق دون نفاق ، فلا يخرج من الملة بالكلية ، وصاحبه وإن كان يخشى عليه سوء العاقبة والخاتمة إلاّ أنه لا يزال له اسم الإيمان وحكمه حتى يأتي كفر ناقض لأصل الإيمان لنا فيه برهان بين ، وتارك الإيمان الواجب كله على خطر عظيم وعاقبة وخيمة وهو ما كان محافظاً على أصل الإيمان - وأنىّ له ذلك لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية حتى يزول - فهو كافر ولكن في إطار الملة فله اسم الإسلام وحكمه ، وهو يقيناً على شفا جُرف هار يوشك أن ينهار به إلى الكفر الأكبر والخلود الأبدي في النار ، إلاّ وأننا التزمنا طريقة الفقهاء [ المقصود بهم الفقهاء بالكتاب  والسنّة الذين لا يميلون في كلامهم إلى التشديد على سبيل الترغيب والترهيب ، ولا إلى التفريط على سبيل الإرجاء وإرضاء العامة ، فهم وسط يدورون حيث دار الدليل ويعتبرون أن حدود الشرع وسط إذا زاد المرء فيها وقع في الغلو وإذا قصر وقع في التفريط والشارع الحكيم وضع للشرع ضوابط لا نتعداّها لا على سبيل الإفراط ولا على سبيل التفريط ] ، فمن كان هذا حاله فلا نحكم عليه بالكفر الأكبر حتى يأتي على أصل الإيمان أو عنصر من عناصره فنحكم عليه به أما دون ذلك فهو في إطار الملة بمعنى أنه إن مات على أصل الإيمان بريئاً من النواقص فهو إلى المشيئة وغايته في النار أن يخرج مع أصحاب القبضة الذين يخرجهم الله عز وجل من النار إلى الجنة بواسع رحمته بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ، هذا كله إن مات على أصل الإيمان وأنى له هذا كما أشرت من قبل إلى نقصان الإيمان بالمعاصي حتى يزول ، نسأل الله السلامة 

[  16  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ الأعمال الكفرية كإهانة المصاحف وسب الأنبياء والاستهزاء بالديـن مستلزمة لكفر القلب ودالة عليه ،  وهذا هو السر في جعلها من الكفر الأكبر المخرج من الملة ، فهي فيما يظهر للناس كفر عملي وفي حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان في القلب ، يقول القاضي عياض : ( وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرحاً بالإسلام مع فعله ذلك الفعل ، كالسجود للصنم والشمس والقمر والصليب والنار ، والسعي إلى الكنائس والبيع مع أهلها بزيهم من شد الزنانير وفحص الرؤوس ، فقد أجمع المسلمون أن هذا الفعل لا يوجد إلا من كافر وأن هذه الأفعال علامة على الكفر وإن صرح فاعلها بالإسلام ) أهـ [ الشفا للقاضي عياض حـ2/1072 - 1073 ] ،

[  17  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ التـولي عن الطاعـة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب والجوارح ، وكفر دون كفر إذا كان التولي بالجوارح فقط : وهذه أيضاً قاعدة رصينة قال بها علماء أهل السنّة والجماعة الراسخون في العلم والفقه ، فإنّ   المأمور به إذا تركه العبد فإما أن يكون مؤمناً بوجوبه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركاً لأدائه فلم يترك الواجب كله بل أدى بعضه وهو الإيمان به وترك بعضه وهو العمل به وكذلك المحرم إذا فعله إما أن يكون مؤمناً بتحريمه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بتحريمه فاعلاً له فقد جمع بين أداء واجب وفعل محرم فصارت له حسنه وسيئة ، وعليه فالمسلم لا يكفر الكفر الأكبر إلا بتوليه التام عن الطاعة بقلبه وجوارحه معاً ، فإن اعتقد الطاعة بقلبه وأقر بها فليس متولياً بالكلية لأنه قد أتى بنصف الطاعة وهو طاعة القلب بالإقرار بوجوبها ، وبالتالي فقد أتى بحسنة تحفظ له أصل إيمانه وتنجيه من الخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين ، وأتى بسيئة تُزيل عنه إيمانه الواجب الذي يُنجي من دخول النار إبتداءً ، وله - أيضاً - كلام طيب ممتلئ حكمة يؤكد صحة هذه القاعدة ، ذكر في بدايته أن نفي الإيمان في كتاب الله يتناول نفي الإيمان الواجب وأن صاحبه وإن نفي عنه الإيمان الواجب إلاّ أن له اسم الإيمان وحكمه وما ذلك إلاّ لأنه لم يتول بالكلية عن الطاعة مادام قد أتى بطاعة الاعتقاد وبالتالي فهو في إطار الملة ولكنه من أهل الوعيد ، 

[  18  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ كفر تارك الحكم بما أنزل الله ،  كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان ، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وهو المقر المنقاد بقول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) وقول اللسان ( الإقرار ) ، وتفريطه في عمل الجارحة فقط ، وقوله تعالى { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] ، من أقر بلسانه واعتقد بقلبه وجوب الحكم بما أنزل الله ، فقد حكم بقبله بما أنزل الله ، ولم يترك حكم الله بالكلية فلا ينطبق عليه الكفر الأكبر ، وإنما هو كفر عملي لا يخرج من الملة ، ومن جحد حكم الله بقلبه ، فقد كفر الكفر الأكبر المخرج من الملة ، ولذلك اتفقت كلمة الصحابة والتابعين ومن بعدهم على التفصيل في المسألة ، فمنهم من قال : أنها ليست في المسلمين وإنما هي في الكفار وقد ورد هذا القول عن بعض التابعين (( فقد أخرج الطبـري بسنـده عن أبي صالح قال : الثلاث الآيات التي في المائدة { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } { فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } { فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }  ليس في أهل الإسلام منها شيء ، هي في الكفار [ تفسير الطبري جـ6/252 ] أهــ ، ومنهم من قال : أنهـا نزلـت في أهـل الكتـاب وفـي الكافريـن جميعــاً وقال بهذا القول من الصحابة رضي الله عنهم البراء بن عازب ، فقد أخرج مسلم عن البراء بن عازب رضى الله عنه الحديث وفيه قال (( قوله تعالى : { و وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  } [ المائدة : 44 ] ، قـال : في اليهـود إلى قوله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ المائدة : 47 ]  ، قال : في الكفار كلها [ صحيح مسلم ] ، ومنهم من قال : أنّ حكم الآية يتناول المسلمين ويقصد به الكفر في إطـار الملة {كفر دون كفر} وقد جاء هذا القول صحيحاً عن حبر الأمة وفقيهها ـ الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالعلم والفقه ـ عبدالله بن عباس رضى الله عنهما ، وبه قال عامة أصحابه كعطاء وطاوس . { أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس   { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال هي به كفر وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسلـه [ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وأخرج أيضاَ بسنده عن ابن طـاوس عـن أبيه قال : قال رجل لابن عباس في هذه الآيات { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } فمن فعل هذا فقد كفر ، قال ابن عباس إذا فعل ذلك فهو به كفر  وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وبكذا وكذا }[ تفسير الطبري ج6/256 ] وأخرج أيضا عن ابن طاوس عن أبيه قال : سُئل ابن عباس عن قوله { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }  قال : هي به كفر ، قال ابن طاوس وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله [ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وأخرج أيضاً عن طاوس { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال : ليس بكفر ينقل عن الملة [ تفسير الطبري ج6/256 ].هـ وأخرج أيضاَ عنه { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال : كفر لا ينقل عن الملة . قال : وقال عطاء : كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق [ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وأخرج أيضاً عن عطاء قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }{ فأولئك هم الظالمون }{ فأولئك هم الفاسقون} قال كفر دون كفر وفسق دون فسق وظلم دون ظلم }[ تفسير الطبري ج6/256 ] أهـ وقد نقل بعض هذه الآثار الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان وهو يتحدث عن الكفر في إطار الملة فقال : (( وأما الفرقان الشاهد عليه ـ أي الكفر دون الكفر ـ في التنزيل فقول الله عز وجل  { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] وقال ابن عباس " ليس بكفر ينقل عن الملة " وقال عطاء بن أبي رباح (كفر دون كفر)  فقد تبين لنا أنه كان  ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باق على حاله وإن خالطه ذنوب ، فلا معنى له إلا خلاف الكفار الحكم بغير ما أنزل الله [ كتاب الإيمان لأبي عبيد ص45 ط . المكتب الإسلامي ] أهــ ، ومنهم من قال  : أن حكم الآية يتناول المسلمين وله تفصيل فمن لم يحكم بما أنزل الله جاحداً للحكم فهو كافر الكفر الأكبر ومن لم يحكم بما أنزل الله وهو مقر به معتقد له فهو ظالم فاسق وكفره دون الكفر الأكبر ، وقد أخرج ابن جرير الطبري عن على بن أبي طلحة عن بن عباس قوله { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }  قال : من جحد ما أنزل الله فقد كفر ، ومن أقر به فهو ظالم فاسق [ تفسير الطبري جـ6/257 ] ، وذكر ابن حبان في تفسيره (( وقال عكرمة : إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه أماً من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله إلاً أنه أتى بما يضاد ، فهو حاكم بما أنزل الله ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية [ البحر المحيط لابن حبان جـ3/493 ] أهـ . وهذا القول هو غاية الجمع بين الأقوال جميعها وخلاصة الفقه في التوفيق الصحيح بينهما وتفصيل البيان في أحوالها ، فخصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ ، ومن كانت من المسلمين حاله كحال اليهود في جحد حكم الله أو استحلال الحكم بغيره أو اختراع حكم ونسبه إلى الله على أنه حكم الله ، فهذا جميعه كفر أكبر مخرج من الملة وصاحبه كافر الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين والكافرين ، وأما من كان مقرا للحكم معتقداً له كما أمر الله تعالى ، ولكن غلبت عليه شهوته أو نفسه الأمارة بالسوء أو أكره فحكم بغير ما أنزل الله وهو مقر بحكم الله معتقد له مقر بتقصيره في الحكم بغير ما أنزل الله فهذا كفره في إطار الملة ، ومن أقوال الأئمة العلماء الراسخين في العلم في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله ، والتي تؤيد ما رجحناه من أن الآية في حق المسلمين تتناول المسلمين وأنها في حق الجاحد كفر أكبر ، لأنه لم يحكم بما أنزل الله البتة ، وأنها في حق المقر المعتقد بقلبه كفر دون كفر ، لأنه حكم بقلبه بما أنزل الله فلم يترك الحكم بما أنزل الله بالكلية  فصار الكفر في حقه كفراً عملياً مجرداً لا يخرج من الملة وإن كان صاحبه على خطر عظيم وهو خطر الكفر في إطار الملة ، ومعلوم يقيناً أنه أشد على صاحبه وأخطر من أكبر الكبائر ، نسأل الله السلامة وحسن العاقبة :   قال الطبري رحمه الله :  وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب ، قول من قال : نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب ، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت ، وهم المعنيون بها ، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم ، فكونها خبراً عنهم أولى .   فإن قال قائل : فإن الله ـ تعالى ذكره ـ قد عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله ، فكيف جعلته خاصاً ؟ . قيل : إن الله تعالى عمَّ بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين ، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون ، وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به ، هو بالله كافر ، كما قال ابن عباس  [ تفسير الطبري ج10 / 358 ] ، ،  وقال الواحدي رحمه الله في تفسيره : (( ومن لم يحكم   بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون نزلت في من غير حكم الله من اليهود وليس في أهل الاسلام منها ومن اللتين بعدها شيء (( [ تفسير الواحدي ج 1 / 321 ]  ،  وقال الطحاوي رحمه الله في بيان الكفر دون الكفر الأكبر بالله حين شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم { قتاله كفر } (( ومثل ذلك ما قد روي عن ابن عباس في تأويله قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} على ما تأوله فعن ابن طاوس عن أبيه قال قيل لابن عباس {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال هي كفره وليس كمن كفر بالله تعالى واليوم الآخر . و عن طاوس قال (( قلت لابن عباس : من لم يحكم  بما أنزل الله فهو كافر قال : هو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر  )) [ مشكل الآثار ج2 / 317 ]  ،  وقال أبو جعفر النحاس رحمه الله : (( هم اليهود إن حكم غيرهم كحكمهم فكل من حكم بغير ما أنزل الله جاحدا له كما غير اليهود فهو كافر ظالم فاسق )) [ الناسخ والمنسوخ للنحاس :ج1 / 402 ]  ،  وقال الثعالبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} " وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم الآية متناولة كل من لم يحكم بما أنزل الله ولكنها في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان وهذا تأويل حسن " [ تفسيرالثعالبي ج1 / 465 ]  ،  وقال ابن عبد البر رحمه الله " وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالما به رويت في ذلك آثار شديدة عن السلف وقال الله عز وجل   ومن لم يحكم  بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون نزلت في أهل الكتاب قال حذيفة وابن عباس وهي عامة فينا قالوا ليس كفر ينقل عن الملة إذا فعل ذلك رجل من أهل هذه الأمة حتى يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر روي هذا المعنى عن جماعة من العلماء بتأويل القرآن منهم ابن عباس وطاوس وعطاء "  [ التمهيد لابن عبد البر ج5 / 74 : 75 ] ا هـ . وقال في حديثه عن الخوارج " وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين واحتجوا من كتاب الله بآيات ليست على ظاهرها مثل قوله عز وجل ومن لم يحكم  بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . . ‎ ونحو هذا وروي عن ابن عباس في قول الله عز وجل ومن لم يحكم  بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال ليس بكفر ينقل عن الملة ولكنه كفر دون كفر " [ التمهيد لابن عبد البر ج17 / 16 ]  ،  وقال الغزالي رحمه الله : قوله تعالى بعد ذكر التوراة وأحكامها {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} المائدة قلنا المراد به ومن لم يحكم بما أنزل الله مكذبا به وجاحدا له  [ المستصفى ج1 / 168 ]  ،  وقال ابن العربي رحمه الله : المسألة الحادية عشرة : قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} اختلف فيه المفسرون ; فمنهم من قال : الكافرون والظالمون والفاسقون كله لليهود , ومنهم من قال : الكافرون للمشركين , والظالمون لليهود , والفاسقون للنصارى , وبه أقول ; لأنه ظاهر الآيات , وهو اختيار ابن عباس , وجابر بن زيد , وابن أبي زائدة , وابن شبرمة . قال طاوس وغيره : ليس بكفر ينقل عن الملة , ولكنه كفر دون كفر . وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله ; فهو تبديل له يوجب الكفر , وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين . [ أحكام القرآ لابن العربي ج2 / 127 ] ،  وقال أبو بكر الجصاص رحمه الله : قال أبو بكر قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لا يخلو من أن يكون مراده كفر الشرك والجحود أو كفر النعمة من غير جحود فإن كان المراد جحود حكم الله أو الحكم بغيره مع الإخبار بأنه حكم الله فهذا كفر يخرج عن الملة وفاعله مرتد إن كان قبل ذلك مسلما وعلى هذا تأوله من قال إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا يعنون أن من جحد منا حكم أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو كافر كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك وإن كان المراد به كفر النعمة فإن كفران النعمة قد يكون بترك الشكر عليها من غير جحود فلا يكون فاعله خارجا من الملة والأظهر هو المعنى الأول لإطلاقه اسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله وقد تأولت الخوارج هذه الآية على تكفير من ترك الحكم بما أنزل الله من غير جحود لها وأكفروا بذلك كل من عصى الله بكبيرة أو صغيرة [ أحكام القرآن ج4 / 93 ]  ،  وقال القرطبي رحمه الله :  قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } و { الظالمون } و{ الفاسقون } نزلت كلها في الكفار ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء وقد تقدم وعلىهذا المعظم فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة وقيل فيهإضمار أي ومنلم يحكم بماأنزل اللهردا للقرآن وجحدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر قاله ابن عباس ومجاهد فالآية عامة على هذا ، قال ابن مسعود والحسن هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساقالمسلمين وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له [ تفسير القرطبي ج6 /190 ]  ، وقال النسفي رحمه الله :  {ومن لم يحكم بما أنزل الله }مستهينا به {فأولئك هم الكافرون} قال ابن عباس رضى الله عنهما من لم يحكم جاحدا فهو كافر و إن لم يكن جاحدا فهو فاسق ظالم وقال ابن مسعود رضى الله عنه هو عام في اليهود وغيرهم. . إلى أن قال : يجوز أن يحمل على الجحود في الثلاث فيكون كافرا ظالما فاسقا لأن الفاسق المطلق والظالم المطلق هو الكافر وقيل {ومن لم يحكم بما أنزل الله }فهو كافر بنعمة الله ظالم في حكمه فاسق في فعله [ تفسير النسفي ج1 / 284 : 285 ] ،  وقال البغوي رحمه الله : " وسئل عبد العزيز بن يحيى الكناني عن هذه الآيات فقال إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه وكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك ثم لم يحكم ببعض ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات وقال العلماء هذا إذا رد نص حكم الله عيانا عمدا فأما من خفي عليه أو أخطأ في تأويل فلا " [ تفسير البغوي ج2 / 41 ] ، وقال البيضاوي رحمه الله : {ومن لم يحكم بما أنزل الله }مستهيناً به منكراً له {فأولئك هم الكافرون}  لاستهانتهم به ، وتمردهم بأن حكموا بغيره ، ولذلك وصفهم بقولـه {الكافرون} و {الظالمون} و{الفاسقون}، فكفرهم لإنكاره ، وظلمهم بالحكم على خلاقه ، وفسقهم بالخروج عنه [ تفسير البيضاوي سورة المائدة – الآية 43 : 50 ] ، وقال  : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } عن حكمه أو عن الإيمان إن كان مستهينا به  [ تفسير البيضاوي ج2 /331 ] ، وقال أبو السعود رحمه الله : {ومن لم يحكم بما أنزل الله }كائنا من كان دون المخاطبين خاصة فانهم مندرجون فيه اندراجا أوليا أي من لم يحكم بذلك مستهينا به منكرا له كما يقتضيه ما فعلوه من تحريف آيات الله تعالى اقتضاء بينا  {فأولئك} إشارة إلى من والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها  { هم الكافرون}لاستهانتهم به [ تفسير أبي السعود ج3 / 42 ]  ،    وقال ابن كثير رحمه الله : (( {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لأنهم جحدوا حكم الله قصداً منهم وعناداً وعمداً ، وقال هاهنا {فأولئك هم الظالمون} لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه ، فخالفوا وظلموا وتعدوا(( [ تفسير القرآن العظيم ج2/61 ] ، وقال الشاطبي رحمه الله : ((  ومثله قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} مع أنها نزلت في اليهود والسياق يدل على ذلك ، ثم إن العلماء عمُّوا بها غير الكفار، وقالوا : كُفرٌ دون كفر )) [ الموافقات للشاطبي ج3 /ص147 ]  ،  وقال أبو حيان رحمه الله : وقوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }  ظاهر هذا العموم ، فيشمل هذه الأمة وغيرهم ممن كان قبلهم ، وإن كان الظاهر أنه في سياق خطاب اليهود ، وإلى أنها عامة في اليهود غيرهم ذهب ابن مسعود، وابراهيم، وعطاء ، وجماعة ولكنْ كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق يعني : إنّ كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر، وكذلك ظلمه وفسقه لا يخرجه ذلك عن الملة قاله : ابن عباس وطاووس . . .  واحتجت الخوارج بهذه الآية على أنّ كل من عصى الله تعالى فهو كافر، وقالوا : هي نص في كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله فوجب أن يكون كافراً _ ثم ذكر أقوال المفسرين في تأويل الآية ثم اختار قول عكرمة فقال _ وقال عكرمة : إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه ، أما من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله ، إلا أنه أتى بما يضاد ، فهو حاكم بما أنزل الله ، لكنه تارك له ، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية . [ تفسير البحرالمحيط سورة المائدة – 40 : 48 ]  ،  وقال ابن حجر رحمه الله : واقتصر المصنف على تلاوة الآيتين {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون . . . الفاسقون . . الآيتان} لإمكان تناولهما المسلمين بخلاف الأولى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} فإنها في حق من استحل الحكم بخلاف ما أنزل الله تعالى وأما الآخرتان فهما لأعم من ذلك [ فتح الباري ج13 / 299 ] ،

[  19  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ ترك الصلاة كفر لنص الشرع عليه ، ولكنه كفر أكبر إذا كان الترك بالقلب { جحد الصلاة } ، وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد واقتصر الترك على عمل الجارحة  ،  و كل ما قيل في مسألة ( ترك الحكم بما أنزل الله ) من التفريق بين التارك الجاحد والتارك المقر ، وجعل الأول من الكفر الأكبر المخرج من الملة ، والثاني من الكفر العملي الذي هو دون الكفر الأكبر يصح حمله على تارك الصلاة ، بل هو في مسألة ( تارك الصلاة ) أظهر وأولى ،  (( قلت )) وهذا هو المتعين المصير إليه لأنه يوافق القواعد الأصولية ويجمع بين الأدلة المتعارضة ، إضافة إلى أنه قول جماهير السلف والخلف والأئمة العلماء كما أشار إلى ذلـك ابـن قدامـة في المغـني ( حـ2/157 ) والنووي في المجموع ( حـ3/14 )  والشوكاني في نيل الأوطار ( حـ1/291 ) وهذا ما دعا الشنقيطي رحمه الله إلى أن يجعل هذا القول أجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث وأنه كما قال النووي القول المتعين الذي ينبغي القول به لأنه يجمع بين أصول الشرع وقواعده فقال رحمه الله { وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور أنه كفر غير مخرج من الملة لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن ، وإذا حمل الكفر والشرك المذكوران في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج عن الملة حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إذا أمكن ، وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر ما نصه :( ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورث ، وأما الجواب عمّا احتج به من كفره من حديث جابر وبُريدة ورواية ابن شقيق فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو القتل ، وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها انتهى محل الغرض منه ) [ أضواء البيان حـ4/ص322 ] أهــ ، ومن أدلة الفقهاء على أنّ ترك الصلاة تكاسلاً كفر ولكن في إطار الملة : الدليل الأول  أ - ما أخرجه الإمام مالك في الموطأ والإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه والنسائي في سننه وابن ماجة في سننه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول (( خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ))  ، ( قلت ) : الحديث صحيح لا ريب في صحته ، قال عنه النووي رحمه الله " حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة [ المجموع شرح المهذب حـ3صـ17 ] ، وقال عنه الشوكاني وهو يشير إلى صحته " الحديث أخرجه مالك في الموطأ وابن حبان وابن السكن قال ابن عبد البرّ وهو حديث صحيح ثابت لم يختلف عن مالك فيه " [ نيل الأوطار حـ1/344 ] أهـ ، وقد رجعت إلى كلام الحافظ ابن عبد البرّ في الحديث ووجدته درة ينبغي أنّ تكتب بماء الذهب وهو قليل عليها فبعد ذكره للحديث بنصه قال – لله درّه –(لم يختلف عن مالك في إسناده هذا الحديث فهو حديث صحيح ثابت وفيه أن الصلوات المكتوبات المفترضات خمس لا غير ... وفيه دليل على أن من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله إذا كان موحداً مؤمناً بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً مقراً وإن لم يعلم ، وهذا يرد على المعتزلة والخوارج بأسرها ألا ترى أن المقر بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلماً قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقده نيته ، فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافراً الاّ برفع مـا كان به مسلماً وهو الجحود لما كان قد أقر به واعتقده والله أعلــم ) [ التمهيـد لمـا في الموطـأ من المعـاني والأسانيــد حـ23 / 288 – 290 ] ، وقال الحافظ الطحاوي  -  في كتاب مشكل الآثار -  بعد ذكره حديث عبادة بن الصامت : ((  فقال قائل كيف تقبلون هذا الحديث عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم وأنتم تروون عنه خلافه ، ثم ذكر حديث (( بين العبد وبين الكفر أو قال وبين الشرك ترك الصلاة )) . فكان جوابنا له في ذلك : أنّ الكفر المذكور في هذا الحديث خلاف الكفر بالله عز وجل وإنما هو عند أهل اللغة أنه يغطي إيمان تارك الصلاة ويغنيه حتى يصير غالباً عليه مغطيا له ومن ذلك ما قد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم   ((  سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )) ولم يكن ذلك الكفر بالله ولكنه على ما ركب إيمانه وغطاه من قبح فعلـه فمثـل ذلـك قولـه  (( ليس بين العبد وبين الكفر الاّ ترك الصلاة )) هو من هذا المعنى أيضاً والله أعلم حتى تصح هذه الأخبار ولا تختلف [ مشكل الآثار للإمام الحاوي حـ4/222 - 227 ] أهــ  ، وقال الحافظ السخاوي – وهو يستدل بالحديث على عدم كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر ، فقال بعد سياقه لبعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة – ولكن كل هذا إنما يُحمل على ظاهره في حق تاركها جاحداً لوجوبها مع كونه ممن نشأ بين المسلمين لأنه يكون حينئذ كافراً مرتداً بإجماع المسلمين ، فإن رجع إلى الإسلام قبل منه والاّ قتل ، أما من تركها بلا عذر بل تكاسلاً مع اعتقاده لوجوبها فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر ، وأنه يُستتاب ثم يُقتل إن لم يتب ويُغسل ويُصلى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين مع إجراء سائر أحكام المسلمين عليه ويؤول إطلاق الكفر عليه لكونه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو وجوب العمل جمعاً بين هذه النصوص وبين ما صحّ أيضاً عنــه الحديـث   صلى الله عليه وسلم  أنـه قال (( خمس صلوات كتبهن الله –   وفيه إن شاء عذبه وإن شاء غفر لــه )) . ولهذا لم يزل المسلمون يرثون تارك الصلاة ويورثونه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورّث [ الفتاوي الحديثه حـ2/84 للحافظ السخاوي ] أهــ،  وقال الإمام القرطبي -   عن شرحه لحديث مسلم (( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ))  وهو يستدل لكونه كفر دون كفر بحديث ( خمس صلوات ... ومن لم يأت بهن )  – (( والصحيح أنه ليـس بكافـر ، لأن الكفر الجحد كما تقدم ، وليس بجاحد ، ولأن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قد قـال (( خمس صلوات افترضهن الله على العباد ، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً كان له عند الله عهد أن يغفر له ، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد ، إن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه ))  فهذا ينص على أن ترك الصلاة ليس بكفر ، وأنه مما دون الشرك الذي قال الله تعالى فيه { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ..} [ النساء : 48 ] .[ المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم حـ1/271 - 272 ط.دار ابن كثير ] أهـ ،   الدليل الثاني : ما أخرجه الخمسة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إن أول ما يُحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإنّ أتمها وإلاّ قيل انظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ثم يُفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك )) والحديث صحيح لا ريب في صحته ، قال الشوكاني " الحديث أخرجه أبو داود من ثلاث طرق. طريقتين متصلتين بأبي هريرة والطريقة الثالثة بتميم الداري وكلها لا مطعن فيها ... وأخرجه النسائي من طريق إسنادها جيد ورجالها رجال الصحيح كما قال العراقي وصححها ابن القطان ، وأخرج الحديث الحاكم في المستدرك وقال : هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وفي الباب عن تميم الداري عند أبي داود وابن ماجة بنحو حديث أبي هريرة قال العراقي وإسناده صحيح وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال إسناده صحيح على شرط مسلم "[ نيـل الأوطار حـ1ص345 ] أهــ ،  والشاهد من الحديث للدلالة عل أنّ كفر تارك الصلاة هو دون الكفر الأكبر هو ما ذكره الشوكاني في نيل الأوطار بعد ذكره للحديث تحت باب وحُجة من لم يكفر تارك الصلاة ولم يقطع عليه بخلود في النار ورجا له ما يرجى لأهل الكبائر  قال رحمه الله " والحديث يدل على أنّ ما لحق الفرائض من النقص كملته النوافل ، وأورده المصنف في حجج من قال بعدم الكفر ، لأن نقصان الفرائض أعم من أن يكون نقصاً في الذات وهو ترك بعضها ، أو في الصفه وهو عدم استيفاء أذكارها أو أركانها وجبرانها بالنوافل ، مشعر بأنها مقبولة مثاب عليها والكفـر ينافي ذلك "  أهــ وقصده من قول ( والكفر يُنافي الإيمان ) أي أن الكفر الأكبر يُنافي جبران النقص بالنوافل لأنه إذا كان ترك الصلاة كفراً أكبر مخرج من الملة فإنه لا يصح جبران الكفر الأكبر أبداً ، بل ينبغي أن يُنشئ المرء بعده إسلاما جديدا ، والحديث دلّ على جبران النقص ومنه ترك بعض الصلوات بالنوافل ، وهذا يدل على أنّ ترك الصلاة دون الكفر الأكبر المانع للجبر وتعويض النقص ، والدليل الثالث : (( حديث البطاقة )) :أخرج الترمذي وغيره من أهل السنن عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : (( أن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً ، كل سجل مثل مد البصر ، ثم يقول من هذا شيئاً ؟ أظلمك كتبتي الحافظون ؟ فيقول لا يارب ، فيقول أفلك عذر فيقول لا يارب ، فيقول بلى إنّ لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم اليوم فتخرج بطاقه فيها أشهد أن لا إله الاّ الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، فيقول أحضر وزنك ، فيقول يارب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فقال إنك لا تظلم ، قال فتوضع السجلات في كفة والبطاقـة في كفـة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فلا يثقل مع اسم الله شيء )) [ أخرجه الترمذي ح(2639) وابن ماجه (4300) ،والإمام أحمد حـ2/213 وصححه الألباني ح(135) ] ، فلم يذكر في البطاقة غير الشهادة ، كما أنّ هذا التفصيل : هو قول المدارس الفقهية المتخصصة بعلمائها الأجلاء : تارك الصلاة كفر في إطار الملة هو قول المدارس الفقهية المعتمدة الحنفية والمالكية والشافعية والقول الصحيح المعتمد المختار عند فقهاء الحنابلة وهو القول الراجح عند أكثر مدارس أهل الحديث كما ذكر الشوكاني والصنعاني رحمهما الله تعالى . ويكمن أهمية هذا الدليل ، أن هؤلاء هم أهل التخصص في الفقه ، فكل مدرسة من هذه المدارس إضافة إلى مكانة مؤسسيها العلمية العالية والتي لم يتبوأها أحد في الأمة في زمانهم أو بعدهم ، إضافه إلى ذلك أنها مدارس تخصصية تحتوى كل مدرسة على مئات من العلماء الفقهاء بالكتاب والسنّة المجتهدين على الإطلاق أو في إطار المذهب أو في إطار أصوله ، إضافة إلى أنها المدارس التي انضبطت أقوال مؤسسيها ، فعرفت أقوالهم القديمة والجديدة والمعتمدة ، ومرت على عقول مئات العلماء المنتسبين لهذه المذاهب ، فحمل مطلقها على مقيدها ، وعامها على خاصها ، وهكذا انضبطت الأقوال داخلها ، بخلاف ما يُنقل عن الأئمة الباقين ، فالنقل عنهم عزيز ، والتمحيص لأقوالهم يكاد يكون مفقودا ، فلا نعلم متى قال بذلك وهل رجع عنه أم لا ، وهل قاله على وجه العموم أو لحالة مخصوصة وهل قوله مطلق أم مقيد وهكذا ، وهذا أهم ما ننبه عليه إخواننا لاسيما في زماننا هذا الذي عزف فيه كثير من طلبة العلم عن معرفة آراء هؤلاء الفقهاء وإعطائها حقها من الأهمية في المسائل الفقهية . فطلب الفقه من الكتاب والسنّة بفهم هؤلاء هو من باب طلب الشيء من المتخصصين فيه ، وهذا من الفقه في دين الله عز وجل بمكانة ، وفي ذلك إشارة إلى منهج أسأل الله عز وجل أن ييسر لي بيانه في رسالة مستقلة ، وإن في ذلك لذكرى ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ، وهذا ما دعا النووي رحمه الله إلى أن يقول : " ولم يزل المسلمون يورثون عنه ، ولو كان كافراً ـ أي الكفر الأكبر ـ لم يغفر له ولم يرث ولم يورث . وأمّا الجواب عما احتج به من كفره من حديث جابر وبريدة ورواية شقيق فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو وجوب القتل ، وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها "[ المجموع شرح المهذب حـ3 ص17 ] أهـ ، ودعا ابن قدامة رحمه الله إلى أن يقول : (( ذلك إجماع المسلمين فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين ، ولا منع ورثته ميراثه ولا منع هو ميراث مورثه ، ولا فرق بين زوجين لترك الصلاة مع أحدهما لكثرة تاركي الصلاة ، ولو كان كافراً لثبتت هذه الأحكام كلها ، ولا نعلم بين المسلمين خلافاً في أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها ، ولو كان مرتداً لم يجب عليه قضاء صلاة وصيام. وأمّا الأحاديث المتقدمة فهي على سبيل التغليظ والتشبيه له بالكفار لا على الحقيقه كقوله عليه السلام (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )) ، وقوله (( كفر بالله تبرؤ من نسب وإن وجد )) وقوله (( من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما )) ، وقوله (( من أتى حائضاً أو أمرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد )) ، وقال (( ومن قال مطرنا بنوء  الكواكب فهو كافر بالله مؤمن بالكواكب )) ، وقوله (( من حلف بغير الله فقد أشرك )) ، وقوله (( شارب الخمر كعابد وثن ))  وأشباه هذا مما أُريد به التشدد في الوعيد وهو أصـوب القولـين والله أعلـم.[ المغنـــي حـ2/158 ] أهـ ، ( قلت ) وقد تقدم ذكر قول الشنقيطي رحمه الله في بداية ذكر المسألة وفيه ( وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور أنه كفر غير مخرج من الملة لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن ولأن إعمال الدليلين أولى من  إلغاء أحدهما كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث ...0 إلى أن نقل قول النووي وفيه وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها )[ انظر أضواء البيان حـ4/322 ] أهــ ويقول النووي  " وهو الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور " [ المجموع حـ3/14 ] ، وقد علل رحمه الله لذلك بعلّة حرّي بنا أن نفهمها وأن نعض عليها بالنواجذ وهي قوله قبل أن يقطع بصحة عدم كفر تارك الصلاة تكاسلاً الكفر الأكبر - " ولا يكفر بترك الصلاة لأن الكفر بالاعتقاد واعتقاده صحيح فلم يحكم بكفـره " [ المجموع حـ3/13 ] ، ويقول الشوكاني " ذهبت الكثرة والجماهير من السلف والخلف منهم مالك والشافعي إلى أنه لا يكفر "[ نيل الأوطار حـ1/291 ] أهــ وقوله (  لا يكفر )  أي الكفر الأكبر المخرج من الملة وإن كان كفراً في إطار الملة ، ورجحه أيضاً العلامة القرطبي بقوله " والصحيح أنه ليس بكافر لأن الكفر الجحد كما تقدم ، وليس بجاحد ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قـد قــال (( خمس صلوات افترضهن الله على عباده فمن جاء بهن لم يضّيع منهن شيئاً كان له عند الله عهد أن يغفر له ، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء يغفر له وإن شاء عذبه ))  فهذا ينص على أنّ ترك الصلاة ليس بكفر وأنه مما دون الشرك الذي قال الله تعالى فيه إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفـر ما دون ذلـك لمن يشـاء  { النساء : 48 }[ المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم حـ1/271 ط. دار ابن كثير ] أهــ ن ورجحه أيضاً الحافظ السخاوي في فتاواه فكان من قوله " أما من تركها بلا عذر ، بل تكاسلاً مع اعتقاده لوجوبها ، فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر ، وأنه يستتاب ثم يُقتل إن لم يتب ويغّسـل ويصلـى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين مع إجراء سائـر أحكـام المسلميـن عليه  أهـل الفتاوي الحديثه حـ2/84 "  ، ورجحه أيضاً ابن عبدالبرّ بقوله  –بعدما ذكر حديث (خمس صلوات .. من أتى بهن .. ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة ) – وهو حديث صحيح سيأتي بيانه ، (( وفيه دليل على أنّ من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله إذا كان موحداً مؤمناً بما جاء به محمداً صلى الله عليه وسلم مصدقاً مقراً وإن لم يعمل ، وهذا يرد على المعتزلة والخوارج بأسرها ، ألا ترى أنّ المقر بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلماً قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقده نيته ، فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافراً الاّ برفع ما كان مسلماً به وهو الجحود لما كان قد أقر به واعتقده والله أعلم  أهــ [ التمهيد حـ23/288 - 290 ] ، ورجحه أيضاً ابن رشد الحفيد في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد حيث قال : ( تارك الصلاة معلوم أنه ليس بمكذب الاّ أن يتركها معتقداً لتركها ، فنحن إذاً بين أحد أمرين : ( الأمر الأول ) إما أن أردنا أن نفهم من الحديث الكفر الحقيقي يجب علينا أن نتأول أنه أراد  صلى الله عليه وسلم من ترك الصلاة معتقداً لتركها فقد كفر ، ( والأمر الثاني ) :  أن يحمل على اسم الكفر على غير موضعه الأول وذلك على أحد معنيين :إما على أن حكمه حكم الكافر أعني في القتل  ، وإما على أن أفعاله أفعال كافر على جهة التغليظ والردع له ...0 وأما حمله على أن حكمه حكم الكافر في جميع حكامه مع أنه مؤمن فشيء مفارق للأصـول ...0 ولـذلك صار هذا القول مضاهياً لقول من يكفّر بالذنوب  [ بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ]  ،  ( قلت ) : وهو القول الراجح من أقوال الإمام أحمد اختاره أبي عبدالله بن بطة وأنكر قول من قال : أنه يكفر وذكر أن المذهب – أي الحنبلي – على هذا لم يجد في المذهب خلافاً فيه ، وهذا الذي رجحه كذلك ابن قدامة الحنبلي وهو ما رجحه أيضاً في إطار المذهب الحنبلي الشيخ علاء الدين المرداوي في كتاب " الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل " ، ، وليس المقصود من ذكر هذه الأدلة السابقة تسهيل ترك الصلاة على العامة ، حاش لله ، بل تركها هو الطريق العريض نحو الكفر الأكبر ونحو الهلاك والعياذ بالله ، ولكن المقصد من عرض الأدلة بيان دين الله عز وجل القيّم الذي لا يُسوي بين قائل لا إله إلاّ الله محمد رسول الله والمقر بها والمصدق لها تصديقاً جازماً يلازمه الإذعان لحقوقها وبين الجاحد لها فإذا قلنا أن تركها تكاسلاً مع الإقرار بها كفر أكبر فقد ساوينا بين المقر والجاحد وبين قائل لا إله إلاّ الله وعابد الوثن لكونهما مخلدين في النار. وكذلك فإن هذا هو الفقه الذي من يرد الله تعالى به خيراً يرزقه إياه وكذلك فإنه الضابط العاصم من تكفير الموحدين الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، وقد تواترت الأحاديث على أنّ من قال لا إله إلاّ الله دخل الجنة وإن لبث في النار أحقاباً

[  20  ]  من فقه مسائل وأحكام الكفر : أن نعلم أنّ كفر تولي الكافرين كفر أكبر للموالي على أساس الدين ، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وكانت الموالاة على أساس الدنيا والعقد والاعتقاد سليمين : إنّ شرع الإسلام شرع محكم يوافق بعضه بعضاً { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا }[ النساء : 82 ] ومن توافق هذا الشرع المحكم هو ما اتفق عليه الأئمة المحققون من علماء أهل السنّة والجماعة أنّ أصل الإيمان الذي يصح به اسم الإيمان وحكمه هو الإقرار والاعتقاد ، وأنّ عمل الجوارح خارج عن أصل الإيمان الفاصل بين الإيمان الأصل والكفر الأكبر داخل في الإيمان الواجب الفاصل بين الإيمان الواجب والكفر في إطار الملة . وعلى ذلك فمن أتى بالإقرار والاعتقاد للشرع وأحكامه ولم ينقضهما بناقض متعلق بهما فقد سلم عقده وقلبه وهو في منجى من الخلود الأبدي في النار مهما قصّر بـه عمله ، ومن أقر بالشرع واعتقده ثم قصّر به عمله فقد أخلّ بالإيمان الواجب الذي ضده الكفر في إطار الملة فلا يحكم بردته لأنه قد أتى بحسنة الاعتقاد والإقرار . ومع تطبيق هذه القاعدة الحكيمة التي حبا الله عز وجل بها فقهاء أهل السنّة والجماعة في مسألة الموالاة والمعاداة نعلم يقيناً أنّ مناط الكفر الأكبر في مسألة الموالاة والمعاداة هو الموالاة الباطنة للكافرين على دينهم ، أمّا من وقع في موالاة ظاهرة وقلبه سليم وعقده سليم ولم يوال على الكفر ولا لأجله وإنما لحاجة أو شهوة أو هوى فاسد فهو كافر ولكنـه في إطـار الملـة ،   لاشك أنّ الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الكافرين هو من أوجب الفرائض وأعظم الواجبات ، وأنّ المفرّط فيهما على خطر عظيم من دينه نسأل الله السلامة . ومع ذلك فالمفرّط فيهما مثله تماماً مثل تارك الحكم بما أنزل الله وتارك الصلاة وتسري عليه قواعد الشريعة الضابطة للمسألتين اللتين سبقتاه ، وينطبق عليه الضابط الذي أجراه الله تعالى على لسان الحبر البحر عبد الله بن عباس من التفريق بين الكفر الأكبر والكفر في إطار الملة ، وهو الضابط الذي وضحناه وأصلناه في القواعد السابقة . فموالاة الكفّار ليست كفراً بإطلاقها وإنما لها مناطـات إذا توافـرت كـان الكفر الأكبر وإذا لم تتوفر كان الكفر في إطار الملة . وهذا هو الفقه الذي حبا به الله عز وجل أهل السنّة والجماعة الناجية فلا يكفّرون إلاّ المستحق للكفر بخلاف الفرق الضالة التي يكفر بعضها بعضاً ويلعن بعضها بعضاً دون ضابط يمنع من التراشق بالكفر واللعن ، ومناط الكفر الأكبر في مسألة الموالاة والمعاداة : ( هو الموالاة القلبية الاعتقادية على الدين أو المعاداة القلبية الاعتقادية على الدين ) ، فموالاة الكافرين لا تبلغ بصاحبها الردّة والكفر الأكبر حتى تكون موالاة قلبية متعلقة بكفرهم ودينهم . فمن والى الكفّار وشايعهم على الدُنيا لرحم أو حاجة وعقده سليم وقلبه سليم فهذا كفر في إطار الملة ولا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر المخرج من الملة . وإذا وجد في المسلمين من يوالي الكافرين بنوع من أنواع الولاء ثم أعلن بلسانه أنّ عقده سليم وقلبه سليم وأنه بريء منهم ومن كفرهم وأنه ما والاهم إلاّ مداراة أو مصادفة لرحم عندهم أو حاجة أو مصلحة فهذا لا تبلغ به الموالاة إلى الكفر الأكبر لسلامة قلبه وعقده وموالاته كفر في إطار الملة وصاحب الكفر دون الكفر عموماً على خطر عظيم لقربه من هاوية الكفر الأكبر ، ومعاداة المؤمنين كذلك لا تبلغ بصاحبها الردّة والكفر الأكبر حتى تكون معاداة قلبه متعلقة بإسلامهم وإيمانهم . فمن عادى المؤمنين على دُنيا أو حاجة وعقده سليم وقلبه سليم فكفره في إطار الملة ولا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر ومصداقه قوله صلى الله عليه وسلم (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر } . فالقتال هنا كفر ولكنه بإجمـاع أهل السنّة كفر في إطار الملة وإلاّ كفّر بعضنا بعضاً بالمعاصي والآثام ، وقد ثبت بنص القرآن أنّ المؤمنين يكون بينهم اقتتال وهم على اسم الإيمان وحكمه كما في قوله تعالى{ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا.. إلى قوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ  } الآية [ الحجرات : 9 - 10 ] ، وعلى ذلك فمناط التكفير في مسألة الموالاة والمعاداة : هو موالاة الكافر ظاهراً وباطناً على الكفر و معاداة المؤمن ظاهراً وباطنـاً على الإسـلام . فإذا تخلف هذا الضابط أو أحد شروطه وجوانبه كأن كانت الموالاة ظاهراً دون الباطن أو كانت لدُنيا وليست لدين فهي كفر في إطار الملة وليست بالردّة ، وليس هذا تهويناً من شأن الموالاة والمعاداة ، فشأنها عظيم ويكفي أنّ ما كان منها ظاهراً فهو ( كفر ) في إطار الملة وليس بالأمر الهين لفظ الكفر ولا بالأمر السهل أن يوصف المرء بالكفر في إطار الملة فهو أشد وأخطر من الكبائر عامة ، والمحرمات كافة لأنه قريب من الكفر الأكبر وصاحبه على خطر عظيم إن لم تتداركه رحمة الله بالتثبيت ، وكما أنه ليس تهويناً من شأن الولاء والبراء ، فهو كذلك انضباط بضوابط أهل الحق  - أهل السنّة والجماعة الناجية - في مسائل الإيمان والكفر ، فلا يكفّرون إلاّ من يستحق الكفر بضوابطه الرصينة ، ولا يسوون بين الجاحد المنكر والمقر المعتقد فيكفّرون كليهما بالعمل الظاهر دون التثبت من سلامة العقد والقلب ، وهذه من حِكمَ الشريعة الباهرة التي خصّ الله تعالى بها أهل الفقه في الدين ، أهل السنّة والجماعة الناجية ، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ،

[  21  ]  من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر : (  قاعدة : مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر ) ودليل ذلك ما أخرجه مسلم عن المقداد رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ منى بشجرة فلمّا أهويت لأقتله قال لا إله إلاّ الله ، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال )) [ أخرجه مسلم ] ، صورة الحديث تدل يقيناً على أنّ هذا الرجل ما قال ( لا إله إلا الله ) إلاّ تقية وهرباً من القتل ، ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم  المقداد رضي الله عنه أن لا يقتله بل وأخبر بأنه إن قتله فقد قتل مسلماً ، وأخرج مسلم عن أسامه بن زيد رضي الله عنهما  قال : (( بعثنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم إلى الحُرقة من جهينة . فصبّحنا القوم. فهزمناهم  ، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ، فلمّا غشيناهُ قال : لا إله إلاّ الله . فكفّ عنه الأنصاري . وطعنته برمحي حتى قتلته . قال فلمّا قدمنا . بلغ ذلك النبي  صلى الله عليه وسلم فقال لي (( يا أسامة ! أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله ؟ )) قال قلت : يا رسول الله ! إنما كان متعوذاً  ، قال ، فقال : (( أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله ؟ )) قال فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليـوم ))  [ صحيح مسلم ] ، وأخرج مسلم عن جندب بن عبدالله البجلي رضي الله عنه القصة وفيها : (( قال : يا رسول الله أوجع في المسلمين. وقتل فلاناً وفلاناً ، وسمّى له نفراً ، وإني حملت عليه ، فلمّا رأى السيف قال : لا إله إلاّ الله ، قال رسول الله   صلى الله عليه وسلم  : أقتلته ؟ قال : نعم ، قال : فكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ، قال : يا رسول الله ! استغفر لي ، قال : وكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟  قال : فجعل لا يزيده على أن يقول (كيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ) [ صحيح مسلم ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم  قال (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله )) [ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( من قال لا إله إلاّ الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله )) [ صحيح مسلم ] ، فهذه الأحاديث جميعها تدل على أنّ باب الإسلام مدخله هو الشهادتان فمن قال لا إله إلاّ الله دخل في الإسلام وعصم بالإسلام الظاهر نفسه وماله من القتل على سبيل الكفر وحساب الباطن على  الله ،  ليس معنى ذلك أنّ كل من نطق بالشهادتين ، أنه يفعل ما يشاء ،  فقد جعلت الشريعة الحكيمة اعتقادات وأقوال وأفعال ناقضه للإسلام ومن أتى بها عالماً بها ، مختاراً لها ، قاصداً لفعلها فقد ارتد عن الإسلام ،

[  22  ]  من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر : (  قاعدة : من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ،  ودليل       ذلك ما جاء في حديث الشفاعة ، وفيه : (( ثم أعود في الرابعة فأحمده بتلك ثم أخِرّ له ساجداً فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يُسمع وسل تُعط واشفع تشفع فأقول يا رب إئذن لي فيمن قال لا إله إلاّ الله فيقول : وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله )) [ متفق عليه ]  ، ولقوله صلى الله عليه وسلم  (( يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن بره من إيمان ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن ذره من إيمان )) [ أخرجه البخاري] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم  (( أشهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلاّ دخل الجنة ))[ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  (( من شهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمد رسول الله حرّم الله عليه النار )) [ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( ما من عبد قال لا إله إلاّ الله ثم مات على ذلك إلاّ دخل الجنة )) فقال أبو ذر رضي الله عنه : وإن زنى وإن سرق ؟ قال وإن زنى وإن سرق ، قلت وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سـرق ، ثلاثاً ثم قال في الرابعة ( على رغم أنف أبى ذر ) [ أخرجه مسلم ] ،

[  23  ]  من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر : (  قاعدة : وجوب الاحتياط عند الحكـم علي أي مسلم بالكفر الاكبر ، ووجوب ترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه ) ، إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله ، فكذلك التكفير ، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ،  ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ،

[  24  ]  من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر : (  لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره ) ، والأمـور المحتملة للكفـر وغيـره : هي تلك الأقوال والأفعال التي لا تدل على الكفر صراحة ، ولكنها تحتمل الكفر وغيره ، ومثال ذلك السجود فإنه قد يكون بقصد العبادة لمن يعتقد فيه صفات الربوبية والإلهية ، وهذا صرفه لله وحده عبادة وتوحيد وصرفه لغير الله كفر وشرك أكبر ، وقد يكون السجود بقصد التكريم والتعظيم كالسجود للأنبياء والملوك والعلماء ، وهذا كان جائزاً في شرع من قبلنا ثم حرّم في شرعنا فمن أتى به فقد أتى بمعصية ولم يأت بما هو كفر أكبر مخرج من الملة ، وهذه الأمور المحتملة لا يجوز تكفير فاعلها حتى نتبين قصد فاعلها ، ومـن الأدلـة على صحـة هـذه القاعـدة : ما أخرجه أبو داود والترمذي عن عبدالله بن أبي أوفى قـال : (( لمّا قدم معاذ من الشام سجد للنبي  صلى الله عليه وسلم ، قال ما هذا يا معاذ ؟ قال أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك فقال النبي   صلى الله عليه وسلم  : فلا تفعلوا ، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها )) [ أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وصححه الألباني في ارداء الغليل ] ، ولمـا أخرجـه البخـاري ومسلـم في قصة حاطب رضي الله عنه ومكاتبته لقريش بأمر مسير النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إليهم لفتح مكة ، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم  (( ما هذا يا حاطب ؟ قال لا تعجل عليّ يا رسول الله ، إني كنت امرأً من قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن اصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي ، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم   إنه قد صدقكم فقال عمر دعني يا رسول الله فأضرب عنقه فقال ( إنه شهد بدراً وما يدريك لعلّ الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال اعملـوا مـا شئتـم فقـد غفـرت لكـم ) " [ البخاري ح (4890) ] ، فموالاة الكافرين : يحتمل أن تكون موالاة باطنة على الدين ويحتمل أن تكون موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة ، ولوجود هذا الاحتمال لم يحكم النبي   صلى الله عليه وسلم عليه بالكفر حتى تبين قصده بالسؤال ، فلمّا علم أنها موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة دلّهم على أنّ صنيعه هذا ذنب من الذنوب وكبيرة من الكبائر التي تدخل ضمن إطار الذنوب التي تكفرها الحسنات ،

[  25  ]  من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر : (  الأعذار الشرعية التي تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الأكبر ، كثير ة منها : العذر بالجهل ، والعذر بالخطأ ، والعذر بالتأويل ، والعذر بالإكراه ) ، فإنه إذا كانت رحمة الله تعالى اقتضت أنّ الكفار لا يُحاسبون على كفرهم ما لم تقع عليهم الحُجة الرسالية بأن تأتيهم نذارة أو يسمعوا برسول ، لقوله تعالى { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } [ الإسراء : 15 ] ، وقوله تعالى { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } [ النساء : 165 ] ، فإنه من باب الأولى إعذار المسلم الذي وقع في مسألة من مسائل الكفر عن جهل ، إذ لم يسمع بالدليل ، والدليل على عذره  : قوله تعالى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ التوبة : 115 ] ، والمعنى : أنه لا يضل قوماً بعد إبلاغ الرسالة إليهم حتى يكونوا قد قامت عليهم الحُجة بالبيان ، وقوله تعالى { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا }[ النساء : 115 ] ، أي خالف الرسول من بعد المعرفة والبيان  ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلـك بعـث المبشريـن والمنذريـن )) [ البخاري ح/7416 ] ، والأدلة على العذر بالجهل كثيرة جداً لا فرق في ذلك بين أصول وفروع ولا بين اعتقادات وعمليات ، فكل مؤمن لم تبلغه الحُجة الرسالية في أمر ما فتلبس بالكفر فيه فلا يوصف بالكفر الأكبر ، وليس معنى ذلك أنه قد سقط عنه الإثم أو العقوبة فالعذر بالجهل يمنع فقط من تكفيره ، ولكن إذا ثبت تقصيره في طلب العلم وكان العلم ميسراً عنده بحيث كان متمكناً من طلبه ، فهذا يأثم ويعّذر ، ولكن لا يوصف بالكفر المخرج من الملة حتى تقوم عليه الحُجة الرسالية بالعلم وتستوفي كافة شروطها الشرعية التي قررها علماء الشرع الحنيف ، وهذا في أحكام الظاهر ، أمّا أحكام الباطن والتي اختص الله تعالى بعلمها فإن كان يعلم حقيقة بالكفر ويدعي جهله به فهذا كافر في الباطن وهو من المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون ، والإثم واقع عليه لا محالة إن قصّر في طلب العلم أو تهاون في طلبه مع تمكنه من تحصيله والوقوف عليه ,  والعــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر ، بشرط ان يكون منشأه من القصور في فهم الأدلة دون تعمد المخالفة الشرعية ، وكان القصد منه موافقة الشريعة لا تكذيبها ولا تعطيلها ، وكان له وجه مستساغ وإن كان فهمه خطأ فهذا يُعذر صاحبه إن تلبس بالكفر فلا يكفر حتى تُقام عليه الحُجة التي يكفر تاركها ومثالها غالب الفرق الضالة الداخلة في إطار أمة الإسلام دون الغلاة منهم ، أما إن كان قصد المتأول التلاعب بالشريعة  ، وليس له وجه مستساغ في الشرع فهذا لا يُعذر به صاحبه البتة ، ومثاله تأويل القرامطة والباطنية أصحاب الأقوال المكفرة التي لا وجه مستساغ لها في الشرع ، والعذر إنما يكون في التأويل المستساغ ، وقد تضافرت الأدلة على عذر المتأول من كتاب الله عز وجل ومن سنّة النبي   صلى الله عليه وسلم  ، ومن ذلك قوله تعالى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } [ الأحزاب : 5 ] ، وقوله تعالى وهو يأمر المؤمنين بهذا الدعاء { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }[ البقرة : 286 ]  وجاء في صحيح مسلم في تفسير الآية أن الله تعالى قال ( قد فعلت ) [ صحيح مسلم ] ، فهذه الرحمة تتناول إن شاء الله تعالى أهل التأويل لأنهم داخلون في الخطأ وعدم تعمد المخالفة ، وأخرج مسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : بعثنا رسول الله إلى الحرقة من جهينة فصبحنا القوم فهزمناهم ، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ـ كان قد أثخن على المسلمين ـ قال فلمّا غشيناه قال لا إله إلاّ الله قـال : فكف عنه الأنصاري فطعنته برمحي فقتلته ، قال فلمّا قدمنا بلغ ذلك النبي   صلى الله عليه وسلم فقال : (( يا أسامه أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله )) قلت يا رسول إنما كان متعوذاً ، قـال :  (( أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله ؟ )) فمازال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم .)) ، [ أخرجه مسلم ] ، وفي الحديث عذر النبي صلى الله عليه وسلم  أسامه رضي الله عنه بتأويله ، أنه ما قالها إلاّ متعوذاً من القتل وإلا لأقام عليه الحد لقتله مسلما متعمدا ، والنبي يعذر حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه بالتأويل عندما كاتب المشركين بمكة يخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة  ، والحديث أخرجه البخاري ، وذلك أنّ حاطب رضي الله عنه تأول أنّ خوفه من الكفار على أهله وماله يرخص له في موالاة الكافرين ، وعذره الرسول  صلى الله عليه وسلم لخطئه في التأويل فلم يقم عليه حد الردة ، والعذر بالإكراه نص عليه القرآن الكريم ، قال تعالى { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ..}  [ النحل : 16 ] ، وعلى ذلك فإن العذر بالجهل والعذر بالتأويل والعذر بالإكراه جميعها أعذار شرعية تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الأكبر ، فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الشرعية بذلك ،

[  26  ]  من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر : (  قاعدة : المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة ) ، وعلماء أهل السنّة والجماعة متفقون على أن المسلم إذا وقع في الكفر أو الشرك لا يكفر حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بالكفر ، أمّا قبل إقامة الحُجة فإنه لا يُحكم عليه بالكفر الاكبر والخروج من الملة ، ولا يُخالف في هذه القاعدة إلاّ الخوارج والمعتزلة والحشوية أهل الغلو في مسائل التكفير ، قال تعالى  { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ }[ التوبة : 115 ] ، والآية تدل على أنّ الله لا يُؤاخذ عباده حتى يُبين لهم ما يأتون وما يذرون ، وتقوم عليهم الحجة بذلك ، وقد ثبت أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلاً لها ، فأقام عليه عمر الحدّ ولم يكفره ، وكذلك أبو جندل بن سهيل وجماعة معه شربوا الخمر بالشام مستحلين لها مستدلين بقول الله عز وجل { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا }[ المائدة : 93 ] ، فلم يكفروا وعرفوا تحريمها فتابوا وأقيم عليهم الحدّ ، وكذلك كل جاهل بشيء لا يُحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك ، ولأهل العلم في ضبط هذه القاعدة ثلاث ضوابط لا يسع جهلها وإلاّ آل الأمر إلى التعجل في تكفير أهل القبلة ، وهذه الضوابط الثلاث تتمثل في : ( الضابط الأول ) : الحُجة لا تكون معتبرة شرعاً حتى تستوفي كافة شروطها من جهات ثلاث ، جهة صفة الحُجة ، وجهة صفة من يُقيم الحُجة وجهة صفة إقامة الحُجة  ، فالحُجة نفسها التي تصلح لأن تكون حُجة لتكفير المسلم إما أن تكون قرآناً صريحاً أو تكون سنّة متواترة صريحة أو إجماع أهل العلم ، أمّا غير ذلك فأدلة محتملة لا تصلح لتكفير مسلم علمنا إسلامه بيقين ، وأمّا صفة من يُقيم الحُجة فلا تقوم الحُجة الشرعية إلاّ بمسلم عالم عدل معروفاً عند من يُخاطبه بالعلم والعدالة لقوله تعالى { فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [ التوبة : 122 ] فمن لم يكن موصوفاً بالعلم معروفاً به في مكان ما لم تقم به الحُجة الشرعية ، وأما صفة إقامة الحُجة فيشترط فيها أن تصل إلى المُخاطب بلغته التي يفهمها لقوله تعالى {  وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ }  [ ابراهيم : 4 ] ، وأن تكون مفصلة مبينة ترد على جميع شبهات المخاطب حتى ينقطع أمامها فلا يجد حُجة تدحضها ، لقوله تعالى { فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } [ المائدة : 92 ] ، وقوله تعالى {  وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ }[ التوبة : 115 ] ، و ( الضابط الثاني ) : لا يكفر المسلم حتى تتوفر شروط تكفيره وتنتفي موانعه ، وشروط تكفيره تنقسم إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول : شروط في الفاعل نفسه وهي أن يكون بالغاً ، عاقلاً ، عالماً بأن فعله مكفر ، متعمداً قاصداً لفعله ، مختاراً له بإرادته ، والقسم الثاني : شروط في الفعل نفسه ( الذي هو سبب الكفر ) بأن يكون هذا الفعل مكفراً الكفر الأكبر بلا شبهة فلا يصح التكفير بمسائل مختلف فيها بين فقهاء أهل السنّة والجماعة ، لأن من دخل الإسلام بيقين ( أي الإقرار بالشهادتين ) لا يخرج منه إلاّ بيقين ، وأن يكون صريح الدلالة على الكفر فلا يجوز التكفير بدليل محتمل الدلالة على الكفر وغيره ، و القسم ( الثالث ) : شروط في إثبات الكفر على صاحبه ، فلا يُحكم على مسلم بالكفر حتى يقوم الدليل الشرعي المكتمل على تكفيره فلا يكفر في حكم الظاهر كمثل المنافقين على عهد رسول الله  صلى الله عليه وسلم لم يقتلهم الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب كفرهم رغم علمه يقيناً بكفر اعيان منهم لأنه لم يثبت الكفر على أحدهم بطريق شرعي صحيح كأن يشهد عليه مسلمان بالكفر فيستتيبه الرسول صلى الله عليه وسلم  من الكفر وإلاّ قتله ، فهذه هي شروط تكفير المسلم المتلبس بالكفر الأكبر ، أمّا موانع تكفيره التي يُشترط انتفاؤها للحكم على معين بالكفر تتمثل في : موانع في المعين منها الصغر والجنون والخطأ والجهل والتأويل والإكراه فلا يُحكم عليه بالكفر حتى تنتفي تلك الموانع ، و ( الضابط الثالث ) : فإنه عند الاختلاف وتعارض الأدلة على تكفير المسلم يُرجح الجانب الذي فيه صالح المسلم لما فيه من السلامة والاحتياط والبعد عن خطر التكفير : وهذا الضابط هو من أهم ما يميز هل السنّة والجماعة الذين لا يكفرون أحداً من أهل القبلة إلاّ من ثبت على تكفيره دليل صريح صحيح لا معارض له ، فإن اختلفت فيه الأقوال فالأولى عدم تكفيره ، لان الخطأ في ترك ألف كافر في الحياة خير من الخطأ في سفك دمٍ مسلم ،

[  27  ]  من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر : (  قاعدة : لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة من أهل القبلة بإطلاق ، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم ) ،  لا يجوز تكفير أهل الفرق الضالة من المسلمين : إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ،  وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بعد استيفاء شروط التكفير ، وانتفاء موانعه ، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها علماء اهل السنة والجماعة ، وليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (( كلها في النار إلا واحدة ))   أن نحكم عليها بأنها في النار ، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه ،  وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار ، وهي إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد ، والإيمان المجمل بالإسلام  ، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق ، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة ، وقد حبا الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر ، فأهل البدع مسلمون لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ،

[  28  ]  مجمل قواعد الإيمان التي أصلها السادة علماء وفقهاء  أهل السنة والجماعة الناجية :  (1) الإيمان قول وعمل ، (2) الإيمان أصل وفرع وأصل الإيمان قول وعمل وفرع الإيمان قول وعمل ،  (3) أصل الإيمان هو أدنى ما يصح به الإيمان وهو مطلق الإيمان ، وهو إيمان أصحاب قبضة الرحمن وأصحاب شفاعة الرحمن التي لا تنبغي إلاّ للرحمن ،  (4) أصل الإيمان هو أقل ما يعطي لصاحبه اسم الإيمان وحكمه ، وليس هو اسم الثناء بالإيمان وإنما هو اسم الإيمان الذي تجرى به أحكام الإسلام ،  (5) ليس بعد أصل الإيمان سوى الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار  ، (6) أصل الإيمان لا يمنع من دخول النار ولكنه يمنع من الخلود الأبدي فيها خلود الجاحدين المكذبين ،  (7) أصل الإيمان محله القلب ويشمل قول القلب وعمله وله لازم لابد وأن يظهر على جارحة اللسان وهو الإقرار ،  (8) عناصر أصل الإيمان ثلاثة لا غنى عن أحدها :الأول :  قول اللسان ( الإقرار ) ، والثاني : قول القلب ( المعرفة والعلم والتصديق ) ، والثالث : عمل القلب ( الانقياد والإذعان ) ،  (9) أعمال الجوارح كلها خارجة عن أصل الإيمان داخلة في فرعه الواجب والمستحب ،  (10) ضد أصل الإيمان أو أحد عناصره الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار ، وكل كفر كان ضداً للإيمان الفرع فهو كفر في إطار الملة وليس خارجها ،  (11) فرع الإيمان هو ما يسميه العلماء ( الإيمان المطلق ) أو ( الإيمان الكامل ) وهو الأشهر عندهم ،  (12) الإيمان الكامل قسمان : الأول : الكامل الكمال المأمور به وهو الإيمان الواجب ،  الثاني : الكامل الكمال المندوب إليه وهو الإيمان الكامل المستحب ،  (13) الإيمان الواجب يكون بأداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات إضافة إلى وجود الأصل ، (14) الإيمان المنفي في نصوص الشرع ( الكتاب والسنّة ) المقصود منه نفي الإيمان الواجب وليس نفي أصل الإيمان ،  (15) الإيمان الكامل المستحب يكون إضافة إلى وجود أصل الإيمان وواجبه التحلي بالمندوبات والقربات والتنـزه من المكروهات والشبهات وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح بمسنون الطاعات ،  (16) الإيمــان ثــلاث مراتـب : أعلاها مرتبة الإحسان : - وهي مرتبة السابق  بالخيرات بإذن الله ، المؤدي لكافة شرائع الإيمان فرضاً ونفلاً ( فعلاً وتركاً ) وهي مرتبة أصحاب الدرجات العُلا في جنـة الخلد . ويليها مرتبة الإيمان : - ( الإيمان الواجب وهي مرتبة المقتصد ) المؤدي للفرائض والواجبات والمنتهي عن الكبائر والمحرمات لا يزيد على ذلك ولا ينقص منه ، وأصحاب هذه المرتبة يدخلون الجنة ابتداء ، وأقلها مرتبة الإسلام : ( مرتبة الظالم لنفسه ) وهو المؤدي للأركان الخمسة وأهمها الصلاة ولكنه مقصّر في أداء بعض الفرائض والواجبات والواقع على بعض الكبائر والمحرمات ، وصاحب هذه المرتبة إلى المشيئة إن شاء الله عز وجل غفر له وإن شاء عذبه حتى يخرج من النار بشفاعة المؤمنين والملائكة والنبيين ، وأدنى هذه المرتبة الثالثة : ( مرتبة أصل الإيمان وحدّه الأدنى الذي يصح به الإيمان ) وهي درجة التوحيد المجرد ، وصاحبها هو الذي جاء فيه قسم الله عز وجل (( وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله )) أي معتقداً لها وهؤلاء هم آخر أهل النار خروجاً من النار وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة وأدناهم فيها منزلة ، وليس بعد ذلك سوى الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين المكذبيـن ، ومجمل قواعد التكفير التي أصلها السادة علماء وفقهاء أهل السنة والجماعة الناجية :  ( القاعدة الأولى ) : الكفر الأكبر كفر اعتقاد ، وكفر العمل لا يكون كفراً أكبر حتى يصاحبه زوال الاعتقاد بـزوال قـول القلب ( تصديقه ) أو بزوال عمله ( انقياده ) ، و ( القاعدة الثانية ) : الكفر الأكبر ضد لأصل الإيمان أو أحد عناصره ، والكفر دون كفر ضد للإيمان الواجب ، و ( القاعدة الثالثة ) : الأعمال الكفرية كالسجود للأصنام والاستهزاء بالدين وسب الأنبياء وإهانة المصاحف وما شاكلها كفر عملي فيما يظهر للناس ولكنها في الحقيقة كفر اعتقاد ناشئ عن غياب عمل القلب من الانقياد والتعظيم ، ( القاعدة الرابعة ) : التولي عن الطاعة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب وهو كفر في إطار الملة إذا صحّ العقد والاعتقاد واقتصر التولي على كفر الجارحة ، ( القاعدة الخامسة ) : تارك الحكم بما أنزل الله كفر أكبر للجاحد لحكم الله ، وللمستحل بالحكم بغير ما أنزل الله ، الناقض باستحلاله لأصل الإيمان ، وهو كفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وهو المقر المعتقد لحكم الله تعالى ، وكان تفريطه في عمل الجارحة فقط ، ( القاعدة السادسة ) :  تارك الصلاة كافر ، وهو كفر أكبر للجاحد لفرضية الصلاة ، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وهو المقر المعتقد لها ، واقتصر تفريطه في عمل الجارحة فقط تكاسلا ، و ( القاعدة السابعة ) : من تولى الكافرين على المسلمين كفر ، وكفره أكبر لمن تولاهم على دينهم ، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان ، وهو المقر المعتقد لوجوب موالاة المسلمين على الكافرين ، وكانت موالاتهم على غير دينهم ومعتقدهم ، ومن أهم قواعد الشريعة العامة الضابطة لباب الإيمان والكفر ، والتي أصلها السادة علماء وفقهاء  أهل السنة والجماعة الناجية :  ( القاعدة الأولى ) : مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر ، ( القاعدة الثانية ) : من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ، ( القاعدة الثالثة ) : بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة ، كل من لم يشهد بالشهادتين فهو كافر ، فإن كان لم يسمع بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر جاهل ، وإن كان سمع به ولم يؤمن برسالته فهو كافر معانـد ، ( القاعدة الرابعة ) : عـدم مؤاخـذة الكافريـن على كفرهـم قبـل بلـوغ النـذارة إليهـم ، ( القاعدة الخامسة ) : خطـورة تكفـير المسلـم ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه ، ( القاعدة السادسة ) : العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر ، ( القاعدة السابعة ) : العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر ، ( القاعدة الثامنة ) : المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة ، ( القاعدة التاسعة ) :  وجــوب التفريــق بيــن التكفيــر المطلــق وتكفيــر المعيـن ، ( القاعدة العاشرة ) : لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره ،  ( القاعدة الحادية عشر ) : اعتبــار القصــد في نواقــض الإيمــان القوليــة والعمليــة ، ( القاعدة الثانية عشر ) : لا يجــوز التكفيــر بمــآل القـول ولا بلازمــه ، ( القاعدة الثالثة عشر ) : قد يوجد في المؤمن بعض شعب الكفـر ( الكفر دون كفر ) أو الشرك ( الشرك الأصغر ) أو النفـاق ( النفاق العملي ) وهـو مـع ذلـك مسلـم له اسـم الإيمـان وحكمـه ، ( القاعدة الرابعة عشر ) : لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة عن منهاج أهل السنّة والجماعة بإطلاق ، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم ، وبعد فهذه هي أهم قواعد الشريعة العامة اللازمة لفقه الإيمان والكفر على أكمل وجه مستطاع ، وهي التي اجتهد السادة علماء اهل السنة والجماعة في تأصيلها بأدلة الكتاب والسنّة ، وهذه القواعد ضرورية ، تضبط فقه مسائل وأحكام الإيمان والكفر على منهاج  أهل السنة والجماعة الناجية ، وفي الحديث المتفق عليه (( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )) ،  وهذه القواعد هي ثمرة جهود السادة الأثرية والأشعرية والماتريدية في حفظ وتأصيل علم الإيمان والكفر على منهاج الكتاب والسنة ، فجزاهم الله تعالى عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء ،

[  29  ]  خلاف السادة الأحناف والماتريدية في بعض مسائل الإيمان والكفر للسادة الأثرية والأشعرية خلاف نظري محض وصوري بحت لا حقيقة له ، وجميعهم على الحق ،  والجميع يقولون ويصرحون في كتبهم أنّ أصل الإيمان ( حدّه الأدنى ) يتناول قول القلب وعمله مع إقرار اللسان ، المذهب واحد في الأصل المنجي من الكفر الاكبر الموجب للخلود الابدي في النار ، والمذهب واحد في الأصل الذي يمنح المسلم أسم الإيمان وحكمه ، أمّا الإيمان الفرع فقد تكلم فيه الأشاعرة والأثرية ، ولهذا قالوا بزيادة الإيمان ونقصانه ، أما الأحناف والماتريدية فهم تكلموا فقط على أصل الإيمان ، وقالوا أنه بمثابة النصاب محدد لا يقبل زيادة ولا نقصان ، وهذا صحيح ، لأنه لو زاد لم تتناول الزيادة الأصل وإنما الإيمان الواجب ، ولو نقص زال اصل الإيمان وحل محله الكفر الاكبر ،  ( إذن ) الأحناف عندما قالوا عن الإيمان وأهله في أصله سواء ، قصدوا أصل الإيمان ، لأنه لا يقبل التفاوت بمعنى : إن نقص دخل صاحبه في الكفر الأكبر ، وإن زاد دخل في مرتبة أخرى هي الإيمان الواجب ، ومثال ذلك " النصاب " فكما أنّ نصاب الذهب في حق الأغنياء بالذهب واحد لا يزيد ولا ينقص ولا يتغير من شخص لآخر ، وإن تفاوتوا في الغنى بالذهب وتقدير الزكاة وفق ثروة كل منهم ،  فكذلك يقول الأحناف : إن الإيمان الذي هو نصاب التصديق والانقياد لا يزيد ولا ينقص ، وفي إطار هذا المثال أن نفهم القصد من عبـارة الأحناف والماتريدية : ( وأهله في أصله سواء ) أي في الحد الأدنى الذي يصح به اسم الإيمان وحكمه وهذا لابد وأن يوجد عند كل مسلم سواءً أكان ملكاً مقرباً أو مؤمناً عاصياً لأن لكليهما اسم الإيمان وحكمه وقد اكتسبه بسبب ما عنده من أصل الإيمان ونصابه الأدنى الذي يصح به اسم الإيمان . ومع فهم المثال السابق نعلم أنّ الأحناف لا ينفون تفاوت الناس في درجات الإيمان ولا ينفون زيادة الإيمان ونقصانه بالنسبة للأشخاص وهم يقولون ويصرحون أنّ المؤمنين متفاوتون في ثمرات الإيمان ونتائجه ومتعلقاته ، وإنما نفيهم للزيادة والنقصان إنما هو في مرتبة محفوظة مقصودة هي مرتبة الأصل الذي توقف عليه النجاة من الخلود الأبدي في النار والذي ليس بعده إلاّ الكفر الأكبر ،  ويؤيد ذلك ما قاله شارح الفقه الأكبر الملا على القارئ الحنفي بقوله " الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان من حيث أصل التصديق لا من جهة اليقين فإن مراتب أهلها مختلفة في الدين "[ شرح الفقه الأكبر ص 70 ] أهـ ،  وقال البدر العيني الحنفي كذلك : "فكل ما قام من الدليل على أنّ الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان كان مصروفاً إلى أصل الإيمان "[ عمدة القارئ حـ1/108 ] أهـ ، وعلى ذلك ، فمع تحقيق المسألة وتحرر موضع النـزاع نجد أنّ الخلاف بين الأحناف وبين بقية أهل السنّة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه ليس على إطلاقها كما فهمها البعض وظنها خلاف حقيقياً وإنما بتحرير موضع النـزاع نعلم أنه عند معرفة قصد كليهما أنه لا خلاف البتة بينهم وأن حاصله لفظي محض ونظري مجرد لا يترتب عليه أي خلل في فهم الإيمان بمختلف مراتبه وهو لا شك يزيد وينقص عند الجميع بما فيهم الأحناف ، والأحناف تكلموا عن نصاب الأصل الذي لا يصح الإيمان إلاّ به وهو لا شك عامل مشترك عند كل مسلم ونصاب ثابت عند الجميع إن نقص صار شكاً وكفراً وإن زاد دخلت الزيادة في إطار الإيمان الواجب ، وبهذا نجد أنّ مدارس العقيدة السنية جميعها ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) في الباب على الصراط السوي لا يخالفهم فيه إلاّ الخوارج أو المعتزلة أو الجهمية أو المرجئة أو حشوية المحدثين الذين لم يبلغوا الفقه المطلوب للحديث عن علوم الدين عامة ومسائل الإيمان والكفر خاصة ، فصاروا لا يفرقون بين مراتب الإيمان ولا الحدّ الأدنى منه والحد الكامل منه ، ولا يفرقون بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق بل الأمر عندهم دون التفصيل الذي بلغه فقهاء الملة ورب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من أفقه منه كما جاء في الحديث ،

[  30  ]  أسس يمكن أن تُزيل الخلاف في مسائل الإيمان بين كافة طوائف أهل السنّة والجماعة :  ( الأساس الأول ) : حمل قول من قال من أهل السنّة والجماعة أنّ الإيمان هو التصديق على تصديق اللسان وتصديق القلب الإذعاني المستلزم لانقياده . وحمل من قال أنّ الإيمان إقرار وتصديق على إقرار اللسان وتصديق القلب المستلزم لانقياده . وليس هذا الحمل على سبيل التطوع أو حسن الظن بل هو الحمل الواجب لأنه بذلك دلّت أقوالهم في كتبهم ومؤلفاتهم وسيأتي بيان ذلك في بابه إن شاء الله تعالى بما فيه الكفاية . وبهذا الحمل يتفق جميع علماء أهل السنّة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين على أصل الإيمان وكونه قول اللسان ( الإقرار ) وقول القلب ( التصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) ، ( الأساس الثاني ) : حمل كلام الأحناف على أصل الإيمان وليس مسماه يتفق الجميع في كون أصل الإيمان قول وعمل ( قول القلب واللسان وعمل القلب ) وتكون أعمال الجوارح خارجه عن الأصل داخله في المسمى الإيمان عند الطرفين ، وهذا بالطبع بخلاف المرجئة التي تقول بأنّ إيمان المرتكب لأكبر الكبائر عدا الشرك بالله كإيمان أبي بكر وعمر بل وكإيمان الملائكة والأنبياء نعوذ بالله من الإرجاء وأهله ، فهؤلاء المرجئة يخالفون أهل السنّة والجماعة في أنهم يقولون لا يضر مع الإيمان معصية وأهل السنّة يقولون بأنه يضر مع الإيمان المعصية والعاصي مستحق للوعيد ،  ( الأساس الثالث ) : أنه لا فرق جوهري – في أحكام الدُنيا – بين من جعل الإقرار ركن من أركان أصل الإيمان وبين من جعل الإقرار شرط لصحة الإيمان لأنهما يؤولان إلى قول واحد وهو ضرورة الإقرار والتصديق والانقياد للحكم بإيمان المعين ظاهراً وباطناً ، ولعله إلى ذلك يُشير النووي بقوله : " اتفق أهل السنّة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أنّ المؤمن الذي يُحكم بأنه من أهل القبلة لا يكون إلاّ من اعتقد بقلبه دين الإسلام ونطق بالشهادتين " أهــ [ شرح مسلم للنووي حـ1/219 ]  ، ( الأساس الرابع ) : أنّ من قال أنه التصديق وحده ، وكان من علماء أهل السنّة والجماعة فلم يُنسب إلى غيرهم من أهل الفرق الضالة فلابد وأن يُحمل كلامه على أنه يقصد الاعتقاد بشقيه قول القلب ( العلم والمعرفة والتصديق ) وعمل القلب ( الانقياد ) ، ويُحمل كلامه على أحكام الآخرة لأن الإجماع متحقق عند أهل السنّة والجماعة أن مـن لم يقـر بالشهادتين بلسانه بغير عذر فليس بمسلم ولا تجري عليه أحكام المسلمين في الدُنيا ، وأشار إليه النووي بقوله :" الإيـمان شرطـه الإقـرار بالشهادتـين مع اعتقادهما واعتقاد جميع ما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم " [ شرح النووي لصحيح مسلم حـ1/293 ] أهـ ، وقولـه :" اتفق أهل السنّة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أنّ المؤمن الذي يُحكم بأنه من أهل القبلة لا يكون إلاّ من اعتقد بقلبه دين الإسلام ونطق بالشهادتين " [ شرح مسلم للنووي حـ1/211 ] أهـ ، ( الأساس الخامس ) : جميع من انتسب إلى أهل السنّة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين ( علماء الأصول ) يجعلون للعمل منـزلة وأهمية كبيرة وجميعهم يقولون بأن أهل الذنوب داخلون تحت الذمّ والوعيد ، ويقولون بأن الإيمان بدون العمل المفروض ، ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقاً للذمّ والعقاب ، ويقولون بأنّ بعض أهل الكبائر يدخلون النار ويعذّبون فيها ، ويقولون بأنّ مرتكب الكبيرة فاسق داخل تحت الوعيد وهذا كله يخالفون فيه المرجئة الذين قام مذهبهم الضال على أنّـه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة ، وأنّ أهل لا إله إلاّ الله جميعهم يدخلون الجنة ابتداءً فلا يلج أحدهم النار مهما كثرت ذنوبه ، وأن إيمانهم جميعاً كإيمان الملائكة والنبيين ،  وبهذا نعلم الفارق العظيم بين متكلمي أهل السنّة والجماعة وبين المرجئة ونعلم لماذا على مدى قرون عديدة والعلماء يتحدثون عن والأشاعرة والماتريدية على أنهم مع الأثرية أتباع السلف الحقيقيون هم المتخصصون في العقيدة في إطار أهل السنّة ، فبهذه الأسس يضيق الخلاف والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ، 

[ خاتمة  الحديث عن العلم الثاني : علم الإيمان ] : كل ما سبق من نقاط كان مما تيسر بيانه من لبنات علم  الإيمان وفقه مسائله وأحكامه ،  وتفاصيل هذا العلم العظيم هو من جملة العلوم المفقودة في هذا الزمان والتي ادى غيابها إلى الخلل العقدي والعلمي بين فرق المسلمين ، والى وقوع طوائف من الأمة في بدعة الغلو في التكفير واستحلال دماء أهل القبلة وحرماتهم نسأل الله تعالى السلامة من الزيغ ، ومن  البدع ،  وأرى أنه لا مناص للأمة من تجديد الطلب لهذا العلم الجليل وذلك للقضاء على فوضى الغلو في التكفير ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بحفظ حُرمة أهل القبلة ، أهل ( لا إله إلاّ الله * محمـد رسول الله ) وحفظ حقوقهم الشرعية دون تعدي على أحد منهم بتكفير لا يستحقه أو ظلم لا يُـناسبه ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بتتبع جذور الغلّو في مسائل التكفير واجتثاثها من أصولها ، ومنع الغلّو  في تكفير أهل القبلة أو التعجل فيه دون اتباع ضوابط أهل العلم الصحيحة في تكفير المسلم المتلبس بالكفر الأكبر ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بتتبع شبهات الخوارج والمعتزلة وآرائهم التي تسربت إلى أهل زيادة التكفير الذين لابد من التحذير من خطورة مسلكهم ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق ببيان الفهم الصحيح للإرجاء وحدوده الفاصلة بينه وبين السنّة ، وبيان من هم المرجئة ومتى يُتهم المرء بالإرجاء ومتى لا يُـتهم ، وذلك لأننا رأينا في زماننا هذا كثير من المائلين إلى التكفير الجانحين إلى الزيادة فيه يرمون علماء أهل السنّة بالإرجاء وما ذلك إلاّ لعدم تحقيقهم للحدّ الفاصل بين الإرجاء والسنّة ، بل وعدم فهمهم لحقيقة مذهب أهل السنّة ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بتجديد النظرة السمحة الصحيحة المعتدلة التي كان عليها علماؤنا الأجلاء تجاه أهل السنّة . وهم بحمد الله سواد الأمة الأعظم على مرّ عصور الإسلام ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بفتح صفحة جديدة صحيحة بيضاء بين العلماء والمصلحين والدعاة وطلبة العلم وبين سواد وعامة أهل السنّة الذين هم أشد الناس احتياجاً إلى النصيحة والدعوة والعلم ، صفحة تمتلئ بالرأفة والرحمة ، وتمتلئ بنشر العلم الراسخ بأدلته الربانية المحفوظة بعيداً عن مناهج الغلّو سواء في التكفير أو في التفسيق والتبديع الزائد دون ضوابط حكيمة قررها أهلها علماء الأمة الأئمة الثقات ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بتأصيل مسائل الإيمان والكفر على طريقة أهل العلم والفقه بالكتاب والسنّة والتي تتميز بوضوح الأحكام وصحتها وسهولة إدراكها وتطبيقها  وذلك حتى يتيسر لطالب العلم جمع أهم مسائل وأحكام الإيمان مجتمعة متكاملة في مؤلف واحد ، وأظنه ثغرٌ يحتاجُ اليومَ إلى من يسده عن المسلمين عموماً وعن طلاب العلم على وجه الخصوص ، نسأل الله عز وجل أن يلهمنا الصواب وأن يجنبنا الخطأ والزيغ وأن يهدينا صراط علماء أهل السنّة المحققين إنه وليّ ذلك وهو سبحانه نعم المجيب ، وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

 

 

العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم الثاني : ( علم الإسلام ) للقضاء على فوضى العداء واستحلال الحرمات بين أهل القبلة

إنّ العلم الثاني من العلوم التي يجب تجديدها بين أهل الإسلام : ( علم معرفة إطار الإسلام ) للقضاء على فوضى العداء واستحلال الحرمات بين أهل القبلة ، ويمكن تحقيق ذلك من خلال تناول تلك النقاط : ( أولاً ) : بيان من هو المسلم وما هو إطاره وما هي حقوق المسلم على المسلم ، ( ثانياً ) :  بيان أهمية الوحدة وعوامل التآلف والتكامل والتراحم بين أهل الإسلام ، ( ثالثاً ) : بيان قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بحفظ حرمات المسلم ، ( رابعا ) قواعد تقنين الخلاف بين المسلمين ، ( خامسا ) : معرفة الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة ،

[ أولاً ]   :  بيان من هو المسلم وما هو إطاره وما هي حقوق المسلم على أخيه المسلم

ويتم ذلك  من خلال بيان تلك  النقاط  :

[ 1 ]  المسلم : هو كل من قال ( لا إله إلا الله * محمد رسول الله ) : مقرا لها بلسانه ، معتقدا لها بقلبه ، والاعتقاد القلبي له ركنان ، ( قول القلب وهو التصديق القلبي للشهادة ، وعمل القلب ، وهو الانقياد القلبي لها ،  هذا المسلم : لا نكفره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، ولما كان حال القلب لا يطلع عليه إلا الله ، فإن المسلم عندنا هو كل من قال (( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمد رسول الله )) ،  مقرا بها منقادا لها ، فمن نطق بهما بلسانه مستيقنا بهما فإنه يحكم بإسلامه الظاهـر والله يتـولى السرائـر ، ومن مات عليهما استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ، ومن أقر بهما فإنه لا يخرج من الإسلام إلا بناقض ينقضهما ،  ونواقض الشهادتين : هي الخصال التي تحصل بها الردة عن دين الإسلام ، وتتمثل في : إنكار معلوم من الدين بالضرورة أو استحلال ما حرّم الله تعالى أو جحد فريضة من فرائض الله تعالى ، أو الطعن في دين الله تعالى أو شيء منه ، والطعن يكون بالتكذيب أو السب أو الشك أو الاستهزاء ، والتكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، إذن : المسلم هو كما عرفه الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ، ، قال صلى الله عليه وسلم : (( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته )) [ أخرجه البخاري ، ح : 384 ] ، ولا يصح تفريغ الحديث من معناه ، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين ، وعليه ما على المسلمين ، فلا يصح أن يهلك بعضها بعضا ، ولا أن يسبي بعضهم بعضا ، وفي هذا المسلم قال صلى الله عليه وسلم : ((  كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ رواه مسلم ] ، فلا يصح أن يهلك بعضها بعضا ، ولا أن يسبي بعضهم بعضا ،

[ 2 ] المسلمون أمة واحدة من دون الأمم ،  هم المؤمنون بالله ورسوله ومن عداهم كفار بالله جاحدون لنبوة رسوله صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [ النساء : 150 إلى 152 ] ، نزلت الآية في أهل الكتاب الذين جحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ، والكفار والمشركون هم شر البرية ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ } [ البينة : 6 ] ،

[  3  ] الأصل بين المسلمين هو وحدة التآلف والتكامل والتراحم ، والتعاون على ما يحقق الخير للإسلام والمسلمين ، قال تعالى { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } [ الأنبياء : 92 ] ، وقال تعالى { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } [ المؤمنون : 52 ] ،  وقال تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 102 ، 103 ] ، و قال تعالى :  { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } [ الشورى : 13 ] ، وقال تعالى { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ] ، وقال تعالى :  { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ المائدة : 2 ] ، وقال تعالى :  { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ الأنفال : 1 ]  ، وقال تعالى { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ } [ الصف : 4 ] ، والخطاب هنا عام لأمة الإسلام لأنها أمة القتال والجهاد من أجل نصرة دين الله تعالى ، والله عز وجل يحب لأهل الإسلام أن يعملوا له صفا واحدا لا اختلاف بينهم ولا تنازع ولا فرقة ولا شقاق بل يشد بعضهم بعضا كالبنيان المرصوص ، وقال تعالي : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } [ الأنفال : 60 ] ، يأمر الله عز وجل بالإعداد من أجل إرهاب اعداء الله اعداء المسلمين  ، إعداد أقصي قوة مستطاعة من الناحية المعنوية ومن الناحية المادية ولا شك في أنه وحدة أهل الإسلام وتكاملهم وتآلفهم وتعاونهم هو من عداد القوة المعنوية لما فيه من إتمام صفات الولاء وهى صفة الايمان وهو أعظم اعداد معنوي ، وهو كذلك من الوحدة المادية لأنه توحيد للجهود والقوى المبعثرة والاتحاد قوة والفرقة ضعف قال تعالي { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم } فالتفرق والتنازع والشقاق ضعف وأي ضعف ، وقال تعالى { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون } ، لقد بلغ حرص القرآن الكريم على وحده المسلمين مبلغا عظيما  ، فإذا حدث نزاع وقتال بين طائفتين من المؤمنين فقد وجب على جميع المؤمنين السعي في الاصلاح بينهما ، فإن مالت إحداهما على الأخرى بالظلم والبغي والعدوان وجب على الجميع الوقوف إلى جانب الحق وقتال الباغية الظالمة حتى ترجع إلى حكم وشرعه والرضا بالمصالحة العادلة مع الطائفة الاخرى  ، ثم بين الحق عز وجل بعد هذه الآية الاولى إخوة المؤمنين وأنهم ينبغي أن يبادروا سريعا إلى إصلاح ذات بينهم وليتقوا الله في ذلك فإنه الطريق إلى رحمة الله ، قال تعالى : { ولايزالون مختلفين إلاّ من رحم الله } ، فالرحمة مع الوحدة والاتفاق واجتماع الكلمة ،

[  4  ] ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الواردة في هذا الأمر : قوله صلى الله عليه وسلم ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) [ متفق عليه ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )  [ أخرجه مسلم  ] ، وقَالَ صلى الله عليه وسلم : (( المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ ، وَلاَ يُسْلمُهُ . مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه ، كَانَ اللهُ في حَاجَته ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً ، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ )) [ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( المُسْلِمُ أخُو المُسْلم : لاَ يَظْلِمُهُ ، وَلا يَحْقِرُهُ ، وَلاَ يَخْذُلُهُ ، التَّقْوَى هاهُنَا - ويشير إِلَى صدره ثلاث مرات - بحَسْب امْرىءٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخَاهُ المُسْلِمَ ، كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ أخرجه مسلم ] ، وقَالَ صلى الله عليه وسلم : (( من نفَّس عن مؤمن كُرْبة من كُرَب الدُّنيا ، نفَّس الله عنه كُرْبة من كُرَب الآخرة ، ومن سَتَر على مسلم ، سَتَره الله في الدُّنيا والآخرة ، والله في عون العبد ، ما كان العبد في عون أخيه )) [ أخرجه مسلم ] ،

[  5  ]  وقد وضح الشرع الحكيم حقوق المسلم على المسلم ، روى البخاري (1240) ومسلم (2162) عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ : رَدُّ السَّلَامِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ  ) [ متفق عليه ] ، ورواه مسلم (2162) أيضا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ ) قِيلَ مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ : قَالَ ( إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَسَمِّتْهُ وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ  ) [ أخرجه مسلم ] ، وروى التِّرْمِذِيّ عَنْ عَلِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِم سِتّ بِالْمَعْرُوفِ : يُسَلِّم عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ , وَيُجِيبهُ إِذَا دَعَاهُ , وَيُشَمِّتهُ إِذَا عَطَسَ وَيَعُودهُ إِذَا مَرِضَ وَيَتْبَع جَنَازَته إِذَا مَاتَ , وَيُحِبّ لَهُ مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ  )) [ أخرجه الترمذي ] ، وروى الإمام أحمد في ( المسند:ج2ص224ر7086) ، قال النبي صلى الله عليه و سلم : (( المسلم من سلم الناس من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه )) [ وصححه الأرنؤوط ] ، وروى الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة في (ج2ص379ر8918) عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : (( المسلم من سلم الناس من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم )) [ قال الأرنؤوط : إسناده قوي وقال الألباني: حسن صحيح ] ، وروى الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : (( المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب  )) [ وصححه الأرنؤوط ] ، هذا هو المسلم ، وهذه بعض حقوق المسلم على أخيه المسلم ،

[  ثانياَ ]  :  بيان عوامل التآلف والتكامل والتراحم بين أهل الإسلام ،

[ 1 ] نقاط الالتقاء والتفاهم بين الفرق الإسلامية فضلا عن المذاهب الإسلامية كثيرة جدا وهي أصول لا غنى عنها ، ونقاط الخلاف والتباعد قليلة محدودة جدا ، وكل نقاط الخلاف فروع لا تؤثر في الانتماء إلى الإسلام ،  نقاط الالتقاء كثيرة جدا وهي أصول لا غنى عنها ، الدين واحد والإله واحد والرسول واحد والقرآن واحد ، وشهادة الانتساب إلى الدين واحدة : (( شهادة أن لا اله إلا اللّه، وان محمدا رسول اللّه )) ، وأركان الدين واحدة والعبادات واحدة ، العدو المشترك لها واحد ، هذه بعض أصول الوحدة ونقاط الالتقاء ، أما نقاط الخلاف والتباعد قليلة محدودة جدا ، وكل نقاط الخلاف فروع لا تؤثر ، وبعضها يقوم على نصوص ظنية الدلالة ، وكل ما هو ظني فإنما يخضع للاجتهاد ، والقاعدة في الاجتهاد هي حديث النبي (( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر  ))  [ متفق عليه ] ، فلا يصح أن يكون مجال الاجتهاد سببا للتفرقة والمبادرة إلى سل سيف التكفير لمن أخطأ،  تكمن المشكلة في أن البعض من المغرمين بالفرقة والخلاف والتنازع يتركون نقاط الاتفاق ، ويتصورون الخلاف قبل الوفاق ، وينسون مواطن‏ الاتفاق ويبتعد عن أذهانهم جوانب الالتقاء مع انها أصول الإسلام ،

[ 2 ]  إنّ عوامل الوحدة والتكامل بين صفوف الأمة الإسلامية أكثر من أن نعددها ، وهي أصول الدين وأسسه وتكفي لبناء أعظم أمة وأقوى وحدة ، ومن ذلك : ( العامل الاول ) : الأمة دينها واحد هو الإسلام ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } ، وقال تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ  } ، وقد تفضل اللّه على المسلمين بإتمام النعمة وإكمال الدين، وهو الأساس، فلا داعي للابتعاد عنه بسبب الخلاف في ‏الفروع ، قال اللّه تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا } ، وجاءت النصوص القرآنية تؤكد ضرورة الالتقاء على أصول الدين، فقال اللّه تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه حق ‏تقاته، ولا تموتن إلا وانتم مسلمون. واعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا تفرقوا } ، ، و قال تعالى :  { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } [ الشورى : 13 ] ، وقال تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال : 46 ] ،  و ( العامل الثاني )  : الأمة إلهها واحد وربها واحد ومعبودها واحد ، قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } ، وقال تعالى : { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ  } ، وقال تعالى : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  } ، والمسلمون جميعاً يؤمنون باللَّه الرحمن الرحيم الواحد الأحد الفرد الصمد ، ويقدسونه وينزهونه وينفون عنه الشبيه والند والمثيل ، والصاحبة والوالد والولد ،  {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } ،  و ( العامل الثالث )  : الأمة رسولها واحد ، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : والمسلمون جميعاً يؤمنون به رسولاً ونبياً أرسله اللَّه تعالى، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين لا نبي من بعده ، وهو صاحب الشفاعة يوم الدين ، معصوم عن الخطأ في تبليغ رسالة ربه ، وقد بلَّغ ما أمر به بلاغاً تاماً ، قال تعالى : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ  } ، وقال تعالى : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } ،  و ( العامل الرابع )  : الأمة قرآنها واحد ، القرآن الكريم : وهو كتاب اللَّه تعالى المنزل على محمد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  بواسطة جبريل عليه السلام ، بلسان عربي مبين ، المتعبد بتلاوته، المحفوظ من التحريف والتبديل ، المبدوء بالفاتحة، المختوم بسورة الناس، الموجود بين دفتي المصحف وصلنا متواتراً كما أُنزل على النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم ،،لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ،  قال تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ، وقال تعالى : { وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } ، والمسلمون جميعاً على الإيمان بذلك كله ،  و ( العامل الخامس )  : الأمة قبلتها واحدة : وهي الكعبة المشرفة بمكة المكرمة، وتسمى البيت الحرام، فالمسلمون جميعاً يتوجهون إليها في صلاتهم عملاً بقول اللَّه تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } ، وهي أول بيت وضع للناس ، قال تعالى : { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً، وللَّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، ومن كفر فإن اللَّه غني عن العالمين  } ،  وقال صلى الله عليه وسلم : (( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته )) [ أخرجه البخاري ، ح : 384 ] ، ولا يصح تفريغ الحديث من معناه ، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين ، وعليه ما على المسلمين ، و ( العامل السادس )  : الأمة جميعا عندها شهادة الانتساب إلى الدين واحدة : وهي ، ( شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً رسول اللَّه ) ، ويجب النطق بها للدخول في الإسلام لمن لم يكن مسلماً ،  والمسلمون، بمختلف مذاهبهم، في الماضي والحاضر ، على أنها أصل الدين وبابه الاوحد ، ومتفقون على أنه لا يجزئ عنها شيء سواها ، ومتفقون على أنه لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلاّ كان من أهل الجنة ، و ( العامل السابع )  : أمة الإسلام جميعهم متفقون على أركان الإيمان ، من إيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقضاء والقدر ، و متفقون على أركان الإسلام ، وأركان الإسلام عندهم واحدة ، إنها شهادة أن لا اله إلا اللّه، وان محمدا رسول اللّه، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا من المسلمون ، وبحمد الله الأمة عباداتها واحدة ، ( الصلاة ) ، فلا خلاف حول الصلاة المفروضة وعدد ركعاتها ولا حول ركوعها وسجودها وبقية أركانها ، ب- والصيام ، في شهر رمضان حيث يجمع المسلمون على صيام نهاره طيلة أيامه ، ج-  والزكاة، وهي النصيب الذي فرضه اللَّه للفقراء في أموال الأغنياء ، يتفق عليه جميع المسلمين ، والنصاب واحد عند جميع الفرق والمذاهب الإسلامية ، د- والحج، يجتمع المسلمون – كل المسلمين – في زمان واحد هو أشهر الحج ، وفي مكان واحد مكة المكرمة بزي واحد لأداء مناسك واحدة ،  و ( العامل الثامن )  : الأمة جميعا لها مصادر تشريع واحدة ، تتمثل في طاعة الله ورسوله ، قال تعالى : { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } ، وقال تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } ، لقد توافرت للأمة الإسلامية ‏ وحدة التشريع، بما حفظه اللّه لها في مصدريها الأصليين، وهما القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، وحتى المصادر الأخرى الاجتهادية ، فهي متقاربة ، والحلال في شرع الإسلام بين ، والحرام‏ بين ، والفرائض معلومة والواجبات معروفة  ، والمنهيات واضحة والكبائر يعلمها الصغير والكبير من المسلمين ،  و ( العامل التاسع )  : الأمة جميعا  لها انتماء واحد ، هو أنها أمة الإسلام ، ، قال تعالى { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } [ الأنبياء : 92 ] ، وقال تعالى { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } [ المؤمنون : 52 ] ،  والمسلمون، في أنحاء العالم ، من جميع الاجناس والألوان واللغات ، ينتمون لأمة واحدة ، دينها واحد وعقيدتها واحدة ، صهر الإسلام الجميع في بوتقة واحدة هي الانتماء للأمة الإسلامية ، ذات التاريخ الواحد، والرابطة الواحدة ، قال تعالى : { إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم، واتقوا اللّه لعلكم ترحمون }  ، و قال صلى الله عليه وسلم : (( مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ ، مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى )) [ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ] ، وقَالَ صلى الله عليه وسلم : (( المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ ، وَلاَ يُسْلمُهُ . مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه ، كَانَ اللهُ في حَاجَته ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً ، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ )) [ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ رواه مسلم ] ،  و ( العامل العاشر )  : الأمة جميعا  أمامها عدو واحد مشترك : هو الكفر وأهله ، قال تعالى { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ] ، الذين كفروا يوالي بعضهم بعضا في حرب الاسلام وأهله بالتنسيق فيما بينهم فهم على دين الاسلام وجربه أولياء ،  والمسلمون أمة واحدة من دون الأمم ، هم المؤمنون بالله ورسوله ومن عداهم كفار بالله جاحدون لنبوة رسوله صلى الله عليه وسلم ، والكفر ملة واحدة ، والكفار يوالى بعضهم بعضا على المسلمين ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ] ، وقال تعالى : {  وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } [ البقرة : 120 ] ، ولهذا نهى الله تعالى الأمة عن موالاة هؤلاء ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } [ النساء : 144 ] ، وقال تعالى : { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ]  فإن لم يوال أهل الإسلام بعضهم بعضا وينصر بعضهم بعضا ويعاون بعضهم بعضا ستحدث الفتنة والفساد الكبير ، والأمة جميعا أمامها عدو واحد مشترك : هو الكفر وأهله ، ولابد من الوحدة والتكامل من اجل مواجهة أخطاره ، إذن هذه عشرة عوامل تشكل إطار الوحدة ، ونقاط الالتقاء والتفاهم بين جميع الفرق الإسلامية فضلا عن المذاهب الإسلامية ، والعناصر التي تشكل عامل فرقة وانقسام إنما تطال الفروع لا الأصول ،  و المشكلة تكمن في أن البعض من المغرمين بالفرقة والخلاف والتنازع يتركون نقاط الاتفاق ، ويتصورون الخلاف قبل الوفاق ، وينسون مواطن‏ الاتفاق ويبتعد عن أذهانهم جوانب الالتقاء مع انها أصول الإسلام ، مع أن تلك الخلافات ليست خلافات في الجوهر والأصول : وإنما هي خلافات في الجزئيات‏ والفروع ، ودائرة الخلاف فيها تضيق بحق إذا حسنت النية، وتحقق التفاهم، وإذا كان الخلاف الاجتهادي بين أهل الاجتهاد محمودا، فان‏ التعصب المقيت ، والتورط في التكفير هو طامة الامة ، ومشكلة الأمة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا ))   [ أخرجه مسلم ] ، إذن الخوف على الأمة يتمثل في الفرقة والاختلاف والعداوة والبغضاء بين المسلمين ، فيقع التكفير والسيف بينهم حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا ، 

[ ثالثاًً ] :  قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بحفظ حرمات المسلم

ويتضح ذلك من خلال بيان تلك القواعد :

[ القاعدة الأولى ] : مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر لما أخرجه مسلم عن المقداد رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ منى بشجرة فلمّا أهويت لأقتله قال لا إله إلاّ الله ، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال )) [ أخرجه مسلم ] ، صورة الحديث تدل يقيناً على أنّ هذا الرجل ما قال ( لا إله إلا الله ) إلاّ تقية وهرباً من القتل ، ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم  المقداد رضي الله عنه أن لا يقتله بل وأخبر بأنه إن قتله فقد قتل مسلماً ، وأخرج مسلم عن أسامه بن زيد رضي الله عنهما  قال : (( بعثنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم إلى الحُرقة من جهينة . فصبّحنا القوم. فهزمناهم  ، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ، فلمّا غشيناهُ قال : لا إله إلاّ الله . فكفّ عنه الأنصاري . وطعنته برمحي حتى قتلته . قال فلمّا قدمنا . بلغ ذلك النبي  صلى الله عليه وسلم فقال لي (( يا أسامة ! أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله ؟ )) قال قلت : يا رسول الله ! إنما كان متعوذاً  ، قال ، فقال : (( أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله ؟ )) قال فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليـوم ))  [ صحيح مسلم ] ، وفي رواية أخرى عند مسلم : قال رسول الله   صلى الله عليه وسلم  : أقتلته ؟ قال : نعم ، قال : فكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ، قال : يا رسول الله ! استغفر لي ، قال : وكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟  قال : فجعل لا يزيده على أن يقول (كيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ) [ صحيح مسلم ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم  قال (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله )) [ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( من قال لا إله إلاّ الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله )) [ صحيح مسلم ] ، فهذه الأحاديث جميعها تدل على أنّ باب الإسلام مدخله هو الشهادتان فمن قال لا إله إلاّ الله دخل في الإسلام وعصم بالإسلام الظاهر نفسه وماله من القتل على سبيل الكفر وحساب الباطن على  الله ،  ليس معنى ذلك أنّ كل من نطق بالشهادتين ، أنه يفعل ما يشاء ،  فقد جعلت الشريعة الحكيمة اعتقادات وأقوال وأفعال ناقضه للإسلام ومن أتى بها عالماً بها ، مختاراً لها ، قاصداً لفعلها فقد ارتد عن الإسلام ،

[ القاعدة الثانية ] : من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ،  لما جاء في حديث الشفاعة ، وفيه : (( ثم أعود في الرابعة فأحمده بتلك ثم أخِرّ له ساجداً فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يُسمع وسل تُعط واشفع تشفع فأقول يا رب إئذن لي فيمن قال لا إله إلاّ الله فيقول : وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله )) [ متفق عليه ]  ، ولقوله صلى الله عليه وسلم  (( يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن بره من إيمان ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن ذره من إيمان )) [ أخرجه البخاري] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم  (( أشهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلاّ دخل الجنة ))[ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  (( من شهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمد رسول الله حرّم الله عليه النار )) [ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر  رضي الله عنه: (( ما من عبد قال لا إله إلاّ الله ثم مات على ذلك إلاّ دخل الجنة ، فقال أبو ذر : وإن زنى وإن سرق ؟ قال وإن زنى وإن سرق ، قلت وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سـرق ، ثلاثاً ثم قال في الرابعة ( على رغم أنف أبى ذر ) [ أخرجه مسلم ] ،

[ القاعدة الثالثة ] : خطـورة تكفـير المسلـم ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه ، إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله ، فكذلك التكفير ، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ،  ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ،

[ القاعدة الرابعة ] : لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره ، والأمـور المحتملة للكفـر وغيـره : هي تلك الأقوال والأفعال التي لا تدل على الكفر صراحة ، ولكنها تحتمل الكفر وغيره ، ومثال ذلك السجود فإنه قد يكون بقصد العبادة لمن يعتقد فيه صفات الربوبية والإلهية ، وهذا صرفه لله وحده عبادة وتوحيد وصرفه لغير الله كفر وشرك أكبر ، وقد يكون السجود بقصد التكريم والتعظيم كالسجود للأنبياء والملوك والعلماء ، وهذا كان جائزاً في شرع من قبلنا ثم حرّم في شرعنا فمن أتى به فقد أتى بمعصية ولم يأت بما هو كفر أكبر مخرج من الملة ، وهذه الأمور المحتملة لا يجوز تكفير فاعلها حتى نتبين قصد فاعلها ، ومـن الأدلـة على صحـة هـذه القاعـدة : ما أخرجه أبو داود والترمذي عن عبدالله بن أبي أوفى قـال : (( لمّا قدم معاذ من الشام سجد للنبي  صلى الله عليه وسلم ، قال ما هذا يا معاذ ؟ قال أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك فقال النبي   صلى الله عليه وسلم  : فلا تفعلوا ، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها )) [ أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وصححه الألباني في ارداء الغليل ] ، ولمـا أخرجـه البخـاري ومسلـم في قصة حاطب رضي الله عنه ومكاتبته لقريش بأمر مسير النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إليهم لفتح مكة ، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم  (( ما هذا يا حاطب ؟ قال لا تعجل عليّ يا رسول الله ، إني كنت امرأً من قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن اصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي ، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم   إنه قد صدقكم فقال عمر دعني يا رسول الله فأضرب عنقه فقال ( إنه شهد بدراً وما يدريك لعلّ الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال اعملـوا مـا شئتـم فقـد غفـرت لكـم ) " [ البخاري ح (4890) ] ، فموالاة الكافرين : يحتمل أن تكون موالاة باطنة على الدين ويحتمل أن تكون موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة ، ولوجود هذا الاحتمال لم يحكم النبي   صلى الله عليه وسلم عليه بالكفر حتى تبين قصده بالسؤال ، فلمّا علم أنها موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة دلّهم على أنّ صنيعه هذا ذنب من الذنوب وكبيرة من الكبائر التي تدخل ضمن إطار الذنوب التي تكفرها الحسنات ،

[ القاعدة الخامسة ] : العذر بالجهل يمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر ، لقد جعلت الشريعة أعذارا شرعية تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر ، من أهمها العذر بالجهل ، فإنه إذا كانت رحمة الله تعالى اقتضت أنّ الكفار لا يُحاسبون على كفرهم ما لم تقع عليهم الحُجة الرسالية بأن تأتيهم نذارة أو يسمعوا برسول ، لقوله تعالى { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } [ الإسراء : 15 ] ، وقوله تعالى { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } [ النساء : 165 ] ، فإنه من باب الأولى إعذار المسلم الذي وقع في مسألة من مسائل الكفر عن جهل ، إذ لم يسمع بالدليل ، والدليل على عذره  : قوله تعالى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ التوبة : 115 ] ، والمعنى : أنه لا يضل قوماً بعد إبلاغ الرسالة إليهم حتى يكونوا قد قامت عليهم الحُجة بالبيان ، وقوله تعالى { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا }[ النساء : 115 ] ، أي خالف الرسول من بعد المعرفة والبيان  ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلـك بعـث المبشريـن والمنذريـن )) [ البخاري ح/7416 ] ، والأدلة على العذر بالجهل كثيرة جداً لا فرق في ذلك بين أصول وفروع ولا بين اعتقادات وعمليات ، فكل مؤمن لم تبلغه الحُجة الرسالية في أمر ما فتلبس بالكفر فيه فلا يوصف بالكفر الأكبر ، وليس معنى ذلك أنه قد سقط عنه الإثم أو العقوبة فالعذر بالجهل يمنع فقط من تكفيره ، ولكن إذا ثبت تقصيره في طلب العلم وكان العلم ميسراً عنده بحيث كان متمكناً من طلبه ، فهذا يأثم ويعّذر ، ولكن لا يوصف بالكفر المخرج من الملة حتى تقوم عليه الحُجة الرسالية بالعلم وتستوفي كافة شروطها الشرعية التي قررها علماء الشرع الحنيف ، وهذا في أحكام الظاهر ، أمّا أحكام الباطن والتي اختص الله تعالى بعلمها فإن كان يعلم حقيقة بالكفر ويدعي جهله به فهذا كافر في الباطن وهو من المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون ، والإثم واقع عليه لا محالة إن قصّر في طلب العلم أو تهاون في طلبه مع تمكنه من تحصيله والوقوف عليه ,

[ القاعدة السادسة ] العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر ، بشرط ان يكون منشأه من القصور في فهم الأدلة دون تعمد المخالفة الشرعية ، وكان القصد منه موافقة الشريعة لا تكذيبها ولا تعطيلها ، وكان له وجه مستساغ وإن كان فهمه خطأ فهذا يُعذر صاحبه إن تلبس بالكفر فلا يكفر حتى تُقام عليه الحُجة التي يكفر تاركها ومثالها غالب الفرق الضالة الداخلة في إطار أمة الإسلام دون الغلاة منهم ، أما إن كان قصد المتأول التلاعب بالشريعة  ، وليس له وجه مستساغ في الشرع فهذا لا يُعذر به صاحبه البتة ، ومثاله تأويل القرامطة والباطنية أصحاب الأقوال المكفرة التي لا وجه مستساغ لها في الشرع ، والعذر إنما يكون في التأويل المستساغ ،  وقد تضافرت الأدلة على عذر المتأول من كتاب الله عز وجل ومن سنّة النبي   صلى الله عليه وسلم  ، ومن ذلك قوله تعالى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } [ الأحزاب : 5 ] ، وقوله تعالى وهو يأمر المؤمنين بهذا الدعاء { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }[ البقرة : 286 ]  وجاء في صحيح مسلم في تفسير الآية أن الله تعالى قال ( قد فعلت ) [ صحيح مسلم ] ، فهذه الرحمة تتناول إن شاء الله تعالى أهل التأويل لأنهم داخلون في الخطأ وعدم تعمد المخالفة ، وحديث مسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عندما لحق رجلاً من المشركين ـ كان قد أثخن على المسلمين فلما تمكن منه  قال ( لا إله إلاّ الله ) ، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (( يا أسامه أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله )) [ أخرجه مسلم ] ، وفي الحديث عذر النبي صلى الله عليه وسلم  أسامه رضي الله عنه بتأويله ، أنه ما قالها إلاّ متعوذاً من القتل وإلا لأقام عليه الحد لقتله مسلما متعمدا ، والنبي يعذر حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه بالتأويل عندما كاتب المشركين بمكة يخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة  ، والحديث أخرجه البخاري ،  ولذلك فإن جماهير أهل الفقه والأصول على الاعذار بالتأويل ، ويستدلون لذلك بالأدلة السابقة ، وأدلة أخرى منها : ( أ ) عدم تكفير الصحابة ومن بعدهم للخوارج الذين هم أكثر من تأول النصوص واستحلوا أشد المحرمات القطعية وهو قتل المسلمين وذلك بتأويل منهم ، ومع ذلك لم يكفرهم المسلمون ، حتى إن علياً الذي قاتلهم لبغيهم لم يحكم عليهم بالكفر ولهذا لم يعاملهم معاملة الكفار أو المرتدين المحاربين إنما دفع بغيهم ، ( ب )  عدم تكفير عبد الرحمن بن ملجم مستحل قتل علي وقاتله ، فقد أوصى علي بالقصاص منه ولم يتحدث عن ردته أو قتله لكفره  ، ( ت )  عدم تكفير قدامة بن مظعون وأبو جندل بن سهيل وضرار بن الخطاب ، وهم من الصحابة قد شربوا الخمر مستحلين لها بتأويل ، لذلك أقام عليهم عمر عقوبة الشرب ولم يحكم عليهم بالردة  ،

[ القاعدة السابعة ] : لا يجوز التكفير بلازم المذهب :  فلا يحكم على اصحاب المذاهب بالكفر بناء على ما يلزم عن كلامهم ويترتب عليه لا سيما إن كانوا ينفونه ، فلا يجوز تكفير المجسمة لأنهم عبدوا جسماً ، وهو غير الله فهم عابدون لغير الله ، ومن عبد غير الله كفر ، ولا يجوز تكفير المعتزلة لأنهم وإن اعترفوا بأحكام الصفات فقد أنكروا الصفات ويلزم من إنكار الصفات إنكار أحكامها ، ومن أنكر أحكامها فهو كافر ،  فإننا لو عاملنا كل مبتدع بلازم قوله كفرنا كل مبتدع ، وفي هذا من الغلو ما فيه ، والصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من علماء المسلمين لم يكفروا الخوارج الذين قتلوا المسلمين وانتهكوا محارمهم ، مع ان لازم قولهم استحلال قتل المسلمين ، ومن استحل المحرمات كفر ، ومع ذلك لم يكفرهم المسلمون ، حتى إن علياً رضي الله عنه الذي قاتلهم لبغيهم لم يحكم عليهم بالكفر ولهذا لم يعاملهم معاملة الكفار أو المرتدين المحاربين إنما اكتفى بدفع بغيهم ،

[ القاعدة الثامنة ] العذر بالإكراه نص عليه القرآن الكريم ، قال تعالى { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ..}  [ النحل : 16 ] ، وعلى ذلك فإن العذر بالجهل والعذر بالتأويل والعذر بالإكراه جميعها أعذار شرعية تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الأكبر ، فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الشرعية بذلك ،   

[ القاعدة التاسعة ] : المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة ، وعلماء أهل السنّة والجماعة متفقون على أن المسلم إذا وقع في الكفر أو الشرك لا يكفر حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بالكفر ، أمّا قبل إقامة الحُجة فإنه لا يُحكم عليه بالكفر الاكبر والخروج من الملة ، ولا يُخالف في هذه القاعدة إلاّ الخوارج والمعتزلة والحشوية أهل الغلو في مسائل التكفير ، قال تعالى  { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ }[ التوبة : 115 ] ، والآية تدل على أنّ الله لا يُؤاخذ عباده حتى يُبين لهم ما يأتون وما يذرون ، وتقوم عليهم الحجة بذلك ، وقد ثبت أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلاً لها ، فأقام عليه عمر الحدّ ولم يكفره ، وكذلك أبو جندل بن سهيل وجماعة معه شربوا الخمر بالشام مستحلين لها مستدلين بقول الله عز وجل { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا }[ المائدة : 93 ] ، فلم يكفروا وعرفوا تحريمها فتابوا وأقيم عليهم الحدّ ، وكذلك كل جاهل بشيء لا يُحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك ، ولأهل العلم في ضبط هذه القاعدة ثلاث ضوابط لا يسع جهلها وإلاّ آل الأمر إلى التعجل في تكفير أهل القبلة ، وهذه الضوابط الثلاث تتمثل في : ( الضابط الأول ) : الحُجة لا تكون معتبرة شرعاً حتى تستوفي كافة شروطها من جهات ثلاث ، جهة صفة الحُجة ، وجهة صفة من يُقيم الحُجة وجهة صفة إقامة الحُجة  ، فالحُجة نفسها التي تصلح لأن تكون حُجة لتكفير المسلم إما أن تكون قرآناً صريحاً أو تكون سنّة متواترة صريحة أو إجماع أهل العلم ، أمّا غير ذلك فأدلة محتملة لا تصلح لتكفير مسلم علمنا إسلامه بيقين ، وأمّا صفة من يُقيم الحُجة فلا تقوم الحُجة الشرعية إلاّ بمسلم عالم عدل معروفاً عند من يُخاطبه بالعلم والعدالة لقوله تعالى { فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [ التوبة : 122 ] فمن لم يكن موصوفاً بالعلم معروفاً به في مكان ما لم تقم به الحُجة الشرعية ، وأما صفة إقامة الحُجة فيشترط فيها أن تصل إلى المُخاطب بلغته التي يفهمها لقوله تعالى {  وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ }  [ ابراهيم : 4 ] ، وأن تكون مفصلة مبينة ترد على جميع شبهات المخاطب حتى ينقطع أمامها فلا يجد حُجة تدحضها ، لقوله تعالى { فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } [ المائدة : 92 ] ، وقوله تعالى {  وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ }[ التوبة : 115 ] ، و ( الضابط الثاني ) : لا يكفر المسلم حتى تتوفر شروط تكفيره وتنتفي موانعه ، وشروط تكفيره تنقسم إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول : شروط في الفاعل نفسه وهي أن يكون بالغاً ، عاقلاً ، عالماً بأن فعله مكفر ، متعمداً قاصداً لفعله ، مختاراً له بإرادته ، والقسم الثاني : شروط في الفعل نفسه ( الذي هو سبب الكفر ) بأن يكون هذا الفعل مكفراً الكفر الأكبر بلا شبهة فلا يصح التكفير بمسائل مختلف فيها بين فقهاء أهل السنّة والجماعة ، لأن من دخل الإسلام بيقين ( أي الإقرار بالشهادتين ) لا يخرج منه إلاّ بيقين ، وأن يكون صريح الدلالة على الكفر فلا يجوز التكفير بدليل محتمل الدلالة على الكفر وغيره ، و القسم ( الثالث ) : شروط في إثبات الكفر على صاحبه ، فلا يُحكم على مسلم بالكفر حتى يقوم الدليل الشرعي المكتمل على تكفيره فلا يكفر في حكم الظاهر كمثل المنافقين على عهد رسول الله  صلى الله عليه وسلم لم يقتلهم الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب كفرهم رغم علمه يقيناً بكفر اعيان منهم لأنه لم يثبت الكفر على أحدهم بطريق شرعي صحيح كأن يشهد عليه مسلمان بالكفر فيستتيبه الرسول صلى الله عليه وسلم  من الكفر وإلاّ قتله ، فهذه هي شروط تكفير المسلم المتلبس بالكفر الأكبر ، أمّا موانع تكفيره التي يُشترط انتفاؤها للحكم على معين بالكفر تتمثل في : موانع في المعين منها الصغر والجنون والخطأ والجهل والتأويل والإكراه فلا يُحكم عليه بالكفر حتى تنتفي تلك الموانع ، و ( الضابط الثالث ) : فإنه عند الاختلاف وتعارض الأدلة على تكفير المسلم يُرجح الجانب الذي فيه صالح المسلم لما فيه من السلامة والاحتياط والبعد عن خطر التكفير : وهذا الضابط هو من أهم ما يميز هل السنّة والجماعة الذين لا يكفرون أحداً من أهل القبلة إلاّ من ثبت على تكفيره دليل صريح صحيح لا معارض له ، فإن اختلفت فيه الأقوال فالأولى عدم تكفيره ، لان الخطأ في ترك ألف كافر في الحياة خير من الخطأ في سفك دمٍ مسلم ،

[ القاعدة العاشرة ] : لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة من أهل القبلة بإطلاق ، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم ،  لا يجوز تكفير أهل الفرق الضالة من المسلمين : إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ،  وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بعد استيفاء شروط التكفير ، وانتفاء موانعه ، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها علماء اهل السنة والجماعة ، وليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (( كلها في النار إلا واحدة ))   أن نحكم عليها بأنها في النار ، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه ،  وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار ، وهي إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد ، والإيمان المجمل بالإسلام  ، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق ، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة ، وقد حبى الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر ، فأهل البدع مسلمون لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ،

[  رابعاًً ]  : قواعد تقنين الخلاف بين المسلمين

وتتضح من خلال بيان تلك النقاط :

[ 1 ] : الإسلام دين الله تعالى على الأرض ، ولا يقبل الله تعالى من العباد بعد بعثة النبي وإلى قيام الساعة دينا سواه ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } ، وقال تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }   ، هذا الدين يُطالب به الناس كافة ، بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة ،  وكل من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به ويتبع دين الإسلام الذي جاء به من عند الله فهو كافر بالله تعالى الكفر الأكبر ، وهو من أهل النار وبئس المصير ، هذا وإن أمن بجميع الأنبياء والمرسلين قبله ، لم ينفعه ذلك الإيمان مثقال ذره حتى يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتبعه على دينه الذي جاء به من عند الله ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } [ النساء : 150 ، 151 ] ،  نزلت الآية في أهل الكتاب الذين جحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ، وبينت انهم كافرون حقا ، لا مراء في كفرهم لجحدهم نبوة النبي ورسالته ، وإذا تعلقت بأهل الكتاب فهي في حق غيرهم أولى ، قال تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [ النساء : 115]  ،ـ وقال صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار )) [ أخرجه مسلم ] ،

[  2  ]  المسلمون هم المؤمنون بالله ورسوله ، وهم جميعا داخلون في الاصطفاء ، لقوله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [ فاطر : 32 ] ، وجميعهم مآلهم  إلى رضوان الله تعالى وجنته ، وإن لبث بعض العصاة منهم أحقابا في النار  ، لكونهم مسلمون ، ومن عداهم كافرون مخلدون في نار جهنم ، وأمة الإسلام خير الأمم وأكرمها على الله عز وجل ، قال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } [ آل عمران : 110 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( أنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلى اللَّهِ )) [ أخرجه الترمذي وقال حديث حسن ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ )) [ أخرجه أحمد ] ،و ( المسلم ) : هو كل من قال ( لا إله إلا الله * محمد رسول الله ) : معتقدا لها ، مصدقا لها بلسانه ، ومنقادا لها بقلبه ، وهذا المسلم ، لا يخرج من الإسلام  بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ،

[ 3 ] : المسلمون – كل المسلمين - أمة واحدة من دون الأمم ، هم – وحدهم - المؤمنون بالله ورسوله ، لذا يجب فيما بينهم الولاء العام على الإسلام ، والاجتماع على أركانه وأصوله ، والمحبة العامة على الإسلام ، كما يجب عليهم التآلف والتكامل فيما بينهم ، وأن يكون ولاؤهم فيما بينهم تجمعهم وحدة الإسلام والقرآن ، وأن يكونوا أمة واحدة من دون الناس جميعا ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ] ، فالفتنة في الأرض والفساد الكبير هما آثار فرقة المسلمين وعدم وجود الولاء العام فيما بين جميع المسلمين ،

[  4  ] المسلم : هو كل من قال ( لا إله إلا الله * محمد رسول الله ) : مقرا لها بلسانه ، معتقدا لها بقلبه ، فمن نطق بهما بلسانه مستيقنا بهما فإنه يحكم بإسلامه الظاهـر والله يتـولى السرائـر ، ومن مات عليهما استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ، ومن أقر بهما فإنه لا يخرج من الإسلام إلا بناقض ينقضهما ،  ونواقض الشهادتين : هي الخصال التي تحصل بها الردة عن دين الإسلام ، وتتمثل في : إنكار معلوم من الدين بالضرورة أو استحلال ما حرّم الله تعالى أو جحد فريضة من فرائض الله تعالى ، أو الطعن في دين الله تعالى أو شيء منه ، والطعن يكون بالتكذيب أو السب أو الشك أو الاستهزاء ،

[  5  ] المسلم : لا يجوز تكفيره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا لازم القول ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، المسلم هو كل من قال (( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمد رسول الله )) ،  مقرا بها منقادا لها ، والتكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ،

[  6  ] المسلم : كما عرفه الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ، ، قال صلى الله عليه وسلم : (( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته )) [ أخرجه البخاري ، ح : 384 ] ، ولا يصح تفريغ الحديث من معناه ، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين ، وعليه ما على المسلمين ، فلا يصح أن يهلك بعضها بعضا ، ولا أن يسبي بعضهم بعضا ، وفي هذا المسلم قال صلى الله عليه وسلم : ((  كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ رواه مسلم ] ، فلا يصح أن يهلك بعضها بعضا ، ولا أن يسبي بعضهم بعضا ،

[  7  ] : افتراق المسلمين لا يؤثر على الولاء العام للإسلام : صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ناجية ، أخرج الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة )) [ أخرجه أبو داود ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ] ،  وهذا الحديث يفهمه أهل البدع والضلال فهما على عكس مراده ، فليس المراد ان نعادي المسلمين ونستحل دماءهم ومحارمهم ، وإنما المراد السعي الجاد في تصحيح معتقدات المسلمين وهداية الفرق الضالة إلى سبيل النجاة ، وإذا كان جدال أهل الكتاب والكافرين لا يكون إلا بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، قال تعالى : { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [ العنكبوت : 46 ] ، وقال تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [  النحل : 125 ] ، فكيف بجدال أهل الإسلام والقرآن ،

[ 8 ] : أهل الفرق الضالة من أهل الإسلام مسلمون لا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم : وأبرز رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل الفرقة الناجية أهل السنّة والجماعة  : بدعة الخروج ، وبدعة التشيع ، وبدعة الاعتزال ، وبدعة الحشو ، وبدعة الإرجاء ، وبدعة التجهم ، ومع ذلك : فأهل هذه البدع الضالة مسلمون لا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم ، ويجب أن يعم الولاء العام بين عموم المسلمين لعموم النصوص في ذلك  ومنه قوله تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، فدلت الآية على أن إخوة المؤمنين لا تزول حتى مع اقتتالهم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )) [ متفق عليه ] ، وأهل الفرق الضالة لهم مسمى الإيمان بما أتوه من أصل الإيمان ، وجميعهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من بين البشر للإسلام ، فمنهم ظالم لنفسه ببدعته أو بغيه أو فسوقه او عصيانه ومنهم مقتصد يؤدي الواجبات ويكف عن المحرمات ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ، وجميعهم داخلون في الاصطفاء والاجتباء وهم أهل الإسلام ، وهم أهل النجاة من الخلود الأبدي في النار ، وهم أهل الجنة في نهاية المطاف ، وينبغي التنبه إلى خطورة الغلط ، أو الغلو في تكفير المسلمين أو اتهامهم بالكفر أو بالشرك أو البدعة بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ،

[  9  ] : خطورة تكفير أهل الفرق الضالة من المسلمين : إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله ، فكذلك التكفير ، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ، والتسرع في التكفير صفة أهل الضلال ، وقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم وحرم انتهاكها ، وكان من آخر ما بلغ به النبي صلى الله عليه وسلم أمته فقال في خطبة حجة الوداع :  (( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ،  ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد )) [ متفق عليه ] ، وقال صلى الله علية وسلم : (( كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه )) [ أخرجه مسلم ] ،  وقتل المسلم أهون من تكفيره ، وقد توعد الله سبحانه من قتل نفسا معصومة بأشد الوعيد فقال تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } [ النساء : 93 ] ،

[ 10 ] لا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط يعلمها العلماء منها : أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة ، وأن تتوفر فيه كافة شروط التكفير وتنتفي كافة موانعه ، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها المذاهب الأربعة المتخصصة في علم الفقه على منهاج اهل السنة ، وعند الخلاف نرجح ما هو في مصلحة المسلم احتياطا لحرمة دينه ودمه ،

[  11  ] : لا يجوز موالاة الكفار على فرق الإسلام الضالة لأنهم وإن كانوا على بدعة ضلالة فإنهم مسلمون مؤمنون لهم اسم الإيمان وحكمه ، والله تعالى يقول : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [ الحجرات : 10 ] ، ونهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكافرين على المؤمنين ، قال تعالى :  { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ  دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } [ آل عمران : 28 ] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } [ النساء : 144 ] ،  وقال تعالى – محذرا من موالاة الكفار على المؤمنين : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الانفال : 73 ] ،  وأمر سبحانه بالولاء العام لكل مؤمن ، فقال تعالى : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } [ المائدة : 55-56 ] , وقال تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، قال تعالى : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } [ التوبة : 71 ] ، وقال تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] ، وقال تعالى : { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال : 46 ] ، والخطاب في الآيات للمسلمين ويفيد أنّ المسلمين بعضهم أولياء بعض من دون الناس ،  وأنهم أمة واحدة من دون الأمم ،

[ 12 ] : وجوب الأخوة والوفاق بين عموم المسلمين ، يجب أن يعم الإخاء والوفاق بين عموم المسلمين لعموم النصوص في ذلك  ، قال تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، والرحمة لا تكون إلا مع الوفاق ، لقوله تعالى : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } [ هود : 118 ، 119 ] ، كما قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 102 ، 103 ] ، و قال تعالى :  { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } [ الشورى : 13 ] ، وقال تعالى :  { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ المائدة : 2 ] ، وقال تعالى :  { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ الأنفال : 1 ] : فإصلاح ذات بين المسلمين من شروط الإيمان  ، وقال تعالي : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } [ الأنفال : 60 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا )) [ متفق عليه ] ،  وقال صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ))  [ متفق عليه ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة ) [ أخرجه أبو داوود والترمذي وقال حديث صحيح ] ، ففساد ذات بين المسلمين يحلق الدين لما يورثه من البغضاء والتحاسد والتباغض ، إذن لا بديل عن وجوب الأخوة والوفاق بين عموم المسلمين ،

[ 13 ] الذي تتفق عليه الامة أكبر بكثير مما تختلف عليه ، فينبغي الالتقاء على الأصول التي لا خلاف عليها من أركان الدين ومحكماته ،  دون ما تختلف فيه لتضييق فجوة الخلاف بينهم ، فالمسلمون جميعا يؤمنون بإلٰه واحد ، ويتبعون نبيّاً واحداً ، ويتمسكون بكتاب واحد ويحجون بيتاً واحداً ويستقبلون قبلة واحدة، وقد اتفقوا على أركان الإسلام جميعاً ، وقد اتفقوا على أركان العبادات من الصلاة والزكاة والصيام والحج ، وقد اتفقوا على وجوب طاعة الله ورسوله ، وهذه هي أصول الدين ومحكماته   ، ومعنى ذلك أن أصول ما يتفق عليه المسلمون أكثر بكثير مما يختلفون فيه ، وبعد تلك الأصول تبقى جزئيات محل اجتهاد ، والاجتهاد ما كان قائما على شروطه ، فالمجتهد لا يحرم الأجر ، ما كان مؤهلا للاجتهاد صادقا في طلب الحق ، 

[  14  ] قضايا ومسائل الخلاف لا تطرح على العوام لأنها تبلبل أفكارهم ولا يستوعبوا أبعادها ، وإنما تطرح على بساط البحث بين العلماء ، في مجالات التخصص العلمي ومؤسساته وجامعاته ، والمدقق في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يجد أنه كان يدعو الناس إلى أصول الدين ومحكماته ، من الالتزام المجمل بدين الله تعالى ، ومن الإيمان بالله وإسلام الوجه لله ، والإحسان في دين الله ، وكان يكتفي من المسلم بالشهادتين والتزام ما تقتضيانه عقيدة وعملاً  ، ولم يكن يشغل الصحابة وهم أنصع الناس فطرة بأي من المسائل الخلافية التي تشغل عن العمل وتعطل عن الانطلاق لنصرة دين الله تعالى ،

[  ] لابد من أجل تقنين الاختلاف ، أن يمتنع التكفير والتبديع والتضليل إلا وفق ضوابط دقيقة ، لا يقوم بها إلا العلماء ،  مع تفادى التجريح ، والالتزام بأدب الإسلام في معاملة المسلم ، وتبني مناهج معتدلة تدعو إلى الوحدة والوئام ، والولاء العام لكل المسلمين ،

[  15  ]  ينبغي طي صفحة الماضي في تاريخ الأمُة ،  بحيث لا تنبش الفتن التي نجمت في القرن الأول مهما تأتى ذلك ، فإن الماضي لا يدرك ، وقد مضى فلا معنى لاجترار أحداثه ، وهل يورث ذلك إلا تعميق الجراح وتنفير القلوب وإيغار الصدور ؟ وقد أرشدنا إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى : { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ البقرة : ١٣٤  ] ، وقال تعالى : { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [ الحشر : 10 ] ، والحاضر والمستقبل للأمة يحمل تحديات تفوق الوصف ، فلا مجال ولا وقت لاجترار أحداث الماضي ، وإن دعت الضرورة لبحث ذلك الماضي فإنه يجب أن يكون في مجالس البحث العلمي المتخصصة ، بطريقة منصفة عادلة لا تخضع لما عند طائفة من المواريث الفكرية ، وإنما يحكم فيها القرآن لأنه محل إجماع الجميع ،

[  16  ] يجب أن لا تنزل الأدلة الظنية ( سواء أكانت ظنية الثبوت أو الدلالة ) ، مكان الأدلة القطعية ( قطعية الثبوت والدلالة معا ) فإن البون شاسع بين هذين النوعين من الأدلة، فمن خالف الدليل القطعي ثبوتا ودلالة هلك ، أما الظني فلا يهلك من خالفه إن كان في خلافه غير متبع لهواه، وإنما ترجح عنده دليل آخر تصوره أقوى منه ، وأهل العلم بالأصول قالوا : في العام بأنه:  ظني الدلالة وإن كان قطعي المتن وذلك لكثرة ما يرد عليه من التخصيص ، وجميع الأحكام والقضايا التي لم تثبت بالنص القطعي ثبوتا ودلالة لا يصح أن تجعل مفصالا بين الحق والباطل ، بل يتسع فيها الإعذار ، ولا يجوز أن يبنى عليها تكفير ولا استحلال محارم ،  لأن مخالفة القطعي ثبوتا ودلالة فقط هو الموجب للكفر المخرج من الملة ، ولا يوجد مثل ذلك إلا في المعلوم من الدين بالضرورة ، وهذا يتفق عليه جميع المسلمين ،  ثم حتى لو حدث ذلك فهناك موجبات درء التكفير بشبهات الجهل والتأويل ، ومن تدبر الأمر وجد سعة لا سيما في القضايا الظنية وهي أكثر قضايا الخلاف في الأمة ، وهذا يعني ضرورة التسامح بين الأُمة فيما اختلفوا فيه من الأمور الفرعية التي ثبتت بالأدلة الظنية ، سواء من جهة الثبوت او الدلالة ، وبعد فتلك بعض قواعد تقنين الخلاف بين المسلمين التي تمنع من وقوع سيف التكفير فيما بينهم ، فإذا أضفنا إليها ، قواعد الشريعة العامة التي تحفظ دم المسلم وعرضه وماله ، وضوابط للتكفير بين صفوف الأمة ، والهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة ، يمتنع الغلو في التكفير ، ويتقنن الخلاف في إطار الحوار ، بعيدا عن استحلال الدماء والأموال والأعراض ، اللهم ألف بين قلوب المسلمين ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهم ، وَاهْدِهم سُبُلَ السَّلَامِ ، يا رب العالمين ،

[ خامساً ] :  الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة

 ويتضح ذلك من خلال بيان تلك القواعد :

[ 1 ]  الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة هدي رباني رشيد ، إذ ليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (( كلها في النار إلا واحدة ))   كون الفرق الضالة في النار ، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه ،  وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار ، وهي إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد ، والإيمان المجمل بالإسلام  ، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق ، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة ، وقد حبى الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر ، فأهل البدع مسلمون لهم الولاء العام في الإسلام لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، وأهم رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل أهل السنّة والجماعة الناجية : بدعة الخروج ، وبدعة التشيع ، وبدعة الاعتزال ، وبدعة الحشو ، ومع ذلك فإنهم مسلمون لهم ما للمسلمين من حقوق وواجبات ،

[ 2 ]  من مسائل الشريعة الغراء التي تبين هدي الإسلام في معاملة الفرق المسلمة التي ضلت الطريق في بعض جوانب الدين : ( أ ) الإسلام دين الله تعالى على الأرض ، والمسلمون أمة واحدة من دون الأمم ، و ( المسلم ) : هو كل من قال ( لا إله إلا الله * محمد رسول الله ) : معتقدا لها ، مصدقا لها بلسانه ، ومنقادا لها بقلبه ، ولا نكفره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بلازم قوله ، ولا ببدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، واهل البدع وإن كانوا على ضلالة ، فإنها دون الكفر وهم من أمة الإسلام ، وهم داخلون في الاصطفاء العام ، الوارد في قوله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [ فاطر : 32 ] ، ( ب ) افتراق المسلمين لا يؤثر على الولاء العام للإسلام : وقوله صلى الله عليه وسلم : (( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة )) [ أخرجه أبو داود ] ، ليس المراد منه ان نعادي المسلمين ونستحل دماءهم ومحارمهم ، وإنما المراد السعي الجاد في تصحيح معتقدات المسلمين وهداية الفرق الضالة إلى سبيل النجاة ، وإذا كان جدال أهل الكتاب والكافرين لا يكون إلا بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، قال تعالى : { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [ العنكبوت : 46 ] ، وقال تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [  النحل : 125 ] ، فكيف بجدال أهل الإسلام والقرآن ، ( ت ) أهل الفرق الضالة من أهل الإسلام مسلمون لا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم : وأبرز رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل الفرقة الناجية أهل السنّة والجماعة  : بدعة الخروج ، وبدعة التشيع ، وبدعة الاعتزال ، وبدعة الحشو ، وبدعة الإرجاء ، وسيأتي بيانها وبيان أصول الضلال فيها ، ومع ذلك : يجب أن يعم الإخاء والولاء بين عموم المسلمين لعموم النصوص في ذلك  ومنه قوله تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، فدلت الآية على أن إخوة المؤمنين لا تزول حتى مع اقتتالهم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )) [ متفق عليه ] ، وأهل الفرق الضالة لهم مسمى الإيمان بما أتوه من أصل الإيمان ، وجميعهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من بين البشر للإسلام ، فمنهم ظالم لنفسه ببدعته أو بغيه أو فسوقه او عصيانه ومنهم مقتصد يؤدي الواجبات ويكف عن المحرمات ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ، وجميعهم داخلون في الاصطفاء والاجتباء وهم أهل الإسلام ، وهم أهل النجاة من الخلود الأبدي في النار ، وهم أهل الجنة في نهاية المطاف ، وينبغي التنبه إلى خطورة الغلط ، أو الغلو في تكفير المسلمين أو اتهامهم بالكفر أو بالشرك أو البدعة بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ،  ( ث ) خطورة تكفير أهل الفرق الضالة من المسلمين : إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله ، فكذلك التكفير ، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ،  ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، والتسرع في التكفير صفة أهل الضلال ، وقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم وحرم انتهاكها ، وكان من آخر ما بلغ به النبي صلى الله عليه وسلم أمته فقال في خطبة حجة الوداع :  (( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ،  ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد )) [ متفق عليه ] ، وقال صلى الله علية وسلم : (( كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه )) [ أخرجه مسلم ] ،  وقتل المسلم أهون من تكفيره ، وقد توعد الله سبحانه من قتل نفسا معصومة بأشد الوعيد فقال تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } [ النساء : 93 ] ، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط يعلمها العلماء منها : أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة ، وأن تتوفر فيه كافة شروط التكفير وتنتفي كافة موانعه ، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها المذاهب الأربعة المتخصصة في علم الفقه على منهاج اهل السنة ، وعند الخلاف نرجح ما هو في مصلحة المسلم احتياطا لحرمة دينه ودمه ، ( ج ) لا يجوز موالاة الكفار على فرق الإسلام الضالة لأنهم وإن كانوا على بدعة ضلالة فإنهم مسلمون مؤمنون لهم اسم الإيمان وحكمه ، والله تعالى يقول : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [ الحجرات : 10 ] ، ونهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكافرين على المؤمنين ، قال تعالى :  { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ  دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } [ آل عمران : 28 ] ، وأمر سبحانه بالولاء العام لكل مؤمن ، فقال تعالى : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } [ المائدة : 55-56 ] , وقال تعالى – محذرا من موالاة الكفار على المؤمنين : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الانفال : 73 ] ،  ( ح ) وجوب الأخوة والوفاق بين عموم المسلمين ، يجب أن يعم الإخاء والوفاق بين عموم المسلمين لعموم النصوص في ذلك  ، قال تعالى { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } [ الأنبياء : 92 ] ، وقال تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، وقال تعالى :  { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ المائدة : 2 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا )) [ متفق عليه ] ،  وقال صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ))  [ متفق عليه ] ، وقال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ ، وَلاَ يُسْلمُهُ . مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه ، كَانَ اللهُ في حَاجَته ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً ، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ )) [ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( المُسْلِمُ أخُو المُسْلم : لاَ يَظْلِمُهُ ، وَلا يَحْقِرُهُ ، وَلاَ يَخْذُلُهُ ، التَّقْوَى هاهُنَا - ويشير إِلَى صدره ثلاث مرات - بحَسْب امْرىءٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخَاهُ المُسْلِمَ ، كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ رواه مسلم ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته )) [ أخرجه البخاري ، ح : 384 ] ، ولا يصح تفريغ الحديث من معناه ، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين ، وعليه ما على المسلمين ، فلا يصح أن يهلك بعضها بعضا ، ولا أن يسبي بعضهم بعضا ، ولن ينجي هذه الأمة من المحنة التي تمر بها حاليا سوى التآخي والتواد والتكافل والولاء العام لكل المسلمين ،

[ 3 ]  أحكام فقهية تتعلق بالمبتدع : ( أ ) ( مسألة تكفير المبتدع ) : لا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، المبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، والكافر فقط هو الذي لا يجوز الدعاء له بالرحمة ولا يجوز الاستغفار له ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط منها : ( الشرط الأول ) : أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة ، ( الشرط الثاني ) : أن تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه ، وهي تلك الشروط التي نص عليها أهل السنة في تكفير المعين ، وذلك أن المتقرر عند أهل السنة والجماعة : أن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا بعد انطباق شروط التكفير وانتفاء موانعه ، ( الشرط الثالث ) : قيام الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررها الفقهاء ، ( ب ) ( مسالة قتل المبتدع ) : الأصل في كل مسلم حرمة دمه فلا يجوز قتله ، وفي الحديث (( لا يحل دم امرئٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث : - الثيب الزاني, والنفس بالنفس, والتارك لدينه المفارق للجماعة )) ،  وقد قال الله تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لايزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ نفساً حراماً ) ، وقال العلماء في شرحه  : الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره , والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول ، ( ت ) ( مسألة بغض المبتدع ) : يجب بغض البدعة باتفاق أهل السنة ، والمبتدع مسلم ، نحبه لإسلامه , ونبغض ما تلبس به من أمر البدعة , نبغضه بقدر بدعته ومخالفته للشرع ونحبه بقدر ما بقي معه من الإسلام والإيمان , ولا يجوز أن يبغض البغض المطلق كبغض الكفار , ( ث ) ( مسألة معاداة أهل البدع ) : المبتدعة الذين لا يزالون في دائرة الإسلام فإننا نعادي بدعتهم ولا نعاديهم هم ،  وندعو لهم بالهداية ، احتراما لشهادة التوحيد التي يحملونها والتي لا يثقل معها شيء في الميزان ، والتي بفضلها يدخلون الجنة وإن استحقوا الوعيد بالنار فقد يغفر الله لهم وقد يعذبهم بقدر بدعتهم ولكنهم لا يخلدون في النار خلود الكافرين ،  ( ج ) (  مسألة البراءة من أهل البدع ) : تجب البراءة من البدعة نفسها , والمبتدع لا يزال في دائرة الإسلام فإننا نبرأ من بدعته ، ولكن له ولاء الإسلام العام وننصحه ونرشده ولا نعاديه مطلق العداء ، ( ح ) ( مسألة الصلاة على أهل البدع ) : الأصل أن المبتدع الذي بقي معه أصل الإسلام يصلى عليه , لكن إن تخلف عن الصلاة عليه أهل الدين والصلاح زجراً عن فعله وترهيباً من بدعته فحسن ,  ( خ ) ( مسالة الاستغفار للميت المبتدع أو الدعاء له بعد موته بالرحمة ) : المبتدع يدعى له ويستغفر له , لأنه مسلم ووجود بدعته لا ينقض أصل إسلامه , فيدعى ويستغفر له , بل هو في هذه الحالة أحوج من غيره بالدعاء له والاستغفار له لأنه مات على هذه المخالفة , ( د ) (  مسألة السلام على أهل البدع  ) : الأصل جواز السلام عليه لأن له أسم الإسلام وحكمه ، لكن إن كان في ترك السلام عليه من باب زجره مصلحة خالصة أو راجحة رجاء ان يقلع عن بدعته فإنه يترك السلام عليه , وإن لم يكن في ترك السلام على المبتدعة مصلحة خالصة ولا راجحة فإن المشروع السلام عليهم ورده إذا سلموا , لأنهم مسلمون ، وإذا  كان ترك السلام يؤدي إلى عكس المراد فلا يجوز ، ( ذ ) (  مسالة هجر المبتدع ) : يُشرع الهجر في حق المبتدع إن كانت المصلحة الشرعية تقتضي ذلك وإلا فلا يهجر ، وأما إذا كان الهجر لا يزيده إلا بعداً ولا يجنى منه إلا المفاسد الخالصة أو الراجحة فإنه يستمر بدعوته ومواصلته ونصحه ولا يهجر, لأن الهجر في حق الكافر مقصود لذاته, وأما الهجر في حق المبتدع فإنه مشروع إن كان يحقق المصلحة الشرعية , فإن كان لا يحققها فلا يشرع ,  ( ر ) ( مسألة الصلاة خلف المبتدع ) : تصح الصلاة خلفه , وقد كان الإمام أحمد يصلي خلف المعتزلة ممن يقولون : القرآن مخلوق , ( ز ) ( مسألة حكم غيبة المبتدع ) : الأدلة من الكتاب والسنة حرمت غيبة المسلم كما قال تعالى { وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ } ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( الغيبة ذكرك أخاك بما يكره  )) فالأصل هو تحريم غيبة المسلم , ولا يجوز التوسع في غيبة المبتدع إلا بقدر بدعته ، وذلك مثل الميتة فإن الأصل فيها التحريم ولكن يجوز منها للمضطر بقدر ما تندفع به ضرورته , والضرورة هنا تتمثل في وجوب التحذير من أهل الأهواء والبدع ومحاربة بدعهم وكشف زيفها وتحذير العامة من الوقوع فيها وبيان باطلها ،  ( س ) ( مسالة مجالسة أهل البدع ) : جاءت الآثار عن السلف تنهى عن مجالسة أهل البدعة ،  وكلها محمولة على أتباع الفرق الضالة الداعين إليها ، ومحمولة على البدع العقائدية العريضة الضالة ، ومحمولة على العامة الغير مسلحين بسلاح العلم بمذهب اهل الحق ، أما إذا كان الشخص عالماً بمذهب أهل السنة قادرا على الرد على ضلالات الفرق الضالة ، وأراد أن يجلس معهم لدعوتهم إلى السنة وإزالة الشبهة وتحذيرهم من البدعة فلا بأس بذلك بل هو من باب الجهاد بالكلمة لإظهار الحق ,  كان هذا ما تيسر في بيان الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة ، أمّا ما يفعله المغالون اليوم من استحلال دماء وحرمات أهل البدع من المسلمين فإنه من الغلو المقيت الذي يعود على صاحبه بالهلاك ، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( هلك المتنطعون ، قالها ثلاثا )) [ أخرجه مسلم ] ،  إلى هنا أكون بحمد الله تعالى وصلت إلى نهاية ما يتعلق بالعلم الثاني ( علم معرفة إطار أهل الإسلام وحقوق اهل القبلة ) ، وللحديث بقية فيما يتعلق بعلم الإيمان ومعرفة ضوابط تكفير المسلم ، ،  وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

 

 

العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم الأول : ( علم التقديس ) للقضاء على فوضى الحشو والتجسيم ( ب )

[  36  ]  ما أشد حاجة المسلمين إلى التجديد في ( علم التقديس ) أو ( علم توحيد الذات ) أو ( علم التنزيه ) أو قل إن شئت ( علم التسبيح ) :  وذلك بجمع قواعد التقديس والتوحيد والتنزيه ، التي تمنع من الخلل في علم العقيدة ، والتي تمنع من الاعتزال والتجهم والتعطيل ، وفي نفس الوقت تمنع من الحشو والتشبيه والتجسيم ، قواعد رصينة مستنبطة من الكتاب والسنة تؤهل دارسها للعلم الراسخ بما يجب وبما يجوز وبما يستحيل نسبته إلى جناب ذات الله تعالى وتقدس ، فإن العامة بمعزل عن تصور هذا العلم يجهلونه الجهل البسيط ، وأهل الحشو أهل جهل مركب ، يعتقدون التجسيم ويحاربون علم التقديس ، والعامة  يجهلونه الجهل البسيط ، لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه ، ولا يتصورون ذاتا لا تحتاج إلى مكان ، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان ، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان ، ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليها زمان ، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان ، وكذلك لا يتصورون ذاتا إلا لها حد تنتهي إليه ، ولا يتصورون ذاتاً لا حد لها ، لأنّهم لم يروا مثل ذلك ، فينفونه ، ولا يقبلون سوى ما عرفوه بحسهم الغليظ ، أما التعمق في علم التقديس والتنزيه ، فإنه يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم ، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تتعامل مع جناب ذات الله تعالى الذي ليس كمثله شيء فلا يتقيد بحس ولا وهم ،  ومن ذلك نفي احتياج الله تعالى للمكان لأنه خالق المكان ، ولأن المكان يحيط بمن فيه ، والله تعالى بكل شيء محيط ، ولأنّ المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة ، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ومن ذلك قهره للمكان لأنه هو الذي كون المكان ، ومن ذلك نفي تقيد الله تعالى بالزمان ، لأنه خالق الزمان فلا يجري عليه زمان ، ومن ذلك نفي الحد والمقدار عن جناب ذات الله ، لأنّ الحد نقص يضاد الكمال لأنّه يدل على النهاية ، والكمال يضاد التناهي ، الذي هو صفة المخلوق المحدود ، ولأنّه سبحانه هو الذي حد الحدود على خلقه وقدر عليهم المقادير فكانت دليلا على أنّهم مخلوقون مربوبون لخالقهم الذي قهرهم بالحدود ، أمّا هو سبحانه فهو أكبر من الحدود التي تدل على نهاية الذات ،  وإذا كانت صفاته ليست محدودة فإنّ الذات الموصوفة بتلك الصفات ليست محدودة ، ومن ذلك نفي الحلول ، إذ كيف يحل المنزه عن الحدود في المحدود ، جل أن يحل في مخلوقاته وجل سبحانه أن تحل فيه مخلوقاته إذ يمتنع على قديم الذات أن يقبل المحدث المخلوق ولو قبل المحدثات لم يؤتمن عليه قبول الفناء ، ، ومن ذلك نفي الاتحاد إذ كيف يتحد المحدث مع القديم والمخلوق مع خالقه ، ونفي التغير والحدوث والآفات إذ التغير والحدوث والآفات علامات النقص تنزه صاحب الكمال والجلال عنها ، ونفي الجوارح والابعاض و نفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية و الصمدية سبحانه الواحد الأحد الصمد المنزه عن الجسمية ومستلزماتها ،  إن المقصود الرئيس من علم التنزيه والتقديس هو قطع الطمع عن إدراك حقيقة جناب ذات الله تعالى وتصفية الذهن تماماً من شوائب التجسيم والتشبيه ، حتى تجعل معتقدها كانه يعيش مع الملائكة في تنزيه الله تعالى وتسبيحه كما في قوله تعالى - على لسان الملائكة - { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  }،  وأهل الحشو أهل جهل مركب ، يعتقدون التجسيم ويحاربون علم التقديس ، ويتصدرون للحديث عن الله تعالى وعن صفاته وأفعاله ، ويتصدرون للحديث عن أهل السنّة والجماعة وإطارها العقائدي والفرق الضالة عنها في العقيدة ، والطامة المهلكة عندما يتصدر أحدهم لإصدار أحكام التبديع والتضليل للطوائف والفرق الإسلامية وهو يجهل هذا العلم ، فيفتي ويبدع ويضلل بغير علم ولا فقه ولا هدى وهو يحسب أنه من المهتدين ، فحرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للتبديع والتضليل في باب العقيدة ، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة ، والفقه في التوحيد والتقديس ، وهذا هو الفقه الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به ، 

[  37  ]  وجوب تدريس قواعد التنزيه والتقديس المستمدة من الكتاب والسنة : يجب تدريس وفهم قواعد التنزيه والتقديس المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس  : لأنها  تؤدي بصاحبها إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى ، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى ، وتؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحانه ، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى : {  وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا  } [ طه : 110 ] ، وقوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [ الأنعام : 103 ] ، وقوله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } [ آية الكرسي ] ، وقوله تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سورة الإخلاص ] ، وقد أكرمني الله تعالى بجمع وشرح قواعد التقديس في  كتاب التجديد الأول ( التجديد في علم التقديس ) ، وأهم تلك القواعد : القاعدة الأولى : تنزيه ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق ،  القاعدة الثانية : تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان ،  القاعدة الثالثة : تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء ، القاعدة الرابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ، القاعدة الخامسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ، القاعدة السادسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق ، لقاعدة السابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الثامنة : تنزيه ذات الله تعالى عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق ، القاعدة التاسعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، القاعدة العاشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الحادية عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق  ، القاعدة الثانية عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الوالد والولد والصاحبة ، القاعدة الثالثة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الند والشبيه والكفء والمثيل ، القاعدة الرابعة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره ، القاعدة الخامسة عشرة : رؤية المؤمنين لجناب ذات الله تعالى في الجنة ، وهذا الكتاب موجود على موقع : دار الإصلاح والتجديد على شبكة النت ،

[  38  ]  رؤية جناب ذات الله تعالى في الآخرة : اتفق أهل السنّة والجماعة على رؤية ذات الله تعالى في الآخرة ، وأنها رؤية بغير احاطة ، وأنها أعظم نعيم أهل الجنّة ، وقولهم هو القول الصحيح الذي دلّ عليه الكتاب والسنّة الصحيحة والعقل الصريح  ،  فمن الأدلة على رؤية الله سبحانه من كتاب الله تعالى : قوله تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة } [ القيامة : 22 ، 23 ] ، وقوله تعالى :  { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } [ يونس : 26 ] ، و تفسير الزيادة ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لها بالرؤية ، كما أخرج مسلم في صحيحه عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم ، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا ، ألم تدخلنا الجنة ، وتنجينا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل ، ثم تلا هذه الآية : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ،  وقوله تعالى : { لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } [ ق: 35] والمزيد في هذه الآية هو النظر إلى الله تعالى ،  وقوله تعالى: {  كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } [ المطففين : 15  ] ، لّما حجب الرؤية عن أعداءه في حال السخط دل على أن رؤية أولياءه في حال الرضا أمر حاصل إذ لو كان الحجب عن الجميع لما كان الحجب عقوبة للكافرين ،  وقوله تعالى: { وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } [ الأعراف : 143] ،  والدليل على جواز الرؤية أنّ نبي الله  موسى عليه السلام سأل الرؤية ولو امتنع كونه تعالى مرئيا لما سأل ، لأنّ الأنبياء أعلم الناس بما يجوز وما يمتنع على الله ، ولا شك أنّ نبي الله موسى عليه السلام أعلم بالله تعالى وما يجوز عليه وما يستحيل في حقه من المعتزلة والإمامية والأباضية الذين منعوا من رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة ، كما أن الله تعالى أجابه بقوله { لَن تَرَانِي } وهذا دليل على الجواز، فلو كانت الرؤية مستحيلة عليه لقال: ( لست بمرئي ) ، أو ( لا تجوز رؤيتي ) أو ( إن الرؤية تستحيل في حقي ) ولكان آنذاك تصحيحاً واجبا للعقيدة وللخطأ في طلب الرؤية التي لا تجوز في حق الإله ، وكل هذا لم يحدث ، فدل على جواز المبدأ ( إمكانية رؤية الله ) ، كما أنّ الله تعالى علق الرؤية على أمر جائز ، وهو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز ، فيلزم كون الرؤية جائزة ، وقد تواترت الأدلة من السنّة على رؤية الله تعالى في الآخرة منها :  ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن ناساً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ،  قالوا : لا، يا رسول الله ، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ،  قالوا : لا، يا رسول الله ، قال: فإنكم ترونه كذلك )) [ أخرجه مسلم ]  ،  وأخرج البخاري عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إنكم سترون ربكم عيانا )) [ أخرجه البخاري ] ،  وأخرج مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة، وتنجينا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } )) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي  صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن )) [ متفق عليه ] ، كما أنّ رؤية الله تعالى غير ممتنعة عقلاً ، لأن الله تعالى موجود ، وكل موجود تصح رؤيته ، لأنّ المصحح للرؤية الوجود ، وكما صح تفضله سبحانه بخلق إدراك للناس في قلوبهم يسمى العلم يتعلق به تعالى ، كذلك يصح تفضله تعالى بخلق إدراك لهم في أعينهم يسمى ذلك الإدراك رؤية تتعلق به تعالى على ما يليق به ، فهذه لا يحيلها العقل وقد جاء الشرع بإثباتها ، فوجب اثباتها والايمان بها ، وقد اتفقت كلمة مدارس أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة ( المدرسة الأثرية والمدرسة الأشعرية والمدرسة الماتريدية ) على رؤية الله تعالى في الآخرة ، ومنع منها المعتزلة والإمامية والإباضية ، وحججهم في الباب واهية لا تقوى على معارضة الأدلة من الكتاب والسنة والعقل ، وأبرز أدلتهم : أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء منزه عن المكان وسائر الأمكنة والجهات إليه سواء ، والرؤية لا تكون إلا في جهة ومكان ، والمكان مستحيل على الله لأنّ الله تعالى خالق المكان ، ولا يحل الخالق في المخلوق ، نقول نعم للتنزيه ، ولكن ما علاقة الرؤية بالمكان والجهة ، لأننا نقول رؤيته - سبحانه - لا في جهة ولا في مكان ، لأنّ جميع المؤمنين لا يضامون في رؤيته والمعنى لا يتزاحمون لرؤيته ، فالكل يراه لا في جهة ولا في مكان ، قال تعالى { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  } [ البقرة : 115 ] ، فالأماكن كلها عند الله تعالى سواء ،  كما أنهم يقولون : أنّ الرؤية لا تكون إلا بشعاع متصل بين العين والشيء المرئي ، وهذا محال على الله لأنّه منزه عن قوانين المادة والجسم ، ونقول : الرؤية ممكنة بغير تلك الأسباب ، والله تعالى خالق الأسباب والمسببات ، وعلى ذلك نؤمن بالرؤية بلا مقابلة ، ولا اتصال أشعة البصر ، ولا إحاطة بصر ،  و المانعون من الرؤية يستدلون بقوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ  } [ الأنعام : 103 ] ، فقالوا ما لا تدركه الأبصار فليس بمرئي ، وهذا فهم خاطئ للآية لأنّه لو كان المقصود نفي الرؤية لجاءت الآية ( لا تراه الأبصار ) ، ولكن الآية نفت الإدراك ولم تنف الرؤية ،  { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ  } ونحن نقول بجواز الرؤية  ولكن بغير احاطة ، إذ كيف يحيط المخلوق المحدود برؤية المنزه عن الحدود ، ورؤية الله ناشئة عن تجلى الرب الرحمن ، وناشئة عن كشف الحجب عن الأبصار ، لأنّ الحجب تحجب رؤيتنا للعلي الجبار ، وهي تحجب المخلوق عن رؤية خالقه ، و إلا فذات الله تعالى ظاهرة لا يحجبها شيء أبدا ، إذ لا يحجب الحجاب المخلوق خالقة المنزه عن الحدود ، وإنما هي حُجُب تحجب أبصار المخلوقين المحدودة عن رؤية الخالق الجليل الكبير المتعال ، فإذا كانت الآخرة تجلى الرحمن للمؤمنين وقد أعطاهم قوة التحمل لرؤية الكريم ، كما تجلى للجبل في الدنيا فجعله دكا ، فيرونه وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفية ، ولا مسافة ، نراه بقدرته بلا كيف ، سبحانه ليس كمثله شيء ، نسأل الله الكريم أن يتفضل علينا برؤيته في دار النعيم ،

[  39  ]  تقديس الله تعالى في أسمائه الحسنى : الله تعالى له الأسماء الحسنى ، التي لها الكمال في الحسن والجلال والإكرام ، تقدست أسماؤه ، وعالت صفاته ، والأسماء الحسنى ورد وصفها بالحسنى في القرآن الكريم  في أربعة مواضع من القرآن الكريم ، هي : قوله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى  } [ سورة طه : 8 ] و قوله تعالى { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ سورة الْأَعراف : 180 ] و قوله تعالى { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا *  وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } [ سورة الإسراء : 110 إلى 111 ] وقوله تعالى { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ *  هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [ سورة الحشر : 22 إلى 24 ] ، وأسماء الله الحسنى توقيفية لا مجال للاجتهاد إذ العقل قاصر عن الاجتهاد فيما لا يدركه لقوله تعالى : { ولا تقف ما ليس لك به علم } [ الإسراء : 36 ] ، وقوله تعالى : { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } [ الأعراف: 33 ] ، وأسماءُ الله تعالى الحسنى بالغة الحسن لأنها أسماء الله تعالى ، ولأنها تدل على صفات الكمال والجلال والإكرام لله تعالى ، والعلم بأسماء الله تعالى الحسنى أشرفُ العلوم لأنها تتعلق بمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته العلى ،  وكل اسم من أسماء الله الحسنى يدل على صفة علية يتصف بها الله عز وجل فالرحيم سبحانه متصف بالرحمة التي يرحم بها عباده والقدير جل شأنه متصف بالقدرة التي يدبر بها ملكه فلا يعجزه شيء والغفور تبارك وتعالى متصف بالمغفرة التي بها يغفر للتائبين والمنيبين ، لا إله إلا هو ، العليم الذي كمال العلم ، العزيز الذي له العزة التي لا تضام ، العظيم الذي له العظمة التي لا ترام ، القدير الذي له القدرة المطلقة والمشيئة النافذة ، الجبار الذي له الجبروت والانتقام وهو مع ذلك الرحمن الرحيم الذي سعت رحمته كل شيء وسبقت غضبه تعجز الكلمات عن حمد ذاته وعن وصف صفاته منصف بصفات الكمال والإجلال والإكرام منزه عن أدنى عيب أو نقص أو ذم ،  والأسماء الحسنى تقدست عن العد والحصر ، ولهذا جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (( أسألُكَ بكُلِّ اسم هُوَ لَكَ سَمَّيتَ به نَفْسَكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا منْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرتَ به في عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ )) [ أخرجه أحمد وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (ح : 3528 ) ] ، ومن أحصى من هذه الأسماء الحسنى تسعة وتسعين اسماً دخل الجنة لما أخرجه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))  [متفق عليه ] ، ومقصود الحديث أن من أحصى هذا القدر من أسماء الله الحسنى ( مائة إلا واحداً ) دخل الجنة ، وليس المراد من الحديث حصر الأسماء في هذا العدد ، وذلك لأن أسمائه الحسنى سبحانه لا يحصيها إلا الله عز وجل ، كما أنّ أسماء الله  الحسنى ثناء عليه ، ولا يحصي الثناء على الله إلا الله . وقد جاء في الحديث (( لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك )) [ صححه الألباني في صحيح أبو داود (823 ) ] ،

[  40  ]  من تقديس الله تعالى في أسمائه أن يحصي المسلم منها ما يستطيع ، فإنها من أعظم العلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله ، وقد وردت ثلاث روايات في إحصاء الأسماء الحسنى ، الرواية الأولى وهي الأشهر من رواية ( الوليد بن مسلم ) أخرجها التِّرْمذيُّ في سُنَنه ، وهي أصح شيء في الباب ، والرواية الثانية من رواية ( عبد الملك بن محمد الصَّنعاني ) ، أخرجها : ابنُ ماجه في سننه ، وإسناد طريق بن ماجه ضعيف لضعف عبد الملك بن محمد والرواية الثالثة من رواية (عبد العزيز بن الحصين ) ، أخرجها : الحاكم في المستدرك ، وهي ضعيفة ،  ولذلك لم يعول عليها أحد من أهل العلم في شرح الأسماء الحسنى ، وطريق الترمذي أصح شيء في الباب ، وروايته كما جاءت في سنن الترمذي عَن أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه  قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : (( إنَّ لله تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْماً مِائَةً غيرَ وَاحِدَةٍ مَنْ أَحْصَاها دَخَلَ الجَنَّة ، هُوَ الله الَّذِي لا إلَهَ إلاّ هُوَ الرَّحمنُ الرَّحيمُ المَلِك القُدُّوسُ السَّلاَمُ المُؤْمِنُ المُهَيمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّر الخَالِقُ البَارِىءُ المُصَوِّرُ الغَفَّارُ القَهَّارُ الوَهَّابُ الرَّزَّاقُ الفتَّاحُ العَلِيمُ القَابِضُ البَاسِطُ الخافضُ الرَّافِعُ المعزُّ المذِل السَّمِيعُ البَصِيرُ الحَكَمُ العَدْلُ اللّطِيفُ الخَبِيرُ الحَلِيمُ العَظِيمُ الغَفُورُ الشَّكُورُ العَلِيُّ الكَبِيرُ الحَفِيظُ المُقِيتُ الحَسِيبُ الجَلِيلُ الكَرِيمُ الرَّقِيبُ المُجِيبُ الْوَاسِعُ الحَكِيمُ الوَدُودُ المَجِيدُ البَاعِثُ الشَّهِيدُ الحَق الوَكِيلُ القَوِيُّ المَتِينُ الوَلِيُّ الحَمِيدُ المُحْصِي المُبْدِيءُ المُعِيدُ المُحْيِي المُمِيتُ الحَيُّ القَيُّومُ الوَاجِدُ المَاجِدُ الوَاحِدُ الصَّمَدُ القَادِرُ المُقْتَدِرُ المُقَدِّمُ المُؤَخِّرُ الأوَّلُ الآخِرُ الظَّاهِرُ البَاطِنُ الوَالِي المُتَعَالِي البَرُّ التَّوَّابُ المنتَقِمُ العَفُوُّ الرَّؤُوف مَالِكُ المُلْكِ ذُو الجَلاَلِ وَالإكْرَامِ المُقْسِط الجَامِعُ الغَنِيُّ المُغْنِي المَانِعُ الضَّارُّ النَّافِعُ النُّورُ الهَادِي البَدِيعُ البَاقِي الوَارِثُ الرَّشِيدُ الصَّبُور )) ، وهذه الرواية صححها ابن حبان والحاكم وحسنها النووي ، وقد زعم البعض أن الأسماء الحسنى مدرجه في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، أدرجها بعض الرواة في الحديث ،  وهذا الأمر مستبعد ، لأنّ الرواية قد تقبلها المتقدمون كالترمذي والحاكم وابن حبان ، وتلقاها أهل العلم بالحديث وعوَّل عليها جميع من شرح الأسماء الحسنى ، كابن مَنْدَهْ وابن العربي والبيهقي والغزالي والقرطبي والرازي وغيرهم ، غاية الأمر قد يكون هناك اضطراب في ذكر بعض الاسماء ، أو اسقاط بعضها سهواً  ، ولعل هذا الاضطراب هو ما دعا البخاري ومسلم إلى الاقتصار على أصل الحديث دون سرد الأسماء ، ودعا البعض إلى الاجتهاد في إحصائها بعيدا عن حديث الترمذي ، لاسيما وأنه ترك أسماء حسنى وردت في القرآن كاسمه الرب واسمه الإله واسمه الأحد واسمه القريب ، واسمه النصير سبحانه ، ومن ذلك اجتهاد ابن حجر رحمه الله في إحصاء الأسماء الحسنى في كتابه الجامع فتح الباري ،

[  41  ] إحصاء ابن حجر العسقلاني رحمه الله :  تتبّع ابن حجر رحمه الله ما ورد في القرآن بصيغة الاسم ممّا لم يذكر في رواية الترمذيّ ، وهي سبعة وعشرون اسمًا ، وضمّ إليها الأسماء الَّتي وقعت في رواية الترمذيّ ممّا ورد في القرآن بصيغة الاسم فصارت تسعة وتسعين اسمًا وكلّها في القرآن وهي : اللَّهُ ، الرَّحْمَنُ ، الرَّحِيمُ ، الْمَلِكُ ، الْقُدُّوسُ ، السَّلامُ ، الْمُؤْمِنُ ، الْمُهَيْمِنُ ، الْعَزِيزُ ، الْجَبَّارُ ، الْمُتَكَبِّرُ ، الْخَالِقُ ، الْبَارِئُ ، الْمُصَوِّرُ ، الْغَفَّارُ ، الْقَهَّارُ ، التَّوَّابُ ، الْوَهَّابُ ، الخلاّقُ ، الرَّزَّاقُ ، الْفَتَّاحُ ، الْعَلِيمُ ، الْحَلِيمُ ، الْعَظِيمُ ، الْوَاسِعُ ، الْحَكِيمُ ، الْحَيُّ ، الْقَيُّومُ ، السَّمِيعُ ، الْبَصِيرُ ، اللَّطِيفُ ، الْخَبِيرُ ، الْعَلِيُّ ، الْكَبِيرُ ، المحيطُ ، القديرُ ، المولى ، النّصيرُ ، الْكَرِيمُ ، الرَّقِيبُ ، القريبُ ، الْمُجِيبُ ، الْوَكِيلُ ، الْحَسِيبُ ، الْحَفِيظُ ، الْمُقِيتُ ، الْوَدُودُ ، الْمَجِيدُ ، الْوَارِثُ ، الشَّهِيدُ ، الْوَلِيُّ ، الْحَمِيدُ ، الْحَقُّ ، المبينُ ، الْقَوِيُّ ، الْمَتِينُ ، الْغَنِيُّ ، المالكُ ، الشّديدُ ، الْقَادِرُ ، الْمُقْتَدِرُ ، القاهرُ ، الكافي ، الشّاكرُ ، المستعانُ ، الفاطرُ ، الْبَدِيعُ ، الغافرُ ، الأَوَّلُ ، الآخِرُ ، الظَّاهِرُ ، الْبَاطِنُ ، الكفيلُ ، الغالبُ ، الْحَكَمُ ، العالِمُ ، الرّفيعُ ، الحافظُ ، الْمُنْتَقِمُ ، القائمُ ، الْمُحْيِي ، الْجَامِعُ ، المليكُ ، الْمُتَعَالِي ، النُّورُ ، الْهَادِي ، الْغَفُورُ ، الشَّكُورُ ، الْعَفُوُّ ، الرؤوف ، الأكرمُ ، الأعلى ، الْبَرُّ ، الحفيُّ ، الربُّ ، الإلهُ ، الْوَاحِدُ ، الأحدُ ، الصَّمَدُ الَّذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد ، [فتح الباري 11 : 219 ]  ، 

[  42  ]  اجتهادي في إحصاء الأسماء الحسنى : أكرمني الله تعالى في ذلك ، فاجتهدت في إحصاء الأسماء الحسنى معتمدا على الأسماء الحسنى الواردة في حديث الترمذي لأنه أصح ما في الباب ، ثم أضفت إليها الأسماء الحسنى التي وردت في القرآن الكريم على سبيل الإطلاق كأسماء الله تعالى (( الرب والإله والأحد والقريب والمولى والنصير ))  ، ثم أحصيت الأسماء المقترنة على أنها اسم واحد ، ومثال ذلك : (القَابِضُ البَاسِطُ ) و (الخافضُ الرَّافِعُ ) و ( المعزُّ المذِل ) و (  المُبْدِيءُ المُعِيدُ ) و ( المُحْيِي المُمِيتُ ) و (المُقَدِّمُ المُؤَخِّرُ) و ( المنتَقِمُ العَفُوُّ) و ( المَانِعُ المعطي ) و ( الضَّارُّ النَّافِعُ ) ولهذا وجه قوي لان هذه الأسماء المقترنة لا يجوز أن تطلق على الله تعالى مفردةً ؛ لأنّها تجري مجرى الاسم الواحد الَّذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض ؛ فالمانع يجب أن يقرن بالمعطي ، وهكذا الضارّ بالنّافع ، والمذلّ بالمعزّ ، والمحيي بالمميت ؛ وذلك لأنّ هذه الأسماء لا تدلّ على الحسن المطلق إلاّ إذا قرن كلّ اسم بما يكمله ، وأحصيت الأسماء المترادفة على أنها اسم واحد ، ومثال ذلك ( الملك - المليك - مالك الملك ) و ( العالم - العليم - علاّم الغيوب ) و ( القادر - القدير - المقتدر ) و ( العلي - الأعلى - المتعال ) و ( القاهر - القهار ) و ( الكريم - الأكرم ) و ( الوالي - الولي - المولى ) و ( الشاكر -الشكور )  ، ووجدت أنني إذا فعلت هذا وذاك كان بالإمكان الاستفادة من جهود السابقين واللاحقين من علماء اهل السنة والجماعة في احصاء الاسماء الحسنى ، وتدارك القصور الواضح في الروايات التي سردت الاسماء الحسنى دون ذكر بعضها مما هو مذكور في القرآن الكريم على سبيل الإطلاق ، مع ادخال الأسماء الحسنى التي وردت على سبيل الإطلاق في السنة النبوية الصحيحة ،  وبهذا نجزم بحمد الله تعالى أنّ من أحصى هذا العدد الكبير من أسماء الله الحسنى أنّه قد أحصى أسماء الله تعالى الحسنى الواردة في الحديث (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ )) [ متفق عليه ] ، والله تعالى أعلم  ، وجاء سرد الأسماء الحسنى من خلال اجتهادي في جمعها : وذلك بعد اعتبار الأسماء المقترنة على أنها اسم واحد ، وبعد ادخال الأسماء الأخرى الواردة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، كان كالتالي : [[ ( 1 ) الله ، ( 2 ) الرحمن الرحيم ، ( 3 )  المالك - المليك - مالك الملك - الملك :، ( 4 ) القدوس ، ( 5 ) السلام ، ( 6 )  المؤمن ،( 7 ) المهيمن ،( 8 )  العزيز ،( 9 ) الجبار ،( 10 ) الكبير - المتكبر ،( 11 ) الخلاق - الخالق ،( 12 ) البارئ ،( 13 ) المصور ،( 14 ) الغفور - الغفار ،( 15 ) القاهر - القهار ،( 16 ) الوهاب ،( 17 ) الرازق - الرزاق ،( 18 ) الفتاح ،( 19 )  العليم ،( 20 ) القابض - الباسط ،( 21 ) الخافض - الرافع  ،( 22 ) المعز - المذل  ،( 23 ) السميع ،( 24 ) البصير ،( 25 ) الحكم - الحكيم ،( 26 ) العدل ،( 27 ) اللطيف ،( 28) الخبير ،( 29 ) الحليم ،( 30 ) العظيم ،( 31 ) الشاكر - الشكور ،( 32 ) الأعلى - المتعال- العلي ،( 33 ) الحافظ - الحفيظ ،( 34 ) المقيت ،( 35 ) الحسيب  ،( 36 ) الجليل ،( 37 ) الأكرم - الكريم  ،( 38 ) الرقيب ،( 39 ) المجيب ،( 40 ) الواسع ،( 41 )  الودود ،( 42 ) الماجد - المجيد ،( 43 ) الباعث ،( 44 ) الشهيد ،( 45 ) الحق ،( 46 ) الوكيل ،( 47 ) القوي ،( 48 ) المتين ،( 49 ) الوال - الولي ،( 50 ) الحميد ،( 51 ) المحصي ،( 52 ) المبدئ المعيد ،( 53 ) المحيي المميت ،( 54 ) الحي ،( 55 ) القيوم ،( 56 ) الواجد ،( 57 ) الواحد - الأحد  ،( 58 ) الصمد ،( 59 ) القادر القدير المقتدر ،( 60 ) المقدم والمؤخر ،( 61 ) الأول - الآخر ،( 62 ) الظاهر- الباطن ،( 63 ) البر ،( 64 )  التواب ،( 65 ) المنتقم - العفو ،( 66 ) الرؤوف ،( 67 ) ذو الجلال والإكرام ،( 68 ) المقسط ،( 69 ) الجامع ،( 70 ) الغني المغني ،( 71 ) المانع - المعطي ،( 72 ) الضار النافع  ،( 73 ) نور السموات والارض - النور ،( 74 ) الهادي ،( 75 ) بديع السموات والارض - البديع ،( 76 ) القديم - الباقي  ،( 77 ) الوارث ،( 78 ) الرشيد ،( 79 ) الصبور ،( 80 ) الرب ،( 81 ) الإله ،( 82 ) القريب ،( 83 ) النصير ،( 84 ) الكافي ، ( 85 ) المحيط ،( 86 ) الشافي ،( 87 ) المبين ،( 88 ) السيد ،( 89 ) الرفيق ،( 90 ) الوتر ،( 91 ) السبوح ،( 92 )  الطيب ، ( 93 ) المنان ،( 94) المحسن ،( 95 ) الجميل ، ( 96 ) المسعر ، ( 97 ) الديان ،( 98 ) الحيي ،( 99 ) الستير ]] ،

[  43  ] من تقديس الله تعالى في أسمائه أن ندعوه بها وأن نبرأ ممن يلحد في أسمائه ، قال تعالى : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ) [ الأعراف : 180 ] والدعاء يشمل : دعاءَ المسألة والطَّلَب ، ودعاءُ العبادة والذكر والثَّناء ، والإلحاد في الأسماء الحسنى يكون بإثبات المشاركة لأحد من الخلق في هذه الأسماء أو بعضها بنفس معناها ومدلولها ، ومن ذلك ما كان يفعله المشركون من تسمى المعبودات الباطلة بما تسمى به الله تعالى من الأسماء الحسنى ، وذلك  كتسميتهم اللات من الإله ، والعزَّى من العزيز ، ومنَاةَ من المنَّان، وتسميتهم للأصنام آلهة ، يضاهئون بذلك أسماء الله تعالى الحسنى ، ومنها اعتقادهم أن من أسماء آلهتهم العزيز والنصير ، وأن من صفات آلهتهم النصرة والعزة ، كما قال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74)  } [ يس : 74 ] ، وقال تعالى : { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا  } [ مريم : 81 ] ومن الإلحاد في أسماء الله تعالى الحسنى أيضاً أن يسمى الله تعالى بما لا يليق به من الاسماء ،  ومن ذلك تسميةُ النَّصارى له ( الأب ) ، وتسميتهم له  ( الابن ) ، وهو تعالى أحد صمد كما قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } ، ومن الإلحاد في أسماء الله تعالى الحسنى أيضاً  تَشْبيهُ ما  تضمَّنَتْه أسماءُ الله الحسنى من صفات بصفات المخلوقين ، كأن يقولون الله تعالى سميع ، ويسمع بأذن ، أو يقولون الله بصير ، ويبصر بعين ، ينسبون له الجوارح والأعضاء والاجزاء ، وهو الأحد الصمد الذي لم يكن له كفوا أحد ،

[  44  ] تقديس الله تعالى في صفاته : من أعظم العلم الراسخ بالله : العلم بصفات الله تعالى العلا : إذ أنّ معرفة صفات الله هي الطريق إلى معرفة الله ، لأنّ الصفات عبارة عن سُبُل للتعبير عن الله وبيان صفات ذاته تعالى ، فصفة العلم تدلا على أنّ الله تعالى عليم بكل شيء ، لا يغيب عن علمه شيء ، وصفة الرحمة تدل على أنّ الله تعالى رحيم بعباده وأنّ رحمته وسعت كل خلقه ووسعت كل شيء ، والقول في الصفات كالقول في جناب الذات تماماً ، فكما أنّ ذات الله تعالى منزه عن الحد والمقدار ، والمثيل والند والشبيه ، فكذلك صفات الله تعالى ليس لها حد تنتهي إليه ، إذ له سبحانه كمال الذات وكمال الصفات ، وكما أنّ ذات الله تعالى وتقدس له الكمال المطلق منزه عن الكفء والمثيل ، فكذلك الصفات تابعة للذات ، ليس كمثل ذاته ذات ، وليس كمثل صفاته صفات ، لا ندرك من معانيها إلا ما تحتمله عقولنا ، وأنى للعقول المحدودة والأفهام المخلوقة أن تحيط علماً بالصفات المنزهة عن التناهي والحدود ، ولهذا كانت القاعدة التنزيهية أنّ الله تعالى أجلّ من أن تدرك صفاته ، وإنّما نصفه على قدر إمكاناتنا المحدودة لا على قدر عظمته وجلاله، تعالى الله علواً كبيراً عن أن يدرك المخلوق قدر صفاته ، قال تعالى : { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } [ الزمر : 66 ] ،

[  45  ]  الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : الحكم العقلي : ينحصر في ثلاثة أقسام : الوجوب والاستحالة والجواز ، ومعنى الوجوب العقلي : هو ما لا يُتصور في العقل عدمه ، والمستحيل العقلي : هو ما لا يُتصور في العقل وجوده ، والجائز العقلي هو ما يصح وجوده وعدمه ، وكل واجب عقلي يقابله ويضاده المستحيل العقلي ، بمعنى إنه إذا كانت صفات الوجود والبقاء والمخالفة للحوادث والوحدانية والحياة والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام ، واجبة لله تعالى عقلا فإن أضدادها مستحيلة في حق الله تعالى ، وهي العدم والفناء ومشابهة الحوادث ووجود الشريك والموت والاحتياج والعجز والاضطرار والجهل والصمم والعمى والبكم ، و هناك فرق في الاصطلاح بين الحكم العقلي والحكم السمعي ، إذ الحكم السمعي هو ما كان إثباته عن طريق الشرع ، ولا يلزم من اثباته استحالة ضده وانتفائه في حق الله تعالى ، إذ أنّ الشرع دل على ثبوت صفة الرحمة لله وثبوت ضدها وهو شدة العقاب ،  وعند تطبيق تلك المصطلحات بدقة لن يكون هناك لبس في تعلم العلم ، فإنّه إذا قيل واجب عقلي ، فإنّ معناه الذي لا يُتصور في العقل عدمه ، وبالتالي فإنّ وجود الله تعالى واجب عقلي لأنّه لا يُتصور في العقل عدمه ، إذ وجود جميع تلك المخلوقات والنظام الذي هي فيه يوجب في العقل وجود خالقها الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ،  أما ( الرحمة ) التي يتصف بها الرحمن سبحانه فإنّها واجب سمعي وليس شرعي ، وتعريفه كما ذكرنا هو الذي دل الشرع على وجوبه ، وقد أعلمنا الله تعالى بتلك الصفة بقوله تعالى : { اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [  المائدة : 98 ] ، ومن ذلك نعرف خطأ غير المتخصص عندما يخلط بين الواجب العقلي والواجب السمعي ، ويتهم السادة الأشاعرة أو السادة الماتريدية المتخصصين في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة بأنّهم أثبتوا ثلاث عشرة صفة ، وألغوا بقيتها ، وحاشاهم من ذلك ، فإنّهم يتكلمون على الواجب العقلي الذي لا يُتصور في العقل عدمه ، وأما عند حديثهم على الواجب السمعي فإنّهم يجعلون جميع الأسماء الحسنى تدل على صفات واجبة لله تعالى ، والمشكلة تكمن في تشغيب الحشوي على تلك المدارس المؤصلة الراسخة في العلم ، والواجـــب العقلي في حق الله تعالى :  يجب لله تعالى كل كمال يليق بذاته تقدس وتعالى ، وكمالات الله تعالى لا تتناهى ، ولا يحصرها العد ولا يحيط بها علمنا المحدود ، فيجب أن نؤمن بأن كل كمال يليق بذات الله تعالى واجب له ، وأن كمالاته سبحانه لا تتناهى ، وأصول تلك الكمالات كما ثبتت بالعقل الصريح والنقل الصحيح ، والصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : تتمثل في صفات الوجود والبقاء والمخالفة للحوادث والوحدانية والحياة والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام ، وهذا بيانها بالتفصيل مع ذكر قواعد التنزيه المتعلقة بها ،  و ( الصفة الأولى من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة الوجود ) : قال تعالى { أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي أن وجود السماوات والأرض بما فيهما من عجيب صنع الله لا يدع مجالا للشك في وجود الله ، وقديماً سُئل الأعرابي كيف عرفت ربك قال : البعرة تدل على البعير وآثار الأقدام تدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدل على العليم الخبير ، ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة الوجود  : ( أ ) وهناك فرق عظيم بين وجود الله ووجود المخلوقات وهي كل ما عدا الله سبحانه ، فوجود الله ذاتي واجب لولاه لما وجد أي موجود ووجود جميع المخلوقات جائز يقبل الوجود والعدم ويطرأ عليها الفناء بعد الوجود ، ( ب ) وجود الله ذاتي ليس له ابتداء ولا انتهاء ، فهو الأول ليس قبله شيء وهو الأخر فليس بعده شيء ، ليس وجوده في مكان لأنه خالق المكان وليس وجوده في زمان لأنه خالق الزمان , فهو سبحانه قبل الزمان والمكان , ( ت ) الله موجود والخلائق موجودة ولكن وجودنا يسبقه عدم ويعقبه فناء وهو متعلق بإرادة الله يخلق ويعدم ويحي ويميت ويوجد ويفني أما وجوه سبحانه فهو ذاتي لا يقبل الحدوث ولا الفناء ، و (  الصفة الثانية من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة القدم ) : ( الأول بلا ابتداء ) ،  والقـدم هو الأولية التي جاءت في قول الله تعالى:{هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الحديد: 3 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء ، وأنت الباطن فليس دونَك شيء ))  [ أخرجه مسلم ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم: ((كان الله ولم يكن شيء قبله )) [البخارى ومسلم ]،  ومعناه أنه لا أول لوجوده تعالى وأنه لم يسبقه عدم ، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((  أعوز بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم )) [ أخرجه أبو داود ح ( 466) ] ، وقال النـووي في [ الأذكار ص 86] : حديث حسن ، رواه أبو داود بإسناد جيد"  ، وقال الألباني : إسناده صحيح : [صحيح سنن أبي داود  :  441] . وفيه وصف سلطان الله عَزَّ وجلَّ بالقِدَم وقدم السلطان يعني قدم صاحب السلطان سبحانه ، وذلك يستلزم قدم ذاته وأسماءه وصفاته ، ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة القدم   : ( أ ) القِدمُ معناهُ الأزلية فإذا قيل الله قديمٌ معناه لا ابتداءَ لوجودِهِ، هذا في حق الله أما في حق غيره إذا قيل قديم فمعناه مضى عليه زمانٌ طويلٌ ، ( ب ) الله تبارك وتعالى لا ابتداءَ لوجودِهِ ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان والله تعالى كانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما ، ( ت ) قال أهلُ الحقّ: الموجوداتُ ثلاثةُ أقسامٍ: القسم الأول: أزليٌّ أبديٌّ وهو الله تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العلا ، والقسمُ الثاني من الموجودِ: أبديٌّ لا أزليٌّ وهو الجنةُ وأهلها والنارُ وأهلها ، والقسمُ الثالثُ: لا أزليٌّ ولا أبديٌّ وهو ما سوى الجنةِ والنارِ من المخلوقاتِ التي خلقها الله وكتب لها الفناء ، وأما أزليٌّ لا أبديٌّ فهذا مستحيلٌ، الأزليُّ لا يكونُ إلا أبديًّا والله تعالى – وحده سبحانه – هو الأزليٌّ الأبديٌّ بذاته تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العلا  ، و ( الصفة الثالثة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة البقاء ) :  يجب وصف البقاء لله تعالى ومعناه أنه تعالى ليس لوجوده انقضاء ولا انتهاء دائم الوجود لا يفنى ولا يبيد موصوف بصفاته كلها في الأزل وهو كذلك لا يزال عليها إلى الأبد ، قال تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ } [ الرحمن : 25 ] ، وقال تعالى : : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ } ، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء )  [ أخرجه مسلم ] ، ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة البقاء  : ( أ ) هناك فرق بين صفة البقاء الله وبين بقاء الجنة والنار وخلود أهل الجنة والنار , فبقاء الله ذاتي لا يجوز عليه العدم أو الفناء أما بقاء الجنة أو النار فهو بقاء متعلق بإبقاء الله تعالى لها ، فهي باقية لأن الله أراد لها البقاء ، ( ب ) وكذلك فإن بقاء الله تعالى  أبدي أزلي ، وبقاء الجنة والنار أبدي غير أزلي ، فالأزلي ما لم يزل ، والأبدي ما لا يزال ، والجنة والنار كائنتان بعد أن لم تكونا بإيجاد الله تعالى لهما  ، و ( الصفة الرابعة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة المخالفة للحوادث ) : ومعناها نفي المشابهة في الذات والصفات والأفعال ، فليست ذاته من جنس الأجسام والأنوار والأعراض والأجرام ، بل كل ما يخطر في بالك فالله خلاف ذلك ، ليس له جهة ولا مكان ولا يجري عليه الزمان ، منزه عن الحد والمقدار تعالى الله عن الحدود والاركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات ، والدليل على ذلك : قوله تعالى : { ليس كمثلِه شيء }  [سورة الشورى : 11 ]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه ، وقوله تعالى : { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل : 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين ، ، وقوله تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [سورة النحل : 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقوله تعالى : {هل تعلمُ لهُ سميًّا }  [سورة مريم : 65] أي لا تعلم له  مِثلاً ، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقوله تعالى : { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص : 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ، وقوله تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [سورة الأنعام : 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ، وقوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه : 110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ومن الأدلة من السنة النبوية قوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم] وإذا لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن له شبيه ولا مثيل ، ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة المخالفة للحوادث : ( أ ) لو كان القدوس يشبِهُ شيئًا من خلقِهِ لجازَ عليه ما يجوزُ على الخلقِ من التغيُّر والتطورِ والفناءِ، ولو جازَ عليهِ ذلك لاحتاج إلى من يُغَيّرُهُ والمحتاجُ إلى غيره لا يكونُ إلها فثبت أنه لا يشبِهُ شيئًا ، ( ب ) قوله تعالى {ليس كمثله شيء} وهو أوضحُ دليلٍ نقليٍّ في ذلك جاء في القرءانِ لأنَّ هذه الآية تدل على التّنزيه الكُلّي لأنَّ الله تباركَ وتعالى ذَكَرَ فيها لفظَ { شيء } في سياق النفي، والنكرة إذا أُورِدَت في سياق النفي فهي للشمولِ، فالله تباركَ وتعالى نفى بهذِه الجملةِ عن نفسِهِ مشابهة الأجرام والأجسام والأعراضِ فهو تباركَ وتعالى كما لا يشبه ذوي الأرواحِ من إنسٍ وجنٍ وملائكةٍ وغيرهِم لا يشبهُ الجماداتِ من الأجرامِ العُلوية والسّفلية لا يُشبِهُ شيئًا من ذلك، فالله تبارك وتعالى لم يُقيّد نفي الشَّبَهِ عنه بنوعٍ من أنواعِ الحوادثِ بل شمل نفي مشابهتِهِ لكلّ أفرادِ الحادثاتِ ، ( ت ) ويشملُ هذا النفيُ {ليس كمثله شيء} تنزيهَهُ تعالى عن الكميةِ والكيفية، فالكميةُ هي مِقدارُ الجرم أي فهو تبارك وتعالى ليس كالجِرمِ الذي يدخُله المقدارُ والمِساحَةُ والحدُّ فهو ليس بمحدودٍ ذا مِقدارٍ ومَسَافَةٍ، ومن قال في الله تعالى إنَّ له حدًّا فقد شَبَّههُ بخلقِهِ ، والله تبارك وتعالى لو كان ذا حدّ ومقدارٍ لاحتاج إلى من جَعَلَهُ على ذلك الحدّ والمقدارِ كما تحتاجُ الأجرامُ إلى من جَعَلَها بحدودها ومقاديرها لأن الشيء لا يخلقُ نفسَه بمقدارِهِ، فالله تبارك وتعالى لو كان ذا حدّ ومقدارٍ كالأجرامِ لاحتاجَ إلى من جَعَلَهُ بذلكَ الحدّ لأنه لا يصحُّ في العقلِ أن يكونَ هو جَعَلَ نفسَه بذلك الحدّ، والمحتاجُ إلى غيرِهِ لا يكونُ إلها لأنَّ من شرطِ الألوهية الاستغناء عن كل شيء ، و ( الصفة الخامسة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة الوحدانية ) : إن معنى الوحدانية يرجع إلى أن البارئ جلّ وعلا واحد أحد لا ثاني له لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في ربوبيته ولا في عبوديته واستحقاقه للعبادة وحده ، فتكون أوجه الوحدانية ستة ، ولا مشاحة في التقسيم إذ المقصود ان يشمل كافة أوجه التوحيد وأقسامه ، فيجب اعتقاد وحدانية الذات من جهة نفي الشريك في الخارج ونفي الكثرة في جناب الذات ، فذاته تعالي له الأحدية المطلقة منزه عن الكثرة والانقسام والأبعاض والأجزاء ،  منزه عن التركيب ، ولذلك قال الله تعالي عن نفسه : {  قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } [ الإخلاص : 1 ] ، فالشيء قد يكون واحدا ومع ذلك يكون مركبا من أجزاء أما الله تعالي فهو سبحانه واحد لا شريك له ، أحد لا جزء له ، ويجب اعتقاد وحدانية الأسماء الحسنى ، ووحدانية الصفات العلى ، ووحدانية الأفعال فلا ثم إلا خلقه ،  ووحدانية الربوبية فلا رب سواه ، ووحدانية العبودية فلا معبود بحق إلا هو ، وكل هذه الأقسام يشملها توحيد الألوهية ( لا إله إلا الله ) ، قال تعالى : { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } [ البقرة : 163 ] ، وقال تعالى : { أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وقال تعالى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } [ الانبياء : 22 ] ، وقال تعالى : { قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا } [ الإسراء : 42 ، 43 ] ، وقال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سورة الإخلاص ] ، و (  الصفة السادسة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة الحياة ) : ويجب الإيمان بوجوب الحياة في حق الله عزّ وجلّ وهى صفة قديمـة قائمـة بذات الله تعالى ، تصحح لموصوفها الاتصاف بالعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر، وما إلى ذلك من الصفات اللائقة به تعالى ، والحياة صفة من صفات الله عَزَّ وجَلَّ الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة ، و(الحي) اسم من أسمائه تعالى، قال تعالى : {اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران : 2] ، وقال تعالى : {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت} [الفرقان : 58] ، ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة الحياة : ( أ ) حياته سبحانه تامة كاملة منزهة عن السنة والنوم والموت ، كما في قوله تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } [ البقرة :  255 ]  ، ( ب ) وإذا كان كل حي حياتة قائمة بروح ، فإن حياة الحي القيوم سبحانه ليست بروح ، ودليل ذلك اقتران صفة الحياة مع صفة القيومية  : { الْحَيُّ الْقَيُّومُ } فهو سبحانه القائم على صفاته بذاته ، والمستغني بذاته عمّن سواه ،  ( ت ) له سبحانه كمال الحياة ، فهي حياة أزلية ليس لها ابتداء (( الاول فليس قبلك شيء )) ، وهي حياة أبدية باقية ليس لها انتهاء (( الآخر فليس بعدك شيء )) ، فهو الحي قبل كل حي وهو الحي الذي لا يموت ، وهو الحي بعد كل ميت ، وهو الحي القيوم لا إله إلا هو ، وكل حي فمحتاج إليه ، مستمد حياته من فيض كرمه وجوده ،  و ( الصفة السابعة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة القيام بالنفس ) : ومعناه أنه سبحانه قائم بنفسه مستغنٍ عمّن سواه ، له كمال الغنى والقيومية ، فهو سبحانه الغنيُ الغنى المطلق ، والحي القيوم ، فلا يحتاج إلى أحد والكل محتاج إليه ، فقير إلى فضله وغناه ، قال تعالى :  { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } [ فاطر : 15 ] ، وقال تعالى : { وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ } [ محمد: 38 ]  ، وقال تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } [ البقرة :  255 ] ، وقال تعالى : {اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران : 2] ، وقال تعالى :{وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا } [ طه : 111 ] ،  ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة القيام بالنفس : ( أ ) معنى قيامه تعالى بنفسه أنه تعالى منزه عن الحاجة  ، والحاجة نقص والمحتاج عاجز عما يحتاج إليه إلى أن يبلغـه ويـدركه وللمحتاج إليه فضل بوجود ما ليس عند المحتاج فالنقص منفى عن القديم بكل حال والعجز غير جائز عليه ، ( ب ) القيام بالنفس هو غناه تعالى عن المحل ، لذلك يستحيل أن يحتاج إلى مكان يؤويه أو زمان يحويه  أو عرش يحمله ، كان الله ولا شيء غيره أو قبله أو معه، فهو الواحد القهار  ، ( ت ) الله تبارك وتعالى مستغنٍ عن كل شىءٍ ومحتاجٌ إليه كلُّ شىءٍ سِواهُ، والله تبارك وتعالى من كمال غناه وقيامه بنفسه لا ينتفعُ بطاعةِ الطَّائعينَ ولا يُضرُّ بعصيانِ العصاةِ، وكلُّ شيء سوى الله محتاجٌ إلى الله لا يستغني عن الله طرفةَ عينٍ، قال تعالى: {والله الغنيُّ وأنتم الفقراء } [سورة محمد] ، و ( الصفة الثامنة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة القدرة  ) : وهي في حق الله عزّ وجلّ صفةٌ ذاتيةٌ وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى ثابتةٌ لله عَزَّ وجلَّ بالكتاب والسنة يتأتّى بها أيجاد الممكن وإعدامه ، وهي تتعلّق بالممكن ولا تتعلّق بالواجب والمستحيل ، والقدرة صفة أزلية يتأتّى بها أيجاد الممكن وإعدامه ، وهي تتعلّق بالممكن وهو كل ما يتعلق بالمخلوق ، إما لإيجاده أو لإعدامه ، ، ولا تتعلّق بالواجب في حق الله تعالى أو المستحيل في حقة سبحانه ، لأنها لو تعلّقت بالواجب في حق الله تعالى لإيجاده فهو موجود وجوباً ، ولو تعلقت بالواجب في حق الله تعالى لإعدامه فهو لا يقبل العدم ، ومثال ذلك تعلق قدرة الله تعالى بعلم الله تعالى ، فلا يجوز ، ولا يصح أن يقال : أن الله متى شاء أن يعلم فإنه يعلم ، ومتى شاء أن يجهل فإنه يجهل ، لأن العلم صفة واجبة لله تعالى ، لا تعلق للقدرة بها ، لأنه بكل شيء عليم ، والجهل صفة مستحيلة في حق الله تعالى ، ، وبالتالي فإن القدرة لا تتعلق بالمستحيل في حقه سبحانه ، لأنها لو تعلّقت بالمستحيل لإيجاده فهو لا يقبل الوجود لاستحالة وجوده ، ولو تعلقت لإعدامه فهو معدوم أصلاً  ،  والله تعالى على كل شيء قدير ،  بمعنى إيجاد الممكن - وهو كل ما يتعلق بالمخلوق - وإعدامه ،  ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة القدرة : ( أ ) الفقه الصحيح لما تتعلق به القدرة : أن قدرة الله تعالى عامة لا يجوز تخصيصها ، قال تعالى : { إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [البقرة : 20] ، ولكن في مجالها المتعلق بجميع الممكنات وجميع المخلوقات ، فإن الله تعالى لو شاء أن يجعل العالم كله في حجم البيضة وأقل من ذلك لفعل لأنه على كل شيء قدير ، ولكن قدرة الله تعالى صفة من صفات الله تعالى الواجبة له ، فلا تعلق لها ببقية صفاته الواجبة له سبحانه كالعلم والسمع والبصر ، لا تتعلق بالواجب في حق الله تعالى لأنه موجود لا يقبل الفناء ، وكذلك فإن القدرة لا تتعلق بالمستحيل في حق الله تعالى لأنه معدوم لا يقبل الوجود ، ( ب ) قدرة الله لا تتعلق بالمستحيل في حق الله تعالى ، كمثل شخص يقول : هل يكون الله تعالى قادراً على أن يخلق مثل نفسه ؟  ، وهذا السؤال كفر والجواب عليه : لا نقول هو قادر ولا نقول غير قادر فالجوابان كفر والجواب الصحيح هو أن نقول أن قدرة الله لا تتعلق بإيجاد المستحيل في حق الله تعالى ، والشيء المستحيل في حق الله تعالى لا يمكن أن يوجد ، لأنه لو خلقه كان مخلوقاً ، فلا يكون إلهاً ، ولا خالقاً ، ومثل ذلك تماماً ، زعم النصارى أن لله تعالى الولد ، وهذا مستحيل ، لأن الولد جزء من أبيه ، فالوالد لا يخلق ولده ، وإنما هو جزء منه ، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والكل ، لأنه لا يُعرف بالحس ، فلا يكون منه الولد ، ولو كان منه الولد - سبحانه - لكان الولد قديماً ، مثل أبيه ، وكيف يكون قديماً وهو حادث ، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً ، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد ، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى - آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ  } [ الزخرف : 81 ، 82 ] ، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته ، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل ، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى : { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } ، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى ، العظيم جرماً نسبتها إلى الله ، يتضح ذلك في مواضع كثيرة من القرآن منها  قوله تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ مريم : 88 إلى 95 ] ، و ( الصفة التاسعة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة الإرادة ) : وهي صفة وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى ثابتة بالكتاب والسنة يتأتى بها تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه كوجود المخلوق في زمن دون غيره وفى مكان دون آخر وعلى صفة أو هيئة دون غيرها وهكذا، لقوله تعالى: { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ } [ القصص: 68 ] وقوله تعالى:{ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ } [ الشورى : 49 ] وقوله تعالى:{ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } [ البروج : 16 ] ، وقوله تعالى:{ فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَم } [ الأنعام: 25]  وقوله تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } [ البقرة : 185 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ }  [المائدة : 1]  ، وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ؛ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( إذا أراد الله بقوم عذاباً ؛ أصاب العذاب من كان فيهم ثم بُعثوا على أعمالهم )).[ أخرجه مسلم (2879) ] ، و ( الصفة العاشرة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة العلم ) : العلم صفةٌ ذاتيةٌ قديمة قائمة بذاته تعالى ثابتةٌ لله عَزَّ وجلَّ بالكتاب والسنة وهي صفة أزلية يعلم بها الله تبارك وتعالى جميع الأشياء ، الواجبات والممكنات والمستحيلات فهو تعالى يعلم وجود ذاته وصفاته ، ويعلم ما كان وما يكون وما لم يكن كيف كان لو انه يكون ، ويعلم في الأزل من يدخل الجنة ومن يدخل النار ، ويعلم أفعال عباده ، وكل ما يكون منهم. عالم بكل شيء ، عليم بذات الصدور ، لا تخفى عليه خافية ، وعلم الله تعالى ذاتي لا يستفاد من المعلومات : قال تعالى:{ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [ الملك :14 ] وقال تعالى : { إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا } [ طه : 98 ] وقال تعالى : { لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } [ الطلاق : 12] ، وقال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الأنفال: 75 ] ، وقال تعالى : { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ } [غافر: 19 ]وقال تعالى : { وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ } [البقرة : 255]، ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة العلم : ( أ ) علم الله تعالى قديم كامل ، ولهذا وجدت المخلوقات على هذه الدقة المتناهية لا خلل فيها ولا فطور ، ووجد الكون على هذا الصنع البديع ، قال تعالى:{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ}[ الملك :2 إلى 4 ] ، وقال تعالى : { صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } [ النمل : 88 ] ، وقال تعالى : { الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ } [ السجدة : 7 ] ، ( ب ) علم الله تعـالى ليس كسبيا كما قدمنا ولا يوصف بكونه ضرورياً أو نظريا أو بديهياً أو يقينيا أو تصورياً أو تصديقياً، لأنه صفة قديمة أزلية ليس لها نهاية ولا بداية يعلم بها الله تبارك وتعالى جميع الأشياء ، الواجبات والممكنات والمستحيلات ، لا يضل ربي ولا ينسى ، ( ت ) صفة العلم صفة واجبة قائمة بذات الله تعالى ليست تابعة  للمشيئة بل هي تابعة للذات والله موصوف بها أزلا وأبدا ، لا يغيب عنه أي معلوم ، وهو بكل شيء عليم ، و ( الصفة الحادية عشرة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة السمع ) : صفةٌ ذاتيةٌ قديمة قائمة بذاته تعالى ثابتةٌ لله عَزَّ وجَلَّ بالكتاب والسنة ينكشف لله بها جميع المسموعات ، فهو يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الملساء في الليلة الظلماء ، و(السميع) من أسمائه تعالى : قال تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى : 11 ] ، وقال تعالى : { إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } [طه : 46 ] ، وقال تعالى : { قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [المجادلة : 1] ، ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة السمع : ( أ ) سمع الله تعالى ليس كمثله شيء ، فهو سمع منزه عن الأذن والصماخ  ،فهو يسمع بلا آلات كما أنه يتكلم بلا آلات خلافا للمشبهة ، قال تعالى:{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [ الشورى: 11 ] ، ( ب ) سمع الله تعالى صفة ينكشف لله بها جميع المسموعات ، والله يسمع هذه الأشياء من غير واسطة كالأذن ، ولا يطرأ على سمعه ضعف ولا انقطاع ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، ( ت ) صفة السمع صفة واجبة قائمة بذات الله تعالى ليست تابعة  للمشيئة بل هي تابعة للذات والله موصوف بها أزلا وأبدا ، لا يغيب عنه أي مسموع مهما كان ، و ( الصفة الثانية عشرة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة البصر ) : صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى واجبة له سبحانه تحيط بجميع المبصرات وينكشف لله تعالى بها جميع الموجودات ، و(البصير) : اسم من أسمائه تعالى ، قال تعالى : { إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصـِيراً } [النساء : 58] ، وقال تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [الشورى : 11] ، وقال تعالى: { فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [ غافر : 56 ] ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة البصر : ( أ ) الله تعالى ليس كمثله شيء في بصره ورؤيته ، يرى سبحانه من غير احتياج لحدقة أو واسطة أخرى وإن رؤيته أزلية وأبدية لا يطرأ عليها ضعف ولا انقطاع ، ( ب )  صفة البصر صفة واجبة قائمة بذات الله تعالى ليست تابعة  للمشيئة بل هي تابعة للذات والله موصوف بها أزلا وأبدا ، لا يغيب عنه أي مرئي مهما كان ، { إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصـِيراً } ، ( ت ) الرؤية والبصر معنى واحد يشمله صفةٌ البصر : قال تعالى : { إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } [طه : 46] ، وقال تعالى : { أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى } [العلق : 14] ، ومن السنة : حديث جبريل المشهور وفيه : ((00 قال : ما الإحسان ؟ قال : أن تعبد الله كأنك تراه  فإن لم تكن تراه ؛ فإنه يراك 000 )) [ أخرجه البخاري ح (50) ، ومسلم ح (9) ] ، ( ث ) البصر صفة واجبة لله تعالى لأنه تعالى لو لم يكن سميعاً بصيراً لكان ذلك نقص تنزه وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ،  و ( الصفة الثالثة عشرة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي : صفة الكلام ) : صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى واجبة له سبحانه ، قال تعالى : { وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } [النساء : 164] ، وقـال تعالى:{ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } [ الكهف : 1.9 ] ، وقال تعالى : { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ } [لقمان : 27]  ،وقال تعالى  : { وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ } [التوبة : 6] ، ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة الكلام : ( أ ) القرآن الكريم الموجود بين أيدينا هو كلام الله الأزلي القديم ، أما التلاوة والورق والمداد فلا خلاف أنها مخلوقة لأن الورق مخلوق والطباعة مخلوقة والأحرف مخلوقة والكلمات التي نتكلم بها مخلوقة أما المتلو فهو القرآن الكريم كلام الله الأزلي القديم ، ، ( ب ) كلام الله ليس كمثله كلام فهو أزلي أبدي ليس له بداية وليس له نهاية لا يطرأ عليه سكوت ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن وكلام الله تعالى أزلي أبدي ليس بمخلوق ولا يقال عنه أنه من صفات الفعل ولا يقال عنه أنه يتعلق بالمشيئة لأن هذا تكييف قياسا على كلام البشر والله عز وجل ليس كمثله شيء سبحانه ولا يعلم الله على حقيقته إلا الله ، ولأنّ صفة الكلام قديمة وكل ما تعلق بالمشيئة محدث مخلوق ، فمن قال يتكلم متى شاء كيفما شاء فقد جعل الكلام مخلوقا محدثا كان بعد أن لم يكن ، يتعلق بالزمان ويجري عليه زمان ، وهذا كله عجز ونقص يتنزه الله تعالى عنه ، ونحن لا نملك إلا أن نقول : العجز عن دَرَك الإدراك إدراكُ والكيف مخلوق ، والكيف يستحيل على الله  ، والله تعالى له كمال صفة الكلام ، ( ت ) كلام الله تعالى ليس كمثله كلام ، وليس كلامه تعالى من جنس كلام البشر بحرف وصوت ، ولا يوصف كلام الله تعالى بجهر ولا سر ولا تقديم ولا تأخير ولا وقف ولا سكوت ولا وصل ولا فصل، لأن هـذا كله من صفات الحوادث، وهى محالة عليه تعالى ، وكلامه أزلي قديم قائم بذاته لا يشبه كلام الخلق ، ( ح ) القرآن الكريم كلام الله تعالى غير مخلوق وأنه مسموع بالآذان مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب والصدور وأنه مع ذلك قديم لا يوصف بالحدوث والخلق ، صفة قائمة بذات الله تعالى ، لا تقبل الانفصال والافتراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق ، كما لا يقبل العدم ولا ما فى معناه من السكوت ولا التجديد ولا البعض ولا الكل ولا التقديم ولا التأخير ولا اللحن ولا الأعراب ولا سائر التغيرات ، ليس كمثل كلامه كلام ، ( خ )  أخطأ غير المتخصصين في عقائد المسلمين خطئا جسيماً عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالحس ، والحس لا يصلح في الإلهيات لأنها مبنية على نفي المماثلة ، فقالوا : صفة الكلام من صفات الفعل ، وهي صفة تابعة عندهم للمشيئة والقدرة ، بمعنى أنه يتكلم متى شاء بما شاء ، وهم لا يعلمون محاذير ذلك الخطأ الجسيم في حق صفة الكلام لله تعالى ، فإنهم جعلوا كلام الله تعالى متعلق بالقدرة والمشيئة ، يتكلم متى شاء ويسكت - سبحانه عما يقولون - متى شاء ، وبالتالي فإن صفة الكلام ليست قديمة أزلية ، بل محدثة ، وبالتالي فالقرآن الكريم - على لازم قولهم - مخلوق لأنه كان بعد أن لم يكن ، والصواب ان صفة القدرة لا تعلق لها بصفة الكلام ، تماماً مثل عدم تعلق القدرة بصفة العلم ، وكما أنه لا يصح أن نقول أن الله تعالى متى شاء لم يعلم ، كذلك لا يصح أن نقول أن الله تعالى متى شاء لم يتكلم ، فينفون عنه صفة الكلام في حال السكوت على ظنهم ، بل كما أنه لا حد لعلم الله تعالى ، فلا حد لكلام الله تعالى ، قال تعالى : { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } [ الكهف : 109 ] ، وكلام الله تعالى صفة قديمة أزلية منزهة عن الحدوث ، والقرآن كلام الله تعالى غير مخلوق ولا محدث ،

[  46  ]  الصفات الثابتة لله تعالى من جهة الشرع : جميع الصفات التي دلّت عليها الأسماء الحسنى ثابتة لله تعالى من جهة الشرع : ف ( الرحمن ) : يدل على صفة الرحمة وعلى سعة رحمة الله ، و ( الرحيم ) : يدل على صفة الرحمة والإنعام على خلقه فهو المنعم ابدا، المتفضل دوما، ورحمته لا تنتهي ، و ( الملك ) : يدل على صفات الملك والحكم والأمر والنهي ، و ( القدوس ) : يدل على صفة التقدس من العيوب والتنزه عن النقائص وعن كل ما تحيط به العقول ، و ( السلام ) : يدل على صفة السلامة من النقص والعيب والفناء ، و ( المؤمن ) : يدل على صفة التأمين والصدق مع عباده فيما وعدهم به من الأجر والثواب ، و ( المهيمن ): يدل على صفة الهيمنة والرعاية والوقاية والصيانة والرقابة والحفظ لكل خلقه ، والقيام على خلقه بأعمالهم ، وأرزاقهم ، وآجالهم، و ( العزيز ) : يدل على صفة العزة التي لا ترام والقوة التي لا تقهر ، والغلبة على كل شيء ، و ( الجبار ) : يدل على صفات العظمة والجبروت والقهر ونفاذ المشيئة ، و ( المتكبر ) : يدل على صفة التفرد بالعظمة والكبرياء والتعالي عن مشابهة الخلق ، و( الخالق ): يدل على صفة التقدير والإيجاد لكل شيء والخلق لكل موجود سواه ،  و ( البارئ ) : يدل على صفة إبراز خلقه إلى الوجود بقدرته لا عن مثال سابق ، و ( المصور ) : يدل على صفة التصوير ، وأنه هو الذي صور جميع الموجودات، ورتبها فأعطى كل شيء منها صورة خاصة، وهيئة منفردة، يتميز بها على اختلافها وكثرتها ، و ( الغفار ) : يدل على صفة المغفرة الذي يغفر الذنوب ويستر العيوب في الدنيا والاخرة ، و ( القهار ): يدل على صفة القهر والغلبة والتصريف على كل خلقه بسلطانه وقدرته ، و ( الوهاب ) : يدل على صفات الوهب والإنعام والعطاء ، فهو المنعم على العباد، الذي يهب بغير عوض ويعطي الحاجة بغير سؤال، كثير النعم، دائم العطاء ، و ( الرزاق ) : يدل على صفة الرزق والإمداد فهو الذي خلق الارزاق واعطى كل الخلائق أرزاقها، وجميع الاسماء الحسنى تدل على صفات محكمة الله تعالى ، وهذه الصفات التي تؤدي إلى المعرفة الصحيحة بالله تعالى ، ومن عرف الله تعالى افرد له الربوبية والإلهية وكمال المحبة والتذلل والانقياد ،

[  47  ]  موقف المسلم من متشابهات الأخبار التي تُعارض المحكم من عقيدة التقديس : الصفات الثبوتية الخبرية والتي في اثباتها على ظواهرها محاذير عظيمة ، وتحتاج إلى الرسوخ في العلم ، والفقه في الدين عند الحديث عنها :  وتتناول ثلاثة أقسام عريضة ، القسم الأول : ما يوحي بالجارحة والتجزؤ والتبعض في ذات الله ، وأظهرها الوجه واليد والعين ، والقسم الثاني : وهو ما يوحي بالتغير والحدوث والحد والنهاية وأظهرها الاستواء والنزول والمجيء ، والقسم الثالث وهو ما يوحي بالكيفيات الحسية والتغير والانفعال كالغضب والرضا والفرح والضحك والسرور ، وقد تقدم الحديث عنها في باب التوحيد في الذات ، وذكرنا محاذير نسبتها على ظواهرها إلى الله ، ومجمل مسالك أهل السنة والجماعة في تفسيرها واعتقاد ما تحملها من معان وحاصله : أنّ هناك ثلاث مسالك معتمدة عند أهل السنة والجماعة ، وما عداها ميل نحو الاعتزال أو الحشو ، و المسلك ( الاول ) : طريقة السلف إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل مع الإيمان به وعدم التعرض لمعناه ، وامراره على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، و المسلك ( الثاني ) : اثباتها صفات لله تعالى منزهة عن كل ما يخالف الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ، ومثال ذلك اثبات الوجه على أنّه صفة لله تعالى على مراد الله ومراد رسول الله ، منزهة عن الجارحة والحد والصورة ، واثبات الاستواء صفة لله تعالى على مراد الله ومراد رسول الله ، منزها عن الجلوس والتحيز والحد والجهة الحسية ، وأنّ الاستواء ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج ولا استقرار في مكان ولا مماسة لشيء من خلقه لكنه كما أخبر بلا كيف بائن من جميع خلقه ، وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان ، وأن مجيئه ليس بحركة ، وأن نزوله ليس بنقلة ، وأن نفسه ليس بجسم وأن وجهه ليس بصورة ، وأن يده ليست بجارحة ، وأن عينه ليست بحدقة وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف لقوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وقوله تعالى : { ولم يكن له كفوا أحد } وقوله تعالى : { هل تعلم له سميا } ، والمسلك ( الثالث ) : حملها على مجاز اللغة وحمل متشابهها على محكمها ، ومثاله حمل الوجه على الذات في قوله تعالى : { كل شيء هالك إلا وجهه } ، وحمل اليد على مقتضي الآية ، ففي قوله تعالى : { بل يداه مبسوطتان } تحمل على الكرم والجود والعطاء ، وفي قوله تعالى : { لما خلقت بيدي } بمزيد الإنعام والتفضل وزيادة التكريم لا اكثر بقرائن قوله تعالى : { مما خلقت أيدينا أنعاما } ، وقوله تعالى : { والسماء بنيناها بأيد } ، وقوله تعالى : { إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، وهكذا على ما تحمله اللغة من مجاز وبلاغة ، وما سوى ذلك فهو ميل إلى الاعتزال ، وفي المقابل ميل إلى الحشو والتشبيه ، وكلاهما من البدع الضالة ،

[  48  ] تقديس الله تعالى في الافعال : ومعناه اعتقاد أنه لا خالق ولا مُؤثرِّ في الوجود إلا الله  ، واعتقاد أنه لا يكون ثم فعل من الأفعال في الكون إلا بخلقه ومشيئته وإرادته وقدرته ،هو سبحانه وحده المنفرد بخلق جميع الكائنات بلا واسطة ، ليس في الوجود خالق غيره ، ولا يكون في ملكه إلا ما قدر وشاء  وعمدة هذا التوحيد : قوله تعالى : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [الصافات: 96 ] ، وقوله تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وهذا التوحيد يعني أن كل وجود و كل حركة وكل سكون ، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه ، فهو مسبب الاسباب  ، حتي الافعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى  ، ومع توحيد الأفعال يمكن أنّ نفهم مدى مسؤولية الإنسان عن أفعاله وأعماله : فالإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله ، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى ، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله ، ولكن الله تعالى جعل للثقلين ( الجن والإنس ) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله ، له حرية الاختيار ،  وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار ، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال ، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار ، ولكن ليس معنى ذلك ، أنّه يستطيع أن يخرج عن اطار قانون الله في الكون وأنّه وحده سبحانه الخالق لكل شيء ، وأنّه لا يكون في ملكه إلا ما يريد ، إن فعل الخير يحمد الله ، وإن فعل الشر يجأر إلى الله بطلب الهداية والعفو ، فلا منجا لا ملجأ منه إلا إليه ،   فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه ، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره ، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره ، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد ، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان ، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده ، كما قال تعالى :  { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله ، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه ، قال تعالى ‏:‏ ‏{ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون }‏ ،

[  49 ]  تقديس جناب الله تعالى في الربوبية : الله تعالى هو الرب و ( الرب ) هو المربي وهو المالك وهو المدبر المتصرف الذي بيده مقاليد تصريف الأمور ، وهو السيد المطاع وهو الحاكم المهيمن ، وعلى ذلك فإنّ ( توحيد الربوبية ) مصطلح شامل يحمل اعتقاد معاني أساسية لا يقوم بتلك المعاني مجتمعة إلا مسمى توحيد الربوبية ، لا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا باعتقادها جميعا ، وإلا كان الشرك في الربوبية جليا ، وتتمثل تلك الاعتقادات في اعتقاد أنه لا موجد ولا خالق ولا مكون لهذا الكون كله بما فيه إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا رازق على الحقيقة في الكون كله إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا مالك لا متصرف بيده ملكوت كل شيء ولا مدبر للكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا سيد ولا مهيمن ولا حاكم ولا آمر في الكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا ناصر ولا معين ولا معز ولا مذل ولا خافض ولا رافع ولا قابض ولا باسط إلا الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا شفيع في شيء من أمور الكون كله إلا من بعد إذن الواحد الأحد الله رب العالمين ، واعتقاد أنه لا شريك للرب الواحد الأحد الله رب العالمين في شيء من تلك المعاني التي يشملها توحيد الربوبية ، لا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا بحصر معاني الربوبية لله تعالى وحده ، ولا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا باعتقادها جميعا لله رب العالمين وحده لا شريك له ، وقد جاءت الآيات القرآنية متتالية تشير إلى حصر الربوبية لله رب العالمين ، ومن ذلك : قوله تعالى: { إنَّ رَبَّكمُ اللّهُ الّذي خلقَ السَّمواتِ وَالارضَ في ستَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ استوى على العَرشِ يُدَبِّرُ الامرَ ما مِن شَفيعٍ إلاّ مِن بَعدِ إذنِهِ ذلِكم اللّهُ رَبُّكم فاعبدوهُ أَفلا تَذَكّرون} [ يونس : 3 ] ، وجاءت الآيات القرآنية تترا تدعو إلى توحيد الربوبية ، ومن ذلك قوله تعالى { لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا } [ الكهف : 38 ] ، وقوله تعالى { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }[ الأنعام : 164 ]  ،

[  50  ]  تقديس جناب الله تعالى في استحقاق العبودية وحده لا معبود بحق إلا هو :  إنّ ثمرة  توحيد الألوهية تتمثل في توحيد العبودية وإفراد الله تعالى بالعبودية ، فلا معبود بحق سواه ، والعبودية هي الطاعة مع الخضوع والتذلل والاستسلام والانقياد لمن نعتقده إلها له صفات الربوبية واستحقاق العبودية ، هذا هو المعنى الحقيقي بضابطه الرصين للعبودية ، فمن صرف مفردات العبادة لمن يعتقده إلها فقد اتخذه معبودا له سواء أكان هذا المعبود هو الله المعبود بحق ، أو المعبودات الباطلة من دون الله ، إن ضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والمحبة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبادة ، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى { وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ } [الاِسراء :24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة ، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم ، الهيئة واحدة هي هيئة السجود ( وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع ) ، الفعل واحد هو السجود ، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم ، إذ قوله تعالى : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } لم يكن سجود عبادة لآدم وإنما سجود تكريم لم أكرمه الله تعالى بالعلم ، فشتان ما بين السجود للتكريم ، والسجود بنية العبادة ، كذلك : الفرق بين سجود نبي الله يعقوب وبنيه لله وسجودهم ليوسف عليه السلام ، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف في قوله تعالى : { وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَ‍قًّا  } ، وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة  فشتان ما بين السجود للتكريم ، والسجود بنية العبادة ، ومن سجد بنية العبادة ، فإنه لا يسجد سجود عبودية إلا لمن يعتقده إلها وربا ومعبودا ، إذن الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة ، والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة : فمن صرف الطاعة الممتزجة بالمحبة والذل والخضوع لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله ، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة ،  إنّ من أخطر الخطر الذهول عن ضابط العبادة ( اعتقاد مفردات الألوهية والربوبية واستحقاق العبودية أو بعضها لمن تصرف له العبادة ، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة ، فإنّ ( للعبادة ) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة ، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام ، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام ، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد ، فلا يكفر ، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال ، إنّ التعريف الصحيح للعبادة ينبغي أن يشتمل على الضابط الذي يمنع من اتهام المسلم بالشرك الاكبر وهو لم يتخذ مع الله تعالى إلهاً آخر ،  ويكون التعريف الصحيح للعبادة هو عبارة عن الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة الدالة على الذل والخضوع المقترن باعتقاد الألوهية والربوبية واستحقاق العبودية في حقّ المخضوع له ، فكل طاعة تقترن بالاعتقاد تكون عبادة ، فمن صرفها لله وحده فهو موحد ، وإن صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً ، والعبادة ( أي عبادة ) ، لها أصل وصورة ، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه ، والصورة هي الفعل او القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل ، ومنه يتبين أنّ للعبادة ركن ركين ، لا تكون عبادة بدونه ألا وهو العقيدة التي تدفع الإنسان إلى عبادة المعبود ، فإن صرفها لله وحده كان عابدا موحدا لله ، وإن صرف شيئاً منها لغير الله فقد عبده من دون الله ، وأمّا الفعل أو القول كالسجود والدعاء فهذه مفردات للعبادة ، فمن صرفها بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد ، 

[ خاتمة  الحديث عن العلم الأول : علم التقديس ] : كل ما سبق ما تيسر بيانه من لبنات علم  التقديس والتنزيه المطلق لله تعالى ، في جناب ذاته تعالى وتقدس ، وهذا العلم العظيم هو من جملة العلوم المفقودة في هذا الزمان والتي ادى غيابها إلى الخلل العقدي والعلمي بين فرق المسلمين ، والى وقوع طوائف من الأمة في بدعة الحشو والتجسيم نسأل الله تعالى السلامة من الزيغ ، ومن البدع ،  وأرى أنه لا مناص للأمة من تجديد الطلب لهذا العلم الجليل وذلك للقضاء على فوضى الحشو والتجسيم  ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بالتقديس والتنزيه والتسبيح لجناب ذات الله تعالى تقدست ذاته وتعالت صفاته ولا إله إلا هو ، وأنه العلم المتعلق بالعلم بالله تعالى ، وما يجب له من صفات التقديس والتعظيم والتنزيه ، وما يجب له من صفات الكمال والجلال والإكرام ، وما يستحيل في حقه سبحانه من صفات النقص والعيب والحدوث والتشبيه والتجسيم ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بفقه التسبيح والتقديس لله تعالى  ، وأنه العلم المتعلق بتأهيل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال ، لا يدركها العامة من المسلمين لأنهم لا يستطيعون تصور أي شيء غير محسوس ، لغلبة الحس عليهم ، فيصعب عليهم تصور ذات لا أول لوجوده لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه ، ولا يتصورون ذاتا لا يحتاج إلى مكان ، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان ، ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليه زمان ، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ، وكذلك لا يتصورون ذاتاً لا حد له ، لأنّهم لم يروا مثل ذلك ، فينفونه ، ولا يقبلون سوى ما عرفوه بحسهم الغليظ ، أما التخصص في علم التقديس والتنزيه ، يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم ، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تتعامل مع ذات الله تعالى الذي ليس كمثله شيء فلا يتقيد بحس ولا وهم ، ومن ذلك نفي احتياج الله تعالى للمكان لأنه خالق المكان ، ونفي تقيد الله تعالى بالزمان ، لأنه خالق الزمان ونفي الحد والمقدار عن ذات الله ، لأنّ الحد نقص يدل على النهاية ، والتناهي نقص عن الكمال ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بالاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل ، فلا يعيش المسلم إلا على التقديس والتنزيه والتسبيح  ،  وتصفية الاعتقاد فيصل طالب علم التقديس إلى مرتبة التنزيه العقلي والقلبي مع التنزيه اللساني ، ولسان حاله يقول بالعجز عن تصور الذات لأنه ليس كمثل ذات الله ذات ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بالفهم الصحيح للمتشابهات من الآيات والاحاديث دون الوقوع في محاذير الخلل في العقيدة بسبب سوء الفهم لتلك المتشابهات ، وأنه العلم المتعلق بتأصيل مسائل وأحكام التقديس والتنزيه على طريقة أهل العلم والفقه بالكتاب والسنّة ، والقيام على تدريس هذا العلم الجليل ثغرٌ عظيم يحتاجُ اليومَ إلى من يسده عن المسلمين ، لأنه العلم الأهم المؤهل لجمع المسلمين وتوحيد كلمتهم على التوحيد والتقديس ، بعيدا عن الحشو والاعتزال ، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ، نسأل الله عز وجل أن يلهمنا الصواب وأن يجنبنا الخطأ والزيغ وأن يهدينا صراط علماء أهل السنّة المحققين إنه وليّ ذلك وهو سبحانه نعم المجيب ، وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

 

 

العلوم الإسلامية الغائبة ، العلم الأول : ( علم التقديس ) للقضاء على فوضى الحشو والتجسيم ( أ )

العلوم الإسلامية الغائبة في هذا الزمان عن بعض طوائف اهل الإسلام ، والتي ادى غيابها إلى وجود الخلل العلمي بين فرق المسلمين

العلم الأول : ( علم التقديس ) للقضاء على فوضى الحشو والتجسيم 

[  1  ]  الله تعالى هو ( القدوس ) المنزه عن العيوب والنقائص ، والمنزه عن كل وصف يدركه حس أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم أو يختلج به ضمير أو يقضي به تفكير ، وقد ورد اسم الله ( القدوس ) في موضعين من القرآن ، الأول في قوله تعالى : { هُوَ اللهُ الذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ الحشر :  23 ] ، والثاني في قوله تعالى : { يُسَبِّحُ لِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ } [ الجمعة : 1 ] ،  وكذلك فإنّ الله تعالى هو : ( السبوح  ) ، وهو من أسماء الله تعالى الثابتة من في السنة النبوية المشرفة ، ففي صحيح مسلم من حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ : (( سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلاَئِكَةِ وَالرُّوحِ )) [ أخرجه مسلم ح (487) ] ، و ( السُبُّوح ) : سبحانه هو الذي يُسبَّح ويُقدس وينزه ، و ( التسبيح ) تنزيه الله عن كل ما لا ينبغي له وعن كل ما لا يليق به ، و ( التسبيح ) هو  تنزيه الله سبحانه عما لا يليق به في ذاته وصفاته وأفعاله ، و ( التسبيح ) هو التعظيم، تعظيم الله في كل كمالاته ، وما أكثر الآيات القرآنية الدالة على التسبيح ، فمنها ما هو تنزيه الله تعالى لجناب ذاته :  كقوله تعالى : { فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ، وقوله تعالى : { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ  } ، ومنها ما هو إخبار عن تسبيح السموات والأرض وجميع المخلوقات لله تعالى : كقوله تعالى : { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } ، وقوله تعالى { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } ، ومنها ما هو إخبار عن تسبيح الملائكة : كقوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ } ، ومنها ما هو أمر بالتسبيح والتنزيه : كقوله تعالى { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ  * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ } ، وقوله تعالى { فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } ، وقوله تعالى :{ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا } ، كما أن الصلاة لا تخلو من التسبيح في الركوع : ( سبحان ربي العظيم ) ، وفي السجود : ( سبحان ربي الاعلى ) ، ومن أعظم الأذكار قولنا : ‏(‏ سبحان الله‏)‏ ، ومعناه ‏:‏ أنزه الله تعالى وأنفي عنه كل ما لا يليق بجلاله وعظمته‏ ،  وهو منصوب على صيغة المصدر كأن قائله يقول ‏:‏ أنزه الله تعالى وأنفي عنه كل ما لا يليق بجلاله وعظمته‏ ، وعلى ذلك فإن ( التسبيح ) عقيدة بالقلب وقول باللسان ، أهم ما تشمل عليه هو : تنزيه الله تعالى في جناب ذاته بنفي الشريك والشبيه والمثيل والند ، وتنزيه جناب ذات الله تعالى عن كل نقص وعيب وعجز ، وتنزيه جناب ذات الله تعالى عن كل وصف لا يليق بجلاله وعظمته ،  إذن العلم الأول الذي ينبغي التنبه إلى التركيز عليه هو علم التسبيح ، وهو علم التقديس ، وهو علم توحيد جناب الذات أولى وأهم علوم التوحيد ، سبحانه هو السبوح وهو القدوس المتصف بالكمال المطلق ، والمنزه عن العيوب والنقائص ، والمنزه عن كل وصف يدركه حس أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم أو يختلج به ضمير أو يقضي به تفكير ، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ،

[  2  ]  علم  التقديس يتناول التنزيه المطلق لله تعالى ، وإفراده بالوحدانية في جناب ذاته ليس كمثل جناب ذاته ذات ، وفي أسمائه الحسنى وفي صفاته العلا وفي أفعاله وفي ربوبيته لخلقه وفي استحقاقه للعبودية وحده ، وفي إلهيته لجميع خلقه ، هو ( السبوح ) سبحانه ، وهو القدوس تعالى وتقدس ، وهو المستحق للتقديس والتنزيه والتسبيح لا نحصي ثناءً عليه ، سبحانه كما أثنى على نفسه ، وعلى ذلك فإن علم التقديس يتناول ستة أقسام لابد وان يعلمها المسلم ، وهي التقديس في جناب ذاته ، والتقديس في جناب أسمائه ، والتقديس في جناب صفاته ، والتقديس في جناب أفعاله ، والتقديس في جناب ربوبيته لخلقه ، والتقديس في جناب استحقاقه للإلهية والعبودية ، لا إله إلا هو ولا معبود بحق سواه ،

[  3  ]  المقصود من علم التقديس المتعلق بجناب ذات الله تعالى وتقدس : المقصود من علم التقديس المتعلق بجناب ذات الله تعالى وتقدس : المقصود الأول : هو الإقرار بالعجز والقصور عن معرفة جناب ذات الله تعالى ومنع التكييف والتوقف عن التفكير في  الكيفية لأنّ العجز عن درك الإدراك إدراك ، والخوض في معرفة كنه ذات الله كفر وإشراك ، والمقصود الثاني بعد الاعتراف بالعجز عن تمثيل الذات وتكييف وجودها هو تصفية الاعتقاد عن كل شائبة تشبيه أو تمثيل أو تكييف فلا يبق في القلب إلا التنزيه المحض والتقديس الخالص والتسبيح الدائم ، والمقصود الثالث : الحذر من المتشابهات في هذا الباب والتي يؤول اعتقاد ظواهرها إلى الحشو والتشبيه والتمثيل والتكييف ، وقد حذرنا الله تعالى من تتبعها بقوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } [ آل عمران : 7 ] ، لقد انقطع علم الخلائق عن إدراك حقائق جناب ذات الله تعالى وتقدس ، وأنى للمخلوق المحدث ، أن يحيط علما بالقديم في جناب ذاته وأسمائه وصفاته ، وأنى للمخلوق المحدود أن يحيط علما بالمنزه عن الغايات والنهايات والحدود ، ليس كمثل وجوده وجود ، وليس كمثل جناب ذاته ذات ، ليس كمثله شيء ، ولم يكن له كفوا أحد ، لا مجال لمخلوق أن يعرف حقيقة جناب ذات الله تعالى ولا أن يحيط به ( سبحانه وتعالى ) علما لأنه سبحانه نفى عن نفسه كل مثيل فقال جل شأنه : { ليس كمثله شيء } ، وقال تعالى : { ولا يحيطون به علما } ، وقال تعالى : { سبحانه وتعالى عما يصفون } ، وقال تعالى : { هل تعلم له سميا } ، أي مثيلا وقال تعالى : { ولم يكن له كفوا أحد } ، فالإيمان بذات الله تعالى ، و ( توحيد الذات ) يتمثل في تنزيه ذات الله تعالى عن كل مثيل والاعتراف والإقرار بالعجز والقصور عن معرفة الذات والتوقف عن التفكير في تكييف ذات الله تعالى لأنه كما هو مقرر في الأصول فيما يتعلق بذات الله تعالى (العجز عن درك الإدراك إدراك والخوض في معرفة كنه ذات الله كفر وإشراك ) وإنما المقصود من هذا الباب بعد الاعتراف بالعجز عن تمثيل الذات وتكييف وجودها هو تصفية الاعتقاد عن كل شائبة تشبيه أو تمثيل أو تكييف فلا يبق في القلب إلا التنزيه المحض والتقديس الخالص والتسبيح الدائم ،

[  4  ]  علم التقديس هو قسم توحيد جناب الذات من أقسام التوحيد ، وهذا القسم هو أساس التوحيد وأصله ، إذ جميع أقسام التوحيد إنما تؤول إليه ، فتوحيد الأسماء المقصود به توحيد أسماء ذات الله تعالى إذ الاسم للمسمى ، والمسمى هو ذات الله ، والأسماء الحسنى إنما تدل على صفات الذات وأفعال الذات ، وتوحيد الصفات المقصود منه توحيد صفات الذات إذ تعود جميع الصفات إلى الذات الذي يتصف بهذه الصفات ، كما أنّ توحيد الأفعال المقصود به بيان قدرة الذات على الأفعال ، وأنه لا يكون في ملك الله تعالى سوى أفعال الله تعالى ، فالأفعال تعود بالضرورة إلى أفعال الذات ، وتوحيد الربوبية ما هو إلا توحيد الذات المستحقة للربوبية على العالمين ، وتوحيد الألوهية ما هو إلا اعتقاد استحقاق ذات الله تعالى للعبادة وحده ، وصرف العبادات جميعها لذات الله وحده لا شريك له ، وعلى ذلك فتوحيد الذات أصل لكل أقسام التوحيد ، وجميع أقسام التوحيد إنما يعود في نهاية المطاف إلى توحيد الذات ، ولما كانت العبادة لا تصحّ إلاّ بعد معرفة المعبود ، ومعرفة المعبود سبحانه تستلزم أول ما تستلزم توحيد ذات المعبود سبحانه ، لذا فإنّ أهم أقسام التوحيد توحيد ذات الله تعالى ،ومن هنا كان توحيد الذات هو أساس التوحيد الذي هو حق الله تعالى على العبيد ،

[  5  ]  توحيد جناب الذات تعالى وتقدس هو حجر الزاوية في تجديد التوحيد ووحدة أهل التوحيد :  وذلك لان دراسة علم التقديس والتنزيه يؤدي إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى ، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى ، ويؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله تعالى ، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة ، ولله در العالم الرباني أبو عثمان المغربي ، حيث جاء في [ طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 42 ] :  (  وقال أبو عثمان المغربي كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبت إلى أصحابي بمكة أني أسلمت جديدا  ) أهـ  ، فهذا هو الأثر المرجو من تعلم علم التقديس ،  فعندما يفقه المسلم قواعد التقديس المستمدة من أدلة الكتاب والسنة ، يصل إلى ذروة سنام الفهم الواسع الصحيح الصافي لعقيدة أهل الإسلام عقيدة التقديس والتنزيه والتسبيح ، وهذا الفهم هو وحده المؤهل لأن يكون حجر الأساس لوحدة إسلامية صحيحة قوية أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تقوم على التسبيح والتقديس الخالص لله تعالى  كما هو حال الملائكة الكرام ، وقد جاء في القرآن الكريم على لسانهم قولهم : { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } [ البقرة : 30 ] ،

[  6  ]  خطورة الذهول عن علم التقديس : إنّ الذهول عن دراسة علم التقديس  ، وهو نفسه الذهول عن إضافة قسم توحيد الذات إلى أقسام التوحيد ، سيؤدي ذلك ولا شك إلى الوقوع في بدعة الحشو على حساب التقديس ، بل واعتقاد التجسيم ، وسيؤدي إلى خلل في معرفة إطار أهل السنة والجماعة الصحيح في باب العقيدة ،  وإلى خلل في تقييم طوائف وفرق أهل الإسلام ، وإلى الانحياز إلى جهة التشبيه على حساب علم التقديس ، وإلى تلميع أهل الحشو والتجسيم على حساب علماء أهل الحق والجماعة الناجية ، وإلى خلل شديد في باب السنة والبدعة حيث سيؤدي الجهل بهذا العلم وقواعده الربانية إلى تبديع وتضليل المذاهب العقائدية الصحيحة التي تمثل إطار أهل السنة والجماعة في باب العقيدة ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) ، وإلى نسبة مذهب أهل السنة والجماعة زورا وبهتانا إلى أئمة بدعة الحشو والتجسيم والجهل المركب في هذا القسم من أقسام العقيدة ، ويؤول الأمر بأهل الجهل بهذا العلم إلى أن يصبحوا قطاع طريق على علم التقديس والتنزيه والتسبيح ، وقطاع طريق على علمائه وأهله والمذاهب العلمية المعبرة عنه ، يعادون أهل الحق والرسوخ في العلم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ،  إنّ أهل الجهل بعلم التقديس يسميهم علماء أهل السنة والجماعة المتخصصون في أصول الدين والعقيدة بالحشوية ،  و ( الحشوية ) : هم الذين اعتقدوا بلوازم التجسيم من الحد والصورة والتغير والحدوث وقبول الحوادث والكون في المكان وأنه بذاته على العرش ، والفرق بينهم وبين المجسمة ، أنّ المجسمة ينصون على التجسيم ، ولا يرون به بأساً في ذات الله تعالى ، أمّا الحشوية ،  فهم يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم ، وإن كانوا يتحفظون في التجسيم ، والحشوية لهم مواصفات معينة ، أبرزها أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه ، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى ، يعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان ، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما ، ويتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه في المخلوق المحدث فيقيسون جناب جلال ذات الله تعالى وتقدس القديم بذاته وأسمائه وصفاته على المحدث المخلوق ، وهم لا يحترمون تخصص المذاهب العقائدية المنتسبة إلى اهل السنّة والجماعة ، ويهجمون على كل أبواب العلم ، لا سيما الأصول ، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء ، يشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه ، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه ، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون  في فهم المراد من النصوص ، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل ، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد ، يعتقدون بظواهر النصوص المتشابهات ،  يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم ، مصداقا لقوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } [ آل عمران : 7 ] ، وقد سماهم أهل العلم بالحشوية : لأنّهم يحشون عقائدهم بالمستحيلات العقلية ، وبكل ما يخالف صريح العقل ، وهم أبعد الناس عن العقل وأدلته القطعية ، ينسبون الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله الأحد الصمد المنزه عن كل ما يعارض الأحدية المطلقة من الانقسام والجزئية والبعضية والجارحة ، وينسبون الحد والمقدار إلى جناب ذات الله الواحد القهار ، ولو عقلوا أنّ المحدود المقهور بحده لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم ، ويجيزون علي الله تعالى الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، كيفوا وجود الله تعالى ، واعتقدوا أنه لا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة ، وهذا المكان هو العرش على ظنهم ، وأنّه بذاته فوق عرشه ، فأتو بلفظ ( ذاته ) من عند أنفسهم ، وجعلوا الاستواء حسيا ، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء ، وليس كمثل وجوده وجود ، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش ، وهو رب العرش العظيم ، يزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة ، وهم أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة ، وأبعد الناس عن روح عقائد التقديس والتنزيه التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة ، وهؤلاء الحشوية ذهلوا عن قواعد التقديس والتنزيه المتعلقة بذات الله تعالى ، والمستمدة من الكتاب والسنة ، وأدى ذلك إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ،  فنسبوا إلى جناب ذات الله تعالى وتقدس المحال ، يأتي أحدهم بجمع الآيات والاحاديث المتشابهات التي تتعلق بجناب ذات الله تعالى وتقدس ، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم  ، ويمتحن الناس باعتقادها ، ويكفر ويبدع ويضلل من يخالفه في حشوه وتشبيهه ، وينسب مذهبه إلى السلف الكرام ، وقد كان السلف الأوائل منزهون مقدسون  يحجمون عن تتبع تلك المتشابهات فضلا عن الخوض فيها ، وهم يوقنون باستحالة ما تدل عليه ظواهر تلك المتشابهات من التجزؤ والتبعض والمحدودية والتناهي والحدوث أو قبول المحدثات ، لأنها معارضة بالأدلة القطعية على أنّ الله تعالى واحد لا شريك له أحد لا جزء له صمد لا ند له ، هو الغني فلا احتياج له ، له كمال الغنى والحمد ، هو القديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته لا يقبل الحدوث ولا الحوادث ، هو القدوس لا مثل له ولا كفء له ، وهو السلام الذي له الكمال والجلال والإكرام سلم جناب ذاته وصفاته عن كل نقص أو عيب ، ما أشد حاجة المسلمين إلى دراسة علم التقديس وفهم قواعده المستمدة من الكتاب والسنة لأن ذلك هو العلاج لما فيه أهل الضلالة من بدع الحشو والتجسيم ، والله الهادي إلى سواء السبيل ،

[  7  ]  الله تعالى خالق كل شيء هو الواحد القهار ، خلق الخلق أجمعين ، ثم قهرهم بالحد والمقدار ، والكون في المكان وأن يجري عليهم زمان ، قال تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وقال تعالى : {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر : 4 ] ،  قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته ، حدّ لهم الحدود وقدّر لهم المقادير ، فما من مخلوق إلاّ وله حد ومقدار ، قال تعالى: { وخلق كل شيء فقدره تقديراً } ، أَمّا الله تعالى فهو الواحد القهار ، لا تتحكّم فيه الحدود لأنّ الحدود من خلقه ، وهو خالق الحدود والمقادير ، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء ، لا يشوبه نقص ، ولا يحده حد ، ولا يقدره مقدار ، والله سبحانه هو الذي قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته بأن خلق لهم المكان يحيط بهم من كل جانب ، فلا يستطيعون الفكاك منه وهم مقهورون به فلا يكونون إلا في مكان ، وخلق لهم الزمان لتجري عليهم قوانينه ، فلا يستطيعون الحياة إلا بقوانين الزمان ، أما الله تعالى خالق الزمان والمكان ، وهو القاهر فوق جميع خلقه ، وهو القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ، ولو حواه المكان كان المكان له قاهراً ، وعليه حاكما ، وهو سبحانه القاهر على الزمان ، فلا يجري عليه زمان ، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا ، وعليه حاكما ، ولكنه سبحانه الواحد القهار ، فلا يحويه مكان ، ولا يجري عليه زمان ،

[  8  ]  الله تعالى : هو الأول بلا ابتداء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، وهو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، لقوله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 } ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))  [ أخرجه مسلم] ، وإذا لم يكن قبل [ الله ] شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء ، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته ،  له تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ،

[  9  ]  الله تعالى : هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) منزه عن كل ما ينافي الأحدية من الأجزاء والأبعاض والجوارح والأركان ، ( الأحدية ) تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى ، تنزه سبحانه عن البعض والجزء والجارحة والجسمية والانقسام في ذاته ، وهو توحيد في نفس الذات ،  لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا ، ولا حتى تصورها والفكر فيها ، لأنه سبحانه ليس كمثله شيء ، ولم يكن له كفوا أحد ، و ( الصمدية  ) تعني كمال الغنى والحمد والتنزه عن الحاجة ، وهي تنفي عن جناب الله تعالى التركيب ، فلا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق {لَمْ يَلِدْ } ،  منزه عن التغير والحدوث { وَلَمْ يُولَدْ } ، لا نظير له بوجه من الوجوه، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } ، وهذه السورة يجب أن تكون من المحكمات ، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن وهي تشتمل على أربعة أصول ، ( الأول ) : وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة ( الله أحد ) ، وهي تعني التنزيه التام لجناب الذات عن الكثرة والانقسام ، منزه عن الأجزاء والابعاض ، ولا كل ولا بعض، ولا يمين له ولا يسار ، ولا فوق له ولا تحت ، ولا أمام له ولا وراء ، لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء ، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام ، و ( الثاني ) : وصف الله تعالى بالصمدية المطلقة ( الله الصمد ) ، ومعناها كمال الحياة والقيومية ، وتمام الغنى والحمد ، له الحياة والقيومية على الدوام ، وله الغنى التام والحمد على الدوام ، منزه عن الحاجة ، ( صمد ) يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ،  والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ ، ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج ، و ( الثالث ) تنزيهه سبحانه عن الحدوث وحلول الحوادث ( لم يلد ولم يولد ) ، و ( الرابع ) : تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلائق ( ولم يكن له كفوا أحد ) ، ولهذه المعاني التقديسية المحكمة عَدَلَتْ سورة الإخلاص ثُلُثَ القرآن ،

[  10  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس : أزلي لا ابتداء لوجوده ، وأبدي لا انتهاء لوجوده ، هو الأول بلا ابتداء ، فليس قبله شيء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، فليس بعده شيء ، منزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، كان قبل الزمان ، ثم خلق الزمان ، وأجراه ، ولو شاء أوقفه وأفناه ، لا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل ، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره ، فلا يغيب عنه شيء ، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء ، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، سبحانه ، خلق الزمان بعلمه ومشيئته وقدرته ، وجعل قوانين الزمان قاهرة لكل محدث مخلوق ، فكل المخلوقات مقهورة بقوانين الزمان ، لا فكاك لها عن الزمان ، فلابد وأن يجري عليها زمان ، وأما الله تعالى وتقدس فلا يجري عليه زمان ، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا ، كيف وهو الخالق للزمان ولقوانين الزمان ، وهو القاهر للزمان ولقوانين الزمان ، سبحانه هو القائل : {  قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وهو القائل : { سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر : 4 ] ، سبحانه قاهر للزمان ، ولو شاء أوقفه وأفناه ،  سبحانه أول بلا ابتداء آخر بلا انتهاء موجود قبل الخلق ، كان ولا مكان ، ثم كون الأكوان ، وأجرى الزمان ، لا يتقيد بالزمان ، ولا يتخصص بالمكان ،

[  11  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الحد والمقدار : فلا انتهاء لجناب ذاته ، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به ، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ، والله تعالى أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، وهو الكبير المتعال على الحدود ، القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود ، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته ، وكتب النهايات على كل محدود ، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها ، وكل محدود مخلوق ، والخالق متعالي عن الحد والنهاية ،  والقاعدة تقول : كل ما يقبل الحد  فهو محدود ، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات ، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق ،  ثم  كيف يصف المسلم ربه تعالى بالحد والمقدار ، وهو يقول (( الله أكبر )) عند تكبيرة الاحرام ، وعند  كل حركة وانتقال ، وفي جميع الاذكار ومعناها : الله أكبر من كل تصور ، والله أكبر من كل خيال ، والله أكبر من كل حد ، والله أكبر من كل مقدار ،  وكل متناه مٌحدَث لأن تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص ،  وجل الخالق تعالى عن ذلك أن يكون لذاته مخصص ، لأنه الخالق المقدر لجميع المخلوقات بمقاديرها المخصوصة فيستحيل أن تكون ذاته سبحانه مقَدَرة بمقدار مخصوص وإلا لزم كونه مقدراً لنفسه حادا لها بحد ونهاية وكمية ومقدار وذلك محال ، لان التقدير يوجب الخلق والحد يوجب الحدوث لحاجة الحد إلى حادّ يحده والله تعالى قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء ،لم يزل منزه عن الحدوث هو الأول فليس قبله شيء ، القاعدة عند الأصوليين : أن كل ما يقبل النهاية يقبل الزيادة والنقصان ، والله تعالى له الكمال المطلق ، ومعنى الكمال المطلق أن ذاته لا حد لها ولا نهاية ولا تقبل الزيادة لأنه بذلك يكون قبل قبول الزيادة نقصا ولا تقبل النقصان لأنه ضد الكمال ، فإن كان لذاته نهاية ( سبحانه وحاشاه ) فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر من ذاته  ،  وليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار ، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له ، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات ، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين ، كمالات الذات لا تتناهى ليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات ، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق ، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود ، فالله تعالى أكبر من كل تصور ، وأعظم من أن نحيط به علما ، {  يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، فالذات لا يُدرك ، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل ، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح  ،  فالله تعالى { ليس كمثله شيء } وكل شيء سواه مخلوق مقدر محدود ، وقد يأتي بعض من حرم نور التنزيه - أسأل الله تعالى لهم بقلب صادق هذه البصيرة وهذا النور - فيقول : إن الله عز وجل وصف نفسه بأنه سميع بصير { وكان الله سميعا بصيرا }  ووصف بعض خلقه بأنه سميع بصير { فجعلناه سميعا بصيرا } ، فما المانع أن يكون للمخلوق حد وينتهي إليه وكذلك يكون للخالق حد ينتهي إليه ولا يعلمه إلا هو ، والجواب عن تلك الشبهة : أن السمع والبصر والعلم صفات مدح من كل وجه ولله تعالى كمال الصفات من العلم والسمع والبصر ، وقد أكرم بعض خلقه بالسمع والبصر والعلم تفضلا منه سبحانه ، ولكن الحد والنهاية والحصر صفات عجز ونقص وقصور فهي سمة المخلوق الفقير إلى ربه والتنزه عن الحد والنهاية والحصر صفة الكمال اللازمة للقدوس الكبير المتعال ، وشتان بين الخالق والمخلوق ، وبين القديم وبين المحدث وبين الغني المنزه عن الحدود وبين الفقير المحدود ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } [ فاطر : 15 ] ،

[  12  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الكون في المكان : المكان محدود ، والله منزه عن الحدود ، والمكان محدث مخلوق ، والله تعالى قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، خلق المكان ، وقهر جميع خلقه بالكون في المكان ، أما هو سبحانه فهو القاهر فوق جميع خلقه بمن فيهم المكان والزمان ،  والمكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن ، والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، كيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط ،  الله تعالى موجود بلا كيف ، والله تعالى لا يحتاج في وجوده إلى مكان ، ليس كمثله شيء ، له كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، و كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان ، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما ، أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود ومن جملة خلقه المكان والزمان ، فهل يحل الخالق في المخلوق  أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق ، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان ، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق ، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق  كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان ، إنّ عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله ، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه ، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء  ،  وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم احتياج الله إلى المكان ، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان ، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء ، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد ،  وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل : قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل ، الثاني : حادث، والحادث محدود ، والله تعالى منزه عن الحدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود ، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان ،   وكل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالكون في المكان متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، أو نرد المتشابه إلى محكمه كما هو فعل الراسخين في العلم ، فنحمله على المكانة ، وليس المكان ،  ومثاله : حديث الجارية بلفظ ( أين الله ) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما : أحدهما : الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، والثاني : حمله على محكمات الشريعة التي تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان والحد والمقدار ، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان ، وهذا معروف في اللغة : نقول اين أنت من علم فلان ، واين الثرى من الثريا ،  فلا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات الصحيحة ، ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة التي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم ،

[  13  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس : منزه عن أي مثيل أو كفء أو شبيه :   لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً ، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً ، وكلا الحالين على الله محال ، كما أن ذات المخلق تتصف بالنقص والعجز لأنها مخلوقة من عدم محدثة لم تكن ثم كانت ، وهي إلى الفناء سائرة  ، قال تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ، 27 ] ، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي ، ولا المخلوق للخالق الباري ، قال سبحانه { ليس كمثلِه شيء }  [ الشورى : 11 ] ، نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه بأي وجه من الوجوه ، وقال تعالى : { وللهِ المثَلُ الأعلى } [ النحل : 60 ] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين ، وقال تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [ النحل : 74 ] ، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقال تعالى : { هل تعلمُ لهُ سميًّا } [  مريم : 65 ] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقال تعالى : { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ الإخلاص : 4 ] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ، وقال تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [ الأنعام : 100 ] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ، وقال تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ولا له كفء ولا شبيه ، وليس له مثال يقاس عليه ، ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما ، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم وكل ما خطر ببالك فهو باطل لأنه مخلوق في عقلك وخاطرك والله خالق كل شيء وليس بمخلوق فسبحان الله عما يصفون ،

[  14  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس : منزه عن الحدوث أو الفناء ، وعن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق : الله تعالى منزه عن الحدوث إذ ليس لذاته ابتداء ، وهو سبحانه الأبدي الباقي بذاته إذ ليس لذاته انتهاء ، له سبحانه كمال الحياة ، فهي حياة أزلية ذاتية ليس لها ابتداء (( الاول فليس قبلك شيء )) ، وهي حياة أبدية ذاتية باقية ليس لها انتهاء (( الآخر فليس بعدك شيء )) ، وتنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ، قال في حق الكوكب : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها ، ثم قال في حق القمر : { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } ، ، ثم قال في حق الشمس : { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } ،  قال ذلك كله لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال ، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول ، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث ، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث ، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام : { يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 78 ، 79 ] ، فإن الذي يقبل الحوادث حادث ، والله تعالى أول بلا ابتداء ، أزلي قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته يستحيل عليه الفناء ، تنزه عن قبول الحوادث ، لانّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي كمال الذات والصفات ، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات ، وكل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالحدوث أو قبول الحوادث فإنه متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، و كل ما يقوله أهل البدعة والضلالة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه ، ومحاذير قولهم عظيمة ، منها : أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله ( أحد صمد )  لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك ، فهل يقبلون  بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالإتحاد والحلول للمخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق ، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل ، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث ، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث ، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة ، سبحانك هذا بهتان عظيم ،

[  15  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق : لانّ ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء ، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره ، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم } ، والجسمية تناقض الأحدية ، والله تعالى هو ( الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) ] ،  الله تعالى [ أحد ] لا جزء له ، و ( الأحدية المطلقة ) ، تعني التنزه عن الانقسام والكثرة والجزئية ، والاحد سبحانه منزه عن الأجزاء والأبعاض ، والله تعالى : [ صمد ] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ،  كما أنّ من خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم  ، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها ، والجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه ، والجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث  ، والجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ،  والجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم ، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها ،

[  16  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق :  أبرز الادلة على تنزيه الله تعالى عن الأعضاء والأجزاء ، قوله تعالى ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) قوله تعالى ( أحد) ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض ، والأحدية تدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء  لم يكن أحدا ، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية ، وقوله تعالى ( الله الصمد ) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل : أن كل جسم فهو مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً حميدا بإطلاق ، فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك  لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج ، وقوله تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) نفي للمثلية كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح ، وقوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ،

[  17  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الصور  الأشكال التي تتصف بها ذوات المخلوقات : لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  ، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب ، قال تعالى : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار : 8 ] ، والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، كما أنّ الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ، وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث والتركيب ،

[  18  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الاتحاد بشيء من خلقه ، وعن الحلول بشيء من خلقه ، وعن الاتصال أو الانفصال بشيء من خلقه ، لأنّ ذلك صفات المخلوق : وبيان ذلك  أنه ما ثم إلا خالق أو مخلوق فهل يتحد الخالق القديم الأزلي الباقي الذي ليس كمثله شيء بالمخلوق المحدث الفاني ، أم هل يحل الذي تنزه عن الحد والمقدار في المخلوق المحدود المقدر ،  والحلول في المواضع والأماكن عرض لا يقوم به إلا من يقبل الحوادث ، وقبول الحوادث لا يليق بقديم الذات الصفات ، كما أن الاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية كما مر بنا  ، وقد أجمع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد بخلقه أو الحلول في شيء منها وعن الاتصال بها أو الانفصال عنها ونقل الإجماع كل من تكلم عن فرق المسلمين ،  

[  19  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق : الأعراض من الألوان والأحجام والأشكال والطعوم والروائح وغيرها من الأعراض ، والكيفيات الحسية كالجلوس والاستقرار والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته ، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته ، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته ، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته ، والحركة والسكون والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته ، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة ، فإن الله تعالى منزه عن تلك الأعراض والكيفيات الحسية ، لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث ،  وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء ، وغير ذلك مما يوحي بالتغير والحدوث إلى ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان ، لا نتقول على الله بغير علم ، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن ،

[  20  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق : سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك ، وعن كل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب ، ليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء أخر ولا بأصعب عليه منه لأن له كمال القدرة ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار وأن يكون في ملكه ما لا يريد ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال السمع كالصمم واختلاط الأصوات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال البصر كالعمى واختلاط المبصرات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الكلام كالبكم والعي وتناهي الكلمات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الغنى كالحاجة والشهوة والآفة والعلة والأكل والشرب واجترار المنافع واحتراز المضار ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الحكمة والعدل كالظلم وخلف الوعد ، ومنزه عن كل ما يضاد الكمال ويدل على النقص كالحد والمقدار والكون في مكان وان يجري عليه زمان ، وعن التغير والحدوث وقبول الحدث ،

[  21  ]  جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الوالد والولد والصاحبة :  تقدس سبحانه عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والابناء لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، فيستحيل أن يكون شيء قديم مثله ولا معه ، لأنّه الواحد الأحد الخالق ومن عداه مخلوق ، هو القديم الأزلي ومن عداه محدث مخلوق ، أحد صمد ، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سورة الإخلاص ] ، وقال تعالى : { بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الأنعام : 101 ] ، والنصارى ضالون من أجهل الناس بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى ، فزعموا له الولد سبحانه ، وهذا يستحيل نسبته إلى الله الاحد الصمد ، لأن الولد جزء من أبيه ، فالوالد لا يخلق ولده ، وإنما هو جزء منه ، وند له ، ومثيل لذاته ، وشبيه بذاته ، والله تعالى ليس كمثله شيء ، أحد صمد منزه عن الجزء والكل ، لأنه لا يُعرف بالحس ، فلا يكون منه الولد ، ولو كان منه الولد - سبحانه - لكان الولد قديماً ، مثل أبيه ، وكيف يكون قديماً وهو حادث ، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً ، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد ، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى - آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ  } [ الزخرف : 81 ، 82 ] ، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته ، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل في حق الأحد الصمد ، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى : { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } ، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله ، قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ مريم : 88 إلى 95 ]  ،

[  22  ]  خطأ اعتماد ظواهر النصوص المتشابهات في فهم علم التقديس والتنزيه : لقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 } ، ففي الآية وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وعلى ذلك  فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين ، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم ، ومنه الآيات المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة التعطيل حتى نفوا صفات الله تعالى المحكمة ، وإلى ظهور الحشوية في جهة التجسيم ، وحتى نسبوا لوازم التجسيم من الحد والمقدار والصور والأشكال والكون في المكان إلى جناب ذات الله تعالى ، ولا يمكن اعتماد ظواهر النصوص المتشابهات لبناء العقيدة ، وذلك لأن هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، لأنّ علم الله تعالى قديم ، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ } [ الرحمن : 31 ] ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء ،  والمعنى : { سنفرغ لكم } أي سنحاسبكم ، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته ، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم : 27 ] ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء ، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء ، ولا شيء أثقل عليه من شيء والمعنى : أن هذا مثل ضربه الله تعالى لعباده يقول  إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم أهون عليه من الإنشاء ،  وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته ، واعتقاد هذا الظاهر ضلال ، لأنّ الله تعالى منزه عن الاتحاد أو الحلول بخلقه ، ومنزه عن القرب الحسي بالذات ، ومن هذه الآيات قوله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } [ البقرة : ] ، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } [ الواقعة : 85 ] ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة ، وقرب الملائكة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ، كما أنّ هناك آيات ظاهرها - لمن جهل قواعد التقديس - أنّ الله تعالى مستوٍ على عرشه بذاته ، يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته ، وأنّ العرش مكان الرحمن واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال ، لأنّ العرش خلق من خلق الله ، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه ، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار ، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن ، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء ، وأنه الواحد القهار ، وأنّه الكبير المتعال ، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره ، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله ،  وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه والمكان محدود مهما كبر والله تعالى لا حد لجناب ذاته ، ولا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث  ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً  ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن ،  

[  23  ]  رد المتشابهات إلى المحكمات فيما يتعلق بقواعد تنزيه ذات الله عن مماثلة الذوات : من الآيات المتشابهة ما يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء ، كالوجه واليد والعين ، ومنها ما يوحي ما يوحي بالجلوس والاستقرار كالاستواء ، ومنها ما يوحي بالحركة والانتقال كالنزول والمجيء ، ومنها ما يوحي بالانفعال كالغضب والفرح والسرور والضحك ، وهذه نثبتها على الوجه الذي يحمل المتشابه على المحكم ، ومثال ذلك ( الوجه ) فإنه إثبات لصفة خبرية ( جاء بها الخبر ) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالجارحة والجزء من الله ، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له ، غني لا جارحة له ، قهار لا حد له ، متعال على النهاية فلا نهاية له ، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم ، وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها : ( الطريق الأول ) اثبات الوجه على سبيل الصفة لا سبيل الجزء والجارحة ، ( والطريق الثاني )  حمل الآية على المجاز المراد من الوجه وهو الذات ، ( والطريق الثالث )  تفويض علمها إلى الله مع المنع من تفسيرها على ظاهرها ( الذي هو الجزء من الذات ) مع تنزيه الله تعالى عن الجارحة والجزء ،

[  24  ]  الرسوخ في علم التقديس ، وحل اشكاليات الظواهر الموهمة للتشبيه  : وذلك في عشرة أمثلة تصلح كقانون عام لحل المتشابهات وردها إلى أمهاتها من المحكمات ، ( أولاً ) حل إشكالية الوجه في مثل قوله تعالى : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ  } ، ( ثانياً ) حل إشكالية اليد في مثل قوله تعالى : { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } ، ( ثالثاً ) حل إشكالية العين في مثل قوله تعالى : { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي }  ، ( رابعاً ) حل إشكالية كل ما يوحي بالجوارح من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم  كالساق والقدم واليمين والأصابع ، ( خامساً ) حل إشكالية الاستواء في سبعة آيات ذكر فيها الاستواء في القرآن الكريم ، ( سادساً )  حل إشكالية نسبة المكان إلى الله تعالى في مثل قوله تعالى : { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} ، ( سابعاً ) حل اشكالية المكان في مثل قوله تعالى : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } ، ( ثامناً )  حل إشكالية نسبة المكان إلى الله تعالى في حديث : ((  أين الله )) ، ( تاسعاً ) حل اشكالية الصورة في حديث : ((  خلق الله آدم على صورته )) ، ( عاشراً ) حل اشكالية الحركة والسكون والانتقال في حديث : ((  ينزل ربنا كل ليلة )) ،

[  25  ]  حل إشكالية الوجه ، في مثل قوله تعالى : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ  } [ البقرة : 115 ] ، ورد متشابهه إلى المحكم من قوله تعالى : { قل هو الله أحد } ، المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها : قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران : 72] ، فهل للنهار وجه على الحقيقة ، والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة ، وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار وكذلك قوله تعالى : {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا }[ المائدة  : 108] ، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه ، وكذلك قوله تعالى : { اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } [ يوسف : 9 ] ، فكيف يخلو هذا الوجه ؟ ومن أي شيءٍ يخلو ؟ اللهم إلا أن يراد بسياق الكلام معنى آخر وهو فراغ أبيهم لهم وإقباله عليهم وتوجهه بكليته إليهم ، وقوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } [ الحج  : 11] ، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة )خسر الدنيا والآخرة ، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة ، وكذلك قوله تعالى : { وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً } [ النساء  : 125] ، ومعلوم أن توجه القلب إلى الله تعالى أعظم من توجه الوجه ، فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات ولها توجه إلى الله ، وهذا يدلنا على أن التعبير بتوجه الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله ، وهكذا نحمل الوجه في قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح ، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم ،

[  26  ]  حل إشكالية اليد ، في مثل قوله تعالى : { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ] ورد متشابهه إلى المحكم من قوله تعالى : { قل هو الله أحد } : المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها ، قوله تعالى : { نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } ، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟ ، وقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏ ، هل للرحمة يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه ، وقوله تعالى  { إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } ، هل للعذاب يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب  ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً } ، هل للنجوى يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل ،  وقوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏ ، فهل ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم ، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كسب يسبب العذاب كالأرجل والأعين والآذان ، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم )  ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة ، وإنما المقصد من تحت حكمكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم ، ومثاله (وما ملكت أيمانكم ) وسيأتي إن شاء الله عند ذكر اليمين ،  وقوله تعالى : { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ }‏ ، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر ، فهذا لا يقوله عاقل ، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين ، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى ، وقوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، ويستحيل أن يكون المراد من الآية المعنى الظاهر للقبض وهو ضم أصابع اليد ، ولكن المعنى المفهوم من القبض هاهنا البخل بالنفقة في الطاعة وفي سبيل الله ، وكني عن البخل بالقبض على طريقة بلاغة العرب في التوسع في استعمال المجاز والكناية لتأكيد معنى البخل عند المنافقين ، وقوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }  ، فإن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ن فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط ، ومعنى الآيات : أن  اليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام ، وقوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط } ، فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل ، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق ، وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ]  ، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله ، وقوله تعالى : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ } الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه ، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام ، من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات ، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد ) ، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد ، فإن قالوا : القدرة لا تثن ، وقد قال { بيدي } قلنا بلي قال العربي : ليس لي بهذا الأمر يدان ، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك ، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة ، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه ، فإن أصروا وجادلوا قلنا :  قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى { ثم قال له كن فيكون } ، فهذا هو صريح القرآن فهل ندعه لفهم خاطئ لحديث لم يصح أو حديث مختلف في صحته ،   وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية  { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه ، 

[  27  ]  حل إشكالية العين في مثل قوله تعالى : { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } [ طه : 39 ] ، ورد متشابهه إلى المحكم من قوله تعالى : { قل هو الله أحد } : المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة ، تجري مجرى المجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة ، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة ، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل ، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك ، فقوله تعالى { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } معناه بمرأى منا أو بحفظنا ، وقوله تعالى { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } ،  أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية ، وقوله تعالى { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك ، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته ،

[  28  ]  حل إشكالية كل ما يوحي بالجوارح من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم  كالساق والقدم واليمين والأصابع ، لم يقل أحدٌ من أهل السنة والجماعة أنها جوارح لله ، حاش لله تعالى من هذا الظن والوصف سبحانه ، وإنما صفات على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، وليست جوارح ، ومن جعلها من باب الأجزاء والجوارح ، فهو مجسم خارج عن إطار أهل السنة والجماعة إلى الفرق الضالة التي تستحق الوعيد بالنار ، ومن جعلها على معناها الظاهر المستعمل في اللغة ، وفوض كيفيتها إلى الله تعالى ، فهو حشوي لا يدري شيئا عن قانون المتشابه في القرآن ووجوب تفويض علمه إلى الله تعالى ، أو رده إلى المحكم من الكتاب والسنة ، والمعنى الظاهر لهذه الألفاظ كالوجه واليد والعين ، هي الأجزاء من الذات والجزئية معارضة بالأحدية التي تعدل ثلث القرآن ، والرسوخ في العلم ، فيما يتعلق بما يوهم الأجزاء والجوارح : أنّ كل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها ، وهذا الوجه مقبول ضمناً ، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه ، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم ، قال تعالى { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ،  وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه { وما يعلم تأويله إلا الله } { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا }  ،  فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل ،

[  29  ]  حل إشكالية الاستواء في سبعة آيات ذكر فيها الاستواء في القرآن الكريم ، عند تدبر آيات القرب مع آيات الاستواء مع آيات الإحاطة نصل إلى عقيدة راسخة مفادها أن الله تعالى منزه في قربه واستوائه واحاطته عن الحس والمسافة ومنزه عن الوهم والخيال ، فقد جاء في القرب آيات عديدة منها قول الله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [ البقرة : 186 ] ، وقوله تعالى : { فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ } [هود : 61 ] ، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ  } [ الواقعة : 85 ] ، وهذه الادلة تدل على قرب الله تعالى من عباده ، قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء ، وقد حمل علماء أهل السنة المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة ، وقرب الملائكة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ، جاء في الاحاطة آيات عديدة منها قوله تعالى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } [ النساء : 126 ] ، وقال تعالى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ فصلت : 54 ] ، وهذه الادلة تفيد إحاطة الله تعالى بكل شيء ، والإحاطة ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله ( سبحانه ) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر ، وقد حمل علماء أهل السنة المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ، الجميع متفق على حمل القرب على قرب الصفات من العلم والسمع والبصر ، والجميع متفق على حمل الإحاطة على إحاطة الصفات من العلم والسمع والبصر ، ولكن عند الاستواء اختلفوا ، فحمل علماء أهل السنة المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، وحملها أهل الحشو والتجسيم على معاني الجلوس والاستقرار ، وقالوا : مستو على العرش بذاته ، ولم لا يكون استواء صفات من الربوبية والقهر  والتدبير والتصريف كما أن القرب قرب صفاته من علم وسمع وبصر وقدرة ، وقد قال الله تعالى مرشدا عباده أن الأماكن كلها ملك لله : {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم }  ، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء صفاته من الملك والقهر والتدبير والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث  ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً  ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن كما سيتبين ، ( ومفاتيح الفهم للآية الاولى ) : قوله تعالى  : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ الأعراف 54-55] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وقهر وتسخير بدلالة قوله تعالى في أول الآية إن ربكم ثم التذكير بالخلق الذي هو أصل الربوبية في قوله خلق السموات والأرض ثم دلالة قوله مسخرات ثم قوله له الخلق والأمر وختم الآية بالربوبية فالاستواء كله متعلق بالربوبية للقرائن السابقة ويؤيده أيضا قوله في الآية التالية ادعوا ربكم تضرعا وخفية لأن ذلك هو الذي يليق بالعبودية المقابلة للربوبية ، و ( الآية الثانية ) : قوله تعالى : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } [ يونس 3 ] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم ، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير ، و ( الآية الثالثة ) : قوله تعالى : { اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } [ الرعد 2 ] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وتسخير وتدبير بقرائن قوله تعالى وسخر وقوله تعالى يدبر الأمر وقوله تعالى بلقاء ربكم فالاستواء ها هنا استواء استعلاء وتسخير وربوبية وتدبير ، وبيان كمال قدرته سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، و ( الآية الرابعة ) : قوله تعالى : { طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } [ طه 4،5، 6] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء رحمة وملك وتدبير وربوبية بقرائن ذكر الاستواء مقرونا باسم الله تعالى وتقدس ( الرحمن ) ، وهو استواء ربوبية وخلق وتدبير ، بقرينة قوله تعالى : { تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى } ، وقوله تعالى {  لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } ، للدلالة على استواء الملك والهيمنة والتدبير ، و ( الآية الخامسة ) : قوله تعالى : { الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } [ الفرقان 59 ] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء خلق وربوبية ورحمة بدلالة قوله { خلق السموات والأرض وما بينهما } ، ودلالة ارتباط الاستواء باسمه الأقدس ( الرحمن ) { مَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } ، فهو الخالق للكون بما فيه وهو ربه ومدبره ، وسعت رحمته كل شيء ، و ( الآية السادسة ) : قوله تعالى : { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ } [ السجدة 4 إلى 7] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء تدبير لنص الآية بقوله تعالى يدبر الأمر وهو استواء ربوبية وخلق بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما ، و ( الآية السابعة ) : قوله تعالى : { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [الحديد: 2 إلى 5 ] ، والمفتاح : الاستواء هاهنا استواء ملك وربوبية وتدبير بقرائن عديدة لمن تدبرها منه قوله له ملك السموات والأرض وقوله تعالى خلق السموات والأرض ثم قوله تعالى له ملك السموات والأرض ثم هذه الآية تمتلئ بقواعد تنزيه تنافي ما يقوله المخطئون ،  فقوله تعالى الأول والآخر تنزيه عن الزمان ، وقوله تعالى الظاهر والباطن تنزيه عن المكان ، وقوله تعالى وهو معكم أينما كنتم دليل على قربه ، وجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى ( المعية ) ، وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء فوضح الحق وبطل ما كانوا يعملون ،

[  30  ]  حل إشكالية نسبة المكان إلى الله تعالى في مثل قوله تعالى : { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [ سـبأ : 23 ]  , وقوله تعالى : {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [ الشورى : 51 ] ، والله تعالى له العلو المطلق المنزه عن التقيد بالمكان ، فلا يحصره مكان ، وهو المنزه عن الحد والتناهي ، ولا يحيط به مكان ، وهو بكل شيء محيط ، سبحانه أول بلا ابتداء آخر بلا انتهاء موجود قبل الخلق ، كان ولا مكان ، ثم كون الأكوان ، وأجرى الزمان ، لا يتقيد بالزمان ، ولا يتخصص بالمكان ، والعلو المطلق لا يتقيد بالمكان لقوله تعالى : { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  } [ آل عمران : 139 ] ، والمقصود هو علو الرتبة والمقام والمكانة لا علو المسافة والارتفاع ، ومثله قوله تعالى حكاية عن حالِ سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام : { قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى } ، ومعلوم أنّ المراد به علو الرتبة والمقام والمكانة والغلبة والنصر ، ولم يكن موسى عليه السلام آنذاك على قمة جبل وفرعون أسفله حتى يخاطب بالعلو الحسي ، والله تعالى هو العلي بربوبيته وألهيته وهيمنته وقدرته ، أما محاذير اثبات العلو المكاني فهي عظيمة أولها الكون في المكان ، وإحاطة المكان بالرحمن وهو محال لأنّ الله تعالى بكل شيء محيط ، كما أنّ العلو المكاني غايته منتهى البعد عن الأرض ،  والله تعالى قريب ، أقرب إلى أحدنا من عنق راحلته ، : { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا  } [ المجادلة : 7 ] ، والمعنى المحكم هو علو المكانة والرتبة ، والمسلم حين يقول وهو ساجد . { سبحان رَبِّيَ الأعلَى } ، معناه : سبحان ربي الذي هو أعلى مِن كلِ شيء قَدْرًا ومَكانةً ،  وهناك شبهة أخرى يستدلون بالمتشابه من قوله تعالى :{ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [ النحل : 50 ] ، وفي الآية  مجاز حذف والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم ، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم ، والدليل على ذلك قوله تعالى : { قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } [ الأعراف : 127 ] ، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان ، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل ، الفوقية ترد لمعنيين  : أحدهما نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل بمعنى أن أسفل الأعلى من جانب رأس الأسفل وهذا حشو وتجسيم ،  وثانيهما : بمعنى المرتبة كما يقال الخليفة فوق السلطان والسلطان فوق الأمير والأمير فوق الوزير وهكذا ،  وأما قوله تعالى : { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [ الأنعام : 18 ] ، فهي فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم بالربوبية ، بقرائن ذكر القهر والعبودية  ،  وهناك شبهة أخرى يستدلون بالمتشابه من قوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [ فاطر : 10 ] ، والمعنى المراد : مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، فهو يقبل الكلم الطيب ، { وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ  } أي ويرفع صاحب العمل الصالح والكلم الطيب إلى عليين في جنات النعيم ، وصعود الكلم إليه تعالى مجاز بتشبيه القبول بالصعود ، وهناك شبهة أخرى يستدلون بالمتشابه من قوله تعالى : {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [ آل عمران : 55 ]  ، والمعنى الصحيح : أي إلى مكان كرامته في السماء ، لأنّ السماء مكان كرامة الله ورضاه لأنها مكان عبادة الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادة الله ، ولأنها منزهة عن معاصي العباد ، كما أنّ الله تعالى منزه عن المكان كل الأماكن إليه سواء ، ليس مكان منها بعيد عن الله ، وهو من جميع عباده قريب ، هناك شبهة أخرى يقولون : التصريح بتنزيل الكتاب منه ، كما في قوله تعالى : {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ...} [ آل عمران : 7 ] , وهذه من أوهى الحجج لأنّه معلوم لكل مسلم أنّ القرآن الكريم نزل من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم كان يتنزل به جبريل عليه السلام منجماً على الرسول صلى الله عليه وسلم ، ودليل وجوده في اللوح المحفوظ قوله تعالى:  { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } [ البروج : 21، 22 ] ، ودليل نزوله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة ، قوله تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ } [ الدخان : 3 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } [ القدر : 1 ] ، وقوله تعالى : { شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ  } [ البقرة : 185 ] ، فلا علاقة لنزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة إلى الأرض ، باستدلالهم بنسبة المكان إلى الله ، تعالى الله عن نسبة النقص والعجز ومماثلة الخلق إليه ، أما نسبة النقص لأنّ المكان محدود والله تعالى منزه عن الحدود ، ونسبة العجز لأنّ المكان يحيط بمن فيه ويقهره فلا يستطيع منه فكاكا إلا إلى مكان آخر ، والله بكل شيء محيط وهو القاهر لكل شيء ، ونسبة المماثلة لأنّ جميع الخلائق تحكمها قوانين المكان والكون فيه إلا خالق المكان فهو القاهر للمكان ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، وهناك شبهة أخرى يستدلون بالمتشابه من قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } [ الأعراف : 206 ] , والمراد من العندية ، هي عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن ، القرب في الآيات عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان ،

[  31  ]  حل إشكالية نسبة المكان إلى الله تعالى في مثل قوله تعالى : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } [ الملك : 16 ] ، والآية لها معني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم ، فقد يكون المعنى : أأمنتم من في العلو إشارة إلى علو الرتبة والعظمة والقدرة , لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على معنى الرتبة ، والعرب تقول : فلان في السماء ، أي في أعلى المراتب ، وليس معنى أأمنتم من في السماء  أي من في السماء مكانه ، لما تقدم من محدودية السماء ، والله تعالى لا حد له ، والسماء خلق من خلق الله تعالى ، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه ، ولو كان المراد اثبات المكان لجاءت الآية بلفظ أأمنتم من على السماء لأن حرف ( على ) أقوي في اثبات المكان من حرف ( في ) فدل على أن المقصود من في العلو العظمة بصفات ذاته تعالى وتقدس ،  وكذلك هناك تعارض بين الآية وآيات الاستواء في أذهان الحشوية ؟ فهل هو في السماء أم على العرش ، ولا يصح لمن كان فوق العرش ، والعرش أعظم من السماء آلاف آلاف المرات أن بقول انه في السماء إلا أن قصد به العلو والسمو ،  فإن قصد المكان يلزم التناقض لا محالة  لأن العرش خارج السموات ، وكذلك فإن السموات كروية لقيام الدليل على ذلك فإن كان كذلك فقد جعله أهل الحشو  كفلك منها تعالى الله عما يصفون ، فيكون المراد بالسماء العلو والرفعة والعظمة لا محالة ،

[  32  ]  حل اشكالية المكان في حديث : ((  أين الله )) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار ، ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث  : ( المفتاح الأول ) : اضراب روايات حديث الجارية ، فقد جاءت بثلاثة ألفاظ مختلفة ، الأولى بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح وهو أكثر الروايات موافقة لأصول الشريعة في إثبات الإيمان بالشهادتين ،  والثانية جاء بلفظ ( من ربك ) أخرجه أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان ، وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان ،  والرواية الثالثة بلفظ ( أين الله ) ، أخرجها الإمام مسلم ،  والروايات السابقة جميعها تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها ، إذن قد يكون اللفظ ( أين الله ) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة ، إضافة إلى أن لفظ ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) هو الموافق للأصول المتفق عليها بين المسلمين بأن من نطق بالشهادتيـن وصدق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وأله وسلم فقد دخل الإسلام فإذا صحت رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) وهي صحيحة لا غبار عليها وجب ترجيحها على سائر الروايات والله أعلم ، ( المفتاح الثاني )  أنه من المتشابه الذي يجب الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن الكون في المكان ، و ( المفتاح الثالث ) يحمل السؤال : ( أين الله ) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة ، وهذا معروف في اللغة : نقول اين أنت من علم فلان ، واين الثرى من الثريا ،  والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم ،

[  33  ]  حل اشكالية الصورة في حديث : ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) ، و ( المفتاح الأول ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم ، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو ، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا ، وهذا يدل على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  (( على صورته  )) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المسبقة كما يحدث لبني آدم ، و ( المفتاح الثاني ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته )) معناه عدم اهانة الوجه ، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم ، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه ، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام ، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته ، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  ((على صورته  )) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام ، وهذا قول الحافظين : ابن حجر وابن خزيمة  ، و ( المفتاح الثالث ) : إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى : { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ ص : 72 ] ، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه ، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف ، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف ، و ( المفتاح الرابع ) : وهو حمل المتشابه على المحكم ، والمحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولأنّ الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى الاحد , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه وركبه على وفق مشيئته ، كما في قوله تعالى : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } [ الانفطار : 8 ] , فكيف نتوهم أنّه على صورة آدم ، إذ الصورة تقتضي الكيفية والتركيب ، والكيفية عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، والصورة تقتضي التركيب وهو مستحيل على الأحد المنزه عن الانقسام ، لذلك فإن كل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة ، كما يقول العربي ما صورة الأمر ويقصد صفته ، وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث ، والذي يجب على كل مسلم أن يعلم أن الله تعالى ليس بذي صورة ولا هيئة ،

[  34  ]   حل اشكالية الحركة والسكون والانتقال في حديث : ((  ينزل ربنا كل ليلة )) [ متفق عليه ]  ، للنزول الحقيقي لوازم فاسدة : منها أنه يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس ، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها ، ومنها الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد ، وهو محال على العلي العظيم ، ويلزم منه وصف الله تعالى بالسفل  وهو كفر وضلال ، ومنها : أن النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا ، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين ،  وللحديث مفاتيح : ( المفتاح الاول ) أن الحديث أخرجه النسائي بلفظ : (( إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى )) ، وهذا اللفظ هو المحكم ، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه ، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم ، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى ، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي ، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك إلى السماء الدنيا فينادي بأمر الله ، ( المفتاح الثاني ) : أنه من المتشابه الذي يجب الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن التغير والحدوث وعن الحد والتناهي وعن الكون في المكان ، و ( المفتاح الثالث ) : أنه مجاز بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه ، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من الخشوع والتدبر ،  وبعد فهذه امثلة عشرة لبيان الرسوخ في علم العقيدة والتقديس ، حل إشكالية تتبع المتشابهات ، مما يؤول إلى الزيغ والبدعة والضلالة ،

[  35  ]  حاجتنا إلى علم التقديس :  الموجودات ثلاثة :  ( الأول ) :  أزلي أبدي : وهو الله تعالى فقط ، لا بداية ولا نهاية لوجوده  ، لأنه الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء ، و ( الثاني ) أبدي لا أزلي : له بداية ولا نهاية له وهو الجنة والنار فهما مخلوقتان ، أي لهما بداية إلاّ أنه لا نهاية لهما أي أبديتان فلا يطرأ عليهما خراب أو فناء لمشيئة الله بقاءهما ، و ( الثالث ) لا أزلي ولا أبدي : محدث فان له بداية وله نهاية وهو كل ما في هذه الدنيا الفانية ،  كما أنّ أحكام العقل ثلاثة : ( الأول ) : الواجب العقلي: هو ما لا يتصور في العقل عدمه أو ما لا يقبل الانتفاء لذاته وهو وجود الله تعالى بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، و ( الثاني ) المستحيل العقلي : هو ما لا يتصور في العقل وجوده كوجود الشريك لله تعالى  ، و ( الثالث ) الجائز العقلي : وهو ما يقبل الوجود والعدم ، وهو سائر الخلق ،  والصفات الواجبة في حقه تعالى ثلاث عشرة صفة ، الوُجود ، والقِدَم ، والمخالفة للحوادث ، والبقاء ، وقيامه بنفسه ، والحياة ، والوحدانية ، والقدرة ، والعِلْم ، والإرادة ، والسمع ، والبصر ، والكلام ، والصفات المستحيلة في حق الله تعالى أضدادها ، واجب الوجود فيستحيل في حقه العدم ، قديم الذات والأسماء والصفات فيستحيل عليه الحدوث أو التغير أو الأفول أو قبول الحوادث ، ليس كمثله شيء فيستحيل في حقه مشابهة الحوادث ، هو الباقي فيستحيل في حقه الفناء  ، وهو القيوم ، قائم بذاته فيستحيل في حقه الاحتياج ، له كمال الحياة فيستحيل في حقه السنة والنوم والموت ، إله واحد لا شريك له فيستحيل في حقه الشريك ، وهو على كل شيء قدير فيستحيل في حقه العجز ، وهو بكل شيء عليم فيستحيل في حقه  الجهل والنسيان ، له سبحانه كمال الإرادة والمشيئة فيستحيل في حقه القهر والجبر ، سميع له كمال السمع فيستحيل في حقه الصمم أو اختلاط الأصوات ، بصير له كمال البصر فيستحيل في حقه العمى واختلاط المبصرات ، متكلم  له صفة الكلام ، وهي صفة ذاتية قديمة فيستحيل في حقه العي والبكم وانتهاء الكلمات ، سبحانه : { أحد } لا جزء له منزه عن التركيب والأجزاء والأبعاض والجوارح ، لا جزء له ، ولا كل ، إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية المطلقة ، والله تعالى أحد : لا يمين له ولا يسار له ، ولا فوق له ، ولا تحت ، ولا أمام له ولا وراء ، لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء ، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام ، { صمد } يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، لا يوصف بالصمدية ، ولا بكمال الغنى والقيومية ، { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } ، لا ينفصل منه شيء ، ولم ينفصل من شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ } ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق { وَلَمْ يُولَدْ } ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه ، بائن من خلقه ، كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ، لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء  ، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال ، تقدس أن يكون له مثيل او شبيه ، هو الخالق ومن عداه مخلوق ، تقدس أن يكون منه شيء مخلوق ، هو القديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته ، تقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث أو الفناء ، وتقدس عن قبول الحوادث ، ولو قبل الحوادث لم يكن قديما ، ولو قبل الحوادث لكان جزء منه حادث ، ولو قبل الحوادث لقبل الفناء ، وكيف يقبل شيء وهو الاحد المنزه عن الانقسام وقبول الاجزاء والأبعاض ، تعالى منزه عن الحدود ، وتقدس أن يقهره حد أو يحده مقدار ، وهو الذي قهر خلقه بالحدود والمقادير ، تقدس المحدد أن يكون محددا ، وتنزه المقدر أن يكون مقدرا ، وجل القاهر أن يكون مقهورا ، وهو القاهر لكل شيء ، ومن عداه مقهور لحكمه وقضائه ، ، تقدس أن يكون له مثيل ، ليس كمثله شيء ، من عداه متماثل في الخلق والحدوث والفناء ، ليس كمثل وجوده وجود ، موجود بلا كيف وبلا مكان ولا يجرى عليه زمان ، كيف وهو الموجود في الأزل قبل المكان والزمان ، كيف وهو القاهر للمكان والزمان ، كيف وهو الخالق لقوانين المكان والزمان ، والمكان محدود ، والله منزه عن الحدود ، فهل يحل المنزه عن الحدود في المحدود ، وهو سبحانه منزه عن الاتحاد والحلول ، إذ تقدس الخالق أن يحل في شيء من خلقه ، وأنى للقديم الباقي أن يحل في المحدث الفاني ، سبحانه رب العالمين ، ومن عداه عبد مربوب ، إله غني قادر قاهر ومن عداه عبد ضعيف فقير مقهور ، هو الخالق البارئ المصور ، ومن عداه مخلوق مصور ، تقدس المصور أن يكون مصورا  ، والصور لا تنشأ إلا بالتركيب ، { في أي صورة ما شاء ركبك }  ، والأحد منزه عن التركيب ، لأن الأحدية المطلقة تمنع من الأجزاء والأبعاض والأشكال والألوان والتخاطيط ، والصور إنما تنشأ باجتماع الأجزاء والألوان ، والصور دليل على الخلق والحدوث ، لذا تقدس المصور ان يكون مصورا وتقدس المركب أن يكون مركبا ، وتقدس القاهر لخلقه بالصور والأشكال أن يكون مقهورا بها ،  يستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة ، ويستحيل عليه الحد والمقدار ، ويستحيل عليه الحدوث أو الفناء ، ويستحيل عليه الجهل وما في معناه كالظن والشك والوهم والغفلة والذهول والنسيان ، ويستحيل عليه العمى والصمم والبكم ، ويستحيل عليه العجز والضعف ، ويستحيل عليه الظلم وخلف الوعد ، ويستحيل عليه السنة والنوم ، ويستحيل عليه المكان والزمان فلا يحيط به مكان ، ولا يجري عليه زمان ، ، ويستحيل عليه الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ولوازمها من الصورة والشكل والجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ، ويستحيل عليه التحيّز والاختصاص بالجهات ، ويستحيل عليه التغير والحدوث ، ويستحيل عليه حلول الحوادث في ذاته لأنها صفات المخلوق ، ويستحيل عليه الاتحاد والحلول في خلقه ، ويستحيل عليه الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، ، ويستحيل عليه الأعراض التي تتصف به ذات المخلوق ، ويستحيل عليه الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق ، ويستحيل عليه كافة النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق ، ،  لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له لم يزل اولا سابقا متقدما للمحدثات موجودا قبل المخلوقات ولم يزل عالما قادرا حيا ولا يزال كذلك لا تراه العيون ولا تدركه الابصار ولا تحيط به الاوهام ولا يسمع بالأسماع شيء لا كالأشياء عالم قادر حي لا كالعلماء القادرين الاحياء وانه القديم وحده لا قديم غيره ولا اله سواه ولا شريك له في ملكه ولا وزير له في سلطانه ولا معين على انشاء ما انشأ وخلق ما خلق لم يخلق الخلق على مثال سبق وليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شىء اخر ولا بأصعب عليه منه لا يجوز عليه اجترار المنافع ولا تلحقه المضر ولا يناله السرور واللذات ولا يصل اليه الاذى والآلام ليس بذى غاية فيتناهى ولا يجوز عليه الفناء ولا يلحقه العجز والنقص تقدس عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والابناء ، لا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ولا إله إلا هو ،  وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

العلوم الإسلامية الغائبة في هذا الزمان ، والتي ادى غيابها إلى وجود الخلل العلمي ( المقدمة ) ،

إنِّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [ آل عمران : 102 ] ، { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا }  [ النساء : 1 ] ، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } [ الأحزاب :70 ، 71 ] ، أما بعد :  فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ، ثم أما بعد ، فإنّ العلوم المفقودة في هذا الزمان والتي ادى غيابها إلى الخلل الفكري والعقدي والعلمي والعملي والأخلاقي بين فرق المسلمين عديدة أرى أهمها يتمثل في ثلاثة عشر علماً : العلم الأول : ( علم التقديس ) وذلك للقضاء على فوضى الحشو والتجسيم  ، والعلم الثاني : ( علم الإسلام ) للقضاء على فوضى العداء واستحلال الحرمات بين أهل القبلة ، والعلم الثالث : ( علم الإيمان ) ، وذلك للقضاء على فوضى الغلو في التكفير في أوساط المسلمين ، والعلم الرابع : ( علم التوحيد ) وذلك للقضاء على جانب الغلو في التوحيد واتهام الأمة بالوقوع في الشرك في أعمال لا تبلغ الشرك ، وقد تكون مسائل خلافية فقهية بابها الفقه وليس العقيدة  ، والعلم الخامس ( علم الإتباع ) ، لضبط مسائل السنة والبدعة على منهاج أهل السنّة والقضاء على فوضى الغلو في التبديع  ، والعلم السادس ( علم الانتساب إلى الجماعة الناجية ) ، وذلك لجمع شتات المسلمين تحت راية واحدة ومنهاج صحيح واسع واحد ، هو منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية بغير افراط ولا تفريط ، والعلم السابع: ( علم السياسة الشرعية الإسلامية ، وبيان قواعد الإسلام الرصينة في تنظيم العلاقة ابين النظام الحاكم والرعية ، وتجديد أخلاق أهل الإسلام مع أولي الأمر منهم من السمع والطاعة والاحترام في إطار المعروف ، حتى يتفرغ القائد والعالم والداعية كل لأداء مهامه ، بما يوافق شرع الله ، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين ، دونما غلو أو تفريط ، والعلم الثامن ( علم العقيدة المنهجية المتخصصة ) ، وذلك لمعرفة مدارس العلم المتخصصة في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة ، ومن ثم احترام التخصص والمتخصصين في باب العقيدة واتباعهم بدلاً من أن نكون قُطّاع طريقهم لهداية الناس وفق عقيدة الإسلام ، والعلم التاسع ( علم الفقه المنهجي المتخصص ) ، وذلك لتصحيح المسار الفقهي عند المسلمين ، وأخذ الفقه من بابه الصحيح ، ومعرفة العبادات والمعاملات والحلال والحرام من أهل الفقه المتخصصين فيه ، والعلم العاشر (علم التزكية المنهجية المتخصصة ) ، وذلك لأنّ حاجة المسلمين إلى تجديد أخلاقهم وسلوكهم مع الله تعالى ومع أنفسهم ومع الناس أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب ، وبغير التزكية فلن يكون هناك صلاح ولا فلاح ، فلابد من تصحيح المسار التزكوي عند المسلمين ، وأخذ التزكية من رجالها الأتقياء الأنقياء ،  لا من الأدعياء ، والعلم الحادي عشر : ( علم الإحاطة بجوانب دين الإسلام  ) وذلك للقضاء على القصور في فهم الإسلام والإحاطة بجوانبه ، والعلم الثاني عشر : ( علم الفقه العملي لدين الله ) ، لمعرفة أهمية العمل لدين الله تعالى وأهدافه ووسائله وسبل نجاحه في تحقيق أهدافه ، والعلم الثالث عشر : ( علم الأخلاق الإسلامية العظيمة ) ، الأخلاق مع الله ومع الرسول ومع دين الإسلام ، ومع أهل الإسلام ومع الناس كافة ، فإنّ غياب تلك العلوم عن الكثير العمل الإسلامي أدى إلى الخلل الفكري والعقدي والعلمي والعملي والأخلاقي كما أدى إلى الفرقة والتنازع فيما بينهم ، إنّ من أهم أسباب الاختلاف والفرقة والتعدد هو إهمال بعض الجوانب من دين الله تعالى ، قال تعالى : { فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ } [  المائدة : 14 ] ، فكان نسيانهم وتركهم لبعض ما أمرهم الله تعالى به سببا في أن يلقي الله عز وجل بينهم العداوة والبغضاء كنتيجة حتمية لما تركوا من دين الله تعالى ، والناظر لواقعنا اليوم : يجد أن أهم أسباب الاختلاف بين العاملين لدين الاسلام هو فقدان بعض العلوم التي تسبب غيابها في وجود الخلل العلمي وبالتالي الوقوع في الاختلاف ومن ثم التنابذ بالألقاب ، ومن ثم العداوة والبغضاء ، ولذلك جاء الأمر الرباني في القرآن الكريم : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ البقرة : 208 ، 209 ] ، بالدخول في كافة شرائع الدين والتزامها وعدم ترك شيء منها ، وسوف أتناول إن شاء الله تعالى بيان أهم لبنات تلك العلوم  ، ولزم التنبيه إلى أنه ليس المقصود من غياب هذه العلوم غيابها بالكلية ، وإنما غياب بعضها عن بعض القائمين على ثغور الإسلام فأدى ذلك إلى الخلل الفكري أو العلمي أو العملي أو الأخلاقي ، فلزم التنبيه إلى ضرورة وصلها جميعا لتكتمل الصورة عن رسم طريق الإصلاح والتجديد ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ،  وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

أسس التآلف والتراحم بين طوائف ،  صفات واخلاق أهل الإصلاح والتجديد

أخرج أبو داود في [ السنن ح (4291) ] ، والحاكم في [ المستدرك ج4 : 522 ]  ، والبيهقي في [معرفة السنن والآثار ص52] ، وأبو عمر الداني في [ الفتن ( ج1 : 45 ) ] ، والخطيب في [ التاريخ (ج2 : 61 ) ] ، وابن عدي في مقدمة [ الكامل (ج1 : 114) ] عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائه سنه من يجدد لها دينها )) والحديث صحيح صححه السخاوي في المقاصد الحسنه [ (ص121-122 ) وقال سنده صحيح ورجاله كلهم ثقات ] والسيوطي في الجامع الصحيح [ ج2 : 181 ] والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة [ ج2 : ح (599) ، وقال السند صحيح رجاله ثقات رجال مسلم ] ، والحديث مشهور عند أهل العلم شهرة واسعة ذكره الأئمة على مر العصور وأشار إلى شهرته كثير من العلماء منهم  الحافظ بن حجر والحافظ السيوطي والحافظ المناوي ، و ( التجديد ) تعبير شرعي صحيح ، وهو من أعظم البشارات النبوية التي تبعث في قلوب المسلمين الاطمئنان على دين الله تعالى وعلى أمة الإسلام مهما توالت عليها النكبات ومهما تكالب عليها الأعداء ، حيث يبعث الله عز وجل لهذه الأمة على مشارف كل قرن هجري جديد رجالا صدقوا ما عاهدوا الله علية وعلماء أخلصوا دينهم لله يحبهم الله ويحبونه يحملون راية التجديد بكل عزم وقوه ، وصدق وإخلاص ، وعلم وفقه ، وصبر ويقين يسيرون بها نحو تجديد أمر الدين وتحقيق كافة أهداف رسالته على أرض الله تبارك وتعالى وبين عباده قاطبة ، ولا تعارض بين كمال الدين وبين تجديد الدين ، فالتجديد معناه الصحيح البعث والإحياء والإعادة لما دُرس من معالم الدين ، وذلك لأن الدين على مر العصور تأتى عليه - بسبب مكر وكيد أعدائه له وغفلة بعض أهله عنه - عوامل الخفاء والضعف وعوامل الإفراط والتفريط وعوامل الغلو والتعصب اقتضت حكمة الله عز وجل ورحمته بهذه الأمة أن يتعهد لدينها على مر الأزمان بمن يجدد أمره ويظهر منهاجه ناصعا قريبا إلى عهده الأول حيث الصحة والنقاء وعلو الكلمة والراية والعزة والظهور ،  والتجديد مستمر على مدار عصور تاريخ الإسلام ، والناظر إلى تاريخ الإسلام على مدار الخمسة عشر قرناً الماضية لا يرى زمناً ولا قرناً إلا وقد هيئ الله تعالى له من يصلحه ويجدد أمر الدين فيه وذلك بنشر علوم الدين الصحيحة الصافية ، أو بنصرة أعمال الدين ، أو بتحقيق أهداف رسالة الدين على أرض الله تعالى وبين عباده ، أو بتصفية الأخطاء عن الدين ، وذلك بنفي تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، وهؤلاء المؤهلون للخروج بالأمة من أزمتها المعاصرة لابد وأن يكون لهم إرث من صفات النبي صلى الله عليه وسلم ، وإرث من صفات الصحب الكرام رضي الله عنهم ، وإرث من صفات حزب الله تعال المؤهل من الله عز وجل بالتغير والتجديد والغلبة والفلاح ،

[ الأساس الأول ] صفات يتمثلون فيها النبي صلى الله عليه وسلم : عملا بقوله تعالى { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِر..} [الأحزاب: 21] ، ومن ذلك قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [ال عمران-159] ، وقوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء-215] ، وقوله تعالى { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [ التوبة: 128] ، صفات اللين والرأفة والرحمة وشدة الحرص على المؤمنين ، بل الحرص الشديد على ايمان الناس جميعا ، قال تعالى: { لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ }[ الشعراء:3] ، وقال تعالى: { فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ }  [فاطر:8 ] ، لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضرب المثل والقدرة الحسنة في حسن الخلق فلقد أثنى عليه الله تعالى في  القرآن الكريم بقوله تعالى : { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [ القلم : 4] و امتن سبحانه عليه بأن حسن خلقه فجعله ليناً للمؤمنين فقال تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } [ آل عمران : 159 ] ،  ووصفه سبحانه بالرأفة و الرحمة على المؤمنين و هذا من حسن الخلق فقال عز وجل : { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } [ التوبة : 128 ] ، وحينما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلقه صلى الله عليه وسلم قالت (( كان خلقه القرآن )) ، فلقد صار امتثال القرآن أمراً ونهياً  خلقاً له ، فما أمره به القرآن الكريم فعله و ما نهاه عنه تركه و ما جاء فيه من خلق حسن إلا و اتصف به و ما ذكر له من خلق سيئ إلا ابتعد عنه ،  و كان صلى الله عليه وسلم حريصاً على حسن الخلق فقد كان يدعو الله أن يهديه لأحسن الأخلاق ويصرف عنه سيئها و يستعيذ بالله من منكرات الأخلاق و يدعو الله أن يحسن خلقه ، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن على رضي الله عنه ، كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم  : (( اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها ولا يصرف عني سيئها إلا أنت )) [ أخرجه مسلم ] ،  و أثنى الصحابة على حسن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذه عائشة تقول عنه صلى الله عليه وسلم : (( لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً و لا متفحشاً ولا صخاباً بالأسواق ولا يجزي بالسيئة و لكن يعفو ويصفح )) [ أخرجه الترمذي ] ، و تقول رضي الله عنها عنه صلى الله عليه وسلم : (( ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده ولا امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله و ما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله)) [ أخرجه مسلم ] ، و هذا انس رضي الله عنه يقول : (( خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أفٍ قط  وما قال لي لشيء صنعته : لم صنعته ؟ ولا لشيء تركته : لم تركته ؟ و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً ولا مسست خزاً ولا حريراً ولا شيء ألين من كف رسول الله عليه وسلم ولا شممت مسكاً قط ولا عطراً كان أطيب من عرق النبي صلى الله عليه وسلم )) [ متفق عليه ] ،  و هذه أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها تقول له حينما قال لها لقد خشيت على نفسي تقول (( كلا و الله ما يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم و تحمل الكل و تكسب المعدوم و تقرئ الضيف و تعين على نوائب الدهر) [ متفق عليه ] ، إذن الأمة في أمس الحاجة إلى التجديد الأخلاقي ، وإلى التمسك بمكارم الأخلاق وعظيم الآداب ،  التي كان عليها رسول الرحمة ، فهذه الصفات التي تحلى بها النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها القران الكريم وجات بها السنة لتكون نبراسا لأهل التجديد وهم في طريقهم نحو نشر الدين ونصرته واعلاء كلمته ،

[ الأساس الثاني ] صفات يتمثلون بها الصحب الكرام رضي الله عنهم : فهم الذين ورثوا عن النبي صلى الله عليه وسلم مكارم الاخلاق وحازوا الرضوان في الدنيا والاخرة (رضي الله عنهم وارضاهم ) فهم المهاجرون الذين هاجروا لله ورسوله وأخرجوا من ديارهم وأبنائهم ابتغاء رضوان الله، وهم الأنصار الذين تبوؤوا الدار والايمان ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة ، فهم حقا نجوم الاهتداء وائمة الاقتداء ، وقد وصف القران الكريم صفاتهم الاساسية في قول الله عز وجل : { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [الفتح: 29] ، فأهم صفات الصحابة رضي الله عنهم التي تتضح من تلك الآيات : الشدة على الكفار ، والرحمة فيما بينهم ، وكثرة العبادة متمثلة في الركوع والسجود ، وغايتهم رضا الله تعالى وابتغاء فضله ، يتصفون بالإيمان والعمل الصالح ، وقد ذكر القران بعضا من صفاتهم الاساسية في قول الله تعالى: { رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ } [النور : 37] ، فهم رضي الله عنهم لا يشغلهم عن طاعة الله تعالى وعبادته شاغل من امر الدنيا ، همهم رضا الله تعالى ودينهم الخوف من غضبه وعقابه ، وقال تعالى: { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } [الاحزاب : 23] ، فأهم صفاتهم صدق العزيمة مع الله تعالى ووفاء العهد مع الله تعالى وطلب الشهادة بصدق ابتغاء الفوز برضوان الله تعالى وجنته ، فهذه بعض الصفات التي تحلى بها الصحب الكرام رضي الله عنهم ذكرها القران الكريم لتكون نبراسا للمؤمنين لاسيما أهل التجديد من المؤمنين الصادقين في نصرة الدين واعلاء رايته ، ومن أهم تلك الصفات الشدة على الكافرين ، الذلة على المؤمنين والتراحم فيما بينهم لا يشغلهم عن طاعة الله شيء لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة ،  ويتصفون بصدق العهد مع الله تعالى ، صدق العزيمة ورباط الجأش في طلب الشهادة ،

[ الأساس الثالث ] صفات يتمثلون فيها بحزب الله تعال المؤهل من الله عز وجل بالتغير والتجديد والغلبة والفلاح : حزب الله تعالى هم الفئه من الله تعالى للإنهاء الردة و البعد عن الدين ،وهي المؤهلة من الله تعالى بالغلبة على اعداء الدين وبالفلاح على الدنيا والاخرة وكما ذلك الا لاتصاف تلك الفئه المؤمنة صفات معينة ذكرها القران وبينها، والصف الاسلامي الذي يحمل على عاتقة تجديد امر الدين لا خيار امامه في ان يتحقق بكل الصفات حتى يسير على طريق حزب الله الغالب المنتصر وأهم تلك صفات حزب الله تعالى ، ذكرها القران الكريم ، في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ  }[المائدة: 54 : 56] ، وقوله تعالى { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ { [المجادلة : 22] ، تلك الآيات السابقة استملت على اهم الصفات وهي :   1-يحبهم الله عز وجل :والله تعالى يحب المحسنين ويحب الصابرين ويحب المتوكلين ويحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب المقسطين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كانه بنيان مرصوص ، والله عز وجل لا يحب الكافرين ولا الظالمين ولا المفسدين ولا المسرفين ولا المستكبرين ولا الفرحين ولا المعتدين ،   2-ويحبون الله عز وجل :والذين امنوا اشد حبا لله وعلامة صدق حبهم الاتباع التام للنبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }[آل عمران-31]  ،  3- الذله على المؤمنين: بكل معاني الذلة والتواد والتعاطف وخفض الجناح والمواساة وقضاء الحوائج والايثار ،  4-العزة على الكافرين :بكل معاني العزة من الشدة والغلظة والاستعلاء على الباطل والبعض في الله تعالى وجهادهم باليد واللسان والنفس والمال لله عز وجل ونصة لدينه ،  5-الجهاد في سبيل الله تعالى: بالمال والنفس والوقت والجهد وكل ما يملكون ابتغاء لمرضاة الله ولأجل اعلاء كلمة الله ،  6-لا يخافون في الله لومة لائم :لانهم يخشون الله وحدة ولا يخشون احدا الا الله فأمر الله تعالى مقدم عندهم على كل اعتبار يأمرون به وينهون عما يخالفه ولا يخافون في ذلك لومة من احد ،  7-الولاء لله وحدة: ويتفرغ من ذلك الولاء للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين الذين يحبهم الله تعالى ويحبوهم ،  8-البراء من الكافرين: مهما كانت صلات القرابة ووشائج الرحم ، فدينهم الولاء في الله تعالى والبراء في الله تعالى حتى من ابائهم وابنائهم واخوانهم وعشيرتهم ،  وأهل التجديد ينبغي ان يتحقق فيهم تلك الصفات حتى يونوا حزب الله عز وجل الموعود من الله تعالى بالغلبة والفلاح ،

[ الأساس الرابع ] صفات تؤهلهم للنصر والتمكين : وقد جاءت الآيات القرآنية لانهم تلك الصفات ، كما في قوله تعالى : { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 40-41] ، وقوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } [الصف: 10-13] ، وقوله تعالى: { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ * وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }[ النور: 54-56] ، وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ }[السجدة: 24] ، وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } [محمد: 7] ، فتلك الآيات الكريمات دلت على أهم مؤهلات النصر والتمكين ومنها ، نصرة الله عز وجل وذلك بنصرة امره ونهيه والعمل على طاعته والجد من أجل اعلاء كلمة دينه ، وأهم تلك الصفات : إقامة الصلاة وايتاء الزكاة والامر بكل معروف والنهي عن كل منكر ، والايمان بالله ورسوله ، والجهاد في سبيل الله بالنفس والمال ، والايمان والعمل الصالح ، والصبر واليقين في نصر الله تعالى لعباده الصالحين ، فتلك الصفات تؤهل الصف الحامل لراية التجديد لاستحقاق نصر الله عز وجل وتمكينه لهم في الارض ، 

[ الأساس الخامس ] أهل التجديد الاسلامي المنشود ينبغي ان تكون مؤهلاته العلمية تسمح لهم بفهم علوم العقيدة وأصول الدين على مناهج المدارس المتخصصة الثلاث : الأثرية والأشعرية والماتريدية ، وينبغي ان تكون مؤهلاتهم العلمية تسمح لهم في الاحاطة بالأحكام الشرعية ، على مناهج المدارس الفقهية الأربعة  المتخصصة في الفقه ، وينبغي ان تكون مؤهلاتهم الأخلاقية تسمح لهم في الاحاطة بأخلاق المقربين ومدارج السالكين وتزكية العارفين ، وينبغي ان تكون مؤهلاتهم العلمية تسمح لهم في الاجتهاد في القضايا والنوازل اجتهادا صحيحا وفق قواعد واصول الشرع الحنيف ، وينبغي ان تكون مؤهلاتهم العلمية تسمح لهم بتحديد ملامح الطريق الصحيح نحو تجديد امر الدين وتحقيق كافة أهدافة ،

[ الأساس السادس ] أهل التجديد الاسلامي المنشود ينبغي ان تكون لهم دراية بالواقع الاسلامي الحالي ، يعرفون غربة الدين والطريق الصحيح الى تجديد امره وأهدافه ، ويعرفون حال عامة المسلمين والطريق الصحيح الى تجديد الاسلام على جوارحهم والايمان في قلوبهم ، ويعرفون حال القائمين على العمل الاسلامي والطريق الصحيح الى وحدتهم واجتماع كلمتهم ، ويعرفون حال اعداء الدين والطريق الصحيح الى ارهابهم وافشل مخططاتهم ، ويعرفون كيف يكون السير السديد بالقائمين على ثغور العمل الإسلامي نحو التكامل والتآلف ، والتعاون على البر والتقوى ، وعلاج أسباب الخلاف والشقاق والنزاع ، والسعي الجاد نحو تقارب صفوف العاملين لدين الإسلام وتوافق وجهات نظرهم ، ووصل الحلقات المفقودة فيما بينهم حتى نصل إلى عمل إسلامي متآلف متكامل ،  وأهل التجديد الاسلامي المنشود ينبغي ان يكون عملهم للإسلام وفق الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة ، وما لا يُدرك كُله لا يُترك جُله ، فإن المسلم إذا عجز عن الإتيان بأمر ما على أكمل وجه ، فلا يعني هذا تركه بالكلية ، بل يأتي منه ما استطاع ، قال تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [ التغابن : 16 ] ، وقال تعالى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [ الأنفال : 60 ] ، وقال تعالى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } [ البقرة : 286 ] ، وهم يعرفون أنه من الفقه في العمل لنصرة دين الإسلام ، أن يسير العمل الإسلامي في الفترة المقبلة ضمن اطار صحيح مدروس ذي ملامح واضحة لا يحاول الخروج عنها حتى لا يتعرض العمل للفشل ، وأهم تلك الملامح التي تمثل الخريطة الاساسية العامة للعمل الإسلامي المنشود المقبل: ( أ ) نشر الدعوة إلى الله مع الشغف بها والانقطاع اليها بمعظم الجهد والطاقة ، ( ب ) السلمية والصبر التام والصفح وكف اليد حتى يأذن الله بأمر من عنده ، ( ت ) العلنية بالجهر بالحق وتبليغ الرسالة لا تخش الا الله ، ( ث ) التربية والتزكية والتكوين على الدعوة لبناء أجيال النصر والتمكين ، ( ج ) العمل الجماعي المنضبط بالشرع والسياسة الشرعية الإسلامية لنصرة قضايا الدين ، وأهم تلك الضوابط ، السمع والطاعة لولاة الأمور في المعروف ، والنهى عن الخروج عليهم ما كانوا في اطار الإسلام ، حتى وإن كانوا جائرين ظالمين ، بما يهيئ المناخ السديد لنشر الدين وتوثيق عُراه ، وبما يمنع الهرج والمرج والفتنة ، وسفك الدماء ،

[ الأساس السابع ] أهل التجديد الاسلامي المنشود ينبغي ان تكون لهم معرفة بحال الشعوب المسلمة ، وما عليه اكثرها من الغفلة عن دينها والابتعاد عن تعاليمه ومبادئه ، وانها بحمد لله تعالى لا يزال فيها سمة إسلام وإيمان ، ولكنها تحتاج الى من يوقظ ذلك الايمان من مكامنه في قلوبها وصدورها في حكمة وبصيرة ومن قال هلك المسلمون فهو أهلكهم وأقربهم للهلاك ، فالإسلام باق إلى قيام الساعة ، والشعوب المسلمة تحمل والحمد لله الاسلام والإيمان في طياتها ، والمسلم ليس ملاكا لا يخطئ ولكنه بشر يخطئ ويذنب ولكنه يستغفر ويتوب والمسلم قد يحمل في طياته بعضا من شعب النفاق وبعضا من أخلاق الجاهلية وبعضا من الذنوب والآثام ولكنها جميعا لا تخرجه من المله السمحاء وان مات على تقصيره فهو الى امر الله ان شاء الله عفر له بشهادة التوحيد وان شاء الله عذبه بذنوبه ومآله الى الجنة بفضل الله ورحمته ، وعلى ذلك مجتمعاتنا مسلمة بحمد لله تعالى ولكن اسلامها يغطيه ركام من الجهل والمعصية ولا يزال بها ايمان ولكنه ايمان مخدر يحتاج الى دعاة راشدين يوقظونه بالبصيرة والحكمة ، كما يعلمون أنّ لشعوبنا المسلمة بعض العذر لما هم فيه من الجهل والمعصية – وإن كان عذرا لا يبرؤها من التقصير- وذلك لأنه منذ فتره ليست قصيرة وكل ما يحيط بتلك الشعوب يعمل على اخراجها من دينها بالإكراه مرة وبالحيلة مره وبالكره وبالخديعة تارة اخرى ، مخططات رهيبة مدروسة ومؤسسات كبيرة ماكرة نجحت الى حد كبير في غياب العمل الاسلامي القوي الجاد المؤثر في اخراج الشعوب المسلمة عن بعض اسلامها وان لم يكن في المقابل عمل اسلامي مكافئ يحارب تلك المخططات ويفسد أهدافها ويثبت العوام على مبادئ دينهم وعقائده وشرائعه وأخلاقه ، فهي شعوب تعيش على تراكمات الماضي الكثيرة بما فيها من ظلام وجهل ومكر وخديعة ولكنها بحمد الله تعالى لا تزال متمسكة بحبال الاسلام ، وهذا من رحمة الله تعالى بأمة الاسلام { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ }[الصف: 8] ، وأهل التجديد المنشود : ينظرون الى شعوب المسلمين والى امة الاسلام بيعين الرأفة والرحمة ، وهم يعلمون ان شعوبنا المسلمة يجدي معها بحمد الله تعالى الدعوة الى الله على بصيرة وبحكمة وموعظة حسنة تسير على قواعد وأسس شرعية صحيحة ، وآنذاك سنجد المسلمين يرجعون الى دين الله أفواجا ينصرون عقائده وشرائعه واخلاقه ويحققون أهدافه بكل ما اتاهم الله من جهد ومال ونفس ونفيس ،  وهم يعلمون ان تلك الشعوب المسلمة في حاجة ماسة وشديدة الى البناء والتربية السليمة على الدعوة بالعلم الشرعي الراسخ والتزكية الاسلامية الخالصة ، آنذاك ستكون تلك الشعوب بمثابة المحرك الذي يقود الدعوة نحو نجاحها ، وأهل التجديد الاسلامي يعلمون ان التجديد الاسلامي المنشود لن يكون والا يكون الا بصحوة حقيقية لتلك الشعوب ، ترى فيها ان تلك الشعوب أن عزها وحياتها ونجاتها ومجدها لا يكون الا بالتمسك التام لدين الاسلام والعمل بكافة شرائعه وتحقيق كافة أهدافه ، صحوة اسلامية حقيقية تمل نسبة عالية من مجتمعات المسلمين نستحق بها التغيير الاسلامي الذي جعله الله عز وجل من سنته التي لا تتبدل ولا تتحول ، ومتى استحقت تلك الشعوب سنن التغيير والنصر والتمكين فآنذاك فقط يكون التجديد الاسلامي المنشود قاب قوسين أو ادنى ،

[ الأساس الثامن ] أهل التجديد الاسلامي المنشود ينبغي ان تكون لهم معرفة بحال اعداء الاسلام وما عليه هؤلاء من العداء والكيد والمكر بالإسلام والمسلمين ، ويعلمون أنّ المسلمون امة واحدة من دون الامم ، وأهل التجديد الاسلامي ينظرون الى اعداء الاسلام من منظور قول الله  تعالى :{ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا..} [المائدة: 82] ، وقوله تعالى: { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ..} [      البقرة: 120] ، وقوله تعالى:{ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا.. } [البقرة: 217] ، وهم يعلمون ان هؤلاء جمعا ولو اجتمعوا من اقطار الارض جميعا فهو اعجز من ان ينالوا الاسلام بسوء فهو دين الله عز وجل الذي كتب الله تعالى له الظهور على الدين جميعا ولو كره المشركون ، فألد اعداء المسلمين هم اليهود ، وهؤلاء اليهود شغلهم الشاغل محاربة دين الاسلام الحق والكيد للمسلمين ، يكيدون الحيل ويريدون الخطط لحرب الاسلام وابادة اهله قال تعالى :{ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64] ، وكل ما نره اليوم من تكالب الامم على المسلمين هو من تأليب اليهود ولكن الله جل وعلا يعصم امة الاسلام من عدوهم ان يبيدهم ولو تكالب عليهم من بأقطار الارض جميعا ، وكل المنظمات العالمية المتخصصة في الكيد لدين الاسلام ولأهله هي من تأسيس اليهود أعداء الله وأعداء الاسلام وأعداء المسلمين ، ولا تزال الحرب بيننا وبينهم حتى تأتي الموقعة الفاصلة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون ،حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبدالله هذا يهودي خلفي فتعال!! فاقتله ،إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود )) [اخرجه البخاري] ،  وأهل التجديد الاسلامي يعلمون أن ما يعانيه المسلمون اليوم من ضعف وفرقه وعجز واختلاف ليس بسبب هؤلاء وانما بما كسبت ايدينا نحن ولو رجعنا الى ديننا والى ربنا فلن يقف في وجه المد الاسلامي احد ولن يقف في طريقه احد مهما بلغت قوته ومكيدته ، وسيصل بمشيئة الله تعالى الى تجديد الدين وتحقيق كافة أهدافه ولو كره المشركون ولو كره الكافرون ، لذلك يسعى اهل التجديد الاسلامي نحو تحقيق الصحوة الاسلامية الحقيقية في شعوب المسلمين ، ونحو بناء المجتمع الاسلامي القوي بالتربية والتزكية والتعليم ، ونحو استحقاق سنن التغيير والتمكين وآنذاك سيخسأ كيد الكافرين ، ومكر الاعداء ، ولا يعني ذلك ان نتركهم وما يمكرون دون أخذ بأسباب الحيطة والحذر ومكافئة الكيد والمكر بما يفشل هدفه ، ولكن يعني التركيز على الشيء الاهم الذي هو منبع قوة المسلمين واستحقاق نصرة ربهم ، ألا وهو العودة الصادقة إلى الإسلام ، فلا حياة للمسلمين ولا مجد ولا عز للمسلمين إلا بالعودة إلى الاسلام وتحكيم شرعه ،  ومتى ما تخلينا عن ذلك  تخلى الله عنا :  قال تعالى : ( إن تنصروا الله ينصركم ) ، وقال تعالى : ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) ، وقال تعالى : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ، فإذا أقبل المسلمون على دينهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم ، نصرهم الله وأعزهم الله ، قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه : نحن أمة أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله ،  ورحم الله القائل : أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم ،

[ الأساس التاسع ] أهل التجديد الاسلامي المنشود ينبغي ان تكون لهم معرفة بالهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة ، إذ ليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (( كلها في النار إلا واحدة ))   كون الفرق الضالة في النار ، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه ،  وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار ، وهي إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد ، والإيمان المجمل بالإسلام  ، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق ، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة ، وقد حبى الله تعالى أهل التجديد الاسلامي ( أهل العلم والفقه في الدين ) بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر ، فأهل البدع مسلمون لهم الولاء العام في الإسلام لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، وأهم رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل أهل السنّة والجماعة الناجية : بدعة الخروج ، وبدعة التشيع ، وبدعة الاعتزال ، وبدعة الحشو ، ومع ذلك فإنهم مسلمون لهم ما للمسلمين من حقوق وواجبات ، وأحاديث الافتراق ليس المراد منها ان نعادي المسلمين ونستحل دماءهم ومحارمهم ، وإنما المراد السعي الجاد في تصحيح معتقدات المسلمين وهداية الفرق الضالة إلى سبيل النجاة ، وأهل الفرق الضالة لهم مسمى الإيمان بما أتوه من أصل الإيمان ، وجميعهم داخلون في الاصطفاء لدين الإسلام ، وهم أهل النجاة من الخلود الأبدي في النار ، وهم أهل الجنة في نهاية المطاف ، وينبغي التنبه إلى خطورة الغلط ، أو الغلو في تكفير المسلمين ، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يجوز موالاة الكفار على فرق الإسلام الضالة لأنهم وإن كانوا على بدعة ضلالة فإنهم مسلمون مؤمنون لهم اسم الإيمان وحكمه ، والأصل في كل مسلم حرمة دمه وماله وعرضه ، والمبتدعة لا يزالون في دائرة الإسلام ، تُحفظ لهم حقوق إسلامهم ، ويُدعى لهم بالهداية ، احتراما لشهادة الإسلام التي يحملونها ( لا إله إلا الله – محمد رسول الله ) ، والتي لا يثقل معها شيء في الميزان ، والتي بفضلها يدخلون الجنة وإن استحقوا الوعيد بالنار فقد يغفر الله لهم وقد يعذبهم بقدر بدعتهم ولكنهم لا يخلدون في النار خلود الكافرين ،

[ الأساس العاشر ] المبشرات تواترت على نصرة الدين ، وعلى انّ المستقبل لدين الإسلام مهما بلغت قوة الكافرين ، فقد كتب الله تعالى لدينه الظهور ولو كره الكافرون والمشركون ، قال تعالى : { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } (غافر:51)  ، و قال تعالى : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } (النور:55) ، و قال تعالى : { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } (الروم:47) ،  وقال تعالى : { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ التوبة : 32 ، 33 ] وقال صلى الله عليه وسلم  : (( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر ))   ، [ أخرجه أحمد والحاكم ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ] ، وقال صلى الله عليه وسلم  : (( إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِىَ الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِى سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِىَ لِى مِنْهَا )) [أخرجه مسلم (8 / 171 ) ] ، وقال صلى الله عليه وسلم  : (( لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ )) [أخرجه مسلم ] ، وقال صلى الله عليه وسلم  : (( بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِى الأَرْضِ؛ فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِى الآخِرَةِ نَصِيبٌ )) [  أحمد في مسنده ، وقال الهيثمي ورجال أحمد رجال الصحيح ، وأخرجه والحاكم في مستدركه وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ] ، وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم  المسلمين بفتح قسطنطينية وروميه ، أخرج أحمد  والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : (( بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المدينتين تفتح أولاً قسطنطينية أو رومية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مدينة هرقل تفتح أولاً ، يعني قسطنطينية )) ،  وقد فتحت قسطنطينية بعد أكثر من ثمانمائة سنة من إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح ، وسيتحقق الفتح الثاني ولا بد  ،  كما بشر صلى الله عليه وسلم  بالنصر على اليهود ،  قال صلى الله عليه وسلم: (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ )) [ أخرجه مسلم ] ،  ولا تقوم الساعة حتى يظهر المهدي من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، قال صلى الله عليه وسلم: (( لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا مني أو من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً )) [ أخرجه أحمد في مسنده (1/376)  وأبو داود في سننه (4282) والترمذي في جامعه (2231) ] ،  ولا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى عليه السلام حكما عدلا وإماما مقسطا ، يدق الصليب ويذبح الخنزير ، ويحكم بشرع الإسلام ، وقد بشر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، قال صلى الله عليه وسلم : (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ )) [ متفق عليه ] ، ولا تقوم الساعة حتى تعود خلافة الإسلام ، قال صلى الله عليه وسلم : (( تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضّاً فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة )) [ أخرجه أحمد وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ] ، وهذا يدل على أن المستقبل للإسلام والمسلمين ، والقضية هي : { إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } ، و { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ  } ، ( تمت بحمد الله تعالى مقالات أسس التعايش والتآلف والتراحم والتعاون بين طوائف وفرق المسلمين والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ) ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

أسس التآلف والتراحم بين طوائف المسلمين ، الفقه العملي للخروج من الأزمة العملية المعاصرة والقضاء على الخلل الحركي لدي الجماعات القائمة على ثغور العمل الإسلامي ( ب )

[ الأساس الثامن  ]  ومن أهم خطوات المخرج الأمثل من الأزمة الإسلامية المعاصرة : ( الخطوة الأولى ) : ضرورة العمل الجاد من أجل احترام المرجعية العلمية التي حبى الله تعالى بها اهل الإسلام ، وذلك بالعودة إلى المذهبية العلمية التي تأصلت على مر العصور لأهل السنة والجماعة متمثلة في مدارسها العقائدية والفقهية والتزكوية ، واعتماد مبدأ الرد إلى الكتاب والسنة بفهم تلك المذاهب ، كل في مجال تخصصه ، والإصلاح من داخل تلك المدارس لا من خارجها  ، وتكون للمسلمين مرجعية معروفة محددة عند النزاع بالرد إلى فهم تلك المذاهب ، فيأخذون بما اتفقت عليه تلك المذاهب من أصول العلم ومحكماته ، ويسع المسلمين ما وسعها من الاختلاف ، فلا تضيع الأوقات ولا تتشتت الأذهان بسبب ضياع المرجعية الأصيلة المتخصصة الصحيحة ، ( الخطوة الثانية ) السير بالقائمين على ثغور العمل الإسلامي نحو التكامل والتآلف ، والتعاون على البر والتقوى ، وعلاج أسباب الخلاف والشقاق والنزاع ، والسعي الجاد نحو تقارب صفوف العاملين لدين الإسلام الواقفين على ثغوره وتوافق وجهات نظرهم ، ووصل الحلقات المفقودة فيما بينهم حتى نصل إلى صف اسلامي عامل لدين الله تعالى متآلف متكامل متحاب متآخ على قلب رجل واحد ، مع التفاني في العمل الإسلامي دعوه إلى الله وحسبة على الدين ونشرا لعلومه ومبادئه واخلاقه ،  ( الخطوة الثالثة ) اعتماد مبدأ العمل للإسلام وفق الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة ، وما لا يُدرك كُله لا يُترك جُله ، فإن المسلم إذا عجز عن الإتيان بأمر ما على أمل وجه ، فلا يعني هذا تركه بالكلية ، بل يأتي منه ما استطاع ، قال تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [ التغابن : 16 ] ، وقال تعالى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [ الأنفال : 60 ] ، وقال تعالى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } [ البقرة : 286 ] ، وأدل شيء على ذلك تتبع آيات القرآن الكريم حسب زمن النزول ، فالقرآن الذي كان ينزل بمكة كان يركز على بيان ما يناسب المؤمنين الجدد والدعوة الإسلامية الوليدة ، من بيان أركان العقيدة وبيان الأسس العامة للتشريع وأصول مكارم الأخلاق ، أما من الناحية العملية فقد كان يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين - بما يناسب واقعهم - بالصبر والعفو والصفح وكف اليد ،كما في قوله تعالى: { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ } ، وقوله تعالى : { وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } ، وقوله تعالى: { فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ، ولم يؤذن لهم في القتال واستعمال السلاح ولا في رد العدوان بل أمروا بالصبر ، كما قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أيديكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ..} [النساء: 77] ، ولم يؤذن لهم في القتال الا بعد الهجرة إلى المدينة حيث صارت لهم القوة والمنعة ،  ومن نظر إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العمل لدين الله عز وجل وقد بدأ منفردا ، وقام بنشر الدين والدعوة إليه والبناء عليه متدرجا حتى وصل إلى إظهار الدين على الدين كله وحتى جاء نصر الله والفتح ودخل الناس كافة في دين الله أفواجا ، وقد كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم متميزا بالتدرج في الخطوات العملية وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينتقل بتسديد الله عز وجل من مرحلة إلى أخرى ،  وكل مرحلة مر بها النبي صلى الله عليه وسلم كانت لها قواعدها وملامحها وضوابطها التي تضيء لها النجاح في الوصول إلى تحقيق أهدافها وذلك حتى وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أعلى المراحل وأعظمها ألا وهي مرحلة التمكين في الأرض ورفع لواء الجهاد الطلبي حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ،  ( الخطوة الرابعة ) : اعتماد مبدأ استيفاء سنن الله تعالى في التغيير ، وفي الفلاح والصلاح ، وفي النصر والتمكين ، وذلك للأهمية القصوى البالغة لتلك السنن لأي عمل جماعي إسلامي يريد النجاح في سيرة نحو تجديد الدين وتحقيق أهدافه ، إذ على فهم تلك السنن تبنى النظريات العملية الناجحة لنصرة الدين والتمكين له في الأرض وجهل تلك السنن يؤدي حتما إلى فشل العمل الإسلامي في تحقيق أهدافه وذلك لأنه لن تجد لسنة الله تحويلا ، قال تعالى :{ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا } [فاطر: 43] والعارف لتلك السنن ولا يعاندها لأنها غلابة لا تتحول ولا تتبدل فيكون عمله لدين الإسلام في تقدم مستمر وفي طريقه نحو تحقيق أهدافه ، والجاهل لتلك السنن يمشي مكبا على وجهة لابد وأن يخيب رجاؤه ،  ( الخطوة الخامسة ) : معرفة الإطار العام الصحيح للعمل الإسلامي الناجح في المرحلة المقبلة : من الفقه في العمل لنصرة دين الإسلام ، أن يسير الصف الإسلامي في الفترة المقبلة ضمن اطار صحيح مدروس ذي ملامح واضحة لا يحاول الخروج عنها حتى لا يتعرض العمل الجماعي للفشل ، وأهم تلك الملامح التي تمثل الخريطة الاساسية العامة للعمل الإسلامي المنشود المقبل: ( أ ) نشر الدعوة إلى الله مع الشغف بها والانقطاع اليها بمعظم الجهد والطاقة ، ( ب ) السلمية والصبر التام والصفح وكف اليد حتى يأذن الله بأمر من عنده ، ( ت ) العلنية بالجهر بالحق وتبليغ الرسالة لا تخش الا الله ، ( ث ) التربية والتزكية والتكوين على الدعوة لبناء أجيال النصر والتمكين ، ( ج ) العمل الجاد المتقن المتأني الصحيح شرعا والنتائج على الله عز وجل فلا تعجل في طلبها ، ومن تعجّل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمــــــانه ، فمن تعجّل النصر قبل وجود أسبابه الصحيحة عوقب بنقيض قصده ،  ( ح )  العمل الجماعي المنضبط بالشرع والسياسة الشرعية الإسلامية من طاعة أولياء الامور والاعتراف ببيعتهم ، وقد جعل الشرع الحكيم لهم السمع والطاعة في المعروف ، ونهى عن الخروج عليهم ما كانوا في اطار الإسلام ، ولذلك جاءت أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم كي تضبط هذه العلاقة بما يهيء المناخ السديد لنشر الدين وتوثيق عُراه ، وبما يمنع الهرج والمرج والفتنة ، ومن ذلك : ما أخرجه مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم: (( تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، وما أخرجه مسلم عنه صلى الله عليه وسلم،  : (( مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [أخرجه مسلم (1856) ] ، وما أخرجه مسلم عنه صلى الله عليه وسلم،  : ((  اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) [ أخرجه مسلم ح (1846) ] ، وما أخرجه البخاري ومسلم عنه صلى الله عليه وسلم،  : (( إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ )) [ أخرجه البخاري : ح (3335) ومسلم : ح ( 3430 ) ] ، هذه هي الضوابط والأسس الشرعية لضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق ما أملت به السياسة الشرعية الإسلامية ، أما ما يتعلق بدين الله تعالى ، فقد أمرنا الله تعالى بأعظم فريضة تتعلق بحراسة الدين والحسبة عليه ، ألا وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن وفق ضوابطها الشرعية التي تتلائم مع وضع الحكام المسلمين ، أمّا ما يتعلق بفعل البعض من اعلان العصيان عليهم ونزع يد الطاعة منهم أو الخروج المسلح عليهم ، فهذا ما حرصت الشريعة على بيان ضوابطه أتم بيان ونهت عن ذلك إلا أن نرى كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان ،  فإن معاداة الحكام لا عائد منها سوى الضرر والمفسدة والخراب والدمار والوهن والضعف على بلاد المسلمين ولا يستفيد منها سوى أعداء الدين من اليهود والمشركين ، 

[ الأساس التاسع  ]  ومن أهم خطوات المخرج الأمثل من الأزمة الإسلامية المعاصرة :  معرفة الفرق المعاصرة التي يتبغى الحذر من غلوائها : ومن أبرز تلك الطوائف : ( الصفوية الخمينية ) : هذه الطائفة زادت في غلوها ، ونقلت مذهب الشيعة الإمامية إلى مرحلة خطيرة من العداء للمسلمين وحربهم ، وقد دعم الصليبيون هذه الفرقة وأمدوها بالمال والعتاد لتكون رأس حربة على أهل الإسلام ، و ( الإباضية ) : وهو من مذاهب الخوارج يقدح في عدالة الصحابة ، ويخلط في عقائده ما بين عقائد الخوارج وعقائد المعتزلة ، ويحاولون جاهدين ترميم مذهب الخوارج ، وهؤلاء يقولون بأن صاحب الكبيرة إذا لم يتب ومات فهو كافر مخلد في النار ، ويقدحون في جمع من الصحابة منهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله ، والزبير بن عوام  ، ومعاوية بن أبي سفيان ، و عمرو بن العاص رضي الله عنهم  ، ويصححون موقف خوارج النهروان في خروجهم على الإمام علي رضي الله عنه ، وعلى ذلك فهم فرقة من فرق الخوارج ، وهم يقولون بأن القرآن مخلوق ، وأن الله لا يُرى في الآخرة  وهذه من عقائد المعتزلة ، والإباضية ينتسبون زورا إلى التابعي الجليل جابر بن زيد ، وهو منهم براء ، ذكر ابن حجر في التهذيب أن جابر بن زيد تبرأ منهم ، ومن أبرز تلك الطوائف : ( أدعياء السلفية ) :  والسلفية نسبة كريمة لأنها نسبة إلى السلف الكرام ، وهم أهل القرون الثلاثة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية ، والسلفيون الصادقون ينتمون إلى هذه السلفية ، ولكن السلفية الحقة الأصيلة قد ابتليت بالأدعياء  ، نسبوا أنفسهم إليها وهي منهم براء ، شوَّهوا جمال عقائدها بما أدخلوا عليها من مفردات بدعية ضالة ، ومن أبرز هؤلاء : التيمية المغالون في الشيخ ابن تيمية - وعلامة هؤلاء حتى نفرق بينهم وبين الأثرية – أنهم يتبعونه حتى في أخطائه المخالفة للشرع ، فإن هناك فرق بين من ينظر إليه على أنه عالم يصيب ويخطئ ، فيتبعه في صوابه ويخالفه في أخطائه التي تسربت إليه بسبب جهله بقواعد التقديس وحسن ظنه برواد بدعة الحشو الاوائل ممن تدثروا بلباس السلف والسلف منهم برآء ، وبين من يرى أنه المتحدث الرسمي عن الدين وأصوله وفروعه وعن السلف والسلفية ، وعن السنة وأهلها ، فمن أثنى عليهم فهم من أهل السنة ومن لمزهم فهم من أهل البدعة ، ويطرح علمه على أنه البديل لكافة المؤسسات والمدارس والمذاهب العقائدية والفقهية والسلوكية التي أسسها الآلاف من علماء أهل السنة والجماعة ، كل في مجال تخصصه على مر عصور الإسلام وقرونه ، فهؤلاء المغالون فيه يشقون وحدة أهل السنة ويضربون مرجعيتها وتخصصاتها العلمية في مقتل وهم حجر عثرة أمام الإصلاح والتجديد ،  ومن أبرز هؤلاء أيضا : الوهابية المغالون في الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، الذين يتبعونه حتى في أخطائه الجسيمة المخالفة للشرع لاسيما في مفاهيمه المغلوطة في باب التوحيد والشرك وما آل به ذلك إلى الغلو في باب التكفير والتشريك والتبديع ، واستحلال دماء المسلمين وحرماتهم وأموالهم ، هؤلاء المغالون عند أهل التخصص ضمن فرق الحشوية ثم زادوا عليها غلوا في تكفير المسلمين وتبديعهم واتهامهم بالشرك الأكبر في مسائل فقهية خلافية ،  و ( الحشوية ) : لقب أُطلق على طائفة من المبتدعة الذين اعتقدوا بلوازم التجسيم من الحد والصورة والتغير والحدوث وقبول الحوادث والكون في المكان ، يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم ، وإن كانوا يتحفظون في لفظ التجسيم ، ومن أبرز صفاتهم : البعد عن التقديس والتنزيه ، يعتقدون في جناب ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان ، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ، وهم لا يحترمون تخصص المذاهب العقائدية والفقهية والسلوكية المنتسبة إلى اهل السنّة والجماعة ، ويهجمون على كل أبواب العلم ، لا سيما الأصول ، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء ، يشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه ، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه ، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون  في فهم المراد من النصوص ، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل ، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد ، ويكتفون فقط بظاهر النصوص ،  ومن أبرز مشاكل هؤلاء ، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة ، وعلومهم القاصرة ، نسبوه إلى السلف ، وتحصنوا بهذه النسبة ، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف ، والمروق من الدين ، يتتبعون المتشابه ، مصداقا لقوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } [ آل عمران : 7 ] ، لقد تسربت تلك المعتقدات إلى الشيخ ابن تيمية فحملها ودافع عنها وأفنى عمره في نصرتها وزاد طينها بلة ، ثم حمل رايتها من بعده الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونصر أفكارها بقلمه وسيفه ، وزاد عليها بعض مفردات الخروج فاستباح دماء وحرمات مخالفيه من أهل القبلة ، ووصفهم بالشرك الأكبر ، وجعل حربه معهم بمثابة جهاد أهل الإسلام ضد المشركين ،  ومن أبرز تلك الطوائف : ( أدعياء الصوفية ) :  من أهل سقوط التكاليف يحاربون التزكية والإحسان وينتسبون زورا وبهتانا إلى أهل التصوف ، والصوفية الحقة منهم برآء ، إن التصوف الإسلامي الأصيل قد ابتلي بالأدعياء شأنه شأن غيره من علوم الإسلام ، وأهل التصوف الحق يعلمون أنّه : ليس من التصوف الإسلامي : القول بمخالفة الشريعة للحقيقة ، أو أن أهل الحقيقة لا يتقيدون بالشريعة ، أو أن ظاهر الإسلام شيء غير باطنه ، أو أن مسلماً عاقلاً رُفع عنه التكليف ، وليس من التصوف الإسلامي : القول بالحلول أو الاتحاد ، وليس من التصوف الإسلامي : الذكر على الطبل والزمر بأنواعه مهما كانت ، وليس من التصوف الإسلامي : تحريف أسماء الله والرقص بها مع وجود آلات اللهو والغناء ، إن الأدعياء شوَّهوا جمال حلقات الأذكار بما أدخلوا عليها من أفعال منكرة ، وليس من التصوف الإسلامي : البطالة ولا الجهالة بدين الله ، ولا ادعاء الولاية ولا المتاجرة بالكرامات ، وليس منه : ادعاء الغيب والدجل والشعوذة والاتصال بالجن والشياطين ، إنّ التصوف بريء من ذلك كله ، ومن هؤلاء أيضا : ( دعاة العلمانية ) :  من أهل الجهل المركب بدين الله يريدون حكم الجاهلية ، وفصل شريعة الرحمن عن حياة المسلمين  ، إنّ شهادة الإسلام ( لا إله إلا الله – محمد رسول الله ) تعني اعتراف المسلم بسيادة شرع الله تعالى على الأرض ، الله وحده هو الذي يشرع للبشرية وكلهم مطالبون بتطبيق شرع الله ، والمسلم تتحقق عبوديته لله وحده في كافة أعماله وشعائره  : فالسيادة في حياة المسلم للشرع الإلهي ، لقوله تعالى : { وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] ، والمسلم لا يرضى بالعلمانية وغيرها من الدعاوى التي تتعارض مع الإسلام ، فالعلمانية تُقصي الدين عن الحياة وتحصره في العبادة المحضة كالصلاة ، أما في الإسلام فكما أن الصلاة لا تكون إلا لله ، فالحياة كلها لله تعالى لا شريك له. قال تعالى : { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } [ الأنعام : 162, 163] ، والعلمانية لا تعتقد بضرورة تحكيم الدين فيما يشجر بين الناس من نزاعات دنيوية في الدماء والأموال والأعراض، أما في الإسلام فقد قال تعالى: { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }  [النساء: 65] ، والعلمانية تعني أن يعتقد الإنسان أنه غير ملزم بالخضوع لأحكـام الله في كل نواحي الحياة وأن الدين ليس له علاقة بشؤون الحياة في غير العبادات والصلوات ، وقد أجمع علماء المسلمين أن من جحد حكم الله تعالى في القتل أو السرقة أو الزنا أو غيره مما جاء في القرآن الكريم فهو كافر الكفر الأكبر المخرج من دين المسلمين ، والجحود معناه إنكار الحكم أو إنكار صلاحيته للناس أو اعتقاد إقصائه عن حياة المسلمين ، والليبراليَّة : وجه من وجوه العلمانيِّة ، وهي تعني في الأصل الحريِّة ، غير أن معتنقيها يقصدون بها أن يكون المجتمع حراً في أن يحكم بما يشاء ، بدون التقيد بشريعة إلهية ، فالمجتمع عند الليبراليين حر  غير محكوم بشريعة من الله تعالى ، ولا مأمور من خالقه باتباع منهج إلهيّ ينظم حياته كلها، كما قال تعالى : {  ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ  } [ الجاثية : 18] ، بل هم يريدون حكم الجاهلية ، قال تعالى : { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } [ المائدة : 50 ] ،

[ الأساس العاشر ]  ومن أهم خطوات المخرج الأمثل من الأزمة الإسلامية المعاصرة : ترشيد عمل الاخوان المسلمين كبرى جماعات العمل الإسلامي : وأهم تلك الإرشادات المتعلقة بتصحيح مسار جماعة الإخوان المسلمين : ثلاثة : ( أولها  ) : تطهير مناهج الإخوان مما تسرب إليها من مفردات الحشو العلمي ، و( ثانيها ) : تجديد طلب العلوم الإسلامية الغائبة عنهم  والتي ادى غيابها إلى وجود بعض الخلل الفكري والعقدي والعلمي والعملي ، و ( ثالثها ) تبني المنهج الشرعي الصحيح في باب السياسة الشرعية والتعامل مع الانظمة الحاكمة ، والخروج من الدائرة المفرغة التي يدورون فيها بسبب عدم تبني الموقف الشرعي الصحيح الحكيم في التعامل مع تلك الانظمة ، و (  أول الارشادات والنصائح  ) : تطهير مناهج الإخوان مما تسرب إليها من مفردات الحشو العلمي ، بمعنى العودة إلى احترام التخصص العلمي ، والمذهبية التي أكرم الله تعالى بها أهل السنة والجماعة في باب العقيدة والفقه والتزكية ، فلا مناص من اعتماد المذهبية العلمية لتطهير المناهج من الانحراف الحاصل بسبب الميل إلى مناهج أهل الحشو والغلو في التكفير والتشريك والتبديع ،  لأنه قد تسرب تيار حشوي تكفيري إلى مواقع اتخاذ القرار لدى الجماعة أدى إلى ظهور خلل علمي يأخذ بالجماعة بعيدا عن المنهجية المذهبية لدى أهل السنة والجماعة وتخصصاتها العقدية والفقهية والتزكوية المعروفة ، والميل بها ناحية الحشوية المعاصرة التي تتبنى الحشو العقدي على حساب التقديس والحشو الفقهي على حساب المذاهب الفقهية المؤصلة والحشو الأخلاقي على حساب مدارسه المعروفة ، إنّ التميع العلمي ومجاملة أهل الضوضاء والشغب على حساب أهل التخصص والفضل لا يجوز في دين الله تعالى ولا ينبغي ، وهذا من أهم أسباب تأخر التوفيق والنجاح ، إذن لا مناص للإخوان من تحديد المرجعية العلمية بدقة وحزم ، واعتماد المذهبية العلمية التي حبى الله تعالى بها أهل الرسوخ في العلم والعمل ، ورد الأمور المتنازع عليها إلى الكتاب والسنّة بفهم المدارس العلمية للمتخصصة في علوم الدين على منهاج أهل السنّة والجماعة فنأخذ بما اتفقت عليه من أصول العلم ومحكماته ، ويسعنا ما وسعها من الاختلاف : وقد استقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة ، الأولى : ( المدرسة الأثرية ) ، و الثانية : ( المدرسة الأشعرية ) ، والثالثة : ( المدرسة الماتريدية ) ، فمن أراد الرد في مباحث العقيدة ، فإنّه يسعه ما استقرت عليه تلك المدارس المؤصلة ، يسعه ما وسعها من الاتفاق أو الاختلاف بغير تبديع ولا تفسيق ، مع ضرورة التفريق بين الأثرية والحشوية ، :  والسلفية المعاصرة فريقان : الفريق الأول أثري على العين والرأس ينتمي إلى المدرسة الأثرية التي تعلم من قواعد التقديس ما تفوض به علم المتشابه إلى الله وهم على وفاق مع بقية مدارس التخصص العقدي الأشاعرة والماتريدية ، والفريق الثاني أهل حشو وتجسيم ، وهم في زماننا كثرة ، وهؤلاء ليسوا على منهج السلف الصافي وليسوا على منهج أهل السنّة والجماعة الناجية ،  وأهم علاماتهم : الوقيعة في مذاهب أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة والفقه والتزكية ، هذا ما يتعلق بالعقيدة لذا لزم التنبيه ، واستقر لأهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة  ، يأخذون الفقه عنها ، ( المذهب الحنفي ) ، و ( المذهب المالكي ) ، و ( المذهب الشافعي ) ، و ( المذهب الحنبلي ) ، فمن أراد الرد في مباحث الفقه ، فإنّه يسعه ما استقرت عليه تلك المدارس المؤصلة ، يسعه ما وسعها من الاتفاق أو الاختلاف بغير تبديع ولا تفسيق ،  ولهم ( أهل السنة والجماعة ) في التزكية والأخلاق والتصوف طرق ومدارس معروفة يبلغ بها المسلم منازل الإحسان والقرب من رضا الرحمن على منهاج أهل السنّة والجماعة ، فمن أراد الرد في مباحث التزكية ، فإنّه يسعه ما استقرت عليه تلك المدارس المؤصلة ، يسعه ما وسعها من الاتفاق أو الاختلاف بغير تبديع ولا تفسيق ،  تلك هي المرجعية العلمية الصحيحة التي تلقاها علماء أهل السنّة والجماعة على مر عصور الإسلام بالقبول والرضى وهم عدول هذه الأمة ولا يجمعهم الله تعالى على خطأ لأنّهم شهداء الله تعالى في أرضه وعلى خلقه فما رأوه حسناً فهو عند الله تعالى حسن ، وقد اجتمعت كلمتهم على تلقي علوم تلك المذاهب العلمية بالقبول ، وهي ليست مذاهب سطحية حتى يتيسر لآحاد العلماء أن ينتقدها ، لأنّها عصارة تخصص الآلاف من علماء الأمة في شتى علوم الدين ، وهم أعلم بمجال تخصصهم ، وقد قال تعالى : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ، وقال تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ،   و ( ثاني تلك النصائح ) : تجديد طلب العلوم الإسلامية الغائبة عن هذا الزمان والتي ادى غيابها إلى وجود بعض الخلل الفكري والعقدي والعلمي والعملي ، وأهم العلوم : العلم الأول : ( علم التقديس ) وذلك للقضاء على فوضى الحشو والتجسيم  ، والعلم الثاني : ( علم الإيمان وفقه مسائله وأحكامه ) وذلك للقضاء على فوضى الغلو في التكفير في أوساط المسلمين ، والعلم الثالث : ( علم التوحيد وفقه مسائله وأحكامه ) وذلك للقضاء على جانب الغلو في التوحيد واتهام الأمة بالوقوع في الشرك في أعمال لا تبلغ الشرك ، وقد تكون مسائل خلافية فقهية بابها الفقه وليس العقيدة  ، والعلم الرابع : ( علم الإتباع وفقه مسائله وأحكامه ) ، وذلك لضبط مسائل السنة والبدعة على منهاج أهل السنّة والقضاء على فوضى الغلو في التبديع  ، والعلم الخامس ( علم الانتساب إلى الفرقة الناجية أهل السنّة والجماعة ) ، وذلك لمعرفة إطار الجماعة الناجية بغير افراط ولا تفريط ، والعلم السادس : ( علم السياسة الشرعية الإسلامية ، وبيان قواعد الإسلام الرصينة في تنظيم العلاقة ابين النظام الحاكم والرعية ، وتجديد أخلاق أهل الإسلام مع أولي الأمر منهم  من السمع والطاعة والاحترام في إطار المعروف ، حتى يتفرغ العالم والداعية كل لأداء مهامه ، بما يوافق شرع الله ، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين ، دونما غلو أو تفريط ، والعلم السابع : ( علم العقيدة ) ، وذلك لمعرفة مدارس العلم المتخصصة في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة ، ومن ثم احترام التخصص والمتخصصين في باب العقيدة واتباعهم بدلاً من أن نكون قُطّاع طريقهم لهداية الناس وفق عقيدة الإسلام ، والعلم الثامن ( علم الفقه ) ، وذلك لتصحيح المسار الفقهي عند المسلمين ، وأخذ الفقه من بابه الصحيح ، ومعرفة العبادات والمعاملات والحلال والحرام من أهل الفقه المتخصصين فيه ، والعلم التاسع : ( علم التزكية والإحسان ) ، وذلك لأنّ حاجة المسلمين إلى تجديد أخلاقهم وسلوكهم مع الله تعالى ومع أنفسهم ومع الناس أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب ، وبغير التزكية فلن يكون هناك صلاح ولا فلاح ، وكذلك لتصحيح المسار التربوي عند المسلمين ، وأخذ التزكية من رجالها الأتقياء الأنقياء ، لا من الأدعياء ، إنّ غياب تلك تأصيل العلوم على منهاج اهل النجاة أدى إلى الخلل في اتخاذ المواقف العلمية السديدة في كثير من الاحيان ، وأدى إلى ظهور خلل علمي يأخذ بالجماعة بعيدا عن المنهجية المذهبية لدى أهل السنة والجماعة وتخصصاتها العقدية والفقهية والتزكوية المعروفة ، والميل بها ناحية الحشوية المعاصرة التي تتبنى الحشو العقدي على حساب التقديس والحشو الفقهي على حساب المذاهب الفقهية المؤصلة والحشو الأخلاقي على حساب مدارسه المعروفة ، وأدى إلى خلل في تقييم الطوائف وفق ميزان أهل العدل والرشاد ، وبالتالي الميل إلى صف أهل الضوضاء والحشو والشغب على حساب أهل التخصص والفضل ، وهذا في نظري من أهم أسباب تأخر التوفيق والنجاح ، لأن التمكين لا يكون إلا لأهل البصيرة الذين ارتضى الله دينهم ، قال تعالى : { وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ } [ النور : 55 ] ، فلا تمكين ولا توفيق إلا بالبصيرة في الدين ، ومن البصيرة الاحاطة الصحيحة لعلوم الدين والمعرفة الدقيقة للمرجعية العلمية الصحيحة ، واعتماد المذهبية العلمية الراسخة في علوم الدين ، تلك المذهبية التي حبى الله تعالى بها أهل النجاة من طوائف المسلمين ، و ( ثالث تلك النصائح ) : تبني المنهج الشرعي الصحيح في باب السياسة الشرعية والتعامل مع الانظمة الحاكمة ، والخروج من الدائرة المفرغة التي يدورون فيها بسبب عدم تبني الموقف الشرعي الصحيح الحكيم في التعامل مع تلك الانظمة ، فإن معاداة الحكام لا عائد منها سوى الضرر والمفسدة والخراب والدمار والهرج والمرج والوهن والضعف على بلاد المسلمين ولا يستفيد منها سوى أعداء الدين من اليهود والمشركين ،  ولذلك جاءت أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم كي تضبط هذه العلاقة بما يهيء المناخ السديد لنشر الدين وتوثيق عُراه ، وبما يمنع الهرج والمرج والفتنة ، ومن ذلك : ما أخرجه مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) [ أخرج مسلم (1847) ] ، وما أخرجه مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: (( مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة )) [أخرجه مسلم (1856) ] ، وما أخرجه مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ الله ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )) [ أخرجه مسلم ح (1846) ] ، وما أخرجه البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَــالَ: (( مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً )) [ أخرج البخــــاري (7053)، ومسلم (1851) ] ، وما أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ )) [ أخرجه البخاري : ح (3335) ومسلم : ح ( 3430 ) ] ، والحديث يأمر المسلمين بإعطاء الحكام حقوقهم كاملة دونما نقصان ، وأن نسأل الله تعالى حقوقنا ،  وما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( سيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا قال فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم واسألوا الله الذي لكم فإن الله سائلهم عما استرعاهم )) [ أخرجه البخاري ح ( 3268 ) ] ومسلم ( 1842 ) ] ، والحديث يأمر المسلمين بإعطاء الحكام حقوقهم كاملة دونما نقصان ، فإن منعونا حقنا فنسأل الله تعالى حقنا ولا نخرج عليهم ، هذه هي الضوابط والأسس الشرعية لضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق ما أملت به السياسة الشرعية الإسلامية ، دونما افتيات على صلاحياتهم أو تأليب عليهم وتهييج الرعية عليهم وافساد سريرتها معهم ، ودونما تتبع للزلات والأخطاء الشخصية واشاعتها بين الناس ، أما ما يتعلق بدين الله تعالى ، فقد أمرنا الله تعالى بأعظم فريضة تتعلق بحراسة الدين والحسبة عليه ، ألا وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن وفق ضوابطها الشرعية التي تتلائم مع وضع الحكام المسلمين ، وأكرر اتباع سياسة معاداة الحكام لا عائد منها سوى الضرر والمفسدة على العمل الإسلامي ، والخراب والدمار والوهن والضعف على بلاد المسلمين والهرج والمرج وسفك الدماء على أمة الإسلام ، ولا يستفيد منه سوى أعداء الدين من اليهود والمشركين ،  سيقول البعض كان الحكم لنا وسُلب منا ظلما وعدونا ، نقول السياسة الشرعية لا تقوم على ذكر الأظلال والتباكي على ما فات ، فلا تضيعوا بقية حياتكم في البكاء على اللبن المسكوب ، فإنه لن يفيد ، و السياسة الشرعية تقوم على الواقع وتوصيفه ، والخليفة الأسير تسقط ولايته ، والخليفة الجديد تجب بيعته ، وهذا هو حال الزمان ، لا يببقى على حال ، لم يمتنع الفقهاء من التعامل مع الخلافة العباسية على أساس أنها قامت على أطلال الخلافة الأموية ، ولم يمتنع الفقهاء من التعامل مع الخلافة العثمانية على أساس أنها قامت على أطلال دولة المماليك التي هزمت التتار ، أبدا ولم يحدث مثل ذلك ، وذلك لأن السياسة الشرعية تعامل الواقع الحالي ، وتتعامل معه بمنطلق أحاديث النبي التي تتعامل مع الواقع وتمنع من الهرج والمرج ودرء الفتنة ، الآن الوضع مختلف ، والأمر خطير ولا هزل فيه ، والخروج على الحاكم اليوم  سيؤول إلى اضطراب الأمور والهرج والمرج ، وانهيار الدولة ، ولن تسقط الدولة إلا مع سقوط الجميع ووقوع ما لا تحمد عقباه للجميع ، والسياسة الشرعية لا تعرف الحمق ولا الطيش ولا المغامرة بأهل الإسلام ،  ومصلحة الجميع تقدم على مصالح الطوائف ، والشعب في أشد الحاجة إلى عودتكم إلى ثغور الدعوة والبناء ،  لابد من  اعادة النظر من جديد في علم السياسة الشرعية وضوابطه الرصينة ، والبعد عن متشابهات هذا العلم التي لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ ابتغاء الفتنة والخراب والهرج والمرج وسفك دماء المسلمين ،

[ الأساس الحادي عشر ]  ومن أهم خطوات المخرج الأمثل من الأزمة الإسلامية المعاصرة : ترشيد عمل السلفيين ، والسلفية المعاصرة فريقان : الفريق الأول أثري على العين والرأس ينتمي إلى المدرسة الأثرية التي تعلم من قواعد التقديس ما تفوض به علم المتشابه إلى الله وهي على وفاق مع بقية مدارس التخصص العقدي على منهاج اهل الحق ( الأشاعرة والماتريدية ) ، وأما الفريق الثاني من السلفية المعاصرة أهل حشو وتجسيم وهؤلاء كثرة في هذا الزمان ، وهؤلاء ليسوا على منهج السلف الصافي ، وأهم علاماتهم : الوقيعة في مذاهب أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة والفقه والتزكية ، وأهم أخطاء هؤلاء والتي يجب علاجها من أجل التصحيح : ( 1 ) الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد ، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ،  وإلى الوقوع في الحشو على حساب التقديس ، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك ،  ( 2 ) أيضا من أخطاء السلفية المعاصرة : الغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة ، بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة ، والذهول عن ضابط العبادة الذي يجعل صرفها لله تعالى توحيد وصرفها لغير الله تعالى شرك أكبر ، ، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر ، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة ، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم ، حيث زعموا أنهم على شرك اعظم من شرك المشركين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونظرة إلى تاريخ ابن غنام وغيره ممن أرخ لتلك الفترة نعرف مدى صحة ذلك ، ( 3 ) الغلو في التكفير وعدم فهم بعض مسائل الإيمان فهماً معتدلا ، والميل فيها عن جهل إلى قريب من مذهب المعتزلة والخوارج ، فأدى ذلك إلى تكفير الكثير من المسلمين ، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر ، وأدى ذلك إلى جواز تفجير القنابل بين عوام المسلمين على أنهم كافرين ، وتحويلهم إلى أشلاء ، وما أدبيات السلفيات القتالية والجهادية عن ذلك ببعيد ، ( 4 ) الغلو في التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة ، في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها ، وتبديع طوائف برمتها ، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة ، ويرغب أهل الحشو في طردهم منها ، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها ، ( 5 ) غلو في مسائل عدم الإعذار بالجهل والتأويل ، ونصرة المعتزلة في بعض هذه المسائل ، وغلو في مسائل الحكم بغير ما أنزل الله ، وفي مسائل الولاء والبراء بما يولج معتقدها في مذاهب الحرورية والخوارج ، ( 6 ) إهمال دراسة قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ، فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد المستمدة من ادلة الكتاب والسنة ، ( 7 ) عدم الدقة في تحديد دائرة المتشابه الصحيحة ، وما آل إليه ذلك من تتبع المتشابه والخوض فيه ، ووقوعهم بذلك تحت خطر الوعيد القرآني المتمثل في وصف الذين يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم ، وذلك في قوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } [ آل عمران : 7 ] ، ( 8 ) الذهول عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى ، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة - وهم أهل السلف الحقيقيون - بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع ، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم ، ( 9 ) بعث بعض مفردات مذهب الحشوية والخطأ بنسبتها إلى مذهب السلف وإلى أهل الحديث ، وجعله بديل لكافة التخصصات العلمية ، ومن ثم بعث بعض كتب الحشوية والمجسمة من جديد وإعادة طباعتها على أنها تمثل مذهب السلف والأثر ، وهم منها براء  ، وهل كان السلف مجسمة أو مشبهة وحاشاهم من ذلك ، ( 10 ) الوقيعة في أهل التنزيه والأصول من أكابر أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ومحاولة التشكيك في انتسابهم إلى أهل السنة والجماعة  ، مع إهمال قيمة التخصص العلمي لديهم وتلميع أهل التعدي على أكابرهم بغيا وظلما بغير وجه حق ، ( 11 ) إهمال مناهج التربية والتزكية ، ومن ثم كانت النفسية التي تتسم بالغلظة والقسوة وغمط طوائف أهل السنّة والجماعة الأخرى واحتقارهم وتبديعهم والجفاء عند معاملتهم ، وافتراض سوء القصد في أقوالهم وأفعالهم التي قد تنشأ عن غير قصد غالبا ، ( 12 ) شن الحروب التي لا داعي لها - بين الحين والآخر - على المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة ، بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع أن أصحابها بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع ، فأيهما أجدى البناء على ما بناه أولئك الاكابر فيرتفع البناء عاليا ، أم هدمه والتشكيك فيه ، مع استحالة إتقان ما أتقنوه ، واستيعاب ما استوعبوه ، وبناء ما بنوه ، ( 13 ) شن الحروب على التصوف برمته ، صالحه وطالحه ، وهم لا يفرقون في ذلك بين الصوفية الصادقين وبين الأدعياء ، مع أنه قد مرت عصور كاملة ، وقرون تامة ، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمنهج صوفي للتزكية ، وطريقة صوفية تأخذ بيده نحو رضا الله ، فهل جميع أولئك على ضلالة ، وأين خيرية هذه الأمة إن كانوا جميعا كذلك ، والإنصاف هو اعتماد الصحيح من مناهج أكابرهم في التزكية ، مع إصلاح الأخطاء التي يكون منشؤها من الجهل والخرافة ،  ( 14 ) أمر خطير يمثل خطرا على صفاء منهاج السلفية ، ألا وهو اعتماد كلام ابن تيمية وكأنه المتحدث الملهم عن كافة طوائف أهل السنة والجماعة ، واختزال آراء من خالفوه في كثير من المسائل ، وكانوا وقتها يمثلون جمهور أمة الإسلام بمن فيهم الحنابلة ، فقد خالفوه في مسائل عديدة ، أخطأ فيها بسبب تسرب مفردات الحشو إلى أفكاره ،  ( 15 ) تبنى آراء الشيخ محمد ابن عبد الوهاب وقد كانت له أفكار مغلوطة خاطئة في مباحث توحيد الألوهية ، وفي مباحث توحيد الربوبية ، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر ، استحل من خلالها دماء وأموال وحرمات أهل القبلة في نجد والحجاز ، ( 16 ) الخطأ العلمي القائم على احتكار مصطلح السلف الصالح لأنفسهم والى كل من ينتسب الى جماعتهم فقط ، مع الخلط بين مفهوم السلف الصالح كمصطلح علمي ، وما بين انتسابهم للسلفية كمؤسسة بديلة عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية يعبر عنها آراء الإمام ابن تيمية ، وآراء الشيخ محمد بن عبد الوهاب المؤسس الثاني لهذه الدعوى في القرن الثاني عشر ، هذه الآراء التي تبين بيقين  عدم تمثيلها لمذهب السلف ،

[ الأساس الثاني عشر ]  ومن أهم خطوات المخرج الأمثل من الأزمة الإسلامية المعاصرة :  بيان عوامل التقريب الشرعي الصحيح بين كافة القائمين على ثغور العمل الإسلامي :  ومن ذلك : [ العامل الأول : أخذ الاسلام بجميع عراه وكافة شرائعه والعمل لتحقيق كافة أهدافه ] :  فإنّ من أهم أسباب الاختلاف والفرقة والتعدد هو نسيان بعض شرائع الاسلام والعمل ببعض دون بعض قال تعالى : { فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة } ، فكان نسيانهم وتركهم لبعض ما أمرهم الله تعالى به سببا في أن يلقي الله عز وجل بينهم العداوة والبغضاء والفرقة والاختلاف كنتيجة حتمية للعداوة والبغضاء ، والناظر لواقعنا اليوم : يجد أن أهم أسباب الاختلاف بين العاملين لدين الاسلام هو جزئية المناهج العلمية والعملية وعدم شمولها واحاطتها لكافة جوانب دين الاسلام العلمية والعملية على السواء ، [ العامل الثاني : الارتباط الدائم بالحق والرد عند الاختلاف إلى الكتاب والسنة بفهم المتخصصين في العلم الشرعي ] ، فإذا كان الاختلاف في العقيدة رد الأمر إلى مدارس أهل السنّة المتخصصة في العقيدة ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) لأنّهم الأعلم بما دلت عليه أدلة الكتاب والسنّة في العقيدة ، وإن كان الخلاف في الفقه رد الأمر إلى مدارس أهل السنّة المتخصصة في الفقه ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) لأنّهم الأعلم بما دلت عليه أدلة الكتاب والسنّة في الفقه ، فالرد لا يكون لكل المسلمين وإلا ٌ لكان الامر فوضى وقال الناس في دين الله بغير علم ولكن الرد يكون لأولي العلم المتخصصين القادرين على الاستدلال والاستنباط ، وليس هناك أدق من مدارس علمية متخصصة تخرج من خلالها آلاف العلماء المجتهدين الراسخين في العلم ، مدارس علمية متخصصة تحل كافة مشاكلنا العلمية ، نتفرغ بعدها للعمل الجاد من أجل نصرة الدين ، [ العامل الثالث : معرفة الاسباب المؤدية إلى الخلاف والنزاع والفرقة وضرورة الاهتمام والتركيز على علاجها ] : وإنّ من أهم أسباب الاختلاف التي ذكرها القرآن الكريم : ( البغي والحسد ) ، قال تعالى : { وما تفرقوا إلاٌ من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم } ، وقال تعالى : { حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ } ، والبغي ياتي بسبب الانتصار للطوائف على حساب الولاء العام للإسلام ، ومنشأ ( الحسد ) حب الدنيا وحب النفس وحب الجاه والمنصب والتنافس على ذلك كله ، مع عدم الاخلاص التام لله عز وجل ، فينبغي للعاملين في الصف الإسلامي معالجة البغي والحسد بسلوك طريق التزكية ، فإنّه الطريق المهيأ لعلاج تلك الأسباب ، وهو الطريق الذي يورث الزهد في الدنيا والتواضع مع الناس وبغض المنصب والجاه متى كان سببا في الشقاق بين المسلمين ،  [ العامل الرابع : تنمية أواصر الاخاء والولاء والحب في الله بين جميع العاملين لدين الاسلام ] ، وتنمية الولاء العام : لأهل الإسلام ، إنّ الأصل بين المسلمين هو وحدة التآلف والتكامل والتراحم ، والتعاون على ما يحقق الخير للإسلام والمسلمين ، قال تعالى { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } [ الأنبياء : 92 ] ، وقال تعالى { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } [ المؤمنون : 52 ] ،  وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 102 ، 103 ] ، وقال تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال : 46 ] ، وقال تعالى :  { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ المائدة : 2 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ))  [ أخرجه مسلم  ] ، [ العامل الخامس : ضرورة أن يحدث التوافق الإسلامي بين طوائف أهل السنّة والجماعة في ظل توافق شرعي سديد مع الأنظمة الحاكمة المسلمة التي تحكم أقطار المسلمين : فإنّ العمل الإسلامي الصحيح المثمر لا يكون إلا في ظل توافق شرعي سديد مع الأنظمة الحاكمة المسلمة التي تحكم أقطار المسلمين ، فهذا هو الجو الصحي الذي تثمر فيه الدعوة الإسلامية الصحيحة ثمارها ، وهذا الأمر هو ما حرص عليه شرع الإسلام أتم حرص ، وأرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ، في ظل منظومة من السياسة الشرعية الإسلامية الحكيمة تحفظ على الامة أمنها وأمانها ، [ العامل السادس : ضرورة التركيز على الجانب الأخلاقي : من خلال استيعاب أخلاق الإسلام العظيمة وآدابه القويمة ، إن الإسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق ، ولا تجديد لأمر الدين ولا إصلاح لأمر المسلمين إلا بالتجديد الأخلاقي والعودة بالمسلمين إلى امتثال أخلاق الإسلام ،  ولهذا حصر النبي صلى الله عليه وسلم دعوته في إتمام مكارم الاخلاق ، قال صلى الله عليه وسلم : (( إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ )) [ أخرجه الإمام أحمد (2/381) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 45 ) ] ، وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

 

 

أسس التآلف والتراحم بين طوائف المسلمين ، الفقه العملي للخروج من الأزمة العملية المعاصرة والقضاء على الخلل الحركي لدي الجماعات القائمة على ثغور العمل الإسلامي ( أ )

[ الأساس الأول  ]  معرفة أهمية العمل لنصرة دين الإسلام وتحقيق أهدافه : فالإسلام : رسالة ربانية خالدة جاءت لتنير للبشر حياتهم : { قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ  وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ المائدة : 15 ، 16 ] ، وهو منهج رباني قويم جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ، وجاء ليحكم الأرض بشرع الله عز وجل وينظم الحياة فيها وفق مبادئه الربانية الحسنه القيمة ، وقد أرسل الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بالبينات وبالهدى وبدين الحق وأيده بالقرآن وأذن له في الدعوة والحسبة والجهاد من أجل نشر الدين وإظهاره والتمكين له في الأرض ، وكان صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله عز وجل ليل نهار ويحتسب على دين الإسلام في كل أموره أمرا بكل معروف ، ناهيا عن كل منكر ، مجاهدا في سبيل الله جهادا دفاعيا في بادئ أمر الجهاد لأجل حماية دين الإسلام وأهله ثم جهادا طلبيا من أجل نشر الدين وبسط سلطانه ، وكان صلى الله عليه وسلم يخرج من الغزوة إلى الغزوة ويرسل السرية تلو السرية ويباشر القتال تلو القتال نصرة لدين الإسلام وتحقيقا لأهدافه ، وقد سار الصحب الكرام رضي الله عنهم على نفس النهج الكريم والهدى القويم للنبي صلى الله علي وسلم فأخلصوا العمل لدين الله أيما إخلاص وضحوا من أجل نصرته والتمكين له بالنفس والمال وكل ما يملكون ، وخلفوا النبي صلى الله عليه وسلم في جهاده الطلبي خير خلافه ، فملئوا الأرض دعوه وحسبه وجهادا طلبيا نصرة وتمكينا لدين الإسلام ، فأظهر الله عز وجل بهم الدين ومكن لهم في الأرض يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويخرجون العباد من عباده العباد إلى عبادة الواحد القهار ومن ظلمة الكفر إلى نور الإسلام ومن جور الأديان المحرفة والملل الباطلة إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، وحمل التابعون وتابعوهم اللواء بعد الصحابة رضي الله عنهم فأكملوا فتوح البلدان ونشر الإسلام حتى وصلت دعوة الإسلام مشارق الأرض ومغاربها ودين الإسلام يزداد تمكينا إلى تمكينه ونصرة إلى نصرته وظهورا إلى ظهوره ، واليوم ما أشد حاجة الدين إلى من يقوم به ويقف على ثغوره ويسعى جاهدا صادقا من اجل إظهار عقائده وشرائعه وأخلاقه ، ومن أجل حماية قيمه ومبادئه  ، ومن أجل نشر رسالته وتحقيق أهدافه ،

[ الأساس الثاني  ]  معرفة أهم أهداف رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله تعالى وبين عباده : ومن أهمها عشرة أهداف تتمثل في : ( الهدف الأول ) : أداء أمانة تبليغ هذا الدين إلى الناس كافة ، و ( الهدف الثاني ) : إقامة الحجة والإعذار إلى الله بأداء الأمانة ، و ( الهدف الثالث ) : نشر الدين وهداية العباد ، وإخراجهم به من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ظلم العباد إلى العدل والرحمة والإحسان ، و ( الهدف الرابع ) : حفظ الدين بالحسبة عليه والأمر بمعروفه والنهي عن منكره ، و ( الهدف الخامس ) : إيجاد المسلم الحقيقي الذي يلتزم بدين الإسلام عقيدة وشريعة وتزكية ، وقد كان جهد النبي صلى الله عليه وسلم الدعوي والحسبي و التعليمي والتربوي يهدف دائما إلى إيجاد ذلك المسلم الحقيقي الذي يختلط الإسلام بدمه ولحمة ويرى عزته في التمسك بدينه يعض عليه بالنواجذ ، وتكوين المجتمع المسلم الذي يمتثل بالإسلام قولا وعملا وتحقيقا : ذلك المجتمع الذي تقام فيه الأركان والفرائض وتعظم فيه الشرائع وتظهر ثمار التزكية بالتواد والتآخي والتعاون على البر والتقوى والإيثار والحب في الله ، ذلك المجتمع الذي تنتشر فيه فضائل الإسلام من الإيمان والعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وتنحسر فيه الفحشاء والمنكر والبغي والفسوق والعصيان ، و ( الهدف السادس ) : بناء الدولة القوية التي تحفظ على المسلمين دينهم وتزود عنه وتحمل لواء الإسلام وتنصره وتحقق أهدافه ، و ( الهدف السابع ) : نصرة المستضعفين من المسلمين في أنحاء العالم ، وقد خاطبنا الله تعالى بقوله : { وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا } [ النساء : 75 ] ، و ( الهدف الثامن ) : السعي إلى وحدة المسلمين إقامة الخلافة الراشدة التي تنوب عن النبي صلى الله عليه وسلم في حراسة الدين وسياسية الدنيا به ، و ( الهدف التاسع ) : بناء حضارة الإسلام العالمية وإظهاره على الدين كله وإزالة الفتنة من على الأرض والتخلية بين الناس جميعا وبين دين الإسلام لا يقف بينه وبينهم حاجز يمنع وصوله صحيحا إليهم ويمنعهم من قبوله متى شاءوا ، و ( الهدف العاشر ) :  المحافظة على تلك الأهداف السابقة محققة قائمة يتوارثها المسلمون جيلا بعد جيل ، على أن تحقيق تلك الأهداف الغالية ليس ضربا من الخيال أو حديثا عن المستحيل بل هو كائن لا محالة ، مهما بلغت قوة الأعداء ومهما بلغ ضعف أمة الإسلام وهوانها فمتى رجعت إلى دينها تتمسك به وتعمل جاهدة من أجل نصرته آنذاك يكون لها أياما من أيام الله التي ينزل فيها نصر الله لعباده المؤمنين ،

[ الأساس الثالث  ]  معرفة أهم الوسائل الشرعية لتحقيق رسالة دين الإسلام العملية  : وغالبها يتمثل في : الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة ، والبناء على الدعوة بالتربية والتزكية والتعليم الشرعي الراسخ ، والحسبة على الدين بالأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر ، والإعداد الجهادي لإرهاب أعداء الله وأعداء الإسلام والمسلمين ، والجهاد في سبيل الله من أجل نشر الدين وإظهار أمره وإزالة الفتنة وجعل الدين كله لله ، والعمل الجماعي المنضبط بالشرع والسياسة الشرعية الإسلامية لنصرة قضايا الدين ، ( أولاً ) : الدعوة إلى الله تعالى : هي اشرف رسالة وأعظم قربة إلى الله تعالى فهي عمل الأنبياء ومهمة المرسلين ، وهي أفضل الأعمال لأنها وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولولا الدعوة إلى الله لما قام لله على الأرض دين ، ولا انتشر توحيد وإسلام ، ولهذا أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بتبليغها  إلى الناس كاملة ، والدعـوة إلى الله فرض كفاية على الأمة الإسلامية جميعها ، إذا قام بها من يكفي للقيام بأعبائها سقط الإثم عن الباقين ، وذلك لقوله تعالى : { وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [آل عمران: 104] ، ( ثانيا ) : البناء على الدعوة بالتربية والتزكية والتعليم  : ويقصد به تربية المسلم على مبادئ الإسلام العقائدية والشرعية والأخلاقية ، وصبغه بمحتوى رسالة دين الإسلام حتى يتحقق فيه إسلام الوجه لله والمتابعة الحقة لرسول الله عز وجل صلى الله عليه وسلم ، والبناء على الدعوة هو المتمم لأثر الدعوة وهو يقوم على التربية الإسلامية الحقة والتزكية الإسلامية الخالصة والتعليم الشرعي الصحيح الراسخ ، وهذه الأسس الثلاثة جمعتها آية في كتاب الله تعالى وضحت وسائل البناء على الدعوة في منهج النبي صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أنفسهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} ، وتكمن أهمية البناء على الدعوة : في انه السبيل إلى إيجاد المسلم الحقيقي الذي يلتزم بدين الإسلام (عقيدة وفقها وتزكية وعملا من أجل نصرته ) ، ولذلك فالبناء على الدعوة غاية في الأهمية والضرورة ، وقد كان هو غالب جهد النبي صلى الله عليه وسلم والله تعالى يأمره بالصبر عليه ، قال تعالى {واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } ، ( ثالثا ) : الاحتساب على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أوجب الواجبات وأعظم القربات وابرز صفات المؤمنين ، وفيه مصلحة الأمة ونجاتها وبه يحافظ على الدين نقيا ظاهرا بعقائده وأركانه وشرائعه وأخلاقه وفي إهماله الخطر العظيم والفساد الكبير حيث تضيع العقائد والأركان وتُهمل الشرائع وتنتهك المحرمات وتنتشر الفواحش والرذائل ، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب خيرية أمة النبي صلى الله عليه وسلم على كافة الأمم ، والأمة التي تترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستحق اللعن من الله تعالى ، ( رابعاً ) : الاعداد للجهاد في سبيل الله تعالى :  وأحكام ذلك الأعداد -  قدر الاستطاعة -  عملا بقوله تعالى { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } [ الأنفال : 60 ] ، والجهاد في سبيل الله تعالى أعلى الواجبات وذروة سنام الإسلام ، ولا يتم الجهاد إلا بالإعداد له ، والإعداد ينبغي أن يكون بأقصى استطاعة ممكنة وأكبر جهد ممكن ، ( خامساً ) : الجهاد في سبيل الله تعالى بالنفس والمال : إن الجهاد في سبيل الله تعالى بالنفس والمال هو ذروة سنام دين الإسلام وأعلى سهم فيه ، إذ ليس بعد التضحية بالنفس والمال في سبيل نصرة دين الحق والذود عنه أو التمكين له في الأرض عمل ، والمجاهدون في سبيل الله تعالى حملوا على أعناقهم وأكتافهم رسالة تجديد أمر الدين ونصرته وضحوا من أجل ذلك الغالي والثمين وكل ما يملكون من حطام الدنيا الفانية ، ( سادساً ) : العمل الجماعي المنضبط بالشرع والسياسة الشرعية الإسلامية لنصرة قضايا الدين ، قال الله تعالى:{ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] ، والأمة هي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء في الجسد الواحد ، وقال الله تعالى : { وَتعاونوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تعاونوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ..}[المائدة: 2] ، والتعاون لا يحدث إلا بوجود أطراف متعاونة متشاركة ، وما أحوج الدين إلى تعاون المسلمين على نصرته ،

[ الأساس الرابع  ]  معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام في التمكين لدين الله : إنّ الأساس الصحيح الذي ينبغي أن ينطلق منه التجديد العملي هو فهم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا كان الرد العلمي يتحتم أن يكون إلى المدارس العلمية المتخصصة ، فإن الرد العملي ينبغي ان يكون إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وفق معرفة ثلاثة مباحث مهمة : ( الاول ) : أبرز المراحل العملية التي مر بها عمل النبي صلى الله عليه وسلم لدين الله تعالى ، و( الثاني ) معرفة كيفية الاقتداء بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي في التمكين لدين الإسلام على الأرض ، و ( الثالث ) معرفة كيفية التوفيق بين الأحكام الشرعية النهائية المحكمة المستقرة وبين التدرج العملي للوصول إلى تحقيق أهداف العمل الإسلامي ، إنّ أبرز المراحل العملية التي مر بها عمل النبي صلى الله عليه وسلم لدين الله تعالى : ثلاث مراحل : [ المرحلة الأولى : مرحلة العمل لدين الإسلام في ظل أحكام الاستضعاف ] ، وقد كانت تلك المرحلة في عمل النبي صلى الله عليه وسلم هي المرحلة المكية ، وأهم ملامح المرحلة الأولى ( مرحلة الاستضعاف )  : ( أ ) نشر مبادئ الدعوة الإسلامية مع الشغف بها والانقطاع إليها بجميع الجهد والطاقة ، ( ب )  الاهتمام بالتربية والبناء على الدعوة ، ( ت ) سلمية الدعوة إلى دين الإسلام ، ( ت ) العلنية في نشر مبادئ الإسلام العقائدية والتشريعية والأخلاقية ، ( ث ) السرية في بناء الجماعة وتكوينها وخططها العملية  ، ( ج ) البحث الدائم عن النصير الذي ينصر الدعوة ويحمي أصحابها ، وأهم ضوابط تلك المرحلة كانت : ( أ ) كف اليد والحرص التام على عدم مواجهة العدوان بالعدوان والانتقام بل الصبر والعفو والصفح حتى يأتي الله بأمره وفتحه وفرجه القريب ، فقد منع المسلمون من استعمال السلاح ولم يؤذن لهم فيه وعند اشتداد البلاء كان النبي صلى الله عليه وسلم يأذن لأصحابه في الهجرة وكان ذلك في الهجرة الأولى والثانية إلى الحبشة ،  (ب) الصبر على الإسلام وتحمل الأذى والبلاء في سبيل ذلك ، ( ت ) عدم الاستعجال في قطف ثمار العمل قبل نضجها  ، وكان ذلك واضحا من رد النبي صلى الله عليه وسلكم على خباب بن الأرت رضي الله عنه حين جاءه وطلب منه الاستنصار للمسلمين ، فكان رده صلى الله عليه وسلم : (( واللهِ لَيُتمَّنَّ هذا الأمرَ ، حتى يسير الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرمَوتٍ، لا يخاف إلا اللهَ، والذئبَ على غنمِه، ولكنكم تستعجِلون ) [ صحيح البخاري ] ، وأهم أولويات تلك المرحلة : ( مرحلة الاستضعاف ) : ( أ ) الاهتمام الكبير بتبليغ دعوة الإسلام ونشرها وهداية الناس إلى دين الحق ، ( ب ) انتشار الدعوة وعدم الجمود بها في مكان واحد أو على وسيلة واحدة بكل وسيلة ممكنة ، ( ت ) الاصطفاء المستمر لرجال الدعوة والتربية والتعليم لأولئك النفر لبناء القاعدة الصلبة المؤمنة  ، ( ث ) الحرص التام على أرواح أولئك الرجال والتفكير المستمر في إنقاذ المستضعفين فهم بكافة الوسائل الممكنة ولو أدى ذلك إلى الهجرة عن مكان الدعوة ، و [ المرحلة الثانية : مرحلة قيام دولة الإسلام والجهاد الدفاعي من أجل تثبيت دعائمها ]  : وتبدأ تلك المرحلة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وتمتد إلى صلح الحديبية الذي كان بمثابة الاعتراف الرسمي من الوثنية بدولة الإسلام ، وتلك المرحلة هي مرحلة بناء دولة الإسلام وتدعيم وتثبيت أركانها وذلك بوحدة الصف وبناء القاعدة الصلبة والتآخي التام مع المسلمين ، وتلك المرحلة هي مرحلة الإذن في رد العدوان بمثله ، وهي مرحلة عقد المعاهدات وفق قدرات الدولة الإسلامية النامية ، وأهم ضوابط المرحلة الثانية : مرحلة بناء الدولة : عدم البدء بالعدوان والإذن فقط في رد العدوان ، وحفظ العهود والمواثيق : فمن نكث فإنما ينكث على نفسه والعاقبة للمتقين ، و [ المرحلة الثالثة : مرحلة العزة والتمكين في الأرض ] : وتبدأ تلك المرحلة من صلح الحديبية إلى آخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالدنيا والتحاقه بالرفيق الأعلى وتستمر وتمتد لتشمل عهد الصحابة والتابعين وتابعي التابعين خير قرون الإسلام علما وعملا ، وتلك المرحلة هي مرحة تبليغ الرسالة إلى البشرية جمعاء وهي مرحلة تطبيق الأحكام النهائية لشرع الإسلام وتحقيق الأهداف العامة النهائية لدين الإسلام وهي مرحلة تطبيق مبدأ الجهاد الطلبي وقتال المشركين كافة حتى لا تكون فتنة على وجه الأرض ويكون الدين كله لله فيخضع الكل لسلطان الإسلام إما بالدخول في دين الإسلام أو بالجزية عن يد وهم صاغرون ، وأهم ملامح مرحلة التمكين: ( 1 ) الدعوة العالمية العامة إلى دين الإسلام ومراسلة الملوك والأفراد بذلك ، ( 2 ) قتال المشركين كافة حتى يشهدوا بالشهادتين ويدخلوا في دين الإسلام يعملون بشرائعه ، ( 3 ) دعوة اهل الكتاب وفي شبهة كتاب إلى الإسلام أو الجزية أو القتال حتى يفتح الله بالنصر المبين ، ( 4 ) التمكين لدين الإسلام في الأرض وبسط سلطانه عليها بإقامة شرعه وحفظ عقيدته ونشرها وتحقيق أهدافه ، وازال كل طاغوت من على وجه الأرض وتعبيدها لخالقها جل وعلا ، وبعد : فهذا هو المنهج العملي للنبي صلى الله عليه وسلم في العمل لدين الإسلام في الأرض وإظهاره على الدين كله وتحقيق أهدافه جميعا على الأرض ، وهذا المنهج ينبغي للعاملين لدين الإسلام أن يجعلوه دليل عملهم ونبراس طريقهم وهم سائرون نحو تجديد أمر الدين وتحقيق أهدافه ، ولعل ابرز سمات هذا المنهج : ( 1 )  التدرج العملي بما يتوافق مع إمكانيات الجماعة المؤمنة وقدراتها المعنوية والمادية ، ( 2 )  الأخذ التام بأسباب التغيير والنصر والتمكين والنجاح والغلبة والفلاح ، إلا انه يبقى تعقيب هام على منهج النبي صلى الله عليه وسلم يتناول : ( كيفية الاقتداء – اليوم - بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي في التمكين للإسلام على الأرض )  : إنّ العمل الإسلامي الناجح اليوم ينبغي أن يعرف القائمون عليه أين وضع ذلك العمل من مراحل عمل النبي صلى الله علي وسلم ثم يعملوا جاهدين على أن يعملوا جاهدين على ان يتأسوا بملامح وقواعد وضوابط تلك المرحلة قدر المستطاع وبما يلائم الواقع ولا يعارض الشرع المحكم ، وأي تعسف في العمل الإسلامي بما لا يراعي منهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي في التمكين لدين الإسلام في الأرض سيؤدي إلى الاصطدام بالسنن الكونية وسيعرض العمل كله للفشل وحتما لا يصل العمل إلى تحقيق وسيعرض العمل كله للفشل وحتما لا يصل العمل إلى تحقيق الأهداف المرجوة منه على أكمل وجه ، إنّ المذاهب الفقهية الاربعة المعتمدة لدى أهل السنّة والجماعة ، جميعها تنظر إلى مقاصد الشرع ، وتعمل بالمصلحة ، إما دليلاً مستقلاً كالمالكية ، أو ضمن الأدلة المتفق عليها كالقياس أو إرجاعها لمقصود الشارع الذي يدلّ عليه الكتاب والسنة والإجماع ، بشرط أن لا تنافي أصلا من أصول الشرع الثابتة ، ولا تعارض دليلا من أدلته القطعية ، ولهذا يصبح من اليسير على أهل الفقه في الدين أن يوفقوا بين الأحكام الشرعية النهائية المحكمة المستقرة وبين التدرج العملي للوصول إلى تحقيق أهداف العمل الإسلامي ،  والناظر بعلم وفقه ووعي وتؤده إلى الأحكام الشرعية النهائية المستقرة يجد أن لها شروطها التي لا بد وأن تستكمل قبل البدء فيها ، ويجد لها ظروفا وأوضاعا لا بد وان تهيئ للقيام الصحيح بتلك الأعمال وللتطبيق السليم لتلك الأحكام ، 

[ الأساس الخامس  ]  معرفة فقه الواقع الإسلامي المعاصر وفقه الواقع العالمي المرير المحيط بالعمل الإسلامي : وهو يتكون من شقين ( فهم الواقع ) و ( كيفية إصلاح الواقع ) ، فالشق الأول : معرفة واقع الأمة الإسلامية المعاصر :  ويشمل المعرفة الدقيقة والفهم العميق للواقع الإسلامي المعاصر ، ومقارنته بغيره من واقع الأمم من حيث القوة والضعف ، ويتناول معرفة أعدائه الحقيقيين ، وما يكيدون له من مكائد وما يدبرون له من خطط ، ومعرفة أشد الناس له عداوة ، وأقربهم إليه مودة ، ومعرفة القوى الحقيقية المهيمنة على الوضع العالمي ، ومعرفة مخططاتها الخبيثة لحرب الإسلام والمسلمين ، ومعرفة ما عندها من إمكانات لتحقيق مخططاتها ، ( الجانب الثاني ) : معرفة الطريق إلى تغيير الواقع الإسلامي من الاستضعاف إلى التمكين : ويتناول معرفة السبل المشروعة لحماية الأمة من أعدائها ، وإفشال مخططاتهم ، ومن ثم تفوقها عليهم والسير قدما نحو تحقيق أهداف الرسالة الإسلامية العالمية على أرض الله تعالى وبين عباده ، 

[ الأساس السادس  ]  معرفة سنن الله تعالى في النصر والتمكين لدين الله تعالى وتحقيق رسالته العملية : ومن أهم تلك السنن : سنن التغيير وسنن الفلاح والغلبة وسنن النصر والتمكين وسنة الابتلاء والتمحيص وسنة المواجهة بين جند الحق وبين جند الباطل وضرورة الإعداد لها وسنة الصبر وثمرته وسنة الله في المنافقين والمشككين ، وتكمن أهمية تلك السنن: في أن التاريخ يتبدل والشعوب تتبدل والدول تتبدل ولا تدوم على حال ، إلا أن سنن الله عز وعلا في كونه وفي خلقه لا تتبدل ولا تتحول ولا تتغير ،  قال تعالى :{ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا } [فاطر: 43] ،  ولذلك فمن أهم ما أراه لازما للعمل الإسلامي اليوم هو دراسة تلك السنن حتى يتعامل معها الصف الإسلامي العامل للإسلام على بصيرة وعلى دراية وعلى علم تام بها ، والعارف لتلك السنن ولا يعاندها لأنها غلابة لا تتحول ولا تتبدل فيكون عمله لدين الإسلام في تقدم مستمر وفي طريقه نحو تحقيق أهدافه ، ومن تلك السنن ( سنة التغيير ) : فقد قضت سنة الله تعالى أنه سبحانه لا يغير حال قوم حتى يغيروا هم من حالهم سواء من الحال الحسن إلى الحال السيئ أو من الحال السيئ إلى الحال الحسن ، قال تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [الأنفال -53] ، وقال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وإذا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ } [الرعد: 11] ومن تلك الآيات نستخرج : أن الله عز وجل لا يغير حال قوم من الضعف والذلة والهوان إلى حال العزة والقوة والتمكين حتى يبدأ هؤلاء القوم بإرادة ذلك التغيير والله جل وعلا يعين ذلك المجتمع على تغيير حاله ، وسنة التغيير سنة جماعية تنطبق على المجتمعات والدول وليس على الأفراد كأفراد ، لأن التعبير القرآني جاء بلفظ ( قوم ) ليدل على أن سنة التغيير سنة جماعية تعمل على المجموع لا الأفراد ، فلابد وأن تكون أغلبية هذا المجتمع أو نسبة مؤثرة فيه على الأقل تريد هذا التغيير وتعمل على أسبابه فتتحقق سنة الله تعالى في التغيير آنذاك ، كما أنّ سنة التغيير تتعارض مع فكر التغيير من القمة  ، فلابد من التغيير على القاعدة بالدعوة والبناء ، حتى تستحق المجتمعات سنة التغيير ، إن العاملين للإسلام عليهم أن يوحدوا قلوبهم على المحبة والتآلف ، وأن يوجهوا جهودهم نحو الدعوة ونحو هداية المسلمين إلى ربهم وإلى دينهم وإلى هدي نبيهم ، وعندما ينصلح حال الغالب من عامة المسلمين وتبدوا علامات الصلاح على المجتمعات المسلمة آنذاك ننتظر سنة التغيير  ، ولكي نستحق سنة التغيير يجب علينا : أن نوحد كلمتنا وأن نوحد صفنا وأن نتعاون على البر والتقوى وندع العداوة والبغضاء والتناحر والتنازع ، وأن يكون ولاءنا العام لدين الله ، وأن نغير ما بأنفسنا نحن في البداية فننزع منها حب الدنيا وحب الزعامات والظهور والإعجاب بالرأي وأن نداوي بذور الشقاق والخلاف وندع غمط الآخرين ، وأن نكون كما قال ربنا تبارك وتعالى : { أذلة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أعزة عَلَى الْكَافِرِينَ ..} [ المائدة : 54 ] ، وأن توجه الطاقات جميعها نحو المجتمعات ندعوها إلى المولى جل وعلا وإلى الدعوة إلى ديننا الذي أعزنا الله به ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله ، ندعوها باللين والرفق والحنو والموعظة الحسنة والحكمة والحوار البناء الممزوج بالشفقة والرحمة والرأفة على المؤمنين والمسلمين ، وعندما تظهر بوادر الفلاح على العاملين للإسلام وعلى المجتمعات المسلمة أنداك سيتغير حالنا ويتبدل حالنا إلى أحسن حال ، كما قال الله تعالى :{ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }[القصص: 5] ، وقبل ذلك فأمل التغيير سراب ليس له حقيقة ولا تحقيق  ، ومن تلك السنن : ( سنن الفلاح والغلبة ) : فقد قضت سنة الله جل وعلا أن حزبه هو الغالبون المفلحون ، قال تعالى: { فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 56] ، وقال تعالى:{ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22] ، وقال تعالى:{ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 173] ،  وقد وضح القران الكريم في موضعين في سورة المجادلة وسورة المائدة صفات حزب الله ومتى اتصف العاملون للإسلام بتلك الصفات فقد ضمن المولى تعالى لهم الغلبة والتمكين في الأرض ، ومن تلك السنن : (  سنن النصر والتمكين ) : قضت سنة الله عز وجل أن ينصر من نصره وأن ينصر الصابرين لدينه وان ينصر المجاهدين المخلصين العاملين من أجل نصرة دينه ، وقضت سنة الله أن يمكن في الأرض للمؤمنين الصالحين الذين ارتضى الله عز وجل وعلا دينهم ولأولئك الآخذين بأسباب النصر والتمكين المعنوية والمادية وأولئك المحسنين ،  قال تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] ،  وقال تعالى: { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّأهم فِي الأرض أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأمروا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمور } [الأنبياء: 40-41] ومن تتبع آيات القرآن عرف شروط النصر والتمكين ،

[ الأساس السابع  ]  العمل الجماعي الجاد الصحيح من أجل تجديد أمر الدين في ظل الواقع المعاصر : لكي يستقيم العمل الجماعي الإسلامي ويسلم من التناقض والتضاد والاختلاف والقصور وحتى يصبح عملا جماعيا صحيحا شاملا لشتى مناحي العمل الإسلامي في توازن واعتدال يعطي كل عمل قدره الشرعي والعملي اللازم له ، وحتى يكافئ العمل الجماعي الإسلامي ما يكيده له أعداء الإسلام ، وحتى يكون قادرا على مواجهة مخططات الأعداء التي تهدف إلى إبادة الإسلام وأهله قال تعالى:{ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا..} [البقرة : 217] ، وحتى يسير العمل الجماعي الإسلامي بخطى صحيحة ثابتة وراسخة نحو تحقيق أهداف الدين من نشره وبسط سلطانه وإظهاره على الدين كله ، من أجل ذلك ينبغي للعمل الجماعي أن يسير وفق قواعد صحيحة تنظمه وتؤهله لأن يكون جديرا بتحقيق أهدافه ، وأهم تلك الضوابط والقواعد : ( 1 ) مشروعية العمل الجماعي الإسلامي : لقوله تعالى:{ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] ، والأمة هي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء في الجسد الواحد ، وقال الله تعالى : { وَتعاونوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تعاونوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ..}[المائدة: 2] ، والتعاون لا يحدث إلا بوجود أطراف متعاونة متشاركة ، ( 2 ) وجوب العمل الجماعي في عصرنا الحالي : لأن القاعدة الأصولية تقرر انه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، والعمل الجماعي الإسلامي واجب في عصرنا الحالي لأسباب عدة منها : غربة الدين وضياع الكثير من فرائضه وغياب الكثير من أهدافه ، والمكائد العالمية على الإسلام وأهله من أعداء الإسلام ، ( 3 ) دين الإسلام هو دين الدعوة والحسبة والجهاد من أجل نشر الدين وحفظه ونصرته وبسط سلطانه : دين الإسلام هو الدين الخاتم الذي ختم الله به الرسالات جميعا ، وفي ذلك يقول الله تعالى : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } [ الأحزاب : 40] ، والنبي صلى الله عليه وسلم هو الرسول هو الذي أخذ الله عز وجل من جميع الأنبياء والمرسلين قبله الميثاق على الإيمان به ونصرته ، قال تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ } ، ولذلك فما من بني ولا رسول قبل النبي صلى الله عليه وسلم إلا وبشر قومه وإتباعه به صلى الله عليه وسلم ومن ذلك بشارة بني الله عيسى عليه السلام به صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : { وَإِذْ قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ } [ الصف : 6 ] ، ودين الإسلام إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة : وفي ذلك يقول الله تعالى : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } ، وقال تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ سبأ : 28 ] ، ودين الإسلام الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله من عباده دينا سواه : وفي ذلك يقول الله تعالى : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [  آل عمران : 85 ] ، لذا وجب على المسلمين جميعا حمله إلى الناس جميعا ، بالدعوة إليه والحسبة عليه والجهاد في سبيل نشره وحفظه وإظهاره على الدين كله ولو كره المشركون ،  ففي مجال الدعوة إلى الله تعالى : قال الله تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ سورة يوسف : 108 ] ، وقال تعالى { وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ آل عمران:104 ] ، والداعي إلى الله هو أحسن الناس قولاً ، قال تعالى { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمّن دَعَآ إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [ فصلت: 33] ، وأجر الداعي إلى الله عظيم ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا...)) [ الحديث أخرجه مسلم (2674) ] ، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما للداعية من أجر عظيم ، فقال  لعلي رضي الله عنه : (( فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْرِ النعَم )) [ متفق عليه أخرجه البخاري (2942)، ومسلم (2406) ] , وفي مجال الحسبة على الدين : قال تعالى : - في وصف رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم - : { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ } [الأعراف: 157] ، ووصف الله تعالى أمة الرسول صلى الله عليه وسلم بالخيرية لهذا السبب ، قال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } [آل عمران: 110]  ، ووصف المؤمنين بقوله تعالى : {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}  [التوبة: 71] ،  وفي مجال الجهاد في سبيل الله تعالى : قال تعالى : { فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } [ النساء : 74 ] ، وقال تعالى :{ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [ الأنفال : 39] ،  وقال تعالى :{ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } [ التوبة : 29 ] ، وقال تعالى :{ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَ‍قًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [ التوبة : 111 ]  ،  ( 4 ) دين الإسلام هو دين الجد والعمل الجماعي المتعاون من أجل حمل الأمانة وحفظ الإسلام ونصرته : يقول الله تعالى:{ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] ، وقال تعالى : { وَتعاونوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تعاونوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ..}[المائدة: 2] ، والتعاون لا يحدث إلا بوجود أطراف متعاونة متشاركة ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة )) ، ومن الأمور التي توجب - اليوم - التعاون الجماعي على نصرة الدين : غربة الدين وضياع الكثير من فرائضه وغياب الكثير من أهدافه ، أضف إلى ذلك المكائد العالمية على الإسلام وأهله ، فقد تكالب الكفار من كل صوب وحوب يوحدون صفوفهم على حربنا ويجمعون كلمتهم على ضرورة إبادة الإسلام وأهله ، ومن له أدنى علم ودراية بما عليه هؤلاء من التخطيط الجماعي الدؤوب لإبادة الإسلام وأهله حتما سيرى وجوب العمل الجماعي الإسلامي ووجوب جديته من أجل مكافئة الواقع بما يكافئه من قوة ومن رباط الخيل  ، كما أنّ دين الإسلام نفسه في أرضه يحتاج إلى من يجدد أمره ويؤنس غربته ويحقق أهدافه ، ومن هذا كله نرى ضرورة تضافر كافة الجهود الإسلامية والتنسيق التام بين كافة القائمين علي العمل الإسلامي وتكاملهم ، وذلك لان التغيير الإسلامي المنشود وتحقيق أهداف العمل الإسلامي في وسط تلك التحديات الرهيبة ، لاشك أن ذلك يستلزم تضافر كافة الجهود والقوى الإسلامية للتعاون على حفظ الدين ونصرته  ، ( 5 ) ضرورة التفريق بين جماعة المسلمين الكبرى وبين جماعات الدعوة والعمل :  لقد ظهر بعد سقوط خلافة الإسلام - في أكثر أقطار أهل الإسلام - جماعات ترفع لواء العمل الجماعي من أجل تحقيق أهداف رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله تعالى وبين عباده ، وهذه الجماعات تتنوع ما بين جماعات دعوية تتخصص في الدعوة إلى الله تعالى ، وجماعات علمية تربوية تتخصص في نشر العلم والفضيلة ، وجماعات حسبية تتخصص في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وجماعات سياسية تحاول الوصول إلى سدة الحكم بالعمل السياسي ومن ثم التغيير ، لقد أدى سقوط الخلافة وتكالب الأعداء على أمة الإسلام إلى اجتهاد بعض المخلصين من العلماء والدعاة والمصلحين في التفكير في كيفية نصرة دين الله تعالى ، والتفاني في العمل من أجله ، وذلك بتكوين جماعات تتعاون على خدمة الدين ، ولا بدَّ - ها هنا - من التفريق بين الجماعة العامة ( جماعة المسلمين ) ، وبين الجماعات الخاصة ( جماعات من المسلمين ) ، فالأولى ( جماعة المسلمين ) أمارتها أمارة عامة هي الخلافة ، وهي واجبة البيعة والطاعة في عنق كل مسلم فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية )) ، وهذه لا يجوز تعددها ، لا سيما في القطر الواحد عند الضرورة ، لما يؤدي ذلك إلى الهرج والمرج والتدافع وما ينتج عنه من سفك الدماء واستحلال الحرمات ، ولهذا جاء فيها الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه من حديث حذيفة بن اليمان رضى الله عنه قال :رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تلزم جماعة المسلمين وإمامهم )) ، وأحاديث طاعة الأمراء والصبر على جورهم وظلمهم ، كحديث البخاري : ((  اسمعوا وأطيعوا ، و إن استعمل عليكم عبد حبشي ، كأن رأسه زبيبة )) ، وحديث مسلم : (( يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون .. قالوا  : أفلا نقاتلهم ؟ قال : لا ، ما صلوا )) ، وهذه الجماعة هي المقصودة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : (( فإن من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلى أن يرجع )) ، وأميرها هو خليفة المسلمين الذي جاء في حقه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من كره من أميره شيئا فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية ))  ، أما جماعات الدعوة والحسبة وغيرها فهي جماعات خاصة في اطار الجماعة الكبرى جماعة المسلمين ، وأمارتها إمرة خاصة لا تأخذ حكم البيعة الكبرى أبدا لأنّها إمرة في شأن معين وجانب خاص من جوانب الدين ، و ( البيعة ) داخل تلك الجماعات الخاصة لا تتعدى كونها مجرد عهد والتزام يلتزم فيه المجتمعون بطاعة من اختاروه أميراً أو قائداً أو رئيساً عليهم في إطار خدمة الدين فإن رأى ما هو أنفع للإسلام جاز له أن يختار الأنفع والأقرب لخدمة الدين ، وهذه الجماعات ينبغي - إن كانت تريد نصرة الإسلام حقاً - ان تتكامل وتتوافق لا ان تتعادى وتتفرق ويضاد عمل كلٍ منها الآخر فيحدث الضعف والفشل ، كما في قوله تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال : 46 ] ، فلا بد هنا من الانتباه والتفريق بين جماعة المسلمين العامة وأحكامها وأحكام بيعتها الملزمة ، وما وبين الجماعات الخاصة وبيعتها التطوعية ، وعدم الخلط ما بين هذه وتلك ، لما يؤدي الخلط من عواقب وخيمة على الإسلام والمسلمين ،  ( 6 ) وجوب الالتزام بالسياسة الشرعية الرصينة فيما يخص احترام صلاحيات الحكام المسلمين : وذلك حتى يتفرغ كل من الحاكم والمحكوم لأداء مهامه ، دونما غلو أو تفريط ، وفتح صفحة جديدة بيضاء تمتلئ بنشر العلم الراسخ بأدلته الربانية المحفوظة بعيداً عن مناهج الغلّو سواء في التكفير أو الخروج على الحكام دون ضوابط حكيمة قررها أهلها علماء الأمة الأئمة الثقات ،  كل ذلك مع وجود العمل الجاد ليل نهار من أجل نصرة الدين ، وذلك : بالدعوة والبناء عليها تعليما وتربية وتزكية ، وبالحسبة على الدين ، ( 7 ) ضرورة تضافر كافة الجهود الإسلامية والتنسيق التام بين كافة القائمين علي العمل الإسلامي : وذلك لان التغيير الإسلامي المنشود وتحقيق أهداف العمل الإسلامي في وسط تلك التحديات الرهيبة ، لاشك أن ذلك كله أكبر من أن تقوم به فئة محدودة أو طائفة معينة من العاملين لدين الإسلام ، بل هو يستلزم تضافر كافة الجهود والقوى الإسلامية في تنسيق كامل وتوافق كبير من أجل مواجهة التحديات ، ( 8 ) ضرورة وأهمية التخطيط المسبق والمتقن لحاضر ومستقبل العمل الجماعي ،  وبدون هذا التخطيط الواعي الفاهم لواقع لحاضر العمل الإسلامي وواقعه وإمكانياته وما يدبره له أعداؤه والمتربصين به يؤول العمل إلى الفوضى والارتجال والتضاد والفشل وذهاب القوة والأثر ، وينبغي أن يشتمل التخطيط على وضع مناهج عملية وخطط متقنة واضحة المعالم واضحة المراحل تسير نحو تحقيق أهداف العمل الجماعي الإسلامي بخطى صحيحة ثابتة راسخة ، (  9 ) ضرورة وأهمية شمول العمل الجماعي الإسلامي وتكامله : العمل الجماعي الإسلامي ينبغي أن يكون شاملا بشمول المنهج الإسلامي تتوزع فيه الطاقات والجهود لتغطية كل جانب وسد كل ثغر من ثغور العمل الإسلامي وذلك حتى يكون البناء في كل موقع فلا يحدث قصور في العمل الجماعي الإسلامي في الجانب التعليمي وفي الجانب الثقافي وفي الجانب التربوي وفي الجانب الدعوي وفي الجانب الإعلامي وفي الجانب السياسي وفي الجانب الاجتماعي وفي الجانب الاقتصادي وغيرها من جوانب العمل الجماعي الإسلامي ، وينبغي أن يكون العمل الجماعي متكاملا يكمل بعضه بعضا في خدمة تحقيق الأهداف العامة للعمل الجماعي الإسلامي وفي إطاره العام الصحيح الذي يوجه جزئيات العمل واختصاصاته المتنوعة نحو خدمة الهدف المنشود ، ( 10 ) أهمية وضرورة مراعاة الأولويات بين جوانب العمل الإسلامي : وذلك بإعطاء كل جانب من جوانب العمل الإسلامي قدره اللازم له من الاهتمام من غير إفراط ولا تفريط ، مع مراعاة الأولويات التي جاء بها الشرع وآثرها على غيرها لأهميتها ، فأولى الجوانب جانب الدعوة ، وجانب البناء على الدعوة بالتعليم والتزكية لحاجة الصف الإسلامي إليه ، ( 11 ) ضرورة التزام العمل الجماعي الإسلامي التام بالشرع الحنيف ، إما المسايرة والمداهنة والتنازل عن بعض ما انزل الله بغية كسب أهل الباطل أو الالتقاء معهم في منتصف الطريق فكل ذلك لا يجوز ، وهو من أعمال أهل الدنيا وأهل الزيغ والباطل ، قال تعالى :{ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [ الحجر : 94 ، 95 ] ، وقال تعالى:{ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إليهمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إذا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا } [الإسراء: 74-75] ن قال تعالى : { وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [ المائدة :  49 ] ، قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [ القلم : 9 ] ، وانطلاقا من هذا المبدأ العظيم : يلزم العمل الجماعي الإسلامي الجهر بالحق ولو كان مراً والعمل بالشرع ولو كان صعباً ، قال تعالى :{ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أحدا إِلَّا اللَّهَ } [الأحزاب: 39] ، فلا مصلحة للعمل إلا الالتزام الشرع ، والنتائج إلى الله تعالى ، وإن عدم التمسك بهذا المبدأ يؤول بالعمل الجماعي الإسلامي إلى التفريط والتميع والتنازع والفشل وذهاب الريح والقوة والأثر ، ( 12 ) ضرورة الرد عند الاختلاف إلى الكتاب والسنة بفهم المتخصصين في العلم الشرعي ، فإذا كان الاختلاف في العقيدة رد الأمر إلى مدارس أهل السنّة المتخصصة في العقيدة ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) لأنّهم الأعلم بما دلت عليه أدلة الكتاب والسنّة في العقيدة ، وإن كان الخلاف في الفقه رد الأمر إلى مدارس أهل السنّة المتخصصة في الفقه ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) لأنّهم الأعلم بما دلت عليه أدلة الكتاب والسنّة في الفقه ، وهكذا ، فالرد لا يكون لكل المسلمين وإلا ٌ لكان الامر فوضى وقال الناس في دين الله بغير علم ولكن الرد يكون لأولي العلم المتخصصين القادرين على الاستدلال والاستنباط ، وليس هناك أدق من مدارس علمية متخصصة تخرج من خلالها آلاف العلماء المجتهدين الراسخين في العلم ، ( 13 ) ضرورة الاستفادة من المناهج العلمية والعملية وفي التجارب والخبرات السابقة والحالية في مجال الجماعي الإسلامي : عن طريق دراسة تلك المناهج والتجارب دراسة نقد وتمحيص والاستفادة منها قدر الإمكان وذلك باعتماد التجارب الصحيحة الناجحة وتجنب الوقوع في الأخطاء مرة أخرى ، ( 14 ) ضرورة وأهمية تأهيل القائمين على العمل الجماعي الإسلامي للقيام بأعباء الإصلاح والتجديد : وذلك بوراثة العلم الشرعي الصحيح الراسخ ، ووراثة التزكية الربانية الصادقة التي تجعلهم في إطار معية الله ونصرة الله ورضا الله تعالى ، ووراثة العمل الصحيح الجاد الناجح الملائم للواقع والقدر على النهوض بالعمل الإسلامي والسير به نحو تحقيق أهدافه  ، وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

 

أسس التآلف والتراحم بين طوائف المسلمين ، الفقه العلمي ومعرفة المرجعية العلمية السديدة لأهل الإسلام :

[ الأساس الأول ]  راية الإصلاح الإسلامي هي راية سواد المسلمين الأعظم ( أهل السنة والجماعة الناجية ) : على المفهوم الصحيح الواسع الذي يجمع سواد المسلمين الأعظم وجماعتهم الكبرى ، وهم ( أهل السنة والجماعة ) كل من اعتقد بصحة خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ، ويؤمنون بعدالة كل الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، ويترضون عنهم جميعا ، ويؤمنون ويقرون بما أتثبته الله تبارك وتعالى من فضلهم ومن الكرامة لهم ,  ويقولون أنّ منزلة الصحابة لا يعدلها شيء ، لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويؤمنون بأن أفضل الصحابة الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وضي الله عنهم ، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة ثم أهل بدر ثم أهل بيعة الرضوان ثم من آمن قبل فتح مكة ثم بقية الصحابة  رضي الله عنهم أجمعين ، ومن أدلة عدالة الصحابة عند اهل السنة والجماعة : قوله تعالى : { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ لسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً } [ الفتح : 18 ] ،  وقوله تعالى : { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [ الفتح : 29 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( لا تسبوا أحداً من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه )) [ أخرجه مسلم ] ،  وقول ابن عمر رضي الله عنهما : (( لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره )) [  أخرجه أحمد وابن ماجة وصححه الألباني ] ، وهم أهل توسط في باب الإمام علي رضي الله تعالى عنه بين طائفتين تهلكان فيه ، إحداهما تقصر عن فضله ، والثانية تغالى فيه ، وهم يحبون آل البيت جميعا ، ويوالونهم جميعا ، ولا يرضون لما نالهم من الأذى , وهم وسط في باب الإمامة : فالإمامة عندهم ليست من أصول الدين وأركانه ، ولكنها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به ، واتفقوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الأمة عند موته دون أن ينص على إمام بعينه ، بل ترك للأمة حق اختيار من تراه أفضلها وأكفأها وأصلحها لهذا الأمر ، واتفقوا على أن الشورى بين المهاجرين والأنصار آلت بهم إلى تفضيل الصديق أبي بكر رضي الله عنه واختياره خليفة للمسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، وهم اهل الجماعة الحريصون على أمة النبي صلى من الهرج والمرج والفوضى والاختلاف ، يقدمون مصلحة الأمة العامة واستقرارها وأمنها وأمانها على المصالح الجزئية ، وهم أهل العلم بالسياسة الشرعية الإسلامية ، تلك السياسة الرصينة التي تضبط حقوق الحكام  وتمنع من التعدي عليها أو الافتئات عليها ، فيتفرغ الحاكم والعالم كلٌ لأداء مهامه ، بما يوافق شرع الله ، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين ، دونما غلو أو تفريط ، وهم أهل القرآن تلاوةً وتدبراً وفهماً وحفظاً وتفسيراً ، وهم أهل الحديث يتمسكون بسنة وهدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وهم أهل العقيدة الصافية التي تقوم على أساس التفريق بين المحكم والمتشابه ، ففي المحكم : تقوم عقيدتهم على التصديق والتفسير والمعرفة والعلم واليقين والفقه في الدين ، لأن المحكم أصل العلم ، { مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ } ، وفي المتشابه : تقوم عقيدتهم ضوابط ربانية عظيمة تمنع من الزلل والإفراط والتفريط ، وتجعل طريقهم عدلاً وسطا بين المشبهة والمجسمة ، وبين الجهمية والمعتزلة ، إنها ضوابط العلم الراسخ التي تقوم على أسس عظيمة تمثل الرسوخ في العلم  : تتمثل في : ( الأصل الاول ) : التصديق : فهو الإيمان بما قاله الله تعالى ، وبما صح من قول رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن ما جاء في الكتاب والسنة من المتشابه حق وصدق ، إلا أنه على مراد الله تعالى وعلى مراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، الأصل الثاني : عدم تتبع المتشابه ، لأنه لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ ابتغاء الفتنة ،  فيجب عدم السؤال عن معاني المتشابهات ولا الخوض فيها ، الأصل الثالث : التقديس: وهو تنزيه الله تعالى عن التشبيه والتمثيل والنقص والعجز والعيب ولوازمها ، الأصل الرابع : عند الرد على اهل الضلال يمكن للراسخين في علم العقيدة حمل ورد الآيات المتشابهات على المعاني المحكمة التي تقبلها قواعد اللغة العربية ( لغة القرآن ) لصرف العوام عن التشبيه والتمثيل ، وللرد على طوائف المبتدعة الذين أوجب الله تعالى على أهل العلم الرد عليهم  ، دون الجزم بالمراد من المتشابه لأنه لا يعلم حقيقته إلا الله ، وهم اهل احترام التخصص المذهبي لهم في كل علم أئمة متخصصون ومدارس متكاملة منضبطة ، استقر لهم في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة ، جميعها تمتد أصولها إلى السلف الكرام ، ( الأولى ) : المدرسة الأثرية ، و ( الثانية ) : الأشعرية ، و ( الثالثة ) : الماتريدية ، واستقر لهم في الفقه مذاهب أربعة ، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، نسبة إلى الإمام أحمد ابن حنبل ، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تنتشر ويحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة ، وقد أقروا ( التصوف ) علماً مستقلاً مرادفا للتزكية والإحسان ، وهو علم عظيم يقوم على تزكية النفس ، وتخليتها من دسائس الأخلاق وتحليتها بالأخلاق العظيمة والمبادئ السامية ، مع وجود منهاج عملي يقوم على الذكر والتفكر والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة ، من أجل الوصول إلى مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين وأعظمها ، إنّ مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان ، وعلوم الدين ثلاثة اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها ، وهي : ( الفقه ) ويتناول مرتبة الإسلام ، و ( العقيدة ) وتتناول مرتبة الإيمان ، و ( التصوف ) ويتناول مرتبة الإحسان ، وعلى ذلك سواد المسلمين الأعظم على مر عصور الإسلام ، 

[ الأساس الثاني ]  تحديد المرجعية العلمية ومعرفة المدارس التعلمية المتخصصة في أبواب العلم على منهاج أهل النجاة ، ورد الأمور المتنازع عليها إلى الكتاب والسنّة بفهم المدارس العلمية للمتخصصة في علوم الدين على منهاج أهل السنّة والجماعة فنأخذ بما اتفقت عليه من أصول العلم ومحكماته ، ويسعنا ما وسعها من الاختلاف قال تعالى : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [ النساء : 59 ] ، فدل على  أنّ المرجعية الأساسية عند النزاع والخلاف هي الكتاب والسنّة ، ولما كانت الأفهام تختلف في فهم أدلة الكتاب والسنّة ، جاء قوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [ النساء : 83 ] ليدلنا على أولئك الذين يحق الرجوع إلى أفهامهم للكتاب والسنّة ألا وهم العلماء المتخصصون ، ونحمد الله تعالى أنّ جعل خصيصة للجماعة الناجية لا يُشاركهم فيها أحد من الفرق الإسلامية الأخرى ألا وهي التخصص العلمي ووجود المذاهب العلمية المتخصصة في كافة علوم الإسلام ،  وعلى ذلك فإنّ المرجعية العلمية الصحيحة الواحدة التي ترفع الخلاف بين المسلمين تتمثل في رد الأمور المتنازع عليها إلى الكتاب والسنّة بفهم المدارس العلمية المتخصصة في علوم الدين ، تلك المدارس التي تلقاها علماء أهل السنّة والجماعة بالقبول والرضى وهم عدول هذه الأمة ولا يجمعهم الله تعالى على خطأ لأنّهم شهداء الله تعالى في أرضه وعلى خلقه فما رأوه حسناً فهو عند الله تعالى حسن ، وقد اجتمعت كلمتهم على تلقي علوم تلك المدارس العلمية بالقبول ، وهي ليست مدارس سطحية حتى يتيسر لآحاد العلماء أن ينتقدها ، لأنّها عصارة تخصص الآلاف من علماء الأمة في شتى علوم الدين ، وهم أعلم بمجال تخصصهم ، وقد قال تعالى : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ، وقال تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ،  فقولهم في مسائل الخلاف أحسن القول الذي جاء فيه قوله تعالى : { الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ } ، وما ذاك إلا لكون أهل التخصص أدري بجمع المتعارضات في الباب الواحد ، فإذا كانت مدارس جماعية يقوم عليها المئات بل الآلاف من العلماء فهي إذن أبعد عن الخطأ والذهول الذي قد يصيب آحاد العلماء المتخصصين ، فكيف بآحادهم من غير المتخصصين ، وقد قيل " أهل مكة أدرى بشعابها " ،  

[ الأساس الثالث ] ليس معنى احترام التخصص العلمي واتباع المدارس المتخصصة ، أن من خالف ذلك في عداد الهالكين ، بل المسلمون جميعا أمة واحدة من دون الأمم ، يجب فيما بينهم الولاء العام على الإسلام ، والاجتماع على أركانه وأصوله ، والمحبة العامة على الإسلام ، كما يجب عليهم التآلف والتكامل فيما بينهم ، وأن يكون ولاؤهم فيما بينهم تجمعهم وحدة الإسلام والقرآن ، وأن يكونوا أمة واحدة من دون الناس جميعا ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ] ، فالفتنة في الأرض والفساد الكبير هما آثار فرقة المسلمين وعدم وجود الولاء العام فيما بين جميع المسلمين ، و ( المسلم ): هو كل من قال ( لا إله إلا الله * محمد رسول الله ) : مقرا لها بلسانه ، معتقدا لها بقلبه ، فمن نطق بهما بلسانه مستيقنا بهما فإنه يحكم بإسلامه الظاهـر والله يتـولى السرائـر ، ومن مات عليهما استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنبه إن كان من أهل المعصية أو بقدر بدعته إن كان من اهل البدعة إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ، ومن أقر بهما فإنه لا يخرج من الإسلام إلا بناقض ينقضهما ،  و ( المسلم ) : لا يجوز تكفيره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا لازم القول ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، المسلم هو كل من قال (( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمد رسول الله )) ،  مقرا بها منقادا لها ، والتكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ،  و ( المسلم ) : كما عرفه الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ، ، قال صلى الله عليه وسلم : (( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته )) [ أخرجه البخاري ، ح : 384 ] ، ولا يصح تفريغ الحديث من معناه ، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين ، وعليه ما على المسلمين ، فلا يصح أن يهلك بعضها بعضا ، ولا أن يسبي بعضهم بعضا ، وفي هذا المسلم قال صلى الله عليه وسلم : ((  كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ أخرجه مسلم ] ، فلا يصح أن يهلك بعضها بعضا ، ولا أن يسبي بعضهم بعضا ، كما أنّ افتراق المسلمين لا يؤثر على الولاء العام للإسلام ، وأحاديث الافتراق يفهمها البعض على عكس مرادها ، فليس المراد ان نعادي المسلمين ونستحل دماءهم ومحارمهم ، وإنما المراد السعي الجاد في تصحيح معتقدات المسلمين وهداية الفرق الضالة إلى سبيل النجاة ، وإذا كان جدال أهل الكتاب والكافرين لا يكون إلا بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، قال تعالى : { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [ العنكبوت : 46 ] ، وقال تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [  النحل : 125 ] ، فكيف بجدال أهل الإسلام والقرآن ، وأهل الفرق الضالة من أهل الإسلام مسلمون لا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم : وأبرز رؤوس البدع الضالة : بدعة الخروج ، وبدعة التشيع ، وبدعة الاعتزال ، وبدعة الحشو ، وبدعة الإرجاء ، وبدعة التجهم ، ومع ذلك : فأهل هذه البدع الضالة مسلمون لا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم ، ويجب أن يعم الولاء العام بين عموم المسلمين لعموم النصوص في ذلك  ومنه قوله تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، فدلت الآية على أن إخوة المؤمنين لا تزول حتى مع اقتتالهم ، والتسرع في التكفير صفة أهل الضلال ، وقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم وحرم انتهاكها ، وكان من آخر ما بلغ به النبي صلى الله عليه وسلم أمته فقال في خطبة حجة الوداع :  (( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ،  ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد )) [ متفق عليه ] ، وقال صلى الله علية وسلم : (( كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه )) [ أخرجه مسلم ] ،  وقتل المسلم أهون من تكفيره ، وقد توعد الله سبحانه من قتل نفسا معصومة بأشد الوعيد فقال تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } [ النساء : 93 ] ، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط يعلمها العلماء منها : أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة ، وأن تتوفر فيه كافة شروط التكفير وتنتفي كافة موانعه ، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها المذاهب الأربعة المتخصصة في علم الفقه على منهاج اهل السنة ، وعند الخلاف نرجح ما هو في مصلحة المسلم احتياطا لحرمة دينه ودمه ، كما لا يجوز موالاة الكفار على فرق الإسلام الضالة لأنهم وإن كانوا على بدعة ضلالة فإنهم مسلمون مؤمنون لهم اسم الإيمان وحكمه ، والله تعالى يقول : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [ الحجرات : 10 ] ، ونهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكافرين على المؤمنين ، قال تعالى :  { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ  دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } [ آل عمران : 28 ] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } [ النساء : 144 ] ،  وقال تعالى – محذرا من موالاة الكفار على المؤمنين : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الانفال : 73 ] ،  وأمر سبحانه بالولاء العام لكل مؤمن ، فقال تعالى : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } [ التوبة : 71 ] ، وقال تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] ، وقال تعالى : { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال : 46 ] ، والخطاب في الآيات للمسلمين ويفيد أنّ المسلمين بعضهم أولياء بعض من دون الناس ،  وأنهم أمة واحدة من دون الأمم ، يجب أن يعم الإخاء والوفاق بينهم لعموم النصوص في ذلك  ، قال تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، وقال تعالى :  { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ المائدة : 2 ] ، وقال تعالى :  { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ الأنفال : 1 ] فإصلاح ذات بين المسلمين من شروط الإيمان  ، وقال صلى الله عليه وسلم (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا )) [ متفق عليه ] ،  وقال صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ))  [ متفق عليه ] ،  والذي تتفق عليه الامة الإسلامية بشتى فرقها أكبر بكثير مما تختلف عليه ، فينبغي الالتقاء على الأصول التي لا خلاف عليها من أركان الدين ومحكماته ،  دون ما تختلف فيه لتضييق فجوة الخلاف بينهم ، فالمسلمون جميعا يؤمنون بإلٰه واحد ، ويتبعون نبيّاً واحداً ، ويتمسكون بكتاب واحد ويحجون بيتاً واحداً ويستقبلون قبلة واحدة، وقد اتفقوا على أركان الإسلام جميعاً ، وقد اتفقوا على أركان العبادات من الصلاة والزكاة والصيام والحج ، وقد اتفقوا على وجوب طاعة الله ورسوله ، وهذه هي أصول الدين ومحكماته   ، ومعنى ذلك أن أصول ما يتفق عليه المسلمون أكثر بكثير مما يختلفون فيه ، وبعد تلك الأصول تبقى جزئيات محل اجتهاد ، والاجتهاد ما كان قائما على شروطه ، فالمجتهد لا يحرم الأجر ، ما كان مؤهلا للاجتهاد صادقا في طلب الحق ،  وقضايا الخلاف أكثرها تثبت بأدلة ظنية  ، ويجب التفرق بينها وبين الادلة القطعية ، فإن البون شاسع بينهما ، فمن خالف الدليل القطعي ثبوتا ودلالة هلك ، أما الظني فلا يهلك من خالفه إن كان في خلافه غير متبع لهواه ، وجميع القضايا التي لم تثبت بالنص الظني ثبوتا ودلالة لا يصح أن تجعل مفصالا بين الحق والباطل ، بل يتسع فيها الإعذار ، ولا يجوز أن يبنى عليها تكفير ولا استحلال محارم ،  وهذا يعني ضرورة التسامح بين الأُمة فيما اختلفوا فيه من الأمور الفرعية التي ثبتت بالأدلة الظنية ، سواء من جهة الثبوت او الدلالة ، وقضايا الخلاف لا يصح أن تُطرح على العوام لأنها تبلبل أفكارهم ولا يستوعبوا أبعادها ، وإنما تطرح على بساط البحث بين العلماء ، في مجالات التخصص العلمي ومؤسساته وجامعاته ، مع التنبيه إلى أنه يمتنع التكفير والتبديع والتضليل إلا وفق ضوابط دقيقة ، لا يقوم بها إلا العلماء ،  مع تفادى التجريح ، والالتزام بأدب الإسلام في معاملة المسلم ، وتبني مناهج معتدلة تدعو إلى الوحدة والوئام ، والولاء العام لكل المسلمين ، مع الجهد من أجل طي صفحة الماضي في تاريخ الأمُة ،  بحيث لا تنبش الفتن والخلافات التي نجمت في القرون الأولى مهما تأتى ذلك ، فإن الماضي لا يدرك ، وقد مضى فلا معنى لاجترار أحداثه ، قال تعالى : { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ البقرة : ١٣٤  ] ، وقال تعالى : { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [ الحشر : 10 ] ، وإن دعت الضرورة لبحث ذلك الماضي فإنه يجب أن يكون بطريقة منصفة عادلة تجمع ولا تفرق  ، والحاضر والمستقبل للأمة يحمل تحديات تفوق الوصف ، فلا مجال ولا وقت لاجترار الخلافات ، في وقت تكالبت الأمم علينا كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ،

[ الأساس الرابع  ]  تجديد طلب العلوم الإسلامية الغائبة عن هذا الزمان والتي ادى غيابها إلى الخلل الفكري والعقدي والعلمي والعملي والأخلاقي بين فرق المسلمين إنّ معرفة الخلل هو أول الطريق الصحيح إلى العلاج ، هناك حلقات مفقودة ، في المجالات العلمية والأخلاقية والفكرية والعملية ، وعند وصل تلك الحلقات المفقودة يتم تحديد ملامح الطريق إلى الإصلاح العلمي ، وأهم العلوم التي يتم بها إصلاح الخلل العلمي والعملي والأخلاقي ثلاثة عشر علما ، العلم الأول : ( علم التقديس ) وذلك للقضاء على فوضى الحشو والتجسيم  ، والعلم الثاني : ( علم الإسلام ) للقضاء على فوضى العداء واستحلال الحرمات بين أهل القبلة ، والعلم الثالث : ( علم الإيمان ) ، وذلك للقضاء على فوضى الغلو في التكفير في أوساط المسلمين ، والعلم الرابع : ( علم التوحيد ) وذلك للقضاء على جانب الغلو في التوحيد واتهام الأمة بالوقوع في الشرك في أعمال لا تبلغ الشرك ، وقد تكون مسائل خلافية فقهية بابها الفقه وليس العقيدة  ، والعلم الخامس ( علم الإتباع ) ، لضبط مسائل السنة والبدعة على منهاج أهل السنّة والقضاء على فوضى الغلو في التبديع  ، والعلم السادس ( علم الانتساب إلى الجماعة الناجية ) ، وذلك لجمع شتات المسلمين تحت راية واحدة ومنهاج صحيح واسع واحد ، هو منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية بغير افراط ولا تفريط ، والعلم السابع : ( علم السياسة الشرعية الإسلامية ، وبيان قواعد الإسلام الرصينة في تنظيم العلاقة ابين النظام الحاكم والرعية ، وتجديد أخلاق أهل الإسلام مع أولي الأمر منهم من السمع والطاعة والاحترام في إطار المعروف ، حتى يتفرغ القائد والعالم والداعية كل لأداء مهامه ، بما يوافق شرع الله ، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين ، دونما غلو أو تفريط ، والعلم الثامن ( علم العقيدة المنهجية المتخصصة ) ، وذلك لمعرفة مدارس العلم المتخصصة في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة ، ومن ثم احترام التخصص والمتخصصين في باب العقيدة واتباعهم بدلاً من أن نكون قُطّاع طريقهم لهداية الناس وفق عقيدة الإسلام ، والعلم التاسع ( علم الفقه المنهجي المتخصص ) ، وذلك لتصحيح المسار الفقهي عند المسلمين ، وأخذ الفقه من بابه الصحيح ، ومعرفة العبادات والمعاملات والحلال والحرام من أهل الفقه المتخصصين فيه ، والعلم العاشر (علم التزكية المنهجية المتخصصة ) ، وذلك لأنّ حاجة المسلمين إلى تجديد أخلاقهم وسلوكهم مع الله تعالى ومع أنفسهم ومع الناس أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب ، وبغير التزكية فلن يكون هناك صلاح ولا فلاح ، فلابد من تصحيح المسار التزكوي عند المسلمين ، وأخذ التزكية من رجالها الأتقياء الأنقياء ،  لا من الأدعياء ، والعلم الحادي عشر : ( علم الإحاطة بجوانب دين الإسلام  ) وذلك للقضاء على القصور في فهم الإسلام والإحاطة بجوانبه ، والعلم الثاني عشر : ( علم الفقه العملي لدين الله ) ، لمعرفة أهمية العمل لدين الله تعالى وأهدافه ووسائله وسبل نجاحه في تحقيق أهدافه ، والعلم الثالث عشر : ( علم الأخلاق الإسلامية العظيمة ) ، الأخلاق مع الله ومع الرسول ومع دين الإسلام ، ومع أهل الإسلام ومع الناس كافة ، فإنّ غياب تلك العلوم عن الكثير العمل الإسلامي أدى إلى الخلل الفكري والعقدي والعلمي والعملي والأخلاقي كما أدى إلى الفرقة والتنازع فيما بينهم ، إنّ من أهم أسباب الاختلاف والفرقة والتعدد هو إهمال بعض الجوانب من دين الله تعالى ، قال تعالى : { فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ } [  المائدة : 14 ] ، فكان نسيانهم وتركهم لبعض ما أمرهم الله تعالى به سببا في أن يلقي الله عز وجل بينهم العداوة والبغضاء كنتيجة حتمية لما تركوا من دين الله تعالى ، والناظر لواقعنا اليوم : يجد أن أهم أسباب الاختلاف بين العاملين لدين الاسلام هو فقدان بعض العلوم التي تسبب غيابها في وجود الخلل العلمي وبالتالي الوقوع في الاختلاف ومن ثم التنابذ بالألقاب ، ومن ثم العداوة والبغضاء ، ولذلك جاء الأمر الرباني في القرآن الكريم : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ البقرة : 208 ، 209 ] ، بالدخول في كافة شرائع الدين والتزامها وعدم ترك شيء منها ،  وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

 

أسس التآلف والتراحم بين طوائف المسلمين ، علم التقديس لحماية الامة من بدع الحشو والتجسيم ( ب )

[ الأساس الخامس ] : تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق :   (  أ  ) ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء ، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره ، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم } ، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم  ، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها ، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم ، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها ، (   ب  ) الجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه ، والجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث  ، ( ث  ) الجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ،  (  ج  ) الجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ، 

[ الأساس السادس ] : تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق ] :  (  أ  ) ذات الله سبحانه منزه عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ( ب  ) الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، (  ت  ) الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ، وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث ،  وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بحديث الصورة : ((  خلق الله آدم على صورته )) ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث : ( المفتاح الأول ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم ، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو ، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا ، وهذا يدل يقيناً على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  (( على صورته  )) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المسبقة كما يحدث لبني آدم ، ( المفتاح الثاني ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته )) معناه عدم اهانة الوجه ، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم ، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه ، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام ، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته ، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  ((على صورته  )) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام ، وهذا قول الحافظين : ابن حجر وابن خزيمة  ، ( المفتاح الثالث ) : إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى : { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ ص : 71 ، 72 ] ، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه ، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف ، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف ، ( المفتاح الرابع والأكيد بعد المفاتيح السابقة ) : وهو حمل المتشابه على المحكم ، وهذا ما أمرنا الله تعالى به في قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ } [ آل عمران : 7 ، 8 ] ، في آية آل عمران السابقة وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وطريقة أهل السنة في المتشابه :  رد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم ، وحمل الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة ، والمحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولأنّ الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، تنزه عن الصور والأشكال ،  ، فكيف نتوهم أنّه على صورة آدم ، تنزه الخالق عن مشابهة المخلوق ، وأما حديث القيامة الطويل في جمع الله الناس إلى قوله : (( فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا )) الحديث إلى قوله : (( فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا )) الحديث ، فهم لا يعرفون صورة مسبقة ، والأدلة العقلية والنقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى فوجب صرفها إلى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة يقال كيف صورة هذه الواقعة وكيف صورة هذه المسألة وفلان من العلم على صورة كذا وكذا فالمراد بجميع ذلك الصفة لا الصورة التي هي التخطيط ، فعلى هذا الصورة هنا بمعنى الصفة ، وتكون في الصورة التي أنكروها أولا أنه أظهر لهم شدة البطش والبأس والعظمة والأهوال والجبروت وكان وعدهم في الدنيا يلقاهم في القيامة بصفة الأمن من المخاوف والبشرى والعفو والإحسان واللطف فلما أظهر لهم غير الصفة التي هي مستقرة في نفوسهم أنكروها واستعاذوا منها ، وقوله فإذا أتانا ربنا عرفناه أي بما وعده من صفة اللطف والرحمة والإحسان ولذلك قال : فيكشف عن ساق أي ويتجلى عليهم الرحمن بصفات الرحمة والرأفة فيسجدون شكرا له ، 

[ الأساس السابع ] : تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ] :  ( أ  ) أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، قال تعالى: {قل هو الله أحد} (الإخلاص: 1) ، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد: 38) ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال ، ومن أبرز الادلة على تنزيه الله تعالى عن الأعضاء والأجزاء ، قوله تعالى ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) قوله تعالى ( أحد) ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض ، والأحدية تدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء  لم يكن أحدا ، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة فى ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله ، وقوله تعالى ( الله الصمد ) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل : أن كل جسم فهو مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا ( إليه ) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك  لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج ، وقوله تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) نفي للمثلية كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح ، وقوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ، وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بآيات ذكر فيها الوجه واليد والعين في القرآن الكريم ] ،  وللرد على جهل هؤلاء ، أقول : أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله ، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال ، والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها : قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران : 72] ، فهل للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار ، كما أن العرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة ، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم ، ومنه قوله تعالى ( وكان عند الله وجيها )  أي ذا منزلة عند الله ، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده ، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين  ،  وكذلك قوله تعالى : {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا }[ المائدة  : 108] ، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه ، وكذلك قوله تعالى : { اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } [يوسف : 9] ، وعلى نفس منوال الآيات السابقات هل يقصد أخوة يوسف خلو وجه أبيهم عليه السلام ، وكيف يخلو هذا الوجه ؟ ومن أي شيءٍ يخلو ؟ اللهم إلا أن يراد بسياق الكلام معنى آخر وهو فراغ أبيهم لهم وإقباله عليهم وتوجهه بكليته إليهم ولا يلتفت عنهم إلى غيرهم ، وقوله تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) [الحج  : 11] ، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة )خسر الدنيا والآخرة ، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة ، وكذلك قوله تعالى { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }[ البقرة  : 112]‏ ، فهل المقصود إسلام الوجه ، أم الذات كله ، لا شك أن المقصود الذات ،  لان إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات ، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله ، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله ، ( قلت ) : وهكذا نجد تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد ، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح ، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم ، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة ،   [ مجاز اليد في القرآن ] : والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها ، قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } ، فهل للقرية يدين ؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها  ،  وقوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } ، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟ ، وقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏ ، هل للرحمة يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه ، وقوله تعالى  { إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } ، هل للعذاب يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب  ، وقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً } ، هل للنجوى يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل ،  وقوله تعالى : { وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ،  وقوله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } ،  وقوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏ ، ( قلت ) : توضح الآيات الكريمات السابقات أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم ، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كسب يسبب العذاب كالأرجل والأعين والآذان ، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم )  ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة ، وإنما المقصد من تحت حكمكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم ، ومثاله (وما ملكت أيمانكم ) وسيأتي إن شاء الله عند ذكر اليمين ،  وقوله تعالى : { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ }‏ ، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر ، فهذا لا يقوله عاقل ، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين ، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى ،  وقوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، ويستحيل أن يكون المراد من الآية المعنى الظاهر للقبض وهو ضم أصابع اليد ، ولكن المعنى المفهوم من القبض هاهنا البخل بالنفقة في الطاعة وفي سبيل الله ، وكني عن البخل بالقبض على طريقة بلاغة العرب في التوسع في استعمال المجاز والكناية لتأكيد معنى البخل عند المنافقين ، وقوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }  ، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل ، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق ، وهكذا هاهنا ، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط ، ومعنى الآيات : أن  اليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام ، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان }  ؟ قلت : ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه ، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم ، فالآية من باب البلاغة ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا ، وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ]  ، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله ، وقوله تعالى : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ } الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه ، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام ،    من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات ، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد ) ، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد ، فإن قالوا : القدرة لا تثن ، وقد قال { بيدي } قلنا بلي قال العربي : ليس لي بهذا الأمر يدان ، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك ، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة ، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه ، فإن أصروا وجادلوا قلنا :  قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى { ثم قال له كن فيكون } ، فهذا هو صريح القرآن فهل ندعه لفهم خاطئ لحديث لم يصح أو حديث مختلف في صحته ،   وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية  { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه ،  على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها ، وهذا الوجه مقبول ضمناً ، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه ، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم ، قال تعالى { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ،  وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه { وما يعلم تأويله إلا الله } { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا }  ،  فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل ،   [  وأما مجاز العين في القرآن ] : فإنّ المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة ، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية والرؤية هي التى تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب ، فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة ، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة ، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل ، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك ، فقوله تعالى { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } معناه بمرأى منا أو بحفظنا ، وقوله تعالى { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } ،  أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية ، وقوله تعالى { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك ، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته ، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، صفات تليق بالذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات ، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ،

[ الأساس الثامن ] :  تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق  : (  أ  ) المقصود بالأعراض مثل الألوان والأحجام والأشكال والطعوم والروائح التي تتصف به ذات المخلوق ، والمقصود بالكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق كالجلوس والاستقرار والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته ، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته ، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته ، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته ، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته ، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة ، (  ب  ) الله تعالى منزه عن تلك الأعراض والكيفيات الحسية ، ومنزه وأي معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل أو يكيفه الحس لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث ،  (  ت  ) ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، صفات تليق بالذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات ، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان ، لا نتقول على الله بغير علم ، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن ،

[ الأساس التاسع ] : تنزيه جناب ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول ، وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوقوبيان ذلك : ما ثم إلا خالق أو مخلوق فهل يتحد الخالق القديم الأزلي الباقي الذي ليس كمثله شيء بالمخلوق المحدث الفاني ، أم هل يحل الذي تنزه عن الحد والمقدار في المخلوق المحدود المقدر ،  والله منزه عن الحلول في المواضع والأماكن لأن الحلول عرض يفنى وهو حادث والحادث لا يليق بالله ، والاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية ، لأنها مخلوقة ، وقد أجمع علماء الأصول على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد بخلقه أو الحلول في شيء منها وعن الاتصال بها أو الانفصال عنها ونقل الإجماع كل من تكلم عن فرق المسلمين ،  

[ الأساس العاشر ] : تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق ] : (  أ  ) الله تعالى منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك ، وكل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب ، ليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء أخر ولا بأصعب عليه منه لأن له كمال القدرة ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار وأن يكون في ملكه ما لا يريد ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال السمع كالصمم واختلاط الأصوات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال البصر كالعمى واختلاط المبصرات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الكلام كالبكم والعي وتناهي الكلمات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الغنى كالحاجة والشهوة والآفة والعلة والأكل والشرب واجترار المنافع واحتراز المضار ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الحكمة والعدل كالظلم وخلف الوعد ، ومنزه عن كل ما يضاد الكمال ويدل على النقص كالحد والمقدار والكون في مكان وان يجري عليه زمان ، وعن التغير والحدوث وقبول الحدث ،

[ الأساس الحادي عشر ] تنزيه الله تعالى عن الوالد والولد والصاحبة  :  (  أ  ) تقدس سبحانه عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والابناء لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سورة الإخلاص ] ، وقال تعالى : { بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الأنعام : 101 ] ،  (  ب  ) من الأشياء التي يستحيل نسبتها إلى الله تعالى ( الوالد والصاحبة والولد ) لأنّه تعالى خالق لكل موجود ، هو القديم الأزلي ومن عداه محدث مخلوق ، أحد صمد ، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ } ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق { وَلَمْ يُولَدْ } ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ،  (  ت  ) النصارى من أجهل الناس بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى ، فزعموا له الولد سبحانه ، وهذا يستحيل نسبته إلى الله الاحد الصمد ، لأن الولد جزء من أبيه ، فالوالد لا يخلق ولده ، وإنما هو جزء منه ، وند له ، ومثيل لذاته ، وشبيه بذاته ، والله تعالى ليس كمثله شيء ، أحد صمد منزه عن الجزء والكل ، لأنه لا يُعرف بالحس ، فلا يكون منه الولد ، ولو كان منه الولد - سبحانه - لكان الولد قديماً ، مثل أبيه ، وكيف يكون قديماً وهو حادث ، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً ، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد ، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى - آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ  } [ الزخرف : 81 ، 82 ] ، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته ، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل في حق الأحد الصمد ، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى : { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } ، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى وتقدس ، قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ مريم : 88 إلى 95 ]  ،  (  ث  ) من فقه الآية { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } استنبط علماء أهل السنة والجماعة المتخصصون في العقائد - ومن غيرها من الآيات كما سيأتي - تنزيه لله تعالى عن أن يكون محلاً للمخلوقات الحوادث ، وتنزيه الله تعالى أن يكون منه شيء محدَثٌ مخلوق لأنه القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق كما في قوله تعالى {لَمْ يَلِدْ }:  ،  كما أنه منزه عن التغير والحدوث كما في قوله تعالى : { وَلَمْ يُولَدْ } ، وسياتي تفصيل ذلك عند شرح قوله تعالى : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) } [ الانعام : 76 ] ، أي أن المتغير عن حاله الآفل الذي يقبل الحدوث والتغير من حال إلى حال ، لا يصلح أن يكون رباً خالقاً ، وإلهاً معبوداً  ، (  ج  ) خلاصة ما سبق أنّ الله تعالى يستحيل أن يكون شيء قديم مثله ولا معه ، لأنّه الواحد الأحد الخالق ومن عداه مخلوق ، فيستحيل في حقه الزوجة والوالد والولد ، وأنّه تعالى خالق كل شيء واتخاذ الولد ليس خلقاً بل هو انفصال جزء من الوالد وهو ينافي أحدية الله وواحدية الله وصمدية الله وكونه الخالق لكل شيء والمالك لكل شيء ، ولهذا كان اعتقاد الولد لله من أفسد العقائد على وجه الأرض ، حتى أن الجماد ليتأذى منها ، قال تعالى : { لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا } [ مريم : 89 إلى 93 ]  ،

[ الأساس الثاني عشر ] تنزيه لله تعالى عن الشريك : الشرك الاكبر هو اعتقاد وجود الشريك مع الله تعالى ، وقد عالج القرآن الكريم قضية الشريك بأوضح بيان ، ومن ذلك قوله تعالى { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ }[ الأنبياء : 22] فإنه لو كان لله شريك في الملك والخلق والأمر وتدبير الكون لفسد النظام الكوني برمته  ،  كما في قوله تعالى {  مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } [ المؤمنون:91] ، وقوله تعالى { قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا } [ الإسراء:42، 43] ، ولهذا خاطب الله تعالى البشرية جمعاء بقوله تعالى :  { فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ } [الحج : 34] ، وقوله تعالى { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } [ الْأَنعام : 102 ] ،   وفي النهي عن الشرك ، قال تعالى { وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } [ النحل : 51 ]  ، وقال تعالى { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } [ المائدة : 72 ] ، وقال تعالى { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ المائدة : 73 ] ، وقوله تعالى { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [آل عمران : 64 ] ، وقوله تعالى { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }[  التوبة : 31 ] ، وقوله تعالى { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } [ النحل : 36 ] ، وقوله تعالى { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة : 31 ] ، وعاقبة الشرك وخيمة ، قال تعالى : { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13 ] ، وقال تعالى : { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } [ المائدة : من الآية72 ] ، وقال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً } [ النساء:48 ] ، وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ قَالَ : (( أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ )) [ أخرجه مسلم ] ،

[ الأساس الثالث عشر ] دراسة بلاغة القرآن فقه عظيم وفتح مبين لعلم التقديس والتنزيه : لأن القرآن الكريم  نزل بلسان عربي مبين ، قال تعالى : { وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [ الشعراء : 192 إلى  195] ،  ما كان من استعمالات العربية من أساليب البلاغة والبيان ، فهو لاشك يسري على القرآن لأنه نزل بلسان عربي مبين ، ولما كانت البلاغة هو ذروة البيان العربي ، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم ، ولما كان المجاز هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال ، كان القرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز ، والقرآن الكريم يمتلئ بالمجاز الذي هو ذروة اللغة وسنام بلاغتها ، ومن ذلك :  التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات ، كما في قوله تعالى : { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة : 257 ] ، والتعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة ، كما في قوله تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] ، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية ، كما في قوله تعالى : { وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ الشورى : 52 ] ، والتعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح ، كما في قوله تعالى : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 215 ] ، ومعلوم أنّه ليس للرسول صلى الله عليه وسلم جناح يخفضه للمؤمنين ، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب ، كما يعبر عن التواضع باللين ، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } [ آل عمران : 159 ] ، والتعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67 } [ التوبة : 67 ] ، والتعبير بالبسط عن غاية الكرم والسخاء ببسط اليد كما في قوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } [ المائدة : 64 ] ، والتعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين ، كما في قوله تعالى : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } [ الطور : 48 ] ، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في عين الله ، { فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا  } ، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة  ،  والتعبير عن الذات بالوجه ، كما في قوله تعالى : { إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ‘ 27 ] ، ولا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه ، سبحان الله وتعالى عما يصفون ، تنزه عن الأجزاء والأبعاض والجوارح ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، 

[ الأساس الرابع عشر ] خطأ اعتماد ظواهر النصوص في فهم علم التقديس والتنزيه :  ( أ ) قال القرطبي رحمه الله - في درة من كلامه - : " اعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته  (( المجسمة  ))  الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك " أهـ [ تفسير القرطبي ج:4 ص:14 ] ،   ( ب ) هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله ، منها قوله تعالى : { وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } ، وقوله تعالى : { وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ *  وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ  } واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ علم الله تعالى قديم ، لا يعزب عن علمه شيء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل ، قال تعالى ، { وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا } " أهـ  ، ( ت ) وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى ، منها قوله : { نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ التوبة : 67 ] واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى ، ( ث ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء ، منها قوله تعالى : { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ } [ الرحمن : 31 ] ،واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء ، وسع علمه كل شيء ووسعت قدرته كل شيء ، والمعنى : { سنفرغ لكم } أي سنحاسبكم ونأخذ في أمركم أيها الإنس والجن فنعاقب أهل المعاصي ونثيب أهل الطاعة  ، ( ج ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته ، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم : 27 ] ، وقوله تعالى : { قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا } [ مريم : 9 ] ، واعتقاد هذا الظاهر كفر ، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء ، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء ، ولا شيء أثقل عليه من شيء ، والمعنى : أن هذا مثل ضربه الله تعالى لعباده يقول  إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم أهون عليه من الإنشاء ، ( ح ) ( خ ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته ، ومن هذه الآيات قوله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } [ البقرة : ] ، واعتقاد هذا الظاهر ضلال ، لأنّ الله تعالى منزه عن الاتحاد أو الحلول بخلقه ، ومنزه عن القرب الحسي الذي تتصف به المخلوقات ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب الصفات من العلم والسمع والبصر والقدرة ، ( د ) وهناك آيات ظاهرها - لمن جهل قواعد التقديس - أنّ الله تعالى استوى على عرشه بذاته ، وأنّ العرش مكان الرحمن واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال ، لأنّ العرش خلق من خلق الله ، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه ، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار ، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن ، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء ، وأنه الواحد القهار ، وأنّه الكبير المتعال ، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره ، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله ،  وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها كما ذكرناها في الحلقة السابقة  : بأن الاستواء المقصود هو استواء الصفات ، صفات الربوبية والملك والتدبير والقهر والتسخير والهيمنة وربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث  ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً  ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن ،

[ الأساس الخامس عشر ] أهمية علم التقديس : لا شك أنه يجب تدريس وفهم قواعد التنزيه والتقديس المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس  : لأن أهم العلم وأعظمه العلم الراسخ بالله في جناب ذاته وتقديس الله وتسبيحه  وتنزيهه عن العيب والنقص ،  ودراسة قواعد التقديس تؤدي بصاحبها إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى ، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى ، وتؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحانه ، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى : {  وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا  } [ طه : 110 ] ، وقوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) } [ الأنعام : 103 ] ، ولله در العالم الرباني أبو عثمان المغربي ، حيث جاء في [طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 42] :  (وقال أبو عثمان المغربي كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة ، فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبت إلى أصحابي بمكة أني أسلمت جديدا  ) ، فهذا هو الأثر المرجو من تعلم قواعد علم التقديس ( علم توحيد الذات ) الذي هو أشرف العلوم ، وهذا العلم العظيم هو من جملة العلوم الغائبة عن هذا الزمان والتي ادى غيابها إلى وقوع طوائف من الأمة في بدعة الحشو والتجسيم ، وأرى أنه لا مناص للأمة من تجديد الطلب لهذا العلم الجليل ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بالتقديس والتنزيه والتسبيح لجناب ذات الله تعالى تقدست ذاته وتعالت صفاته ولا إله إلا هو ، وأنه العلم المتعلق بجناب الذات ، وما يجب له من صفات التقديس والتعظيم والتنزيه ، وما يجب له من صفات الكمال والجلال والإكرام ، وما يستحيل في حقه سبحانه من صفات النقص والعيب والحدوث والتشبيه والتجسيم ، وتحدثا بنعمة الله الكريم أني ما إن استوعبت علم التنزيه وقواعده الرصينة حتى أحسست أنه العلم اللازم لتحقيق الوحدة الإسلامية المنشودة والتجديد الإسلامي المنشود ، وأنّ الإحاطة بعلم التقديس والتنزيه له أعظم الدور في تصحيح مفاهيم علم التوحيد ، وأعظم الأثر في تحقيق التقارب والتكامل والوحدة العقائدية والعلمية والعملية بين المسلمين عامة ، وبين طوائف أهل السنّة والجماعة خاصة ، إنّ الذهول عن هذا العلم يؤدي إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، ويؤدي إلى الوقوع في بدعة الحشو على حساب التقديس ، بل واعتقاد التجسيم ،  وإن من أعظم الخطر أن يتصدى أحد للحديث عن الله تعالى وعن صفاته وأفعاله ، دون أن يكون له إلمام بهذا العلم الذي يضبط مسائل وأحكام هذا الباب ، وأشد من ذلك خطرا أن يتصدى للحديث عن الجماعة الناجية وإطارها العقائدي والفرق الضالة عنها في العقيدة ، من لا يعرف هذا العلم الراسخ ، والطامة المهلكة عندما يتصدر أحدهم لإصدار أحكام التبديع والتضليل للطوائف والفرق الإسلامية وهو يجهل هذا العلم ، فيفتي ويبدع ويضلل بغير علم ولا فقه ولا هدى وهو يحسب أنه من المهتدين ، فحرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للتبديع والتضليل في باب العقيدة ، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة ، وهي الفقه الذي لا يصح لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بالفهم الصحيح للمتشابهات من الآيات والاحاديث دون الوقوع في محاذير الخلل في العقيدة بسبب سوء الفهم لتلك المتشابهات ، والقيام على هذا العلم الجليل ثغرٌ عظيم يحتاجُ اليومَ إلى من يسده عن المسلمين ، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ،   وللحديث بقية ، مجدي محمد ، المشرف على موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا