جديد الموقع

سلسلة الأخلاق الإسلامية ( 5 ) أخلاق المجتمع المسلم - مجدي محمد على محمد

موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com 

ويشتمل على تلك الدروس :

الدرس الأول : أخلاق المجتمع المسلم  التآخي في الله ، والتحاب في الله ،

الدرس الثاني : أخلاق المجتمع المسلم  التضحية ، والإيثار ،

الدرس الثالث : أخلاق المجتمع المسلم  التعاطف والتعاون ،

الدرس الرابع : أخلاق المجتمع المسلم  التناصر والتكافل ،

الدرس الخامس : أخلاق المجتمع المسلم  البر والإحسان ،

الدرس السادس : أخلاق المجتمع المسلم  محاسن الأخلاق ،

***

 

الدرس الأول : أخلاق المجتمع المسلم :  التآخي في الله ، والتحاب في الله

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : أخلاق المجتمع المسلم  ، خلق [ التآخي في الله ، والتحاب في الله ] ، إنّ من أهم أخلاق المجتمع المسلم التآخي في الله : قال الله تعالى : {إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [ الحجرات : 10 ] ، وقال تعالى : {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} [ آل عمران : 103 ] ، وقال تعالى : {وَالّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلاّ لّلّذِينَ آمَنُواْ رَبّنَآ إِنّكَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ} [ الحشر : 10 ] ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم ، يحث أصحابه على التآخي في الله ، والارتباط برباط الإسلام والإيمان ، أخرج الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يسلمه ، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه ب‍ها كربة من كرب يوم القيامة ، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة  )) [ متفق عليه ] ، وأخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( المسلم أخو المسلم ، لا يخونه ، ولا يكذبه ، ولا يخذله ، كل المسلم على السلم حرام عرضه وماله ودمه ، التقوى ههنا ، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم  ))  [ رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن ] ، وأخرج مسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : (( المؤمن أخو المؤمن ، فلا يحل لمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ، ولا يخطب على خطبة أخيه ، حتى يذر  )) [ رواه مسلم ] ، وأخرج أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : (( إذا لقي أحدكم أخاه ، فليسلم عليه ، فإن حالت بينهما شجرة ، أو جدار ، أو حجر ، ثم لقيه ، فليسلم عليه  )) [ أخرجه أبوداود ] ، وأخرج مسلم عن ثوبان رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : (( إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم ، لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع  ، قيل : يا رسول الله : وما خرفة الجنة ؟  قال : جناها  )) [ رواه مسلم ] ، وفي المقابل حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هجر المسلم لأخيه المسلم ، أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي أيوب رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال  ؛ يلتقيان ، فيعرض هذا ، ويعرض هذا ، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام  )) [ متفق عليه ] ، وأخرج أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمناً فوق ثلاث ، فإن مرت به ثلاث ، فليلقه ، فليسلم عليه ، فإن رد عليه السلام فقد اشتركا في الأجر ، وإن لم يرد عليه ، فقد باء بالإثم ، وخرج المسلم من الهجرة  )) [ أخرجه أبوداود ] ، وأخرج الإمام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ، فمن هجر فوق ثلاث ، فمات ، دخل النار  )) [  قال الحافظ العراقي رحمه الله في " تخريج الإحياء" : "  أخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِإِسْنَاد صَحِيح وقال النووي رحمه الله في "رياض الصالحين"   ، و رواه أَبُو داود بإسناد عَلَى شرط البخاري ومسلم ، وكذا صححه الألباني رحمه الله في "صحيح أبي داود" ] ، وأخرج أبو داود  عن أبي خراش الأسلمي ، رضي الله عنه ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( من هجر أخاه سنة ، فهو كسفك دمه  )) [ أخرجه أبوداود وصححه الألباني ] ، إن من أهم أخلاق المجتمع الإسلامي التآخي في الله ، لقد آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ، ومن ذلك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين عبد الرحمن بن عوف و سعد بن الربيع رضي الله عنهما ، فعرض سعد على بن الربيع على  عبد الرحمن بن عوف  نصف ماله ليأخذه ، وخيّره بين إحدى زوجتيه كي يطلّقها لأجله ، فشكر له عبد الرحمن صنيعه وأثنى على كرمه ، ثم طلب منه أن يدلّه على أسواق المدينة ، ولم يمرّ وقتٌ قصير حتى استطاع عبدالرحمن بن عوف أن  يكون من أصحاب المال والثراء  ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة في ماله ، كما أن الكثير من الأنصار عرضوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقسم الأراضي الزراعيّة بينهم وبين إخوانهم من المهاجرين ، ولكنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أشار عليهم بأن يحتفظوا بأراضيهم مع إشراك إخوانهم المهاجرين في الحصاد ، لقد تآخى المجتمع الإسلامي في المدينة حتى قال المهاجرون : (( يا رسول الله ما رأينا قوما قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ، ولا أحسن بذلا في كثير منهم ، لقد حسبنا أن يذهبوا بالأجر كلّه ))  [  مكارم الأخلاق للخرائطي  بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّخَاءِ وَالْكَرَمِ وَالْبَذْلِ ] ، لقد كانت تضحياتهم ومواقفهم النبيلة سبباً في مدح الله لهم بقوله : { والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [ الحشر : 9 ] ، اللهم اجعلنا على منهاجهم ،

 

ومن أخلاق المجتمع المسلم التحاب في الله  : قال الله تعالى : {وَالّذِينَ تَبَوّءُوا الدّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} [ الحشر : 9 ] ، لقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنين ، ورغبهم في أن يتحابوا في الله ، حتى يقوم مجتمعهم الطيب الطاهر على صفاء المحبة ، مع نقاوة الإيمان ، أخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((  لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه   )) [ متفق عليه ] ، وأخرج الشيخان  عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ثلاثٌ من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار )) [ متفق عليه ] ، وأخرج الشيخان  عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلاّ ظله  )) ، ثم ذكر منهم : (( ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه  )) [ متفق عليه ] ، وأخرج عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن الله تعالى يقول يوم القيامة : أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلاّ ظلي  )) [ رواه مسلم ] ، وأرشد الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنين ، إلى سبل هذه المحبة ، وأسباب قيامها بينهم ، ورسوخها في قلوبهم ، وأرواحهم ، أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أولا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم  )) [ رواه مسلم ] ، وأخرج مسلم في باب فضل الحب في الله  عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ((أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى ، فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا ، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ : أَيْنَ تُرِيدُ ؟ قَالَ : أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ ؟ قَالَ : هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا ؟ قَالَ : لَا ، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ : فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ   )) [ رواه مسلم ] ، وأخرج أبوداود والترمذي عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : (( إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه  )) [ رواه أبوداود والترمذي ، وقال : حديث حسن ] ، وأخرج أبوداود عن أنس رضي الله عنه ، (( أن رجلاً كان عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فمرّ رجل به ، فقال : يا رسول الله إني لأحب هذا ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( أأعلمته؟  )) قال : لا ، قال : (( أعلمه  )) ، فلحقه ، فقال : إني أحبك في الله ، فقال : أحبك الذي أحببتني له  )) اهـ ، [ أخرجه أبوداود ] ، وأعظم المحبة في المجتمع الإسلامي الاجتماع على محبة الله ، قال تعالى في وصف المؤمنين : {وَالّذِينَ آمَنُواْ أَشَدّ حُبّاً للّهِ} [ البقرة : 165 ] ، وقال تعالى : {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبّونَ الله فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ} [ آل عمران : 31 ] ، وقال تعالى : {فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ} [ المائدة : 54 ] ، لقد قام المجتمع الإسلامي الأول على أساس راسخ من حب الله ورسوله ، فكانت قلوب كل المؤمنين مجتمعة على هذا الحب الأكبر ، امتثالاً لقول الله تعالى : {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبّ إِلَيْكُمْ مّنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبّصُواْ حَتّى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [ التوبة : 24 ] ، وامتثالاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان  ؛ أن يكون الله ورسوله أحب إليه ممن سواهما )) الحديث [ متفق عليه ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم قال : (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين  ))[ متفق عليه ] ، وصدق المحبة إنما يكون بالاتباع ، قال تعالى : { قل إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّون الله فاتَّبِعوني يُحبِبْكُم اللهُ ويغْفِرْ لكم ذنوبَكُمْ} [ آل عمران : 31 ] ،  اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يبلغنا حبك ، اللهم اجعل حبك وحب رسولك صلى الله عليه وسلم أحب إِلينا  من أنفسنا وأهلينا وكل من نحب ،  اللهم ارزقنا حب عبادك المؤمنين وارزقنا نعمة الحب فيك يا أرحم الراحمين ،  اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الثاني :  أخلاق المجتمع المسلم :  التضحية ، والإيثار

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : أخلاق المجتمع المسلم : خلق [ التضحية ] و خلق [ الإيثار ]

 

من أهم أخلاق المجتمع المسلم : التضحية :  التضحية : هي بذل النَّفس أو الوقت أو المال لأجل غاية أسمى ، والتضحية في سبيل الله : معناها : بذل النَّفس أو الوقت أو المال لدين الله ، مع احتساب الأجر والثواب على ذلك عند الله عزَّ وجلَّ ، وقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على أنّ جزاء تلك التضحية عظيم ، وأنّه الشهادة في سبيل الله ، وأجر تلك الشهادة عظيم ، ومن ذلك قوله تعالى : { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء} [ آل عمران : 140 ] ،  وقوله تعالى : {  مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً } [ الأحزاب : 23 ] ، وقوله تعالى : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [ آل عمران : 169 ] ، وكذلك جاء في السنّة النبوية المشرفة ما يدل على ذلك الأجر العظيم ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : (( انتدب الله لمن خرج في سبيله ، لا يخرجه إلا إيمان بي ، وتصديق برسلي ، أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة ، أو أدخله الجنَّة ، ولولا أن أشقَّ على أمَّتي ، ما قعدت خلف سريَّة ، ولوددت أنِّي أُقتل في سبيل الله ثم أحيا ، ثم أُقتل ثم أحيا ، ثم أُقتل )) [ متفق عليه ، البخاري ( 36 ) ومسلم ( 1876 ) ] ، والتضحية تكون بالنفس كما جاء في قوله تعالى : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} [ البقرة : 216 ] ، وتكون بالمال كما جاء في قوله تعالى : { وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ } [ الحديد : 10-11 ] ، فهذه هي التضحية الصادقة المقبولة عند الله ، أما التضحية الباطلة الكاذبة فهي مردودة على أصحابها ، فمن الناس من يُقاتل حمية أو ليرى الناس موضعه ليُقال أنّه شجاع ، ومن الناس من ينفق ليُقال أنّه سخي ، وهذا كله هباء منثورا لا أجر فيه ، فقد أخرج البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : (( جاء رجل إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله! ما القتال في سبيل الله؟ فإنَّ أحدنا يقاتل غضبًا ، ويقاتل حَمِيَّةً ، فرفع إليه رأسه ، قال : وما رفع إليه رأسه إلَّا أنَّه كان قائمًا ، فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، فهو في سبيل الله عزَّ وجلَّ )) [ أخرجه البخاري : ( 123 ) ] ، إنّ التضحية خلق عظيم وما أكثر الآيات التي تحث على التضحية كقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَ‍قًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [ التوبة : 111 ] ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } [ الصف : 10 إلى 13 ] ، وهناك آيات عديدة حذرت من التثاقل عن التضحية من أجل دين الله ، ومن ذلك قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [ التوبة : 38-39 ] ، وكقوله تعالى : {هَا أَنتُمْ هَؤُلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [ محمد : 38 ] ، ومن أعظم صور التضحية ، ما أخرجه الترمذي وابن ماجة والإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لقد أوذيت في الله ، وما يؤذى أحد ، وأخفت في الله ، وما يخاف أحد ، ولقد أتت علي ثلاثون ليلة من بين يوم وليلة ، وما لي ولبلال رضي الله عنه ما يأكله ذو كبد إلا ما يواري إبط بلال )) [ أخرجه الترمذي ، ح ( 2472 ) ، وابن ماجة ، ح ( 123 ) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ( 2472 ) ] ، ومن عظيم أمثلة التضحية ، ما أخرجه أبو داود والترمذي عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، قال : سمعت عمر بن الخطَّاب ، يقول : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدَّق ، فوافق ذلك عندي مالًا ، فقلت : اليوم أسبق أبا بكرٍ إن سبقته يومًا ، قال : فجئت بنصف مالي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما أبقيت لأهلك؟ قلت : مثله ، وأتى أبو بكرٍ بكلِّ ما عنده ، فقال : يا أبا بكرٍ ما أبقيت لأهلك ؟ قال : أبقيت لهم الله ورسوله ، قلت : لا أسبقه إلى شيءٍ أبدًا )) [ أخرجه أبو داود  ، ح ( 1678 ) ، والترمذي ، ح ( 3675 ) ، وقال حسن صحيح ، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : (( كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل ، وكان أحبَّ أمواله إليه بَيْرَحَاء ، وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيِّب ، قال أنس : فلما أنزلت هذه الآية :{ لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } [ آل عمران : 92 ] ، قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إنَّ الله تبارك وتعالى يقول{ لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} ، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرَحَاء ، وإنَّها صدقة لله ، أرجو برَّها وذخرها عند الله ، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله .  قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بخ ، ذلك مال رابح ، ذلك مال رابح ، وقد سمعت ما قلت ، وإنِّي أرى أن تجعلها في الأقربين .  فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله .  فقسَّمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمِّه )) [ متفق عليه : البخاري ( 1461 ) ، ومسلم ( 998 ) ] ، وأخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ عمَّه أنس بن النَّضر رضي الله عنه : غاب عن بدر ، فقال : ( غبت عن أوَّل قتال النَّبي صلى الله عليه وسلم ، لئن أشهدني الله مع النَّبي صلى الله عليه وسلم ليرينَّ الله ما أجد ، فلقي يوم أحد ، فهزم النَّاس ، فقال : اللهم إنِّي أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ، يعني المسلمين ، وأبرأ إليك مما جاء به المشركون ، فتقدَّم بسيفه فلقي سعد بن معاذ ، فقال : أين يا سعد ، إنِّي أجد ريح الجنَّة دون أحد ، فمضى فقُتل ، فما عُرف ، حتى عرفته أخته بشامة أو ببنانه ، وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم ) [ أخرجه البخاري ] ، فهؤلاء حقا هم أهل التضحية والإيثار ،

 

ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم : خلق [ الإيثار ] : من المعاني العظيمة ، والأخلاق الكريمة ، التي قام عليها المجتمع المؤمن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بتوجيه منه إلى فضائل الأعمال ، وغرس منه في النفوس لمكارم الأخلاق ، ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من الإيثار ، الذي بلغوا به في المحبة أعلى المراتب ، وتجاوزوا به حد المساواة بالنفس ، إلى درجة تفضيل إخوانـهم ، وتقديمهم على أنفسهم ، وقد أثنى الله عليهم بذلك في كتابه الكريم ، فقال : { وَالّذِينَ تَبَوّءُوا الدّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حَاجَةً مّمّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [ الحشر : 9 ] ، لقد بلغ الصحابة رضي الله عنهم هذه المرتبة العظيمة من المحبّة والإيثار بفضل ما كان يحثّهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرغّبهم فيه من المحبّة والأخوة والإيثار ، من ذلك ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : (( قالت الأنصار : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل ، قال : (( لا  )) ، قالوا : أفتكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمرة ، قالوا : سمعنا وأطعنا  )) ، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار : (( إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم  )) ، فقالوا : أموالنا بيننا قطائع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أو غير ذلك؟  )) ، قالوا : وما ذاك يا رسول الله؟ ، قال : (( تكفونهم ، وتقاسمونهم الثمر  )) ، قالوا : نعم  )) ، وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد أخبرنا حميد بن أنس ، قال : (( قال المهاجرون : يا رسول الله ما رأينا مثل قومٍ قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ، ولا أحسن بذلاً في كثير ، لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنأ ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله ، قال : (( لا ، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم  )) [ رواه الإمام أحمد ، وقال ابن كثير : حديث صحيح : البداية والنهاية ـ 3/ 227 ) ] ، وأخرج الإمام أحمد عن أنس أن عبد الرحمن بن عوف قدم المدينة فآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري ، فقال له سعد : أي أخي ، أنا أكثر أهل المدينة مالاً ، فانظر شطر مالي ، فخذه ، وتحتي امرأتان فانظر أيهما أعجب إليك حتى أطلقها ، فقال عبد الرحمن : بارك الله لك في أهلك ومالك ، دلني على السوق  )) الحديث [ أخرجه أحمد ، وأصله في الصحيحين ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : (( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني مجهود ، فأرسل إلى بعض نسائه ، فقالت : والذي بعثك بالحق ما عندي إلاّ ماء ، ثم أرسل إلى أخرى ، فقالت : مثل ذلك ، حتى قلن كلهن مثل ذلك : لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلاّ ماء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( من يضيف هذا الليلة؟  )) ، فقال رجل من الأنصار : أنا يا رسول الله ، فانطلق به إلى رحله ، فقال لامرأته : أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية : قال لامرأته : هل عندك شيء؟ ، فقالت : لا ، إلاّ قوت صبياني ، قال : علليهم بشيء ، وإذا أرادوا العشاء ، فنوميهم ، وإذا دخل ضيفنا ، فاطفئي السراج ، وأريه أنا نأكل ، فقعدوا وأكل الضيف ، وباتا طاويين ، فلما أصبح ، غدا على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : (( لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة  ))[ متفق عليه ] ،  وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي موسى رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو ، أو قل طعام عيالهم بالمدينة ، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية ، فهم مني وأنا منهم  ))[ متفق عليه ]  ، ولو ذهبنا نضرب أمثلة على خلق الإيثار من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام رضي الله عنهم لطال بنا المقال ، ولكن إشارة إلى بعض ذلك ، أقول وبالله التوفيق : مِن الأمثلة على إيثاره صلى الله عليه وسلم  : أخرج البخاري عن سهل بن سعد ، قال : (( جاءت امرأة ببردة ، قال : أتدرون ما البردة ؟ فقيل له : نعم ، هي الشَّملة منسوج في حاشيتها ، قالت: يا رسول الله، إنِّي نسجت هذه بيدي أكسوكها ، فأخذها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنَّها إزاره، فقال رجل مِن القوم: يا رسول الله، اكسنيها ، فقال: (نعم ) ، فجلس النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في المجلس، ثمَّ رجع فطواها ، ثمَّ أرسل بها إليه ، فقال له القوم : ما أحسنت، سألتها إيَّاه ، لقد علمت أنَّه لا يردُّ سائلًا. فقال الرَّجل : والله ما سألته إلَّا لتكون كفني يوم أموت. قال سهل: فكانت كفنه ))  [ أخرجه البخاري ( 2093 ) ] ، ومِن الأمثلة على الإيثار من سيرته صلى الله عليه وسلم  : أخرج البخاري : عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : (( إنَّا يوم الخندق نحفر فعرضت كُدْيَةٌ  شديدةٌ فجاءوا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كُدْيَةٌ عرضت في الخندق ، فقال : أنا نازل ثمَّ قام - وبطنه معصوبٌ بحجر ، ولبثنا ثلاثة أيَّام لا نذوق ذواقًا - فأخذ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم المعول فضرب في الكُدْيَة فعاد كثيبًا أهيل أو أهيم  ، فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت في النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم شيئًا ما كان في ذلك صبر فعندك شيء ؟ فقالت : عندي شعير وعناق ، فذبحت العناق ، وطحنت الشَّعير حتى جعلنا اللَّحم بالبرمة ، ثمَّ جئت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج. فقلت : طعيِّم لي ، فقم أنت - يا رسول الله - ورجل أو رجلان ، قال : كم هو؟ فذكرت له، فقال: كثير طيِّب. قال: قل لها لا تنزع البرمة  ولا الخبز مِن التَّنُّور حتى آتي. فقال: قوموا. فقام المهاجرون والأنصار، فلمَّا دخل على امرأته. قال: ويحك جاء النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومَن معهم! قالت: هل سألك ؟ قلت : نعم. فقال: ادخلوا ولا تضاغطوا  ، فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللَّحم ويخمِّر البرمة والتَّنُّور إذا أخذ منه، ويقرِّب إلى أصحابه ثمَّ ينزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقيَّةٌ. قال : كلي هذا وأهدي، فإنَّ النَّاس أصابتهم مجاعة ))  [ أخرجه البخاري (  4101 ) ] ،  ومِن الأمثلة على الإيثار من سيرته صلى الله عليه وسلم : أخرج البخاري ومسلم : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : (( قال أبو طلحة لأمِّ سليم : لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفًا أعرف فيه الجوع ، فهل عندك مِن شيء ؟ قالت : نعم ، فأخرجت أقراصًا مِن شعير، ثمَّ أخرجت خمارًا لها فلفَّت الخبز ببعضه، ثمَّ دسَّته تحت يدي ولاثتني  ببعضه، ثمَّ أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فذهبت به فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه النَّاس، فقمت عليهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: آرسلك أبو طلحة؟ فقلت : نعم. قال : بطعام؟ قلت: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه: قوموا. فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أمَّ سليم، قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنَّاس، وليس عندنا ما نطعمهم. فقالت: الله ورسوله أعلم. فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلمِّي يا أمَّ سليم ما عندك، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتَّ، وعصرت أمُّ سليم عكَّة فأدمته ، ثمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما شاء الله أن يقول، ثمَّ قال: ائذن لعشرة. فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثمَّ خرجوا، ثمَّ قال: ائذن لعشرة. فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثمَّ خرجوا، ثمَّ قال: ائذن لعشرة. فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثمَّ خرجوا، ثمَّ قال: ائذن لعشرة. فأكل القوم كلُّهم حتى شبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلًا ))  [ أخرجه البخاري (  3578 ) ، ومسلم ( 2040 ) ] ، ومِن الأمثلة على الإيثار من سيرته صلى الله عليه وسلم  : أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه كان يقول: ((الله الذي لا إله إلَّا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض مِن الجوع. وإن كنت لأشدُّ الحجر على بطني مِن الجوع. ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه فمرَّ أبو بكر فسألته عن آية مِن كتاب الله ما سألته إلَّا ليشبعني، فمرَّ ولم يفعل، ثمَّ مرَّ أبو القاسم صلى الله عليه وسلم فتبسَّم حين رآني، وعرف ما في نفسي وما في وجهي. ثمَّ قال: يا أبا هر! قلت: لبَّيك رسول الله. قال: الْحَق. ومضى فتبعته، فدخل فاستأذن، فأذن لي، فدخل فوجد لبنًا في قدح، فقال: مِن أين هذا اللَّبن؟ قالوا: أهداه لك فلان- أو فلانة- قال: أبا هر! قلت: لبَّيك يا رسول الله. قال: الْحَق إلى أهل الصُّفَّة فادعهم لي. قال- وأهل الصُّفَّة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد. إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هديَّة أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها- فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللَّبن في أهل الصُّفَّة؟ كنت أحقَّ أن أصيب مِن هذا اللَّبن شربة أتقوَّى بها، فإذا جاءوا أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني مِن هذا اللَّبن؟! ولم يكن مِن طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بدٌّ، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا، فأذن لهم وأخذوا مجالسهم مِن البيت. قال: يا أبا هر، قلت: لبَّيك يا رسول الله. قال: خذ فأعطهم. فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرَّجل فيشرب حتى يروى، ثمَّ يردُّ عليَّ القدح حتى انتهيت إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وقد روي القوم كلُّهم. فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إليَّ فتبسَّم، فقال: أبا هر، قلت: لبَّيك يا رسول الله. قال: بقيت أنا وأنت. قلت: صدقت يا رسول الله. قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت. فقال: اشرب. فشربتُ، فما زال يقول: اشرب. حتى قلتُ: لا -والذي بعثك بالحقِّ- ما أجد له مسلكًا. قال: فأرني، فأعطيته القدح، فحمد الله وسمَّى، وشرب الفضلة )) [ أخرجه البخاري ( 6452 ) ] ، ومِن الأمثلة على الإيثار من سيرة  الصحابة الكرام رضي الله عنهم :  أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : (( قالت الأنصار : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل ، قال : (( لا  )) ، قالوا : أفتكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمرة ، قالوا : سمعنا وأطعنا  )) ، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار : (( إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم  )) ، فقالوا : أموالنا بيننا قطائع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أو غير ذلك؟  )) ، قالوا : وما ذاك يا رسول الله؟ ، قال : (( تكفونهم ، وتقاسمونهم الثمر  )) ، قالوا : نعم  )) ، وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد أخبرنا حميد بن أنس ، قال : (( قال المهاجرون : يا رسول الله ما رأينا مثل قومٍ قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ، ولا أحسن بذلاً في كثير ، لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنأ ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله ، قال : (( لا ، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم  )) [ رواه الإمام أحمد ، وقال ابن كثير : حديث صحيح : البداية والنهاية ـ 3/ 227 ) ] ، ومِن الأمثلة على الإيثار من سيرة  الصحابة الكرام رضي الله عنهم : أخرج الإمام أحمد عن أنس أن عبد الرحمن بن عوف قدم المدينة فآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري ، فقال له سعد : أي أخي ، أنا أكثر أهل المدينة مالاً ، فانظر شطر مالي ، فخذه ، وتحتي امرأتان فانظر أيهما أعجب إليك حتى أطلقها ، فقال عبد الرحمن : بارك الله لك في أهلك ومالك ، دلني على السوق  )) الحديث [ أخرجه أحمد ، وأصله في الصحيحين ] أخرج البخاري : أقبل المهاجرون إلى المدينة لا يملكون مِن أمر الدُّنْيا شيئًا، فلـمَّا قدموا المدينة آخى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وبين سعد بن الرَّبيع الأنصاريِّ ، وعند الأنصاريِّ امرأتان ، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله ، فقال له: بارك الله لك في أهلك ومالك ، دلُّوني على السُّوق )) [ أخرجه البخاري ( 2048 )] ،  ومِن الأمثلة على الإيثار من سيرة  الصحابة الكرام رضي الله عنهم : أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : (( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني مجهود ، فأرسل إلى بعض نسائه ، فقالت : والذي بعثك بالحق ما عندي إلاّ ماء ، ثم أرسل إلى أخرى ، فقالت : مثل ذلك ، حتى قلن كلهن مثل ذلك : لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلاّ ماء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( من يضيف هذا الليلة؟  )) ، فقال رجل من الأنصار : أنا يا رسول الله ، فانطلق به إلى رحله ، فقال لامرأته : أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية : قال لامرأته : هل عندك شيء؟ ، فقالت : لا ، إلاّ قوت صبياني ، قال : علليهم بشيء ، وإذا أرادوا العشاء ، فنوميهم ، وإذا دخل ضيفنا ، فاطفئي السراج ، وأريه أنا نأكل ، فقعدوا وأكل الضيف ، وباتا طاويين ، فلما أصبح ، غدا على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : (( لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة  )) ، فأنزل الله : { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ متفق عليه ، أخرجه البخاري ( 3798 ) ومسلم ] ، ومِن الأمثلة على الإيثار من سيرة  الصحابة الكرام رضي الله عنهم :  أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي موسى رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو ، أو قل طعام عيالهم بالمدينة ، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية ، فهم مني وأنا منهم  ))[ متفق عليه ]  ، ومِن الأمثلة على الإيثار : أورد ابن كثير في البداية والنهاية : (( في غزوة اليرموك قال عكرمة بن أبي جهل : قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن وأفرُّ منكم اليوم ؟! ثمَّ نادى : مَن يبايع على الموت ؟ فبايعه عمُّه الحارث بن هشام ، وضرار بن الأزور في أربعمائة مِن وجوه المسلمين وفرسانهم ، فقاتلوا قدَّام فسطاط خالد حتى أُثْبِتُوا جميعًا جراحًا، وقُتِل منهم خلقٌ ، منهم ضرار بن الأزور رضي الله عنهم ، فلمَّا صرعوا مِن الجراح استسقوا ماء ، فجيء إليهم بشربة ماء، فلمَّا قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر ، فقال : ادفعها إليه. فلما دُفِعَت إليه نظر إليه الآخر ، فقال : ادفعها إليه ، فتدافعوها كلُّهم مِن واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعًا ولم يشربها أحد منهم رضي الله عنهم أجمعين  )) [ البداية والنهاية لابن كثير ج 7 ص 15 ] ، ومِن الأمثلة على الإيثار :  إيثار أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها عمر بن الخطاب على نفسها : أخرج البخاري : لما طُعِن أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما قال لابنه عبد الله: (اذهب إلى أُمِّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- فقل: يقرأ عمر ابن الخطَّاب عليك السَّلام، ثمَّ سلها أن أُدْفَن مع صاحبيَّ. قالت: كنت أريده لنفسي، فلأوثرنَّه اليوم على نفسي. فلمَّا أقبل، قال له: ما لديك؟ قال: أذنت لك يا أمير المؤمنين ، قال : ما كان شيء أهمَّ إليَّ من ذلك المضجع، فإذا قُبِضت فاحملوني، ثمَّ سلِّموا، ثمَّ قل: يستأذن عمر بن الخطَّاب، فإن أذنت لي فادفنوني ، وإلَّا فردُّوني إلى مقابر المسلمين)  [ أخرجه البخاري : 1392 ] ،  ومِن الأمثلة على الإيثار : أخرج مالك في الموطأ عن مولاة لأمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها : أن أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها دخل عليها مسكينٌ فسألها -وهي صائمة وليس في بيتها إلَّا رغيف- فقالت لمولاة لها: أعطيه إيَّاه. فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه؟ فقالت: أعطيه إيَّاه. قالت: ففعلتُ. قالت: فلمَّا أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان ما كان يُهدِي لنا : شاة وكفنها. فدعتني عائشة فقالت : كلي مِن هذا، فهذا خيرٌ مِن قرصك )) [ موطأ الإمام مالك : ج 2 ص 997 ] ،  ومِن الأمثلة على الإيثار : أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق : مرض ابن عمر فاشتهى عنبًا  فأرسلت امرأته فاشترت عنقودًا بدرهم ، فاتَّبع الرَّسول السَّائل ، فلمَّا دخل به ، قال السَّائل: السَّائل. فقال ابن عمر: أعطوه إيَّاه. فأعطوه إيَّاه. ثمَّ أرسلت بدرهم آخر، فاشترت عنقودًا، فاتَّبع الرَّسول السَّائلُ، فلمَّا دخل، قال السَّائل: السَّائل. فقال ابن عمر: أعطوه إيَّاه. فأعطوه إيَّاه ، فأرسلت صفيَّة إلى السَّائل، فقالت: والله إن عُدتَ لا تصيبُ منه خيرًا أبدًا. ثمَّ أرسلت بدرهم آخر فاشترت به ، قال : واشتهى يومًا سمكةً ، فشُوِيَت وجيء بها على رغيف، فقام سائلٌ بالباب، فقال ابن عمر للغلام لفَّها برغيفها، وادفعها إليه. فأبى الغلام، فردَّه وأمره بدفعها إليه، ثمَّ جاء به فوضعها بين يديه، وقال: كُلْ هنيئًا -يا أبا عبد الرَّحمن-، فقد أعطيته درهمًا وأخذتها. فقال: لفَّها وادفعها إليه، ولا تأخذ منه الدِّرهم  )) [ ابن عساكر في تاريخ دمشق ج 31 ص 142 ] ،  ومِن الأمثلة على الإيثار : أخرج ابن المبارك في الزهد : أخذ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أربعمائة دينار، فجعلها في صرَّة، ثمَّ قال للغلام : اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجرَّاح ، ثمَّ تلكَّأ ساعة في البيت حتى تنظر ماذا يصنع بها ، فذهب بها الغلام إليه ، فقال : يقول لك أمير المؤمنين : اجعل هذه في بعض حاجتك ، فقال : وصله الله ورحمه ، ثمَّ قال : تعالي يا جارية ، اذهبي بهذه السَّبعة إلى فلان ، وبهذه الخمسة إلى فلان ، حتى أنفدها ، فرجع الغلام إلى عمر ، فأخبره فوجده قد أعدَّ مثلها لمعاذ بن جبل. وقال: اذهب بهذا إلى معاذ بن جبل ، وتلكَّأ في البيت ساعة حتى تنظر ماذا يصنع ،  فذهب بها إليه ، فقال : يقول لك أمير المؤمنين : اجعل هذه في بعض حاجتك ، فقال : رحمه الله ووصله ،  وقال : يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا وبيت فلان بكذا. فاطَّلعت امرأة معاذ فقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا. ولم يبق في الخرقة إلَّا ديناران فنحا بهما إليها. فرجع الغلام إلى عمر فأخبره، فسُرَّ بذلك عمر، وقال: إنَّهم إخوة بعضهم مِن بعض )   [ الزهد لابن المبارك  (  ج 1 ص 178 ) وحلية الأولياء لأبي نعيم ( ج 1 ص 237 ) وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب حسن موقوف ] ، ومِن الأمثلة على الإيثار : أخرج الحاكم في المستدرك :  قال ابن عمر رضي الله عنه : أهدي لرجل مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة ، فقال : إنَّ أخي فلانًا وعياله أحوج إلى هذا منَّا. فبعث به إليهم، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها أهل سبعة أبيات حتى رجعت إلى الأوَّل، فنزلت: { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } [الحشر: 9]  )) [ الحاكم في المستدرك (  3799 ) ] ، والأمثلة على الإيثار تطول ، ويكفيهم ثناء الله تعالى عليهم في القرآن بقوله سبحانه : { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ الحشر : 9 ] ، اللهم ارزقنا خلق الإيثار ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الثالث : أخلاق المجتمع المسلم  : التعاطف والتعاون

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : أخلاق المجتمع المسلم : خلق [ التعاطف ] وخلق [ التعاون ] :

 

خلق [ التعاطف ]  : قال الله تعالى : {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} [ التوبة : 71 ] ، وقال تعالى : {مّحَمّدٌ رّسُولُ الله وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} [ الفتح : 29 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى  ))[ متفق عليه ] ، وأخرج مسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه ، قال : (( كنا في صدر النهار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاءه قوم عراة مجتابي النمار ، أو العباء ، متقلدي السيوف ، عامتهم من مضر ، بل كلهم من مضر ، فتمعّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما رأى بهم من الفاقة ، فدخل ثم خرج ، فأمر بلالاً فأذن ، وأقام ، فصلى ثم خطب ، فقال : {يَا أَيُّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ} إلى آخر الآية : {إِنّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} ، والآية الأخرى التي في آخر الحشر : {يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ الله وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مّا قَدّمَتْ لِغَدٍ} ، تصدق رجل من ديناره ، من درهمه ، من ثوبه ، من صاع بره ، من صاع تمره ، حتى قال : (( ولو بشق تمرة  )) ، فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها ، بل قد عجزت ، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب ، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها ، وأجر من عمل ب‍ها من بعده ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة ، كان عليه وزرها ووزر من عمل ب‍ها من بعده ، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء  ))[ رواه مسلم ] ، وأخرج أبو داود والترمذي عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، رضي الله عنهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ليس منا من لم يرحم صغيرنا ، ويعرف حق كبيرنا   ))[ أخرجه أبوداود والترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح ] ، ومن التعاطف الذي أوصى الله تعالى به ورسوله ، وقام عليه المجتمع الإسلامي الأول في أكمل صورة ، وأجمل مقام ، بر الوالدين وصلة الأرحام ، والوصية بالجار ، وإكرام الضيف ، قال الله تعالى : {وَقَضَى رَبّكَ أَلاّ تَعْبُدُوَاْ إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمّا يَبْلُغَنّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لّهُمَآ أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذّلّ مِنَ الرّحْمَةِ وَقُل رّبّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبّيَانِي صَغِيراً} [ الإسراء : 23 ،24 ] ، وقال تعالى : {وَالّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ} [ الرعد : 21 ] ، وقال تعالى : {وَاعْبُدُواْ الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [ النساء : 36 ] ، وأخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( رغم أنف ، ثم رغم أنف ، ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر ، أحدهما أو كليهما ، فلم يدخل الجنة  ))[ رواه مسلم ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ ، قال : (( أمك  )) ، قال : ثم من؟ ، قال : (( أمك  )) ، قال : ثم من؟ ، قال : (( أمك  )) ، قال : ثم من؟ ، قال : (( أبوك  ))[ متفق عليه ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم ، قامت الرحم : فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ، قال : نعم ، أما ترضين أن أصل من وصلك ، وأقطع من قطعك؟ ، قالت : بلى ، قال : فذلك لك  )) ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اقرأوا إن شئتم : {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ في الأرْضِ وَتُقَطّعُوَاْ أَرْحَامَكُمْ ، أَوْلَـَئِكَ الّذِينَ لَعَنَهُمُ الله فَأَصَمّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [ محمد : 22 ،23 ]  . [ متفق عليه ] ، وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ليس الواصل بالمكافيء ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها  ))[ رواه البخاري ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن  )) ، قيل : من يا رسول الله؟ ، قال : (( الذي لا يأمن جاره بوائقه  ))[ متفق عليه ] ، وأخرج مسلم عن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليحسن إلى جاره ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليكرم ضيفه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليقل خيراً أو ليسكت  )) [ رواه مسلم ] ، وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه ، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره  ))[ رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن ] ، ما أحوج المجتمع الإسلامي – اليوم – إلى التعاطف والتواد والتراحم ، وإلى  بر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران ، وإكرام الضيف والعطف على المحتاج والمسكين والفقير واليتيم ، فما أعظم المجتمع إن تحلى بهذه الأخلاق ،

 

خلق [ التعاون ]  : قال الله تعالى : {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرَّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ} [ المائدة : 2 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي عبد الرحمن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا ، ومن خلف غازياً في أهله بخيرٍ فقد غزا  ))[ متفق عليه ] ، وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعث بعثاً إلى بني لحيان من هذيل ، فقال : (( لينبعث من كل رجلين أحدهما والأجر بينهما  )) [ رواه مسلم ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي ذر رضي الله عنه ، قال : قلت : يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ ، قال : (( الإيمان بالله والجهاد في سبيله  )) إلى أن قال : فإن لم أفعل؟ ، قال : (( تعين صانعاً أو تصنع لأخرق  ))[ متفق عليه ] ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة ، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه  ))  [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( كل سلامى من الناس عليه صدقة ، كل يوم تطلع فيه الشمس ، تعدل بين اثنين صدقة ، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها ، أو ترفع له عليها متاعه صدقة  ))  [ متفق عليه ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي موسى رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً   وشبّك بين أصابعه )) [ متفق عليه ] ، ولو ذهبنا نضرب أمثلة على خلق التعاون من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام رضي الله عنهم لطال بنا المقال ، ولكن إشارة إلى بعض ذلك ، أقول وبالله التوفيق : مِن الأمثلة على تعاونه صلى الله عليه وسلم  : المعروف من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه  كان يسعى لقضاء حوائج المسلمين ، ويحبُّ إعانتهم ، :  أخرج البخاري ومسلم : عن أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : (كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنَّك لتصل الرَّحم، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضَّيف، وتعين على نوائب الحقِّ ) [ متفق عليه ، البخاري : ح ( 3 ) واللفظ له ، ومسلم ح 160 ] وكانت رضي الله عنها تخفِّف مِن روع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عند عودته مِن غار حراء بعد نزول الوحي عليه ،  وكلامها يدل على مدى التعاون الذي بلغه الرسول صلى الله عليه وسلم ، يصل الرَّحم، ويحمل الكلَّ، ويكسب المعدوم، ويقري الضَّيف، ويعين على نوائب الحقِّ ،  وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يكون في مَهْنة أهله، فإذا حضرت الصَّلاة قام إلى الصَّلاة )) [ أخرجه البخاري : ح 6039 ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: (( كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ينقل التُّراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه  أو أغبر بطنه يقول: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدَّقنا ولا صلَّينا ... فأنزلن سكينة علينا ... وثبِّت الأقدام إن لاقينا ... إن الأُلى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا ، ويرفع بها صوته: أبينا أبينا)) [ متفق عليه ، البخاري : ح 4104 ، ومسلم : ح 1803 ] ، ومِن الأمثلة على التعاون من سيرة  الصحابة الكرام رضي الله عنهم : كان الصَّحابة رضوان الله عليهم مثالًا يُحْتَذى بهم في التَّعاون ، وكانوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منهم عضو تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمَّى، أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : (( جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون التَّراب على متونهم، ويقولون: نحن الذين بايعوا محمَّدًا  .... على الإسلام ما بقينا أبدًا ... والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يجيبهم ويقول : اللَّهمَّ إنَّه لا خير إلَّا خير الآخرةْ  ... فبارك في الأنصار والمهاجرةْ  )) [ أخرجه البخاري : ح 2835 ] ،  وأخرج البخاري ومسلم عن أنس ابن مالك : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم عندما أراد أن يتخذ المسجد ، قال لبني النَّجار: (( يا بني النَّجار ثامنوني بحائطكم هذا ، قالوا : لا والله لا نطلب ثمنه إلَّا إلى الله ، فقال أنسٌ : فكان فيه قبور المشركين، وفيه خربٌ وفيه نخلٌ، فأمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين، فنُبِشَت، ثمَّ بالخرب فسوِّيت، وبالنَّخل فقطِّع، فصفُّوا النَّخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصَّخر وهم يرتجزون والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم معهم، وهو يقول: اللَّهمَّ لا خير إلَّا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة )) [ أخرجه البخاري : ح 428 ، ومسلم : ح 524 ] ، ومِن الأمثلة على التعاون من سيرة  الصحابة الكرام رضي الله عنهم : عندما هاجر المهاجرون إلى المدينة كانوا لا يملكون مِن أمر الدُّنْيا شيئًا، فلـمَّا قدموا المدينة آخى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وبين سعد بن الرَّبيع الأنصاريِّ ، وعند الأنصاريِّ امرأتان ، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله ، فقال له: بارك الله لك في أهلك ومالك ، دلُّوني على السُّوق ،  أخرج البخاري : عن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه قال : (( آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين سعد بن الرَّبيع ، فقال لي سعد : إنِّي أكثر الأنصار مالًا ، فأقاسمك مالي شطرين ، ولي امرأتان ، فانظر أيتهما شئت حتى أنزل لك عنها ، فإذا حلَّت تزوجتها ، فقلت: لا حاجة لي في ذلك، دلُّوني على السُّوق، فدلُّوني على سوق بني قينقاع، فما رحت حتى استفضلت أقِطًا  وسمنًا ))  [ أخرجه البخاري ( 2048 ) ] ،  ومِن الأمثلة على التعاون من سيرة  الصحابة الكرام رضي الله عنهم : موقفهم مع سلمان رضي الله عنه عندما كاتب سيِّده ، وكان فقيرًا لا يملك ما كاتب عليه ، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم للصَّحابة : (( أعينوا أخاكم )) فأعانوه ، حتى تحرَّر مِن رقِّه، وأصبح حرًّا  )) [ أخرجه أحمد : ح 23788 ، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة : ح ( 84 ) ] ، اللهم ارزقنا التعاطف والتعاون على البر والتقوى ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الرابع : أخلاق المجتمع المسلم : التناصر والتكافل

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : أخلاق المجتمع المسلم : خلق [ التناصر ] و خلق [ التكافل ]

 

من أهم أخلاق المجتمع المسلم : التناصر : التناصر هو نصرة المسلمين ظالمين أو مظلومين ، أخرج البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم  قوله : (( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً  )) ، فقال رجل : يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً ، أرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟ ، قال : (( تحجزه من الظلم فإن ذلك نصره  ))[ رواه البخاري ] ، ما أحوج المجتمع المسلم إلى صفة التناصر وإلى عقيدة الولاء والبراء في الله تعالى ، يتولى بعضهم بعضا ، كما جاء في قوله تعالى : {إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ الله وَالّذِينَ آوَواْ وّنَصَرُوَاْ أُوْلَـَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَالّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مّن وَلاَيَتِهِم مّن شَيْءٍ حَتّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ في الدّينِ فَعَلَيْكُمُ النّصْرُ إِلاّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [ الأنفال : 72 ] ، وقوله تعالى : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } ، وقال تعالى : {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ  دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } ، وقال تعالى : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا  تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا  } ، لقد بنى الرسول صلى الله عليه وسلم ، المجتمع المسلم الأول ، على الإخاء ، والحب ، والتعاون ، والتراحم والتناصر الولاء في الله والبراء في الله ، وأرسى تلك المبادئ في ذلك الميثاق النبوي العظيم ، الذي كتبه الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ، أول وصوله إلى المدينة ، ليكون رباط حب وإخاء ، وعهد فداء وولاء ، وأساساً متيناً من أسس ذلك البناء المسلم الذي يشد بعضه بعضاً ، ويقوم على التناصر والتآزر ، قال ابن إسحاق : (( وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً بين المهاجرين والأنصار ، وادع فيه يهود ، وعاهدهم ، وأقرهم على دينهم وأموالهم ، وشرط لهم ، واشترط عليهم : (( بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم ، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ، ومن تبعهم ، فلحق بهم ، وجاهد معهم ، إنهم أمة واحدة من دون الناس ، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم ، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين ، وبنو عوف على ربتعم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ، . ، وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه ، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم ، أو ابتغى دسيعة ظلم ، أو إثم ، أو عدوان ، أو فساد بين المؤمنين وإن أيديهم عليه جميعاً ، ولو كان ولد أحدهم ، ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر ، ولا ينصر كافراً على مؤمن ، وإن ذمة الله واحدة ، يجير عليهم أدناهم ، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس ، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره  )) اهـ .  [  ابن هشام ـ السيرة النبوية ـ 1/501 ] ، إن من أهم أخلاق المجتمع المسلم التناصر ، وما أحوج المسلمين إلى صفة التناصر وإلى عقيدة الولاء والبراء في الله تعالى ، يتولى بعضهم في الله بعضا ،

 

ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم : التكافل : لقول الله تعالى : { وَمَا أنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ } [ سبأ : 39 ] ، وقوله تَعَالَى : {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } [ البقرة : 272 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ } [ البقرة : 273 ] ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد اللهِ بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : أنَّ رَجُلاً سَألَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الإسلامِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : ((  تُطْعِمُ الطَّعَامَ ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ )) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه مسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ((  مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَال ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزّاً ، وَمَا تَواضَعَ أحَدٌ لله إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ عز وجل )) [ أخرجه مسلم ] ، تعدَّد صور التكافل الاجتماعي في الإسلام ، فتمتدُّ إلى كل العلاقات الاجتماعية ، فهناك التكافل الاجتماعي العام ؛ لإيجاد روح اجتماعية تُشيع المعروف وتُنكِر المُنكَر ،  قال تعالى : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ  } [ آل عمران : 104 ] ، وكل فرد في المجتمع الإسلامي ، مسؤولٌ عن إشاعة المعروف وإزالة المنكر ؛ قال صلى الله عليه وسلم : (( مَن رأى منكم منكرًا ، فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان )) [ أخرجه مسلم ] ، وهناك التكافل  الأسري ، ويشمل رعاية الإنسان لأهله ؛ لوالديه، وإخوته ، وزوجته ، وأولاده ، فرض الله تعالى الإحسان إلى الوالدين ، قال تعالى : {  وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ  عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء : 23 ، 24 ] ، وفرض كذلك للأطفال والأبناء ما يكفيهم ، قال تعالى : { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } [ البقرة : 233 ] ،  وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة : ((خُذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف )) [ متفق عليه ] ، وأخرج النسائي عن طارق المحاربي قال : (( قدمت المدينة فإذا رسولُ الله  صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبر يخطب الناس وهو يقول: (( يد المُعطي العُليا، وابدأ بمن تعول : أمك وأباك ، فأختك وأخاك ، ثم أدناك ، أدناك )) ، ومِن ذلك أيضًا ، أخرج الترمذي وأبو داود وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((خيركم : خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي )) [ الحديث أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة  ] ،  وفي هذا الحديث دليل عظيم على محاسن الإسلام التي جاء بها ، ومن جملتها أنه جعل الإحسان إلى الزوجة والعيال من أفضل الأعمال والقربات ، وفاعله من خيرة الناس ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( خيركم خيركم لأهله )) : أي لعياله ، وذوي رحمه ، وأزواجه ، وأقاربه ، وذلك لدلالته على حسن الخلق ، ومِن ذلك أيضًا ، فقد أخرج مسلم : عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرْفُوعًا : (( أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ , وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ )) قَالَ أَبُو قِلَابَةَ : بَدَأَ بِالْعِيَالِ . ثُمَّ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ : وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ يُعِفُّهُمُ اللَّهُ أَوْ يَنْفَعُهُمْ اللَّهُ بِهِ وَيُغْنِيهِمْ . [ أخرجه مسلم ح ( 994 ) ] ، وأخرج مُسْلِمٌ  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : (( دِينَارٌ أَنْفَقْته فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَدِينَارٌ أَنْفَقْته فِي رَقَبَةٍ , وَدِينَارٌ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ , وَدِينَارٌ أَنْفَقْته عَلَى أَهْلِك , أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْته عَلَى أَهْلِك )) [ أخرجه مسلم ح ( 995 ) ] ، وَفِي صحيح البخاري  وصحيح مسلم عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ وَإِنَّك لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْت عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِك } أَيْ فِي فَمِهَا )) [ متفق عليه ، البخاري (1295) ومسلم   (1628) ] ، إنّ الأسرة هي نواة المجتمع فإذا صلحت صلح المجتمع كله ، وإذا فسدت فسد المجتمع كله ، والتكافل الأسري يمتد ليشمل كل ذوي الأرحام، وقد أعطى الإسلام ذوي القربي حقوقًا ؛ قال تعالى:  { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ } [ الإسراء : 26 ]، والتكافل يمتد ليشمل الجيران : قال تعالى : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ } [ النساء : 36 ] ، وقال أبو ذر الغفاري - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أوصاني خليلي - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا طبختَ فأكثر المرق، ثم انظر بعض أهل البيت مِن جيرانك، فاغرف لهم منها )) [ أخرجه مسلم ] ، وليس الجار هو المُلاصِق ، فقد روي في الآثار أن أربعين دارًا جار، وفسَّرها بعضهم بأربعين مِن كل جهة مِن الجهات الأربع ، أخرج الطبراني في الكبير عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به )) ، وأخرج الحاكم في المستدرك عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه )) ، وصححه الذهبي في التلخيص، والألباني في صحيح الأدب المفرد ، والتكافل يمتد ليشمل الفقراء والمساكين ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ } [ المعارج : 24 ، 25 ] ، وقال الفقهاء : فرض على الأغنياء مِن أهل كل بلد أن يقوموا بفُقرائهم ، ويُجبرهم السلطان على ذلك ، إن لم تقم الزكاة بهم ، ولا في سائر أموال المسلمين بهم ، فيُقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بدَّ منه ، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك ، وبمسكن يُكنُّهم مِن المطر والصيف والشمس وعيون المارة ، ومن التكافل الاجتماعي : كفالة اليتيم : واليتيم مَن مات أبوه وتركه صغيرًا ضعيفًا يحتاج إلى مَن يكفله، وقد حثَّ الإسلام على إكرام اليتيم ؛ فقال تعالى:  { فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ }  ، وقال تعالى : { وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  } [ الأنعام : 152 ] ، وقال: تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا  } [ النساء : 10 ] ، وفي الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم : (( أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين ، وأشار بإصبعيه ؛ يعني : السبابة والوسطى )) [ أخرجه البخاري : ح  4892 ] ، ومن التكافل الاجتماعي ، كفالة أصحاب العاهات والشيوخ والعجَزة والمَنكوبين : قال تعالى : {  وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى  } [ المائدة : 2 ] ، وقال تعالى : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ  } [ آل عمران :  134 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يُسلمه، مَن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومَن فرَّج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومَن ستَر مُسلمًا، ستره الله يوم القيامة )) [ متفق عليه ] ، بل يمتد التكافل ليشمل أهل الذمة المُنضوِين تحت مظلة المجتمع الإسلامي ، والغير قادرين على العمل ،  وفي سلوك الرسول صلى الله عليه وسلم  في المدينة مع اليهود ، ما يؤكد سمو المعاملة التي عُومل بها هؤلاء ،  وقصة عمر بن الخطاب مع اليهودي وفرضه له مالاً - راتبًا - من بيت مال المسلمين أكبرُ دليل على ذلك ،  اللهم ارزقنا التناصر والتكافل ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الخامس :  أخلاق المجتمع المسلم : البر والإحسان

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : أخلاق المجتمع المسلم : خلق [ البر ] و خلق [ الإحسان ]

 

من أهم أخلاق المجتمع المسلم : البِرُّ :  والبِرُّ : هو الصِّدق والطَّاعة والخير والفضل ، وبَرَّ في يمينه ، إذا صدَّقه ولم يحنث ، وبَرَّ رحمه إذا وصله ، والبَـرُّ : الصَّادق والتقي ، وهو خلاف الفاجر ، والبِرُّ : ضدُّ العقوق ،  وبِرُّ الوالد : التَّوسع في الإحسان إليه ، ، وبَرَّ العبدُ ربَّه ، أي : توسَّع في طاعته ،  والبِرُّ : كذلك هو الصِلة ، وإسداء المعروف ، والمبالغة في الإحسان ،  قال تعالى : { لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}  [ البقرة : 177 ] ، فالبِرُّ هاهنا اسم جامع لكل معاني الخير والتقوى والصلاح ، وهو يتناول الإيمان بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ، ويتناول النفقة لذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ ، ويتناول إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والوفاء بالعهد والصبر في البأساء والضراء وحين الجهاد ، وقال تعالى { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}  [ المائدة : 2 ] ، والبر هنا هو كل عمل للخير يوافق الشرع ، وقال تعالى : { وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ البقرة : 189 ] ، فالبر ها هنا بمعنى التقوى ، ويدخل في معنى التقوى فعل كل ما أمر الله به ، وترك كل ما نهى الله عنه ، وقد وضح النبي صلى الله عليه وسلم معنى البر ، وأنه حسن الخلق ، أخرج مسلم عن الـنَّـوَّاسِ بن سمعانَ رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البِرِّ والإثم ، فقال : (( البِرُّ حسن الخلق ، والإثم ما حاك في صدرك ، وكرهت أن يطلع عليه النَّاس )) [ أخرجه مسلم : 2553 ] ، ويدخل فيه احتمال الأذى ، وقلَّة الغضب ، وبسط الوجه ، وطيب الكلام ، وأخرج ابن ماجة عن ثوبانَ رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا يزيد في العمر إلَّا البِرُّ ، ولا يردُّ القدر إلَّا الدُّعاء ، وإنَّ الرَّجل ليُحْرَم الرِّزق بخطيئة يعملها)) [ أخرجه ابن ماجة ح 18 ، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ] ، والبر ها هنا هو كل ما دل عليه الشرع من خير وطاعة ، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( عليكم بالصِّدق ؛ فإنَّ الصِّدق يهدي إلى البِرِّ .  وإنَّ البِرَّ يهدي إلى الجنَّة .  وما يزال الرجل يصدُق ، ويتحرَّى الصِّدق حتى يُكتب عند الله صدِّيقًا .  وإيَّاكم والكذب ؛ فإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور .  وإنَّ الفجور يهدي إلى النَّار .  وما يزال الرَّجل يكذب ، ويتحرَّى الكذب حتَّى يُكتب عند الله كذابًا )) [ متفق عليه ، البخاري ( 6094 ) ، و مسلم ( 2607 ) ] ، والخلاصة أن البر اسم جامع لكل معاني الخير والإحسان ،  و ( البر ) من أسماء الله تعالى الحسنى ، قال تعالى : { إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ  } [ الطور : 28 ] ، و ( البر ) هو  سبحانه العطوف على عباده ، المحسن إليهم ، وقد خاطب عباده بقوله سبحانه : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } [ آل عمران : 92 ] ، فلن يصل المسلم إلى مرتبة البر إلا بالنفقة مما يحب من كرائم أمواله قربة إلى الله ،

 

ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم : الإحسان : قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ النحل : 90 ] ، والإحْسَان نوعان :  إحسان في عبادة الخالق سبحانه : بأن يعبد الله كأنَّه يراه فإن لم يكن يراه فإنَّ الله يراه ، وقد جاء في صحيح مسلم من حديث جبريل عليه السلام ما يدل على هذا المعنى ، وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحْسَان ، فقال صلى الله عليه وسلم : (( أن تعبد الله كأنَّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) [ أخرجه مسلم ] ، وهذا الإحسان معناه الجِدُّ في القيام بحقوق الله ، والنوع الثاني من الإحسان هو : الإحسانٌ في حقوق الخَلْق ، وهو بذل جميع المنافع لهم والانعام عليهم ، قال سبحانه { وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } [ القصص : 77 ] ، وقال تعالى : { إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [ الأعراف : 56 ] ، وأخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قال)) إنَّ الله كتب الإحْسَان على كلِّ شيء )) [ مسلم : 1955 ] ،  إن الإحسان من أعظم المبادئ الأخلاقية التي أمر الشرع الإسلامي بها ، ويكفي في بيان فضيلته ، قوله تعالى : { وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [ فصِّلت : 34 ، 35 ] ، وقوله تعالى : { أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } [ القصص : 54 ] ، ونفهم من الآيتين : أن هذا الإحسان في حق من أساء إلينا ، فكيف يُتصور الإحسان مع من لم يسيء إلينا ، بل كيف يُتصور الإحسان مع من أحسن إلينا ، أو من لهم حقوق علينا كأولياء الأمور والوالدين والأهل والأولاد ، وذوي الرحم ، والجيران ، والضيفان وابن السبيل ، والمحتاجين من المسلمين بل وعموم المسلمين ، فالإحسان إلى أولياء الأمور يكون بطاعتهم في المعروف ، أخرج البخاري عن أبي هريرة  رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )) [ أخرجه البخاري ح ( 1835 ) ] ،  ولا شك أنّ هذه الطاعة  فيما لا يدخل في معصية الله ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : (( عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ )) [ أخرجه البخاري ح (2955) ، ومسلم ح (1709) ] ،  والإحسان للوالدين يكون ببرِّهما ، وإيصال الخير المستطاع إليهما ، والدُّعاء والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما ، وإكرام صديقهما ، قال تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [ الإسراء : 23-24 ] ، وقال تعالى : { أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [ لقمان : 14 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : (( الصلاة على وقتها )) . قلت : ثم أي ؟ قال : (( بر الوالدين )) . قلت : ثم أي ؟ قال : (( الجهاد في سبيل الله )) [ متفق عليه ] ، والإحسان إلى الأهل والعيال : يكون بالخيرية لهم ، أخرج الترمذي وأبو داود وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((خيركم : خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي )) [ الحديث أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة  ] ،  والإحسان للأقارب وذوي الرحم يكون  ببرِّهم ورحمتهم والعطف عليهم ، وفعل ما يَجْمُل فعله معهم ، وترك ما يسيء إليهم ،  تارة تكون بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيارة ، وتارة بالسلام ، وتارة بطلاقة الوجه، وتارة بالنصح، وتارة برد الظلم، وتارة بالعفو والصفح وغير ذلك من أنواع الصلة ، قال تعالى : { فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُريدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ الروم : 38 ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه)) [  متفق عليه : البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم (7/96) برقم 5986 ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (4/1982) برقم 2557 ] ، والإحْسَان إلى الجار فرض واجب ، فقد أوصى الإسلام بالإحسان إلى الجار ، وحرم أذاه بالقول والفعل ، وجعل منع الأذى عنه من خصال الإيمان، ونفى الإيمان عن من لا يأمنه جاره، وأخبر أن خير الجيران عند الله خيرهم لجاره، أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه )) [  متفق عليه ، البخاري (10/ 369، 370) ،ومسلم (2624، 2625) ] ، والإحسان إلى الضيوف من أهم مكارم الأخلاق ، فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :   (( ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه )) [ متفق عليه ] ، والإحسان إلى اليتامى يكون بالمحافظة على أموالهم ، وصيانة حقوقهم ، وتأديبهم وتربيتهم بالحسنى ، والمسح على رؤوسهم ، والإحسان إلى المساكين يكون بسدِّ جوعهم ، وستر عورتهم ، قضاء حوائجهم ، والإحسان إلى ابن السَّبيل بقضاء حاجته ، وسدِّ خلَّته ، ورعاية ماله ، وصيانة كرامته ، وبإرشاده إن استرشد ، وهدايته إن ضلَّ ، والإحسان إلى عموم المسلمين بالتَّلطُّف في القول لهم ، ومجاملتهم في المعاملة ، وبإرشاد ضالِّهم ، وتعليم جاهلهم ، والاعتراف بحقوقهم ، وبإيصال النَّفع إليهم ، وكفِّ الأذى عنهم ، اللهم ارزقنا الإحسان في كل شيء ، اللهم ارزقنا البر والإحسان ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس السادس :  أخلاق المجتمع المسلم : محاسن الأخلاق

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : أخلاق المجتمع المسلم : [ محاسن الأخلاق ] ويشمل : التواضع  والتآلف والتودد والبشاشة ، حسن الظن بالمسلمين ، و تعظيم حرمات المسلمين ، و الحرص على المسلمين ، والعفو عن المسيء من المسلمين ، والسَّتْرُ على المذنبين ،

 

[ حسن الخلق ]  : لما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه ، قال : كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أحْسَنَ النَّاس خُلُقاً . متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه ، قَالَ : مَا مَسِسْتُ دِيبَاجاً وَلاَ حَرِيراً ألْيَنَ مِنْ كَفِّ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَلاَ شَمَمْتُ رَائِحَةً قَطُّ أطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَلَقَدْ خدمتُ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ سنين ، فما قَالَ لي قَطُّ : أُفٍّ، وَلاَ قَالَ لِشَيءٍ فَعَلْتُهُ : لِمَ فَعَلْتَه ؟ وَلاَ لشَيءٍ لَمْ أفعله : ألاَ فَعَلْتَ كَذا ؟ متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، قَالَ : لَمْ يكن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَاحِشاً وَلاَ مُتَفَحِّشاً ، وكان يَقُولُ : ((  إنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أحْسَنَكُمْ أخْلاَقاً )) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه الترمذي عن أَبي الدرداءِ رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ((  مَا مِنْ شَيْءٍ أثْقَلُ في مِيزَانِ العبدِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ ، وَإنَّ الله يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ )) رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن صحيح )) ،  وما أخرجه الترمذي عن أَبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((  أكْمَلُ المُؤمنينَ إيمَاناً أحسَنُهُمْ خُلُقاً، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ )) رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن صحيح )) ،  وحسن الخلق يشمل على معانٍ عديدة وأخلاق ربانية عظيمة منها : التواضع ، والتآلف ، والتودد ، والبشاشة ، وحسن الظن بالمسلمين ، وتعظيم حرمات المسلمين ، والحرص على المسلمين ، والعفو عن المسيء من المسلمين ، والسَّتْرُ على المذنبين ،

 

ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم : التواضع وخفض الجناح للمؤمنين : لقول الله تعالى : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 215 ] ، وقوله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينهِ فَسَوْفَ يَأتِي اللهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ }   [ المائدة : 54 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ((  إنَّ الله أوْحَى إِلَيَّ أنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أحَدٌ عَلَى أحَدٍ ، وَلاَ يَبْغِي أحَدٌ عَلَى أحَدٍ )) رواه مسلم ، وما أخرجه مسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ : ((  مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زادَ اللهُ عَبْداً بعَفْوٍ إِلاَّ عِزّاً، وَمَا تَوَاضَعَ أحَدٌ للهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ )) رواه مسلم ،

 

ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم : التآلف : التآلف هو الأنس والمحبة ، والالتئام والاجتماع واتِّفاق الآراء مع المودة والمحبة ،  ومنه قوله تعالى : {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [ آل عمران : 103 ] ، وقوله تعالى{ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [ ال عمران : 103 ] ، فقد كانوا في الجاهليَّة بينهم الإحَن والعداوات والحروب المتواصلة ، فألَّف الله بين قلوبهم بالإسلام ، وقذف فيها المحبَّة ، فتحابوا وتوافقوا وصاروا إخوانًا متراحمين متناصحين مجتمعين على أمرٍ واحد ، قد تآخوا في الله ، وتحابوا في الله ،  وقال سبحانه :  { وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}  [ الأنفال : 62-63 ] ، قوله تعالى : {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِم} فاجتمعوا وائتلفوا ، وازدادت قوَّتهم بسبب اجتماعهم ، ولم يكن هذا بسعي أحد ، ولا بقوَّة غير قوَّة الله ، فلو أنفقت ما في الأرض جميعًا مِن ذهب وفضَّة وغيرهما لتأليفهم بعد تلك النُّفرة والفُرقة الشَّديدة ،{ مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } لأنَّه لا يقدر على تقليب القلوب إلَّا الله تعالى ،{ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ومِن عزَّته أن ألَّف بين قلوبهم ، وجمعها بعد الفرقة } ، قال القرطبي : في قوله تعالى{ : وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } أي : جمع بين قلوب الأوس والخزرج .  وكان تألُّف القلوب مع العصبيَّة الشَّديدة في العرب مِن آيات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ومعجزاته ؛ لأنَّ أحدهم كان يُلْطَم اللَّطمة فيقاتل عنها حتى يستقيدها .  وكانوا أشدَّ خَلْق الله حميَّة ، فألَّف الله بالإيمان بينهم ، حتى قاتل الرَّجل أباه وأخاه بسبب الدِّين ) أهـ ، المجتمع المسلم الحقيقي مجتمع إلف متآلف ، أخرج الإمام أحمد والحاكم والبيهقي عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( المؤمن يأْلَف ويُؤْلَف ، ولا خير فيمن لا يأْلَف ولا يُؤْلَف )) [ المسند ح ( 9187 ) ، الحاكم ج 1 ص 73 ، والبيهقي ح ( 21627 ) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح ( 425 ) ] ، فالمؤمن يأْلَف ويُؤْلَف لحسن أخلاقه وسهولة طباعه ولين جانبه ،    )) ولا خير فيمن لا يأْلَف ولا يُؤْلَف )) لضعف إيمانه ، وعُسْر أخلاقه ، وسوء طباعه ،  والأُلْفَة سببٌ للاعتصام بالله وبحبله ، وبه يحصل الإجماع بين المسلمين وبضِدِّه تحصل الـنُّفْرة بينهم ، وإنَّما تحصل الأُلْفَة بتوفيقٍ إلهي ، وقال الْغَزالِي ( الأُلْفَة ثَمَرَة حُسْن الخُلُق ، والتَّفرق ثَمَرَة سوء الخُلُق ، فَحُسْن الخُلُق يُوجب التَّحبُّب والتَّآلف والتَّوافق ، وسُوء الخُلُق يُثمر التَّباغض والتَّحاسد والتَّناكر ،  ومِن التَّآلف :  بقاء الأُلْفَة وصلاح ذات البين مع وجود الاختلاف في الآراء ،  قال يونس الصَّدفي : ( ما رأيت أعقل مِن الشَّافعي ، ناظرته يومًا في مسألة ، ثمَّ افترقنا ، ولقيني ، فأخذ بيدي ، ثمَّ قال : يا أبا موسى ، ألَا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتَّفق في مسألة ) ،

 

ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم : التَّودُّد : التَّودُّد من الوُدِّ ، والوُدُّ : مصدر الموَدَّة : الوُدُّ : هو الحُبُّ ، والتواد التحاب ، وتودَّدَ إليه : تَحَبَّبَ إليه ، قال تعالى{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [ مريم : 96 ] ، أي سيجعل لهم الرحمن المحبة  يحبهم ويحبونه كما في قوله تعالى : { فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } ، وأخرج الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ألا أخبركم بمن يحرم على النَّار ، وبمن تحرم النَّار عليه؟ على كلِّ هيِّن ليِّن قريب سهل)) [ أخرجه الترمذي ح ( 2488 ) ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن النُّعمان بن بَشير رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم ، مثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمَّى)) [ متفق عليه ، البخاري ح ( 6011 ) ، ومسلم ( 2586 ) ] ،

 

ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم : البَشَاشَة :  البَشَاشَة : هي طلاقة الوجه ، مع الفرح ، والتَّبسُّم ، وحسن الإقبال ، واللُّطف في المسألة  ، والبشاشة : إشراقه الوجه حين مقابلة الخلق ، وهو ضدُّ العبوس ، وهي أيضًا : السُّرور بمن تلقاه ،  أخرج مسلم في صحيحه عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه ، قال : قال لي النَّبي صلى الله عليه وسلم  : ((  لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ، ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلْق  )) [ أخرجه مسلم : ح ( 2626 ) ، وأخرج الترمذي وأحمد عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( كلُّ معروف صدقة ، وإنَّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْق )) [ أخرجه الترمذي ح ( 1970 ) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ] ، ، وأخرج الترمذي عن أبي ذر رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقة ، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة ، وإرشادك الرَّجل في أرض الضَّلال لك صدقة ، وبصرك للرَّجل الرَّديء البصر لك صدقة ، وإماطتك الحجر والشَّوكة والعظم عن الطريق لك صدقة ، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة)) ، [ أخرجه الترمذي ح ( 1956 ) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ] ، إنّ البشاشة تعني حسن الخلق ، وطلاقة الوجه تعني المحبة والتودد ، وتحمل معاني بذل المعروف ، وكفُّ الأذى  ،  والبشاشة وطلاقة الوجه تثمر المحبَّة بين المسلمين ، والتآلف فيما بينهم ، والنبي  صلى الله عليه وسلم معروف  بَشَاشَته عند مقابلته للناس ، ففي الصحيحين عن جرير رضي الله عنه قال (( ما حجبني النَّبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ، ولا رآني إلا تبسَّم في وجهي)) [ البخاري ح ( 3035 ) ، ومسلم ح ( 2475 ) ] ،

 

ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم :  حسن الظن : هو ترجيح جانب الخير على جانب الشَّر في حق المسلمين ، قال الله تعالى : { لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ}[ النور : 12 ] ، وقال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ } [ الحجرات : 12 ] ، أخرج البخاري في الأدب المفرد والإمام أحمد في المسند عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : (( إيَّاكم والظَّن ، فإنَّ الظَّن أكذب الحديث ، ولا تحسَّسوا ، ولا تجسَّسوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تدابروا ، ولا تباغضوا ، وكونوا عباد الله إخوانًا ))  [ الأدب المفرد : 6064 ، والمسند : 8103 ] ، والمجتمع الإسلامي تشيع فيه صفات حسن الظن بجميع المسلمين ، فإن الظن السيء أكذب الحديث وهو من الشيطان ليفرق المؤمنين ويغير قلوب بعضهم على بعض فيتدابرا ويتحاسدوا ويتباغضوا ، اللهم ارزقنا حسن الظن بك وحسن الظن بعامة المؤمنين يا أرحم الراحمين ،

 

ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم : تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم ، نجد قول الله تعالى : { وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّه } [ الحج : 30 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } [ الحج : 32 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } [ الحجر : 88 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ ، مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه ، قَالَ : قَبَّلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الحَسَنَ بْنَ عَليٍّ رضي الله عنهما ، وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِس ، فَقَالَ الأقْرَعُ : إن لِي عَشرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أحَداً ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : (( مَنْ لا يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ ! ))  مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ،  وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ لاَ يَرْحَم النَّاسَ لاَ يَرْحَمْهُ الله )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ،  وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( إِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ للنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ ، فَإن فيهِم الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبيرَ ، وَإِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّل مَا شَاءَ )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وما أخرجه البخاري عن أَبي قَتادةَ الحارثِ بن رِبعِي رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم : (( إنِّي لأَقُومُ إِلَى الصَّلاة ، وَأُرِيدُ أنْ أُطَوِّلَ فِيهَا ، فَأسْمَع بُكَاءَ الصَّبيِّ فَأَتَجَوَّزَ في صَلاتي كَرَاهية أنْ أشُقَّ عَلَى أُمِّهِ )) رواه البخاري ،  وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما : أنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ ، وَلاَ يُسْلمُهُ . مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه ، كَانَ اللهُ في حَاجَته ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً ، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وما أخرجه مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم : (( لا تَحَاسَدُوا ، وَلاَ تَنَاجَشُوا ، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَلاَ يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْع بَعْض ، وَكُونُوا عِبَادَ الله إخْوَاناً ، المُسْلِمُ أخُو المُسْلم : لاَ يَظْلِمُهُ ، وَلا يَحْقِرُهُ ، وَلاَ يَخْذُلُهُ ، التَّقْوَى هاهُنَا - ويشير إِلَى صدره ثلاث مرات - بحَسْب امْرىءٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخَاهُ المُسْلِمَ ، كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) رواه مسلم ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِم خَمْسٌ : رَدُّ السَّلامِ ، وَعِيَادَةُ المَريض ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ ، وَإجَابَةُ الدَّعْوَة ، وتَشْميتُ العَاطِسِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وفي رواية لمسلم : (( حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِم ستٌّ : إِذَا لَقيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيهِ ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأجبْهُ ، وإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ ، وإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَشَمِّتْهُ ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ )) ،

 

ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم : [ حريص على المسلمين ] يتمثل ذلك الحرص في : الحلم على المسلمين والأناة والرفق بهم  : لقول الله تعالى : { وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنينَ } [ آل عمران : 134 ] ، وقوله تَعَالَى : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأعْرِضْ عَنِ الجَاهِلينَ } [ الأعراف : 199 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [ فصلت : 34-35 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَلَمنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } [ الشورى : 43 ] ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((  إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّه )) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ((  إنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ في شَيْءٍ إِلاَّ  زَانَهُ ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ )) رواه مسلم ، وما أخرجه مسلم عن جريرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنه ، قَالَ : سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، يقولُ : ((  مَنْ يُحْرَمِ الرِفْقَ ، يُحْرَمِ الخَيْرَ كلَّهُ )) رواه مسلم ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ((  يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا ، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا )) متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : (( مَا خُيِّرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أمْرَيْنِ قَطُّ إِلاَّ أَخَذَ أيْسَرَهُمَا ، مَا لَمْ يَكُنْ إثماً ، فَإنْ كَانَ إثماً ، كَانَ أبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ ، وَمَا انْتَقَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ في شَيْءٍ قَطُّ ، إِلاَّ أن تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ الله ، فَيَنْتَقِمَ للهِ تَعَالَى ))  متفقٌ عَلَيْهِ ، وما أخرجه الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((  ألا أخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّار ؟ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّار ؟ تَحْرُمُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ ، هَيّنٍ ، لَيِّنٍ ، سَهْلٍ )) رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن )) ،

 

ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم : العفو عن المسيء من المسلمين : نجد قول الله تعالى : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلينَ } [ الأعراف : 199]، وقوله تَعَالَى : { فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ } [ الحجر : 85 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ألاَ تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ } [ النور : 22 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنينَ } [ آل عمران : 134 ] ، وقوله تَعَالَى : { وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } [ الشورى : 43 ] ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما كذبته قريش وثقيف أتاه مَلَكُ الجِبَالِ ، فَسَلَّمَ عَلَيَّه ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللهَ قَدْ سَمِع قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ ، وَأنا مَلَكُ الجِبال ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبِّي إلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ ، فَمَا شِئْتَ ، إنْ شئْتَ أطْبَقْتُ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ )) . فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ((  بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً )) [ والحيث متفقٌ عَلَيْهِ ] ، وما أخرجه مسلم عنها رضي الله عنها ، قالت : مَا ضَرَبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شَيْئاً قَطُّ بِيَدِهِ ، وَلاَ امْرَأةً وَلاَ خَادِماً ، إِلاَّ أنْ يُجَاهِدَ فِي سَبيلِ اللهِ ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ ، إِلاَّ أن يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ تَعَالَى ، فَيَنْتَقِمُ للهِ تَعَالَى . رواه مسلم ، وما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه ، قَالَ : كُنْتُ أمشي مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ ، فأدْرَكَهُ أعْرَابِيٌّ فَجَبذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَديدةً ، فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَقَدْ أثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، مُر لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ . فَالتَفَتَ إِلَيْهِ ، فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ . متفقٌ عَلَيْهِ ،

 

ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم : السَّتْرُ : السَّتْـرُ : تَغَطية الشَّيء ، والمراد بالسَّتْر : السَّتْـرُ على المسلم إن وقع في معصية ، شريطة أن لا يعلنها ويجهر بها ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [ النُّور : 19 ] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [ الحجرات : 12 ] ، وكان النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرَّجل الشَّيء ،لم يقل : ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول : ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ وهذا مشهور عنه صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كلُّ أمَّتي معافى إلا المجَاهرين ، وإنَّ من المجَاهرة : أن يعمل الرَّجل باللَّيل عملًا ، ثمَّ يصبح وقد سَتَره الله عليه ، فيقول : يا فلان ، عملت البارحة كذا وكذا .  وقد بات يَسْتُره ربُّه ، ويصبح يكشف سِتْر الله عنه)) [ متفق عليه ، البخاري ح ( 6069 ) ، ومسلم ( 2990 ) ] ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من نفَّس عن مؤمن كُرْبة من كُرَب الدُّنيا ، نفَّس الله عنه كُرْبة من كُرَب الآخرة ، ومن سَتَر على مسلم ، سَتَره الله في الدُّنيا والآخرة ، والله في عون العبد ، ما كان العبد في عون أخيه )) [ أخرجه مسلم ، ح ( 2699 ) ] ، وأخرج أبو داود والإمام أحمد في مسنده عن أبي برزة الأسلمي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يا معشر من آمن بلسانه ، ولم يدخل الإيمان قلبه ، لا تغتابوا المسلمين ، ولا تتبعوا عَورَاتهم ، فإنَّه من اتَّبع عَوراتهم يتَّبع الله عَوْرته ، ومن يتَّبع الله عَوْرته يفضحه في بيته))  [ أخرجه أبو داود ، ح ( 4880 ) ، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود : حسن صحيح ] ، ومن أعظم الأدلة على حرص الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم على الستر على المسلم ، أنّه صلى الله عليه وسلم في قصَّة ماعز بن مالك الأسلمي عندما وقع في الزنا [ والقصة أخرجها البخاري من حيث جابر ابن عبد الله ، وأخرجها مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ] ، عندما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعترف على نفسه بالزِّنى ، وسأله أن يقيم عليه الحدَّ ليطهِّره ، فأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم برجمه  ، فإنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يسأله مع من زنيت ، وكذلك في قصت المرأة الغامديَّة [ والقصة أخرجها مسلم في صحيحه ] ، عندما أقرَّت على نفسها ،لم يسألها النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، بل الرواية التامة عند الإمام مالك في الموطأ تدل على مدى حرص الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم على الستر على المسلم ، فقد أخرج الإمام مالك : أنّ ماعز جاء أولا إلى أبي بكر الصِّديق ، فقال له : (( إنَّ الآخر زنى -يريد نفسه- فقال له أبو بكر : هل ذكرت هذا لأحد غيري ؟ فقال : لا ،  فقال له أبو بكر : فتُب إلى الله ، واسْتَتِر بسِتر الله ؛ فإنَّ الله يقبل التَّوبة عن عباده ،  فلم تُقْرِره نفسه ، حتَّى أتى عمر بن الخطَّاب ، فقال له مثل ما قال لأبي بكر ، فقال له عمر مثل ما قال له أبو بكر .  فلم تُقْرِره نفسه حتَّى جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : إنَّ الآخر زنى ،  فقال سعيد : فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرَّات ، كلُّ ذلك يُعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتَّى إذا أكثر عليه ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال : أيشتكي ، أم به جِنَّة ؟ فقالوا : يا رسول الله ، والله إنَّه لصحيح ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبِكْر أم ثيِّب ؟ فقالوا : بل ثيِّب ، يا رسول الله ، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرُجِم )) [ موطأ الإمام مالك ، ج 5 ص 1196 ، وأخرجها النسائي في السنن الكبرى ، ح 7178 ] ، إذن السَّتْر أولى بالمسلم على نفسه ، وهو أفضل من الاعتراف ، فإنَّ الله يقبل التَّوبة عن عباده ، ويحبُّ التَّــوَّابين وفي رواية تالية عند الإمام مالك: (( أنَّ رجلًا اسمه هَزَّال الأسلمي ، هو الذي أشار على ماعز أن يأتي النَّبي صلى الله عليه وسلم فيخبره ، فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم يا هَزَّال ، لو سَتَرْته بردائك ، لكان خيرًا لك )) [ موطأ الإمام مالك ، ج 5 ص  1198 ] ،  فكان ستْره بأن يأمره بالتَّوبة ، وكتمان خطيئته ، أفضل من الفضيحة وإشاعة الفضيحة ، وهذا يدل على فضيلة الستر وأنّه من أعظم أخلاق المجتمع المسلم ، أمَّا المجاهر بالفسوق والعصيان والذي لا يستحي من إظهار الفاحشة والمنكر ، فهذا تُرْفَع قضيته إلى وليِّ الأمر ، لأنَّ السِّتر على أمثال هؤلاء يُطْمِعهم في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرمات ، أما المؤمنين ، فإن الستر في حفهم واجب ، وفيهم قال المولى تبارك وتعالى :{ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [ النُّور : 19 ] ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،  الباحث الشرعي : مجدي محمد على محمد ، [ موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com ] ،

 

سلسلة الأخلاق الإسلامية ( 4 ) أخلاق الفرد المسلم - مجدي محمد على محمد

موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com  ،

ويشتمل على تلك الدروس :

الدرس الأول : أخلاق الفرد المسلم خلق الصدق

الدرس الثاني : أخلاق الفرد المسلم خلق الأمانة

الدرس الثالث : أخلاق الفرد المسلم خلق العدل

الدرس الرابع : أخلاق الفرد المسلم خلق الحكمة ،

الدرس الخامس : أخلاق الفرد المسلم خلق الشجاعة

الدرس السادس :  أخلاق الفرد المسلم خلق الجُود والكَرَم

الدرس السابع :  أخلاق الفرد المسلم خلق الحلم

الدرس الثامن : أخلاق الفرد المسلم خلق الحياء

الدرس التاسع : أخلاق الفرد المسلم خلق العفة

الدرس العاشر : أخلاق الفرد المسلم خلق الرفق

الدرس الحادي عشر : أخلاق الفرد المسلم خلق الأناة

الدرس الثاني عشر : أخلاق الفرد المسلم خلق التواضع

الدرس الثالث عشر : أخلاق الفرد المسلم خلق الرحمة  

***

 

الدرس الأول : أخلاق الفرد المسلم : خلق الصدق

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : أخلاق الفرد المسلم ، وأهم هذه الأخلاق : الصِّدْق ، والأمَانَة ، والعَدْل ، والحِكْمَة ، والكَرَم ، والشَّجَاعَة ، والحَيَاء ، والعفة ، والحِلْم  ، والأناة ، ، والرِّفق ، والتواضع ، والرحمة  ، وأتناول في هذا الدرس : الخلق الأول من أخلاق الفرد المسلم : [ الصِّدْق ] :  الصدق لغةً : ضدُّ الكذب ، وصدَقَه الحديث : أَنبأَه بالصِّدْق ، ويقال : صَدَقْتُ القوم .  أي : قلت لهم صِدْقًا ، الصدق اصطلاحًا : هو الخبر عن الشيء على ما هو به ، وهو نقيض الكذب ، والصدق أهم صفات المرسلين لأنهم يبلغون عن الله عز وجل دينه ، فيستحيل عليهم الكذب ، وقد كان أهل مكة يلقبون النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة ( بالصادق الأمين ) بأهم صفتين تميز بهما ألا وهما الصدق والأمانة ، وفي كتاب الله تعالى آيات كثيرة تتحدث عن الصدق وفضيلته ومكانته بين منازل المقربين ، منها قوله تعالى { وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ } [ آل عمران : 15 إلى 17 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [ الْأَحزاب : 35 ]،  ما هي أهمية الصدق في المجتمع : أكثر العلاقات الاجتماعية ، والمعاملات الإنسانية ، تعتمد على شرف الكلمة ، فإذا لم تكن الكلمة معبرة تعبيرًا صادقًا عما في نفس قائلها ، لم نجد وسيلة أخرى كافية نعرف فيها إرادات الناس ، ونعرف فيها حاجاتهم ونعرف فيها حقيقة أخبارهم ، لولا الثقة بشرف الكلمة وصدقها لتفككت معظم الروابط الاجتماعية بين الناس ، ويكفي أن نتصور مجتمعًا قائمًا على الكذب ؛ لندرك مبلغ تفككه وانعدام صور التعاون بين أفراده ، كيف يكون لمجتمع ما كيان متماسك ، وأفراده لا يتعاملون فيما بينهم بالصدق؟! كيف يوثق بالوعود والعهود ما لم يكن الصدق أحد أسس التعامل بين الناس؟! كيف يوثق بالدعاوى والشهادات ودلائل الإثبات القولية ما لم يكن الصدق أحد أسس التعامل بين الناس  ؟ ، الترغيب في الصدق : أمر الإسلام بالصدق وحث عليه في كل المعاملات التي يقوم بها المسلم ، والأدلة كثيرة من القرآن الكريم على هذا الخلق النبيل : لقد بدأ الله تعالى بنفسه فوصف نفسه تعالى وتقدس بالصدق ، فقال تعالى : {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [ النساء : 87 ]  وقال : { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [ النساء :  122 ] ، ثم أمر به المؤمنين ، فقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [ التوبة : 119 ] ، ( أي : اصدُقوا والزموا الصدق تكونوا مع أهله ، وتنجوا من المهالك ، ويجعل لكم فرجًا من أموركم ومخرجًا) ، وقد جاء في التفسير عن عبد الله بن عمر : { اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه .  وقال الضحاك : مع أبي بكر وعمر وأصحابهما ، وقال الحسن البصري : إن أردت أن تكون مع الصادقين ، فعليك بالزهد في الدنيا ، والكفِّ عن أهل الملة( ،  وقوله : {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [ النساء : 69 ] ، وقوله : { قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [ المائدة : 119 ] ، ( أي : ينفع الصادقين في الدنيا صدقهم في الآخرة ، ولو كذبوا ختم الله على أفواههم ، ونطقت به جوارحهم فافتضحوا ) ،  كذلك جاءت الأحاديث النبوية متضافرة في الحث على الصدق ، والأمر به ، وأنَّه وسيلة إلى الجنة ،   فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : (( إنَّ الصِّدقَ يَهْدِي إِلَى البرِّ، وإنَّ البر يَهدِي إِلَى الجَنَّةِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَصدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا. وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكتَبَ عِنْدَ الله كَذَّابًا )) [ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ] ،  قال النووي في شرحه لهذا الحديث : ( قال العلماء : هذا فيه حث على تحرِّي الصدق ، وهو قصده والاعتناء به ، وعلى التحذير من الكذب والتساهل فيه ؛ فإنَّه إذا تساهل فيه كثر منه ، فعرف به ، وكتبه الله لمبالغته صِدِّيقًا إن اعتاده ، أو كذَّابًا إن اعتاده ،  ومعنى يكتب هنا يحكم له بذلك ، ويستحق الوصف بمنزلة الصديقين وثوابهم ، أو صفة الكذابين وعقابهم ) أهـ ،  وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( أربع إذا كنَّ فيك فلا عليك ما فاتك في الدنيا : حفظ أمانة ، وصدق حديث ، وحسن خليقة ، وعفة في طعمة))  ،  وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( اضمنوا لي ستًّا من أنفسكم أضمن لكم الجنة : اصدقوا إذا حدَّثتم ، وأوفوا إذا وعدتم ، وأدوا إذا ائتمنتم ، واحفظوا فروجكم ، وغضُّوا أبصاركم ، وكفُّوا أيديكم)) ، أي : (( اضمنوا لي ستًّا)) من الخصال ، (( من أنفسكم)) بأن تداوموا على فعلها ،(( أضمن لكم الجنة)) أي دخولها ، ))اصدقوا إذا حدثتم ))  أي : لا تكذبوا في شيء من حديثكم ، وعن أبي محمد ، الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك ؛ فإنَّ الصدق طمأنينة ، والكذب ريبة)) ،  ))فإنَّ الصدق طمأنينة )) أي : يطمئن إليه القلب ويسكن ، ))وإنَّ الكذب ريبة )) أي : يقلق القلب ويضطرب ، الصدق أجل أخلاق الأنبياء ، قال تعالى :{ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} [ مريم : 41 ] وقال سبحانه : {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} [ مريم : 56 ] ، وأثنى الله على إسماعيل ، فقال : {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا } [ مريم : 54 ] ، وَوُصِفَ يوسف عليه السلام بالصدق حينما جاءه الرجل يستفتيه فقال : { يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} [ يوسف : 46 ] ، وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق : { وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [ الإسراء : 80 ] ، وقال تعالى : {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [ الزمر : 33 ] ، ويكفي الصدق شرفا أن نقيضه الكذب ، والكَذِب هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه قال النووي : ( الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو ، عمدًا كان أو سهوًا ، سواء كان الإخبار عن ماض أو مستقبل ) ، وعاقبة الكذب وخيمة ، قال الله تعالى :{ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ } [ النحل : 105 ] ،  وقال سبحانه :{ وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } [ الجاثية : 7 ] ،  وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ، قال : (( آية المنافق ثلاث : إذا حدَّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان ))  ،  وعنه أيضًا رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( كفى بالمرء كذبًا أن يحدِّث بكلِّ ما سمع ))  ،  ومن أقوال السلف في الكذب :  قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ( لأن يضعني الصدق- وقلَّما يضع- أحبُّ إليَّ من أن يرفعني الكذب ، وقلَّما يفعل ) ،  وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ( أعظم الخطايا الكذب ، ومن يعفَّ يعفُ الله عنه )  ، وكان ابن عباس يقول : ( الكذب فجور ، والنَّمِيمَة سحرٌ ، فمن كذب فقد فجر ، ومن نمَّ فقد سحر )  ، وقال الأحنف : ( ما خان شريفٌ ، ولا كذب عاقلٌ ، ولا اغتاب مؤمنٌ، وكانوا يحلفون فيحنثون ، ويقولون فلا يكذبون )  ، وقال أيضًا : ( اثنان لا يجتمعان أبدًا : الكذب والمروءة )  ، إذن من أهم الأخلاق الإسلامية التي تحتاج إلى التجديد والتمسك بها إنه خلق الصدق خلق الأنبياء والصديقين ، والمسلم الحق لابد وأن يكون شعاره ومنهاجه الصدق ( الصدق في  الأقوال والصدق في الأعمال و الصدق مع الله ، والصدق مع الرسول ، والصدق في حمل الدين وتبليغ أمانته )  ، ويكفينا في فضيلة الصدق قوله صلى الله عليه وسلم : (( إنَّ الصدق يهدي إلى البرِّ ، وإنَّ البرَّ يهدي إلى الجنة ، وإنَّ الرجل ليصدق حتى يكون صِدِّيقًا ، وإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور ، وإنَّ الفجور يهدي إلى النار ، وإنَّ الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذَّابًا )) ، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الصادقين ومع الصادقين ، ومن أبرز أولئك الصادقين صحب النبي المصطفى المختار ، صحب النبي أولئك الأبرار ، [ صهيب الرومي رضي الله عنه ] أراد الهجرة فمنعه كفار قريش أن يُهاجر بماله ، وإن أحب يتجرّد من ماله كله ويدفعه إليهم تركوه وما أراد ، فأعطاهم ماله ونجى بدينه مهاجراً إلى اللَّه ورسوله وأنزل اللَّه عز وجل { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ } [ البقرة : 207 ] ، فتلقاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجماعة إلى طرف الحرة فقالوا لـه : ربح البيع .  فقال : وأنتم فلا أخسر اللَّه تجارتكم ، وما ذاك ؟ فأخبروه أن اللَّه أنزل فيه هذه الآية [ انظر : تفسير ابن كثير ، 1/248 ، والإصابة في تمييز الصحابة ، 2/195 ] ، [ سعد بن أبي وقاص ]  رضي الله عنه تَعْرض أمه عليه أن يكفر بدين محمد صلى الله عليه وسلم ، وحلفت أن لا تكلمه ، ولا تأكل ولا تشرب حتى تموت فيعيّر بها ، فيقال : يا قاتل أمه! وقالت لـه : زعمت أن اللَّه وصّاك بوالديك ، وأنا أمك ، وأنا آمرك بهذا .  قال سعد : لا تفعلي يا أمّه إني لا أدع ديني هذا لشيء .  فبقيت ثلاثة أيام لا تأكل ولا تشرب ، فلما رأى سعد بن أبي وقاص ذلك منها قال لها : يا أمَّهْ أتعلمين واللَّه لو كان لك مائة نفسٍ ، فخرجت نفساً نفساً ، ما تركت ديني إن شئتِ فكلي أو لا تأكلي فلما رأت ذلك أكلت ، قال سعد رضي الله عنه : نزلت هذه الآية فيّ : { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } [ لقمان : 15 ] ، [ سير أعلام النبلاء ، 1/109 ] ، [ أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان أم حبيبة ] ، وما فعلته مع أبيها أبي سفيان قبل إسلامه رضي الله عنه ، وذلك أن أباها قدم من مكة إلى المدينة يريد أن يزيد في الهدنة بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلما دخل على بنته أم حبيبة ، وذهب ليجلس على فراش رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم طوته دونه ، فقال : يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه ؟ قالت : بل هو فراش رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأنت امرؤ نجس مشرك ) [ الإصابة في تمييز الصحابة ، 4/306 ] ، [ أنس بن النضر الأنصاري ] عم أنس بن مالك رضي الله عنه ، أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال : يا رسول اللَّه غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين ، واللَّه لئن أشهدني اللَّه قتال المشركين ليريَنّ اللَّه ما أصنع .  فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال : اللَّهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء – يعني المسلمين – ، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء – يعني المشركين – .  ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال : أي سعد والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أحد .  فقاتلهم حتى قتل .  قال أنس : فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة : من بين ضربة بسيف وطعنة برمح ، ورمية بسهم وقد مَثَّلوا به ، فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه .  ونزلت هذه الآية : { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا } [ الأحزاب : 23 ] ، قال فكنا نقول : نزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه [ البخاري : ( رقم 2805) ، ومسلم : ( رقم 1903 ) ،  الإصابة في تمييز الصحابة ، 1/74  ] ، [ عُمير بن الحُمام رضي الله عنه ] : أخرج مسلم في صحيحه : أنّ عُمير بن الحُمام في بدر حينما سمع رسول اللَّه يقول لأصحابه : (( قومُوا إلى جَنّةٍ عرضُهَا السّماوات والأرضُ )) فقال : يا رسول اللَّه جنة عرضها السماوات والأرض ؟ قال : (( نعم )) ،  قال : بخ بخ ، فقال صلى الله عليه وسلم : (( ما يحملك على قولك بخ بخ ؟ )) ، قال : لا واللَّه يا رسول اللَّه إلا رجاء أن أكون من أهلها .  قال : (( فإنك من أهلها )) فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال : لئن أنا حييت حتى آكل من تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل [ مسلم : ( رقم 1901) ] ، [ مصعب بن عمير ] مصعب الخير ( كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم )  كان قبل إسلامه من أكثر شباب قريشٍ ثراءً ، نشأ منعمًا في ظل والديه، في بيت يزخر بالفاخر من الثياب، والنادر من العطور، زينة فتيان قريش، يشرح الله تعالى صدره للإسلام ، فإذا به يرضى بشظف العيش ، ويلبس الجلد الخشن من الثياب ، جاء في كتب السيرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى مصعب بن عمير، وعليه إهاب من كبش، قد تمنطق به، فقال : (( انظروا إلى هذا الذي قد نور الله قلبه، لقد رأيته بين أبويه يغذيانه بأطايب الطعام والشراب ، فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون  )) ، كان رضي الله عنه وحيد أمه المدلل، علمت بإسلامه ، فحبسته ومنعت عنه الطعام والشراب ، حتى يرجع عن دينه، ولكنه استطاع أن يهرب من الحبس، ويفر بدينه مع غيره من المسلمين إلى الحبشة ، ثم هاجر إلى المدينة كأول داعية للإسلام ، فنزل أسعد بن زرارة فجعل يدعو الناس سرًّا ويفشو الإسلام ويكثر أهله وهم في ذلك مستخفون بدعائهم ، وذات يوم كان مصعب جالسًا ومعه سعد بن زرارة وهو يعظ الناس فجاء  أسيد بن حضير سيد بني عبد الأشهل بالمدينة وهو غاضب على ذلك الرجل الذي جاء من مكة ليفتن قومه عن دينهم ، فقال له مصعب : أو لا تجلس فتستمع ؟ فإن رضيت أمرنا قبلته وإن كرهته كففنا عنك ما تكره ، قال أسيد : أنصفت ، وركز حربته وجلس يصغى وأخذت أسارير وجهه تنفرج كلما مضى مصعب في تلاوة القرآن ، ولم يكد مصعب يفرغ من تلاوة القرآن حتى وقف أسيد بن خضير يتلو الشهادتين ، وكان أسيد بن خضير  رضي الله عنه يعلم أن بإسلام سعد بن معاذ سيد الأوس سيدخل في الإسلام بدخوله الكثير من قومه ، فاحتال له وأرسله إلى مصعب رضي الله عنه ليسمع منه القرآن ،  فجاء سعد بن معاذ ومعه الرمح حتى وقف عليهم فقال : علام يأتينا هذا الغريب يسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم إليه لا أراكم بعدها بشيء من جوارنا , فقال أسعد بن زرارة : اسمع من قوله , فإن سمعت منكرًا فاردده , وإن سمعت خيرًا فأجب إليه , فقال : ماذا يقول فقرأ عليهم مصعب بن عمير القرآن ، فأسلم سعد بن معاذ  ، وبإسلامه أسلمت بنو عبد الأشهل , وانتقل مصعب بن عمير إلى دار سعد بن معاذ فلم يزل عنده يدعو ويهدي الله على يديه حتى فشا الإسلام بين أهل المدينة وانتشر ، وكان المسلمون أعز أهلها ورجع مصعب بن عمير إلى رسول الله يحمل له البشرى في مكـة، وبلغ أمه أنه قد قدم فأرسلت إليه يا عاق أتقدم بلدًا أنا فيه لا تبدأ بي, فقال : ما كنت لأبدأ بأحد قبل رسول الله ، ويهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ويحمل مصعب لواء المسلمين في أحد ، فلما جال المسلمون ثبت به مصعب فأقبل ابن قميئة وهو فارس فضرب يده اليمنى فقطعها, فأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه فضرب يده اليسرى فقطعها , فحنا على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره ، ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه واندق الرمح ووقع مصعب شهيدًا   ، رضي الله عنه وأرضاه ، (( أُتي لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه بطعام وكان صائمًا فقال : قتل مصعب بن عمير وهو خير مني , كفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه وإن غطي رجلاه بدا رأسه, وأراه قال : وقتل حمزة وهو خير مني , ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط, أو قال : أعطينا من الدنيا ما أعطينا, وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا, ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام )) ، أولئك هم الصادقون ، قال تعالى : { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } [ الأحزاب : 23 ] ،  اللهم ارزقنا الصدق ، واجعلنا من عبادك الصادقين ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الثاني : أخلاق الفرد المسلم : خلق الأمانة

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق الثاني من أخلاق الفرد المسلم : [ الأمَانَة ] : الأمانة : ضد الخيانة ، وأصل الأَمْن : طمأنينة النفس وزوال الخوف ، ومن اتصف بالأمانة فهو أمين ، والأمَانَة اصطلاحًا : هي كلُّ حقٍّ لزمك أداؤه وحفظه  ، وخلق الأمانة من أوجب الأخلاق على المسلم ، قال تعالى : {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [ النِّساء : 5 ] ،  وقال تعالى في ذكر صفات المفلحين : {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [ المؤمنون : ] أي : مراعون لها ، حافظون مجتهدون على أدائها والوفاء بها ، وهذا شامل لجميع الأمانات التي بين العبد وبين ربِّه ، والأمانات التي بين العبد وبين الخلق ، أخرج البخاري عن ابن عباس أيضًا قال ) : بينما النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدِّث القوم ، جاء أعرابيٌّ فقال : متى السَّاعة ؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدِّث .  فقال بعض القوم : سمع ما قال فكره ما قال ، وقال بعضهم : بل لم يسمع .  حتى إذا قضى حديثه قال : أين أُراه السَّائل عن السَّاعة؟ قال : ها أنا يا رسول الله .  قال : فإذا ضُيِّعت الأمَانَة فانتظر السَّاعة .  قال : كيف إضاعتها؟ قال : إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر السَّاعة ) ،  إنَّ الأمَانَة فضيلة عظيمة ، لا يستطيع حملها إلا الرجال الصادقون ، فلا ينبغي للإنسان أن يستهين بها أو يفرِّط في حقِّها ، قال الله تعالى : {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً } [ الأحزاب : 72 ] ، الأمانة من أعظم أخلاق الإسلام ، و الأمَانَة مِن كمال الإيمان وحسن الإسلام  ، ومجتمع تفشو فيه الأمَانَة مجتمع خيرٍ وبركة ونجاح وفلاح ، والأمَانَة تدخل فيما افترضه الله على عباده مِن العبادات والطاعات ، ومن الأمَانَة : الأمانة في الأموال ، والأمَانَة في الأعراض ، ومن الأمانة :  الأمَانَة فيما أئتمنه الله تعالى على أهل العلم ليبيننه للناس ولا يكتمونه ،  ومن الأمانة :  الأمَانَة في الولاية : وتأدية الحقوق إلى أهلها ، وإسناد الأعمال إلى مستحقِّيها الأكفياء لها ، ومن الأمانة :  الأمَانَة في الشَّهادة : وتكون الأمَانَة في الشَّهادة بتحمُّلها بحسب ما هي عليه في الواقع ، وبأدائها دون تحريف أو تغيير أو زيادة أو نقصان ، ومن الأمانة :  الأمَانَة في القضاء : وتكون الأمَانَة في القضاء بإصدار الأحكام وفْقَ أحكام العدل التي استُؤْمِن القاضي عليها ، ومن الأمانة : الأمَانَة في السَّمع والبصر والكلام وسائر الحواس ، ومن الأمانة : الأمَانَة في الأسرار التي يُستأمن الإنسان على حفظها وعدم إفشائها ،  ومن الأمانة : ما يكون بين الرَّجل وبين زوجته مِن الأشياء الخاصَّة ، فإنَّ شرَّ النَّاس منزلةً عند الله تعالى يوم القيامة الرَّجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ، ثمَّ ينشر سرَّها ، ومن الأمانة : تربية الأولاد على منهاج الله ، فأنَّها ودائع الله عندك ، وضد الأمانة الخيانة  ، وقد قال الله عزَّ وجلَّ : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ  وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [ الأنفال : 27-28 ] ، والخيانة من صفات المنافقين البارزة ، قال صلى الله عليه وسلم : (( آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان )) ، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا ، ومن كانت فيه خصلة منهنَّ كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا اؤتمن خان ، وإذا حدَّث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر ))  ، ، ومن صور الخيانة : خيانة الله ورسوله :  وذلك بمعصية الله ورسوله ،  ومن صور الخيانة : خيانة الأمانات ، والخيانة في الأموال ، والخيانة في الأعمال والوظائف ،  ومن صور الخيانة أيضًا : عدم القيام بواجب التربية في الأهل والأولاد ، وقد ائتمنه الله عليهم قال جل وعلا : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } ،  اللهم إنا نعوذ بك من خيانة الأمانة ، [ الأمانة من أهم أخلاق الملائكة والأنبياء ] : قال تعالى في وصف جبريل عليه السلام : { وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ } [ الشعراء : 192 ، 193 ]  ، نزل به جبريل الأمين على الوحي والرسالة ، وقال تعالى في وصف جبريل عليه السلام : { مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ }  [ التَّكوير :21 ] ، فقوله تعالى  : [ أَمِينٍ ] صفـة لجبريل بهذا الخلق العظيم ( الأمانـة ) ، والأمانة شرط أساسي لاصطفاء الرسل ، وهي من أبرز أخلاقهم ، فلولا أنهم أمناء لما استأمنهم الله على رسالاته لخلقه ، ولهذا فما من رسول إلا وذكر قومه بهذا الخلق العظيم ، قال تعالـى  : { وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ * أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } [ الدُخان :17-18 ] ، وقال تعالى  : { أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ } [ الأعراف :68 ]  ، والمعنى إني رسول من الله إليكم أمين فيما بعثني به ، أبلغكم رسالات ربي ولا أزيد عليها ولا أنقص ومأمون على تبليغ هذه الرسالة ، وهذا نوح عليه السلام يخاطب قومه بقوله : { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } [ الشعراء : 107 ] ، وهذا هود عليه السلام يخاطب قومه بقوله : { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } [ الشعراء : 125 ] ، وهذا صالح عليه السلام يخاطب قومه بقوله : { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } [ الشعراء : 143 ] ، وهذا لوط عليه السلام يخاطب قومه بقوله : { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } [ الشعراء : 162 ] ، وهذا شعيب عليه السلام يخاطب قومه بقوله : { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } [ الشعراء : 178 ] ، وهذا موسى عليه السلام ، يأتي ذكره في القرآن الكريم بصفة الأمانة ، قال تعالى  : { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ } [ القصص :26 ] ، والنبي صلى الله عليه وسلم  هو الملقب قبل بعثته الصادق الأمين ، فكيف بعدها ، لقد عرفت قريش النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أصدق الناس وآمن الناس ، حتى لقبته بالصادق الأمين ، وكانوا يضعون عنده الأمانات والودائع ، وحتى عند هجرته صلى الله عليه وسلم مع أمهم اجتمعوا لقتله ،  ترك صلى الله عليه وسلم علياً بن أبي طالب في مكة بعد هجرته صلى الله عليه وسلم ليرد ودائع الناس التي كانت عنده فأقام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمكـة ثـلاث ليال وأيامها يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس ) [ فقه السيرة , ص178] ،  [ أهمية الأمانة ومعانيها في القرآن الكريم  ] : لقد ورد ذكر ((  الأمانة  ))  في كتاب الله تعالى في إحدى وثلاثين آية ، مما يدل على أهمية خلق ((  الأمانة  ))  ، وورد لفظ الأمانة في القرآن على ثلاثة معانٍ : [ المعنى الأول ] : أداء الفرائض ، والمحافظة عليها وأدائها على أكمل وجه حيث قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [ لأنفال:27 ]  ، أي لا تضيعوا ما فرضه الله عليكم من فرائض كالصوم والصلاة والزكاة ، وباقي الفرائض حيث جاء في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما : لا تخونوا الله بترك فرائضه ، والرسول صلى الله عليه وسلم بترك سنته المطهرة ، بأن لا تأتمروا بما أمركم به أو لا تنتهوا عما نهاكم عنه ، وقال قتادة : الأمانة هي الدين والفرائض والحدود ، وقال بعضهم الغسل من الجنابة ، وقال بعضهم : الصلاة والصوم والاغتسال من الجنابة ، وكل هذه الأقوال لا تتنافى فيما بينها ، بل هي متفقة وراجعة إلى معاني قبول الأوامر والنواهي ، و [ المعنى الثاني ] : ((  الوديعة  ))  :  فتشمل الأمانة رد الودائع والأمانات ، وكل ما يؤتمن عليه الإنسان يجب أن يؤديه إلى أصحابه كامل غير منقوص ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ }  [ المؤمنون:8 ] ، فهم يؤدون الأمانات والودائع إلى أهلها ، وإذا اؤتمنوا على شيء لم يخونوا ، وجـاء فـي الحديث الشريف عن أنس قال صلى الله عليه وسلم : (( لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له ))  [ السنن الكبرى للنسائي ، ج6 ، ص 288 ، باب الترغيب في أداء الأمانات ، حديث رقم (13065) ]  ، وأداء الودائع وسائر الأمانات واجب ولا سيما إذا طلبها صاحبها ، قال تعالى : { فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ ]  [ البقرة:283 ]  ، وقال تعالى : { إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ } [ النساء :58 ] ، و [ المعنى الثالث للأمانة في القرآن الكريم هو : العفة ] ، قال تعالى  : { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ } [ القصص :26 ]  ، أي  : القوي في بدنه ، الأمين في عفافه وصفته بأفضل صفات الأجير ، القوة في القيام بالأمر والأمانة في حفظ الشيء ، ومصدر هاتين الصفتين ما شاهدت من حاله ، حيث قال لها أبوها  : ما أعلمك بذلك ؟ قالت  : إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال ، وإني لما جئت معه تقدمت أمامه ، فقال لي  : كوني من ورائي ، وبذلك تكون قد استدلت بفراستها على قوته وأمانته [ تفسير البيضاوي ، ص 514 ] ،   [ أنواع الأمانة ] : تنقسم الأمانة إلى نوعين ، النوع الأول : [ الأمانة المادية  ] : ومثالها أن يودع أحد الأشخاص عنـد إنسـان يثق به وديعة عينية من مال أو ذهب أو أوراق نقدية أو متاع أو نحوه مما يسمى أمانات ، وحينئذٍ يجب على المسلم الذي يتقي الله في حفظ هذه الوديعة حتى يرجعها إلى صاحبها ، قال تعالى  : { إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا } [ النساء :58 ] ، فهذه الآية الكريمة تتناول من تخصص من الناس في حفظ الودائع ، والنوع الثاني : [ الأمانة المعنوية  ] : وتشمل : القيام بحق الله من العبادات ، قال تعالى  : { وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات :56 ]  ، وتشمل العمل على تطبيق أحكام الدين التي تتمثل في شرع الله الذي أنزله على رسوله الكريم ، قال تعالى  : { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } [ الجاثية :18 ] ، وتشمل تلك الأمانة :  أداء أمانة تبليغ هذا الدين إلى الناس كافة ، قال تعالى – أمرا نبيه صلى الله عليه وسلم -  {  يَـَأَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ وإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ..}  الآية. [المائدة: 67] ، وأمره سبحانه بأن تكون الدعوة إلى الله تعالى هي سبيله وسبيل إتباعه إلى قيام الساعة ، قال تعالى { قُلْ هـَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [يوسف: 108] ، وأمر سبحانه المسلمين بأن تتخصص طائفة منهم لحمل تلك الأمانة ( أمانة بيان الحق والبلاغ المبين بدين الإسلام ) ،قال تعالى {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ آل عمران :104] ، وتشمل تلك الأمانة :  حفظ الدين بالحسبة عليه : قال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ  } ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان )) [ أخرجه مسلم ] ، وتشمل تلك الأمانة :  التضحية في سبيل حفظ الدين والدفاع عنه ونشره وإعلاء رايته بالنفس والمال واللسان والوقت والجهد ، وتشمل تلك الأمانة :   السهر على تحقيق مصالح الأمة ، والعمل على إعادة مجدها ورفع شـأنها ، وتشمل تلك الأمانة : الترابط والتآلف بين أبناء المجتمع الإسلامي ، لقوله صلى الله عليه وسلم  : (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ، ثم شبك بين أصابعه ))  [  أخرجه البخاري  ، ( 450 ) ]  ، وتشمل تلك الأمانة :  نبذ الخلافات والقضاء على بذور الفرقة ، وأن نكون أمة متماسكة كالبنيان المرصوص ، قال تعالى  : { إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ } [ الصَّف :4 ]  ،  [ مجالات الأمانة  ] :  المجالات التي تدخل فيها الأمانة كثيرة ومتعددة ؛ منها : ( 1 ) الأمانة في الودائع التي تدفع إلينا لنحفظها فترة من الزمن ، ثم نردها إلى أصحابها عندما يطلبونها هي من الأمانات التي نُسأل عنها يوم القيامة ، ولنا فيها الأسوة الحسنة في رسولنا الأمين حينما استخلف عند هجرته ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليسلم المشركين الأمانات والودائع التي استحفظها ، مع أن هؤلاء المشركين كانوا قد خططوا لقتله أو سجنه أو طرده من الديـار ، وأرغمـوه على الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة [  فقه السيرة ، للبوطي ، ص 178  ] ، ( 2 ) أمانة الأعراض  : حفظ الأعراض أمانة ، والعلاقة بين الزوجين ينبغي أن تقوم على أساس الأمانة المتبادلة في حفظ الأعراض ، فالزوجة أمينة على عرض زوجها تحفظه في غيابه ، وترعى الأمانة في ماله وولده ، وهي راعية على ذلك كله ومسؤولة عنه امام الله ، أخرج البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، -قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ )) ، فهذه كلها أمانات نُسأل عنها يوم القيامة ، وكلا الزوجين أمين على عرض صاحبه ، فالرجل أمين على زوجته ، وهي أمينة على زوجها ، وكلاهما مؤتمن على الأولاد والذرية ،  ( 3 ) أمانة تربية الأولاد : الأمانة تقتضي تربية الأولاد وتعليمهم ولا يجوز أن يترك الطفل بدون اعتناء من والديه فيتعلم من الشارع وأقران السوء الخصال القبيحة ، فالأب راع في بيته ومسئول عن رعيته ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [ التحريم : 6 ] ، ( 4 ) أمانة الأموال  :  قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } [ النساء :29 ]   ، وقال تعالى  : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [ البقرة :188 ] ، المال أمانة ، ولذلك نهى القرآن الكريم عن أكل أموال الناس بالباطل ، إلا أن يكون حلالا عن تراضٍ بين الناس ، والأمانة تقتضي تحريم الربا ؛ لأنه أكل لأموال الناس بالإثم ، وبدون بذل أي جهد أو مشاركة في الربح والخسارة ، قال تعالى  : { وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } [ البقرة :275 ]  ، ( 5 ) أمانة التعامل مع الناس  :  قال تعالى : { وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } [ المؤمنون :8 ]  ، وللأمانة في البيع والشراء أجر عظيم ، لذلك أوصى صلى الله عليه وسلم التجار بالتزام الصدق والتقـوى والأمانـة لينالوا درجة الصديقين والشهداء ، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال  : (( التاجر الأمين الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء ))  [ أخرجه الترمذي ، رقم 1203 ] ، ( 6 ) الأمانة الوظيفية  : الرجل الأمين في عمله هو الذي لا يستغل منصبه في العمل لجر منفعة إلى شخصه أو قرابته ؛ لأن التشبع من المال العام جريمة  ، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً فما أخذ بعد ذلك فهو غلول ))  [  أخرجه أبو داود في سننه ،  حديث رقم (45697)  ] ، وقال تعالى – في بيان عظم أثم الغلول - : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } [ آل عمران :161 ]  ، ( 7 ) أمانة المجالس  :  لذلك ينبغي مصاحبة الأتقياء والجلوس في مجالسهم ، فهي مجالس خير ينتفع منها الجليس ، والابتعاد عن مجالس السوء التي تعود على صاحبها بالندامة والخسران ، قال صلى الله عليه وسلم  : (( مثل الجليس الصالح والجليس السوء كبائع المسك ونافخ الكير ، فبائع المسك إما أن تبتاع منه أو يحذيك أو تجد منه ريحاً طيبة ، ونافخ الكير إما أن يحـرق ثيـابك ، وإما أن تجد منه ريحاً منتنة )) [  البخاري ، حديث رقم (5534) ] ،  [ ما أخطر وما أسرع زوال خلق الأمانة ] : أخرج مسلم في صحيحه عن حذيفة بن اليمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( حدثنا أَنَّ الأَمانَةَ نَزَلَتْ في جَذْرِ قُلوبِ الرِّجالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ وَحَدَّثَنا عَنْ رَفْعِها قَالَ: يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُها مثل أَثَر الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ، فَيَبْقى أَثَرُها مِثْلَ الْمَجْلِ كَجَمْرِ دَحْرَجْتَهُ عَلى رِجْلِكَ، فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبايَعُونَ فَلاَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، فَيُقَالُ إِنَّ فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلاً أَمِينًا؛ وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَان )) [ صحيح مسلم ،  باب رفع الأمانة والإيمان ، حديث رقم (384) ] ، إذن الأمانة من أهم الأخلاق ، وهي أهم أخلاق المرسلين ، وقد كان أهل مكة يلقبون النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة بالصادق الأمين ، فأهم صفتين تميز بهما  الصدق والأمانة ، ومن أقواله صلى الله عليه وسلم : ( ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء ، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء ) [ رواه البخاري 8/84 برقم 4351 ] ، وأولى الناس بهذه الفضيلة ( الأمانة ) بعد الأنبياء والمرسلين هم المسلمون شهداء الله على خلقه ، قال تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } ، وإذا ضيعت الأمانة قامت القيامة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال كيف إضاعتها يا رسول الله ؟ قال : إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة )) [ رواه البخاري برقم 6496 ] ،  فمن أهم الأخلاق التي ينبغي أن يتخلق بها المسلم  خلق الأمانة ، الدين أمانة ، والعمل أمانة ، والبصر أمانة ، والسمع أمانة ، واللسان أمانة ، واليد أمانة ، والولد أمانة ، والمال أمانة ... ، وكلها يلزم المسلم ، لقد فرض الإسلام على المسلمين العمل بخلق الأمانة ، فمن كان أميناً كان مؤمنا ، أخرج الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله  : (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم )) [ مسند الإمام أحمد ، حديث رقم (6925 ) ] ، والخيانة ليست أبدا من خلق المسلمين الصادقين ، ولا إيمان لمن لا أمانة له ، لحديث أنس رضي الله عنه قال)) قلَّما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا قال : لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له )) ،  اللهم ارزقنا الإيمان والأمانة واجعلنا أمناء على دينك وشرعك وأحينا مسلمين وأمتنا مسلمين وألحقنا بالصالحين ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الثالث :   أخلاق الفرد المسلم : خلق العدل

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق الثالث من أخلاق الفرد المسلم : [ العَدْل ] :  العدل : العدل : لغة : خلاف الجور ، وهو القصد في الأمور ، العدل اصطلاحًا : ( أن تعطي من نفسك الواجب وتأخذه ) ،  وقيل هو : ( عبارة عن الاستقامة على طريق الحق بالاجتناب عما هو محظور دينًا ) ، وقيل هو : ( استعمال الأمور في مواضعها ، وأوقاتها ، ووجوهها ، ومقاديرها ، من غير سرف ، ولا تقصير ، ولا تقديم ، ولا تأخير ) ، قال تعالى في بيان فضيلة العدل بين الناس : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ النحل : 90 ] ، وقال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} {النساء : 135 ] ، وقال تعالى : {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [ الشورى : 15 ] ، وقال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } ،  وقال تعالى : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ  } ، كما مدح الله تعالى من يقوم بالعدل :  قال سبحانه : {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [ الأعراف : 181 ] ، وقال تعالى : {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[ النحل : 76 ] ،  ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في بيان فضل العدل قوله صلى الله عليه وسلم  (( إن المقسطين عند الله على منابر من نور ، عن يمين الرحمن عز وجل ، وكلتا يديه يمين ، الذين يعلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا )) [ أَخْرَجَه مُسْلِمٌ ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل ... )) [ أَخْرَجَه مُسْلِمٌ ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  في تطبيق قاعدة العدل بين الناس (( يا أيها الناس إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد , وايم الله ، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت ، لقطع محمد يدها )) [ أخرجه البخاري ] ، والعدل اسم من أسماء الله الحسنى فالله تعالى هو الحكم العدل وكل ما يصدر عنه عدل ، وهو مصدر العدل وعدله مطلق وكل قوله وفعله عدل ، و الله تعالى يحب العدل ، و يكره الظلم الجور ، والعدل يشمل التوسط في الأمور كلها بغير إفراط ولا تفريط ، و العدل يشمل إعطاء كل ذي حق حقه ، و مجالات العدل و صوره كثيرة  ، منها العدل من النفس برد الحقوق والمظالم و العدل مع العدو و الصديق والعدل في الحكم بين الناس ،  والمسلم لابد وأن يتصف بالعدل في كل أموره ، و الله تعالى قد أمرنا بالعدل والإنصاف حتى مع الأعداء فقال تعالى : { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ } ،  لقد أرسل الله تعالى رسله عليهم السلام وأنزل معهم ميزان العدل ؛ ليقوم الناس بالقسط ، وما ذلك إلا لأهميته ، قال تعالى : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [ الحديد : 25 ] ،  ومن فوائد العدل : أن به يستتب الأمن في البلاد ، وتحصل الطمأنينة في النفوس ، ويشعر الناس بالاستقرار ، بالعدل يعم الخير في البلاد ، لأن العدل سبب في حصول الخير والبركة ، إذ قيام العدل في الأرض كالمطر الوابل ، ومن قام بالعدل نال محبة الله سبحانه ، قال تعالى : { وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}[ الحجرات : 9 ] ، لقد ضرب لنا الرسول الكريم أروع الأمثلة في كمال العدل ، ومن ذلك :  ورد (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر ، وفي يده قدح يعدل به القوم ، فمر بسواد بن غزيَّة حليف بني عدي ابن النجار قال : وهو مستنتل  من الصف ، فطعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقدح في بطنه ، وقال : استو يا سواد .  فقال : يا رسول الله ، أوجعتني ، وقد بعثك الله بالعدل ، فأقدني .  قال : فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : استقد .  قال : يا رسول الله ، إنَّك طعنتني ، وليس عليَّ قميص .  قال : فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه ، وقال : استقد  قال : فاعتنقه ، وقبَّل بطنه ، وقال : ما حملك على هذا يا سواد؟ قال : يا رسول الله ، حضرني ما ترى ، ولم آمن القتل ، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك .  فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم له بخير))  ،  وعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم : (( أنَّ قريشًا أهمَّهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح ، فقالوا : من يكلِّم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا : ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم .  فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكلمه فيها أسامة بن زيد ، فتلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟! فقال له أسامة : استغفر لي يا رسول الله .  فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختطب ، فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال أما بعد : فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وإني -والذي نفسي بيده- لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) ،  ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقُطعت يدها  ، وضد العدل الظلم ، والظلم : وضع الشيء في غير موضعه المختص به ، وما أكثر الآيات الواردة في ذم الظلم والظالمين كثيرة ومتنوعة فمنها : آيات وردت في تنزيه الله تعالى نفسه عن الظلم ، قال تعالى : {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ }[ غافر : 31 ] ، وقال :{ وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [ فصلت : 46  ] ، وقال : {وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ } [ آل عمران : 108 ] ، وقال سبحانه : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا }[ النساء : 40 ] ، وقال : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }[ يونس : 44 ] ، ومنها آيات تتحدث عن إهلاك الله تعالى للظالمين ، وتوعدهم بعقوبات في الدنيا والآخرة ، يقول تعالى : {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [ هود : 102 ] ،  وقوله تعالى : {وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ } [ سبأ : 42 ] ، وقال الله تعالى :{ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ } [ غافر : 18 ] ، وقال تعالى : {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [ الحج :71 ] ، {أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [ هود :18 ] ، {وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } [ الزمر :24 ] ،{ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [ الأنعام : 21 ] ، وقال : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ المائدة : 51 ] ، ومنها آيات جاء فيها وصف المعاصي بالظلم : ومنها قوله تعالى : {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } [ الطلاق : 1 ] ، وقوله تعالى :{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [ النساء : 10 ] ،  ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذم الظلم وأهله ، : عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( قال الله تبارك وتعالى : يا عبادي ، إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرمًا؛ فلا تظالموا  ))  ،  وعن جابر رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( اتَّقوا الظلم؛ فإنَّ الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتَّقوا الشحَّ؛ فإنَّ الشحَّ أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم ، واستحلوا محارمهم ))  [ صحيح مسلم]  ، وعن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إنَّ الله ليُملي للظالم ، فإذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [ هود : 102 ] ))   [ متفق عليه ]  ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يسلمه ، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة ))  ،  ومن آثار الظلم وعواقبه : أن الظالم مصروف عن الهداية : قال تعالى : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ المائدة : 51 ] ، وأن الظالم لا يفلح أبدًا : قال تعالى :{ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [ الأنعام :21 ] ، وأن الظالم عليه اللعنة من الله : يقول الله عزَّ وجلَّ : {يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [ غافر : 52 ] ، وأن الظالم يحرم من الشفاعة :  قال تعالى : {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [ غافر : 18 ] ، وأن الظالم تصيبه دعوة المظلوم ولا تخطئه : قال صلى الله عليه وسلم : (( واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ))  ، كما أن الظلم سبب للبلاء والعقاب : قال تعالى : {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } [ الحج :45 ] ، وقال تعالى : {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } [ هود :102 ] ، وقال سبحانه :{ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} [ الكهف : 59 ] ،  مِن الأمثلة على نصرته صلى الله عليه وسلم للمظلوم  : أخرج ابن اسحاق بسنده : قدم رجل من إرَاشَ بإبل له مكَّة ، فابتاعها منه أبو جهل ، فمَطَلَه بأثمانها ، فأقبل الإرَاشِيُّ حتى وقف على نادٍ من قريش ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية المسجد جالس، فقال : يا معشر قريش ، مَنْ رجل يؤدِّيني على أبي الحكم بن هشام ، فإنِّي رجل غريب، ابن سبيل، وقد غَلَبَني على حَقِّي؟ قال: فقال له أهل ذلك المجلس: أترى ذلك الرَّجل الجالس -لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يهزؤون به؛ لما يعلمون بينه وبين أبي جهل من العداوة- اذهب إليه فإنَّه يؤدِّيك عليه ، فأقبل الإرَاشِيُّ حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا عبد الله ، إنَّ أبا الحكم بن هشام قد غَلَبَني على حقٍّ لي قِبَلَه ، وأنا رجل غريب ، ابن سبيل ، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤدِّيني عليه ، يأخذ لي حَقِّي منه ، فأشاروا لي إليك ، فَخُذ لي حَقِّي منه ، يرحمك الله ، قال : انطلق إليه ، وقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلمَّا رأوه قام معه، قالوا لرجل ممَّن معهم: اتبعه، فانظر ماذا يصنع. قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه، فضرب عليه بابه ، فقال : من هذا ؟ قال: محمَّد، فاخرج إليَّ ، فخرج إليه ، وما في وجهه من رائحة ، قد انتقع لونه ، فقال : أعط هذا الرَّجل حقَّه. قال : نعم ، لا تبرح حتى أعطيه الذي له ، قال : فدخل، فخرج إليه بحقِّه، فدفعه إليه. قال: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال للإرَاشِي: الْحَقْ بشأنك. فأقبل الإرَاشِي حتى وقف على ذلك المجلس، فقال: جزاه الله خيرًا، فقد والله أخذ لي حَقِّي. قال: وجاء الرَّجل الذي بعثوا معه، فقالوا: ويحك! ماذا رأيت؟ قال: عجبًا من العجب، والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه، فخرج إليه وما معه روحه، فقال له: أعط هذا حقَّه، فقال: نعم، لا تبرح حتى أُخْرِج إليه حقَّه، فدخل فخرج إليه بحقِّه، فأعطاه إياه. قال: ثمَّ لم يلبث أبو جهل أن جاء، فقالوا له: ويلك! ما لك؟ والله ما رأينا مثل ما صنعت قط! قال: ويحكم، والله ما هو إلَّا أن ضرب عليَّ بابي، وسمعت صوته، فملئت رعبًا، ثم خرجت إليه، وإنَّ فوق رأسه لفحلًا من الإبل، ما رأيت مثل هَامَتِه، ولا قَصَرَتِه، ولا أنيابه لِفَحلٍ قطُّ، والله لو أَبَيْت لأكلني  ) [ سيرة ابن هشام : 1\ 389 ] ،   ومِن الأمثلة على نصرته صلى الله عليه وسلم  للمظلوم : أخرج مسلم : عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال : ((كنت أضرب غلامًا لي بالسُّوط، فسمعت صوتًا من خلفي: اعلم أبا مسعود. فلم أفهم الصَّوت من الغضب، قال: فلمَّا دنا منِّي إذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يقول: اعلم، أبا مسعود، اعلم، أبا مسعود. قال: فألقيت السَّوط من يدي، فقال: اعلم، أبا مسعود، أنَّ الله أقدر عليك منك على هذا الغلام. قال: فقلت: لا أضرب مملوكًا بعده أبدًا. وفي رواية: فقلت: يا رسول الله، هو حرٌّ لوجه الله، فقال: أما لو لم تفعل لَلَفَحتك النَّار، أو لمسَّتك النَّار ))  [ أخرجه مسلم  ( 1659 ) ] ،  إذن الله تعالى هو الحكم العدل ، ومن أهم الأخلاق التي ينبغي أن يتخلق بها المسلم  خلق العدل ، ومن أسوأ الأخلاق ( الظلم ) والظلم ظلمات يوم القيامة ، اللهم ارزقنا العدل واجعلنا من أهل العدل الإنصاف ، اللهم جنبنا الظلم والظالمين ،  اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الرابع :   أخلاق الفرد المسلم : خلق الحكمة

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق الرابع من أخلاق الفرد المسلم : [ الحِكْمَة ] :  الحكمة : الحَكَمَةُ : ما أحاط بحَنَكَي الفرس ، سُمِّيت بذلك ؛ لأنَّها تمنعه من الجري الشَّديد ، وتُذلِّل الدَّابَّة لراكبها ، حتى تمنعها من الجِماح ، ومنه اشتقاق الحِكْمَة ؛ لأنَّها تمنع صاحبها من أخلاق الأراذل  ، والحكمة: أصلها في اللغة من المنع عن الفساد والكف عن السفاهة ، واحكم الرجل الأمر إذا أتقنه، والحكيم هو الرجل المتقن للأمور الذي يضع الأمور في نصابها ، والحِكْمَة : فعل ما ينبغي ، على الوجه الذي ينبغي ، في الوقت الذي ينبغي ، في فضل الحكمة قال تعالى : { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [ البقرة : 129 ] ،  وقال تعالى : { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} [ البقرة : 151 ] ، وقال تعالى : { فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ }  [ البقرة : 251 ] ، وقال تعالى : { وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ ص : 20 ] ، وقال تعالى : {وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [ الزخرف : 63 ] ،  قال تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [ لقمان : 12 ] ، و قال تعالى : { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [ النَّحل : 125 ] ،  {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ} أي : بالمقالة المحْكَمة الصَّحيحة .  وهو الدَّليل الموضِّح للحقِّ ، المزيح للشُّبهة  ، ومما يدل على فضل الحكمة من السُّنَّة النَّبويَّة ،  عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول (( لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالًا ، فسلطه على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله حكمة ، فهو يقضي بها ويعلِّمها)) ، قال النَّووي : ( ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلِّمها ، معناه : يعمل بها ويعلِّمها احتسابًا ، والحكمة : كلُّ ما منع من الجهل ، وزجر عن القبيح ) ، و عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ضمَّني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال (( اللهمَّ علِّمه الحِكْمَة)) ، والحكمة خلق عظيم ، قال تعالى : { يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} [ البقرة : 269 ] ، ومن الحكمة : أن يعطي المسلم  كلَّ شيء حقَّه ولا يعدِّيه حدَّه ، ولا يعجِّله عن وقته ، ولا تؤخِّره عنه ، فالحِكْمَة حينئذ : فعل ما ينبغي ، على الوجه الذي ينبغي ، في الوقت الذي ينبغي  ،  ومن الحكمة : البصيرة في الدين ، وهي أعلى درجات العلماء ، وهي التي جاء فيها قول الله تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [ النحل : 125 ] ، فالدعوة إلى الله عز وجل لا تكون إلا بالحكمة ،  والنبي صلى الله عليه وسلم سيد الحكماء ، وهو معلم الناس الحكمة ، قال تعالى : { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} [ البقرة : 151 ] ، ، قال تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [ النحل : 125 ] ، ولو ذهبنا نضرب أمثلة على الحكمة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لطال بنا المقال ، ولكن إشارة إلى بعض ذلك ، أقول وبالله التوفيق : ( الموقف الأول  ) يتمثل في بدء الدعوة إلى دين الإسلام بالسرية دون الجهر ، وذلك لأنّ مكة المكرمة كانت المركز للمشركين ، وكان بها سدنة الكعبة ، والقائمون على الأوثان والأصنام المقدسة عند سائر العرب ، فالبدء بالجهر بالدعوة يؤدي إلى تفاقم الأمور ، وعدم الوصول إلى المقصود منها  ، ولذلك بدأ النبي صلى الله عليه وسلم الدعوة إلى دين الإسلام سرا واستمرت كذلك ثلاث سنين ، بدأ صلى الله عليه وسلم يعرض دعوته على ألصق الناس به ، وأهل بيته ، وأصدقائه ، ومن توسم فيهم خيراً ممن يعرفهم ويعرفونه ، يعرفهم بحب الخير والحق ، ويعرفونه بتحري الصدق والصلاح ، فأجابه من هؤلاء جمع عُرفوا في التاريخ الإسلامي بالسابقين الأولين ، فكان أول من أسلم زوج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد ’ ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم مولاه زيد بن حارثة الكلبي رضي الله عنه ثم أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، ونشط أبو بكر في دعوة رجال كان لهم أثر عظيم في الإسلام ، أمثال : عثمان بن عفان ، والزبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وطلحة بن عبيد اللَّه ، فهؤلاء النفر الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالإضافة إلى علي ، وزيد ، وأبي بكر ، يصبحون ثمانية ، هم الذين سبقوا الناس ، وهم الرعيل الأول وطليعة الإسلام ، ودخل الناس في دين اللَّه واحداً بعد واحد ، ولولا الحكمة لوئدت الدعوة في أول أيامها ، ولكن الله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته ، فأختار لها أحكم الناس وأفطن الناس وأصدق الناس وآمنهم على كل شيء ، قال تعالى {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [ البقرة : 269 ] ، والحِكْمَة : فعل ما ينبغي ، على الوجه الذي ينبغي ، في الوقت الذي ينبغي ، والنبي سيد الحكماء ، بل هو الذي علّم البشرية الحكمة ، قال تعالى : { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} [ البقرة : 151 ] ، لذا فإنّ الله تعالى أعطى النبي صلى الله عليه وسلم الحكمة ووفقه ، وسدده وأعانه ، ولهذا بدأ صلى الله عليه وسلم بالدعوة السرية حتى اشتد عودها فأذن الله تعالى له في الجهر بها ،  مواقف في الحكمة ( الموقف التالي   ) يتمثل في حكمته صلى الله عليه وسلم في اختيار دار الأرقم ابن أبي الأرقم للاجتماع بالمسلمين ، : لقد بلغ المسلمون عدداً يقرب الأربعين رجلاً ، ومازالت الدعوة سراً لم يجهر بها بين صفوف قريش ؛ لأن الرسول الحكيم صلى الله عليه وسلم يعلم أن هذا العدد غير كافٍ في دفع ما يتوقع من أذى يصيب به قريش المسلمين ، وكان من الضروري أن يجتمع بهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على شكل جماعات يرشدهم ، ويعلمهم ؛ ليكوِّن منهم القاعدة الصلبة التي يمكن أن يواجه بها أولئك الذين يقفون في وجه دعوة التوحيد ، وقد اختار  صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي فكان يلتقي بهم يعلمهم أمور دينهم ، ومن خلال التربية التزكية والتعليم في دار الأرقم ابن أبي الأرقم تكونت جماعة المؤمنين التي تقوم على أعظم وشائج الأخوة ، والمحبة والتعاون ، واستطاع صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الرسالة  أكمل وجه ، وأن يكوَّن من هذه العناصر المؤمنة نواة القاعدة الصلبة للأمة المؤمنة لتصبح فيما بعد خير الأمم وأكرمها على الله ،  مواقف في الحكمة ( الموقف التالي  ) يتمثل في الحكمة في إدارة الصراع عندما اشتد إيذاء المشركين بالمسلمين في مكة ، فقد أمر أصحابه بالصبر ، وبشر بعضهم بالجنة ، وكان من قوله : (( صبرا آل ياسر فإنّ موعدكم الجنة )) ، وكان يقول لخباب بن الأرت ولكنكم تستعجلون ، أخرج البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال : شكونا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة لـه في ظل الكعبة ، [ ولقد لقينا من المشركين شدة ] ، فقلنا : ألا تستنصر لنا ، ألا تدعو لنا ؟ فقال : (( قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر لـه في الأرض ، فيجعل فيها ، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد [ ما دون عظامه من لحم وعصب ] ، فما يصده ذلك عن دينه ، واللَّه ليُتَمَّنَّ هذا الأمر ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللَّه والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون )) [ البخاري ( رقم 3612) ] ،  ومع تلك الشدة والبلاء ، لم يلجأ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الاغتيال السياسي ، ولم يتخلص بالاغتيال من أفراد بأعينهم ، وكان بإمكانه ذلك ، إذ كان يستطيع أن يكلف بعض الصحابة بقتل قادة الكفر : كالوليد بن المغيرة المخزومي ، أو العاص بن وائل السهمي ، أو أبي جهل عمرو بن هشام ، أو أبي لهب : عبد العزى ابن عبد المطلب ، أو النضر بن الحارث ، أو عقبة بن أبي معيط ، أو أُبّي بن خلف ، أو أُمية بن خلف ، وهؤلاء هم صناديد الكفر وأشد الناس أذية لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فلم يأمر أحداً من أصحابه باغتيال أحد منهم أو غيرهم من أعداء الإسلام ؛ فإن مثل هذا الفعل قد يشوه صورة الدعوة ، وقد يضر بسمعتها ، وقد تتسامع العرب والقبائل أن هؤلاء طلاب سلطة لا حملة لواء رسالة عقيدة وقيم وأخلاق ، مواقف في الحكمة ( الموقف التالي   ) يتمثل في حكمته صلى الله عليه وسلم في السماح للمؤمنين بإظهار الدعوة عندما أسلم عم النبي صلى الله عليه وسلم حمزة بن عبد المطلب ، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، وبعض وجهاء قريش ، الذين لهم شأن عظيم ، وقويت بهم الجماعة المؤمنة ، سمح لهم بالخروج بصورة جماعية إلى الكعبة وإظهار شعائر الإسلام والجهر بالشهادتين والجهر بالقرآن ، مواقف في الحكمة ( الموقف التالي  )   : الإذن للمستضعفين من المؤمنين بالهجرة :  فإنه عندما اشتد أذى المشركين  بأصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، أذن رسول اللَّه لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة ، فكان أهل هذه الهجرة الأولى اثني عشر رجلاً ، وأربع نسوة ، ورئيسهم عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ثم بلغ هؤلاء المهاجرين أن قريشاً قد كفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم فرجعوا إلى مكة من الحبشة ، وقبل وصولهم مكة بساعة من نهار بلغهم أن الخبر كذب ، وأن قريشاً أشد ما كانوا عداوة لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فدخل من دخل مكة بجوار ، ثم اشتد البلاء من كفار قريش على من دخل مكة من المهاجرين وغيرهم ، ولقوا منهم أذىً شديداً ، فأذن لهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى الحبشة مرة ثانية ، ثم أذن لهم بعد ذلك في الهجرة إلى المدينة ،  مواقف في الحكمة ( الموقف التالي ) أعطى النبي صلى الله عليه وسلم أعظم المثال في الحكمة ، عندما استأذنه ملك الجبال أن يُطبق على الكفار الأخشبين ، فأبى لعل الله تعالى أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ، لا يشرك به شيئًا ، وفعلا حدث ما تأمله الرسول صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله تعالى أفواجا ، ففي الحديث المتفق عليه  عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت للنَّبي صلى الله عليه وسلم (( هل أتى عليك يوم كان أشدَّ من يوم أحد؟ قال : لقد لقيت من قومك ما لقيت ، وكان أشدُّ ما لقيت منهم يوم العقبة ، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال ، فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي ، فلم أستفق إلا وأنا بقَرْن الثَّعالب ، فرفعت رأسي ، فإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني ، فنظرت ، فإذا فيها جبريل ، فناداني ، فقال : إنَّ الله قد سمع قول قومك لك ، وما ردُّوا عليك ، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم .  فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ ، ثم قال : يا محمد ، فقال ذلك فيما شئت أن أُطْبِق عليهم الأخشبين   ؛ فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ، لا يشرك به شيئًا )) ،  مواقف في الحكمة ( الموقف التالي  ) حكمته في دخوله إلى مكة في جوار المطعم بن عدي : ثم سار حتى وصل إلى مكة فأرسل رجلاً من خزاعة إلى مطعم بن عدي ليدخل في جواره ، فقال مطعم : نعم ، ودعا بنيه وقومه فقال : البسوا السلاح ، وكونوا عند أركان البيت ، فإني قد أجرت محمداً ، فدخل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة ، حتى انتهى إلى المسجد الحرام ، فقام المُطْعمُ بن عدي على راحلته فنادى : يا معشر قريش إني قد أجرت محمداً ، فلا يهجه أحد منكم ، فانتهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الركن فاستلمه وصلى ركعتين ، وانصرف إلى بيته ، والمطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته [ انظر : زاد المعاد ، 3/33 ، وسيرة ابن هشام ، 2/28 ] ،  مواقف في الحكمة ( الموقف التالي  ) : عندما وصل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان فيها مجموعات من السكان متباينة في عقيدتها ، مختلفة في أهدافها ، متفرقة في اجتماعاتها ، وكانت لديهم خلافات بعضها قديم موروث ، وبعضها حديث موجود ، وقد كانت هذه المجموعات على ثلاثة أصناف : ( المسلمون ) من : الأوس والخزرج والمهاجرين ، و ( المشركون ) من : الأوس والخزرج الذين لم يدخلوا في الإسلام ، و ( اليهود ) وهم عدة قبائل : بنو قينقاع ، وقد كانوا حلفاء الخزرج ، وبنو النضير ، وبنو قُريظة ، وهاتان القبيلتان كانتا حلفاء الأوس ، وقد كان هناك خلاف مستحكم بين الأوس والخزرج ، وكانت بينهما حروب في الجاهلية ، وآخرها يوم بُعاثٍ ولا يزال في النفوس شيء منها [  البداية والنهاية ، 3/214 ، وسيرة ابن هشام ، 2/114  ] ، لقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بحل هذه المشكلات ، بحكمته العظيمة ، وحسن سياسته ، وتمثل ذلك في :  ( أ ) بناء المسجد والاجتماع فيه : كان أول عمل قام به صلى الله عليه وسلم في الإصلاح والتأسيس بناء المسجد النبوي ، واشترك المسلمون جميعاً في البناء ، وعلى رأسهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وصار المسجد المرتكز لجميع المسلمين ، ( ب ) المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار : قام صلى الله عليه وسلم بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، آخى بينهم صلى الله عليه وسلم في دار أنس بن مالك ، وكانوا تسعين رجلاً ، نصفهم من المهاجرين ، ونصفهم من الأنصار ، آخى بينهم على المواساة ، يتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر ، فلما أنزل اللَّه عز وجل : {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [ الأنفال : 75 ] ردّ التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوة [ انظر : زاد المعاد ، 3/63 ] ، ومن أروع الأمثال لتلك المؤاخاة ما رواه البخاري في صحيحه  (( آخى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن الربيع ، فقال سعد : قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالاً ، فأقسم مالي بيني وبينك نصفين ، ولي امرأتان ، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها ، فإذا انقضت عدتها فتزوجها ، فقال عبد الرحمن : بارك اللَّه لك في أهلك ومالك ، أين سوقكم ؟  فدلوه على السوق )) [ انظر البخاري : كتاب مناقب الأنصار ، باب إخاء النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ، حديث رقم 3780 ، 3781 ] ، ( ت ) ميثاق المهاجرين والأنصار وموادعة اليهود : بعد أن قام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، عقد معاهدة أزاح بها لك ما كان من حزازات الجاهلية والنزعات القبلية ، ولم يترك مجالاً لتقاليد الجاهلية ، وقد وضع في هذه المعاهدة ميثاقاً للمهاجرين والأنصار ، متضمناً موادعة اليهود بالمدينة ، وهذا من أبرز الجهود التي بدلها صلى الله عليه وسلم في الإصلاح والتأسيس ، كتب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كتاباً بين المهاجرين والأنصار ، وادع فيه اليهود ، وعاهدهم ، وأقرهم على أموالهم ، واشترط عليهم ، وشرط لهم )) [ انظر : البداية والنهاية لابن كثير ، 3/224-226 ، سيرة ابن هشام ، 2/119-123 ] ، وهذا الميثاق في غاية الدقة ، وحسن السياسة ، وكمال الحكمة من النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد ربط بين جميع المسلمين في المدينة وبين اليهود ، فأصبحوا كتلة واحدة ، يستطيعون أن يقفوا في وجه كل من يريد أهل المدينة بسوء ،  ( ث ) هذه الخطوات : بناء المسجد ، والمؤاخاة بين المؤمنين ، وكتابة الميثاق ، هي التي ألف بها النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين  ومهد لقيام دولة الإسلام ،  مواقف الحكمة ( الموقف التالي  )  : ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر الكبرى : من مواقفه التي تزخر بالحكمة في هذه الغزوة أنه صلى الله عليه وسلم استشار الناس قبل بدء المعركة ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يريد أن يعرف مدى رغبة الأنصار في القتال ؛ لأنه شُرِطَ لـه في البيعة أن يمنعوه في المدينة مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم وأبناءهم وأزواجهم ، أما خارج المدينة فلم يحصل أي شرط ، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يستشيرهم ، فجمعهم صلى الله عليه وسلم واستشارهم ، فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال وأحسن ، ثم عمر بن الخطاب – رضي اللَّه عنه – فقال وأحسن ، ثم استشارهم ثانياً ، فقام المِقْدَاد فقال : يا رسول اللَّه ، امض لما أمرك اللَّه فنحن معك ، واللَّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون ، [ نقاتل عن يمينك ، وعن شمالك ، ومن بين يديك ، ومن خلفك ، ثم استشار الناس ثالثاً ، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم ، فبادر سعد بن معاذ فقال : يا رسول اللَّه كأنك تريدنا ] ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعنيهم ، لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود في ديارهم ، فلما عزم على الخروج استشارهم ؛ ليعلم ما عندهم ، فقال لـه سعد : لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقاً عليها أن لا ينصروك إلا في ديارها ، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم : فاظعن حيث شئت ، وصل حبل من شئت ، واقطع حبل من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ، وأعطنا ما شئت ، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت ، وما أمرتنا فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك ، فواللَّه لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك ، والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فَخُضْتَهُ لخضناه معك ، ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدواً غداً ، إنا لَصُبُرٌ في الحرب ، صُدقٌ في اللقاء ، ولعل اللَّه يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة اللَّه ، فأشرق وجه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وسُرَّ بما سمع ، ونشطه ذلك ، ثم قال : (( سيروا وأبشروا ، فإن اللَّه قد وعدني إحدى الطائفتين ، ولكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم )) [ سيرة ابن هشام ، 2/253 ، وفتح الباري ، 7/287 ] ،  مواقف في الحكمة ( الموقف التالي  ) موقفه صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية والذي بسببه كان صلح الحديبية هو أعظم الفتوح وأكبرها أثرا وفائدة على دين الإسلام ، فقد أخرج البخاري في قصة صلح الحُدَيْبِية : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم دعا الكاتب ، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : (( اكتب : بسم الله الرَّحمن الرَّحيم .  فقال سهيل : أما الرَّحمن ، فو الله ما أدري ما هو ، ولكن اكتب : باسمك اللهمَّ .  فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا بسم الله الرَّحمن الرَّحيم .  فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : اكتب : باسمك اللهمَّ .  ثم قال : هذا ما قاضى عليه محمَّد رسول الله .  فقال سهيل : والله لو كنَّا نعلم أنَّك رسول الله ما صددناك عن البيت ، ولا قاتلناك ، ولكن اكتب : محمَّد بن عبد الله .  فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : والله إنِّي لرسول الله ، وإن كذَّبتموني ، اكتب : محمَّد بن عبد الله ))  وتم الصلح وكان من أعظم الفتح في الإسلام ، مواقف الحكمة ( الموقف التالي  ) : موقفه صلى الله عليه وسلم مع ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة : أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خيلاً قِبَلَ نجد ، فجاءت برجل من بني حنيفة ، يقال لـه ثمامة بن أُثال ، سيد أهل اليمامة ، فربطوه بسارية من سواري المسجد ، فخرج إليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال : (( ماذا عندك يا ثمامة ؟ )) ، فقال : عندي يا محمد خير ، إن تقتل تقتل ذا دم ، وإن تنعم تنعم على شاكر ، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت ، فتركه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى كان بعد الغد ، فقال : (( ما عندك يا ثمامة ؟ )) فقال : ما قلت لك ، إن تنعم تنعم على شاكر ، وإن تقتل تقتل ذا دم ، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت ، فتركه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى كان من الغد ، فقال : (( ماذا عندك يا ثمامة؟ )) فقال : عندي ما قلت لك ، إن تنعم تنعم على شاكر ، وإن تقتل تقتل ذا دم ، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : (( أطلقوا ثمامة )) , فانطلق إلى نخل قريب من المسجد ، فاغتسل ، ثم دخل المسجد فقال : أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، يا محمد ! واللَّه ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك ، فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلها إليَّ ، واللَّه ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك ، فأصبح دينك أحبَّ الدين كله إليَّ ، واللَّه ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك ، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليَّ ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، وأمره أن يعتمر ، فلما قدم مكة قال لـه قائل : أصبوت؟ فقال : [ لا واللَّه ] ، ولكني أسلمت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، ولا واللَّه لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم )) [ انظر البخاري ( رقم 4372) ، ومسلم ( رقم 1764) ] ، ثم خرج رضي الله عنه إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئاً ، فكتبوا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : إنك تأمر بصلة الرحم ، وإنك قد قطعت أرحامنا ، وقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع ، فكتب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى ثمامة أن يخلي بينهم وبين الحمل [ سيرة ابن هشام 4/317 بتصرف يسير ، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري ، 8/88 ] ، وقد ثبت ثمامة على إسلامه لما ارتد أهل اليمامة ، وارتحل هو ومن أطاعه من قومه فلحقوا بالعلاء بن الحضرمي فقاتل معه المرتدين من أهل البحرين [ انظر : الإصابة في تمييز الصحابة ، 1/203 ] ، اللَّه أكبر ، ما أحكم النبي محمداً صلى الله عليه وسلم .  وما أعظمه من موقف ، فقد كان صلى الله عليه وسلم يتألف القلوب ، ويلاطف من يرجى إسلامه من الأشراف الذين يتبعهم على إسلامهم خلق كثير ، وهكذا ينبغي للدعاة إلى اللَّه عز وجل أن يعظموا أمر العفو عن المسيء ، لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبًّا في ساعة واحدة ؛ لما أسداه النبي صلى الله عليه وسلم إليه من العفو والمنّ بغير مقابل ، وقد ظهر لهذا العفو الأثر الكبير في حياة ثمامة ، وفي ثباته على الإسلام ودعوته إليه [ انظر : شرح النووي على مسلم ، 12/89 ، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري : 8/88 ] ،  مواقف الحكمة ( الموقف التالي  ) : مواقف النبي صلى الله عليه وسلم مع زعيم المنافقين عبد اللَّه بن أُبيّ : وهذا المنافق لم يأل جهداً في الصد عن الإسلام ، وتفريق جماعة المسلمين ، والذب عن اليهود ومساعدتهم ، وقد ظهرت مواقفه الخبيثة في معاداته لدعوة الإسلام ، ولكن عن طريق التستر والنفاق ، لأنه كان يُظهر الإسلام ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقابل عداوته بالعفو والصفح والحلم ؛ وكان صلى الله عليه وسلم يحسن إليه بالمقال والفعل ، ويقابل إساءته بالعفو والإحسان في عدة مواقف ، منها على سبيل المثال : شفاعته ليهود بنو قينقاع  عندما نقضوا العهد ، و ما فعله مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحد ، حيث انخزل بنحو ثلث الجيش ، ورجع بهم إلى المدينة ، فلم يعاقبه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على هذا الجرم العظيم ، وتثبيته بني النضير ، عندما نقض يهود بني النضير العهد بِهَمِّهِم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم ، بعث إليهم محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده ، فبعث إليهم عبد اللَّه بن أُبيّ : أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم ، إن قُوتلتم قاتلنا معكم ، وإن أُخرجتم خرجنا معكم ، فقويت عزيمة اليهود ، ونابذوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بنقض العهد ، وفي هذا المنافق نزل قول الله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ } [ الحشر : 11 ، 12 ] ، فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل بهم وحاصرهم ، فقذف اللَّه في قلوبهم الرعب ، وأجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم وخرجوا إلى خيبر ، ومنهم من سار إلى الشام ، وترك النبي صلى الله عليه وسلم عبد اللَّه بن أُبيّ فلم يعاقبه على ذلك ، وهو القائل أخزاه الله : { لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ } ،  وهو القائل أخزاه الله : { لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا} ، وهو الذي دبر قصة الإفك ، وتولى كبرها ، ومع كل هذا لما استأذن عمر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم  في ضرب عنقه ، وقال : يا رسول اللَّه دعني أضرب عنق هذا المنافق ، قال له  النبي صلى الله عليه وسلم   : (( دعه حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه )) [ البخاري : ( رقم 4905) ، ومسلم : ( رقم 2584/63) ] ، فلو قتله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لكان ذلك منفِّراً للناس عن الدخول في الإسلام ؛ لأنهم يرون أن عبد اللَّه بن أُبيّ مسلم ، ومن ثم سيقول الناس : إن محمداً يقتل المسلمين ، فعند ذلك تظهر المفاسد ، وتتعطل المصالح ، فظهرت حكمة النبي صلى الله عليه وسلم وصبره على بعض المفاسد خوفاً من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم ؛ ولتقوى شوكة الإسلام ، وقد أُمر بالحكم الظاهر ، واللَّه يتولى السرائر ، وقد ظهرت الحكمة لعمر بعد ذلك في عدم قتل عبد اللَّه بن أُبيّ فقال : "قد واللَّه علمت ، لأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري " [  ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ، 4/185 ، وانظر : شرح النووي على مسلم ، 16/139 ] ،  الحكمة عزيزة ، قال تعالى : { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [  البقرة : 269 ] ، اللهم اجعلنا ممن آتيت الحكمة والبصيرة في الدين  ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الخامس :  أخلاق الفرد المسلم : خلق الشجاعة

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق الخامس من أخلاق الفرد المسلم : [ الشَّجَاعَة ]  : الشجاعة : هي شدَّة القلب عند البأس ، وهي : الإقدام على المكاره ، والمهالك عند الحاجة إلى ذلك وثبات الجأش عند المخاوف ، والاستهانة بالموت  ،  وهناك فرق كبير بين الشجاعة وبين القوة ، فإن الشجاعة هي ثبات القلب عند النوازل وإن كان صاحبها ضعيف البدن ضعيف البطش ،  وقد كان الصديق رضي الله عنه أشجع الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ضعيف البدن ، ولكن برز على الصحابة كلهم بثبات قلبه في كل موطن من المواطن التي تزلزل الجبال ، وهو في ذلك ثابت القلب ، ربيط الجأش ، إنَّ الشَّجَاعَة منبعها من القلب ، وهي ثباته واستقراره عند المخاوف ، وضد الشجاعة الجبن ، وهو خلق مذموم ، وقد  أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين بالشجاعة عند الجهاد في سبيله ، والثبات عليه ، والتحلي بصفة الإقدام ، والتخلي عن صفة الجبن ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [ الأنفال : 16 ] ، وقال سبحانه : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} [ الأنفال : 65 ] ،  وقال سبحانه : { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} [ البقرة : 190 ] ،  وأمر الله المسلمين بالثبات في الجهاد فقال : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} [ الأنفال : 45 ] ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أشجع الناس ، أخرج مسلم في صحيحه : باب في شجاعة النبي عليه السلام وتقدمه للحرب ، عن أنس بن مالك قال : (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وكان أجود الناس وكان أشجع الناس ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحة عري في عنقه السيف وهو يقول لم تراعوا لم تراعوا )) [ مسلم ح 2307 ] ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم من عظيم شجاعته يتمنى الشهادة والعود للحياة ثم يستشهد مرة بعد مرة ففي صحيح مسلم عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : ((  والذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل )) [ أخرجه مسلم ] ، وكان صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجبن ، أخرج البخاري في صحيحه : (( إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ منهن دبر الصلاة : اللهم إني أعوذ بك من الجبن ، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر ، وأعوذ بك من فتنة الدنيا ، وأعوذ بك من عذاب القبر ، فحدثت به مصعبًا فصدقه)) [ أخرجه البخاري ] ،  إن خلق الشَّجَاعَة أصل الأخلاق والفضائل : فمن يتصف بالشَّجَاعَة يتحلى أيضًا بالنجدة ، وعظم الهمة ، والثبات ، والصبر ، والحلم ، وعدم الطيش ، والشهامة ، واحتمال الكد  ، والشَّجَاعَة تحمل صاحبها على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم  ، كما أنّ الشجاع يحسن الظن بالله : فإنّ أهل الجبن والبخل : هم أهل سوء الظن بالله ، وأهل الشَّجَاعَة والجود : هم أهل حسن الظن بالله ، كما أنّ مصلحة الدين لا تتم إلا بالشَّجَاعَة ، ولهذا قال أهل الأخلاق : أمهات الأخلاق العظيمة وأصولها : أربعة : الحكمة : وهى حالة للنفس بها يدرك الصواب من الخطأ ، وهي فعل ما ينبغي ، على الوجه الذي ينبغي ، في الوقت الذي ينبغي ، والعدل : وهى حالة للنفس وقوة بها تسوس الغضب والشهوة وتحملها على مقتضى الحكمة ، والشجاعة : وبها تنقاد قوة الغضب للعقل في إقدامها وإحجامها ، والعفة : وبها تتأدب قوة الشهوة بتأدب العقل والشرع ، فمن اعتدال هذه الأصول الأربعة تصدر الأخلاق الجميلة كلها ، ولم يبلغ كمال الاعتدال في هذه الأربع من خلق الله تعالى إلا الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبكمالها  أثنى عليه الله تعالى في  القرآن الكريم بقوله تعالى : (( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ )) ، لقد تجلت شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن عديدة ، جعلته أشجع الناس ، ولو ذهبنا نضرب أمثلة على الشجاعة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لطال بنا المقال ، ولكن إشارة إلى بعض ذلك ، أقول وبالله التوفيق : ( الموقف الأول  ) : يتمثل في الجهر بالدعوة عندما أمره الله تعالى بقوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ* وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ* وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ } [ المدثر : 1إلى 7 ] ، وقوله تعالى : { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ } بدأ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يسلك طريق الجهر بالدعوة والصدع بالحق ، أخرج الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنه قال : لما نزلت { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ }  صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي : (( يا بني فهر ، يا بني عدي )) – لبطون قريش – حتى اجتمعوا ، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو ، فجاء أبو لهب ، وقريش ، فقال : (( أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم ، أكنتم مصدقي ))؟ قالوا : نعم ، ما جربنا عليك إلا صدقاً .  قال : (( فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد )) ،  فقال أبو لهب : تبًّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت : {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} )) [ البخاري ( رقم 4770) ، ومسلم ( رقم 208) ] ، وفي رواية لأبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم ناداهم بطناً بطناً ، ويقول لكل بطن : (( أنقذوا أنفسكم من النار )) ، ثم قال : (( يا فاطمة أنقذي نفسك من النار ؛ فإني لا أملك لكم من اللَّه شيئاً ، غير أن لكم رحماً سأبلها ببلاها )) [ البخاري ومسلم  ( رقم 206) ] ، فقد قام أشجع الناس وسيد الناس صلى الله عليه وسلم بالبلاغ المبين عن رب العالمين ، حتى ولو خالفه أو رد دعوته جميع العالمين ، وقد فعل صلى الله عليه وسلم ، وقد استمر صلى الله عليه وسلم على الجهر بالدعوة وإظهار الحق ، يدعو إلى اللَّه تعالى ليلاً ونهاراً ، وسراً وجهاراً ، لا يصرفه عن ذلك صارف ، ولا يرده عن ذلك رادّ ، ولا يصده عن ذلك صادّ ، استمر يتتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم ، وفي المواسم ومواقف الحج ، يدعو من لقيه إلى الإسلام ، لم يفتر صلى الله عليه وسلم في دعوته ،  مواقف في الشجاعة : ( الموقف التالي  ) : في غزوة حنين : وهي التي نزل فيها قول الله تعالى : { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ التوبة : 25 إلى 27 ] ، بعد أن دارت معركة حنين والتقى المسلمون والكفار ، وكان الكفار قد خدعوا المسلمين وصنعوا لهم كمائن ، وانهالوا عليهم رشقا بالنبال ،  فانكشف المسلمون  ، آنذاك تظهر شجاعة أشجع الخلق ، وأقوى الناس قلبا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  ، فطفق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  يركض بغلته قِبَلَ الكفار ،  وهو يقول : (( الآن حمي الوطيس )) ، وهو ينادي : (( أنا النبي لا كذب ، . ، أنا ابن عبد المطلب ، . ، اللَّهم نزِّل نصرك )) ، أخرج مسلم : سئل البراء ، فقال لـه رجل : يا أبا عمارة ، أكنتم وليتم يوم حنين؟ قال : لا واللَّه ما ولى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، ولكنه خرج المسلمون حسرا ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح ، فلقوا قوماً رماة لا يكاد يسقط لهم سهم ، جمع هوازن ، وبني نصر ، فرشقوهم رشقاً ، ما يكادون يخطئون ، فانكشفوا ، فأقبل القوم إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث يقود بغلته ، فنزل ودعا واستنصر وهو يقول : (( أنا النبي لا كذب ، . ، أنا ابن عبد المطلب ، . ، اللَّهم نزِّل نصرك )) [ مسلم ، في كتاب الجهاد والسير ، باب غزوة حنين ، مع التصرف في بعض الكلمات ، 3/1400 ، ( رقم 1776) ، والبخاري مع الفتح ، كتاب الجهاد ، باب من صف أصحابه عند الهزيمة ونزل عن دابته فاستنصر ، 6/ 105 ، 8/27 ، 28 ، ( رقم 2930) ] ، قال البراء : (( كنا واللَّه إذا حمر البأس نتقي به ، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم )) [ أخرجه مسلم في كتابا الجهاد والسير ، باب غزوة حنين ، 3/1401 ، ( رقم 1776/79) ] ، مواقف في الشجاعة : ( الموقف التالي  ) : ومن مواقفه التي تزخر بالحكمة والشجاعة : ما رواه البخاري ومسلم ، عن أنس رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس ، وأجود الناس ، وأشجع الناس ، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة ، فانطلق الناس قَبِلَ الصوت ، فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم قد سبق الناس إلى الصوت ، وهو يقول : (( لم تراعوا ، لم تراعوا )) ، وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج ، في عنقه سيف ، فقال : (( لقد وجدته بحراً )) ، أو (( إنه لبحر )) [ البخاري ( رقم 6033) ، ومسلم ( رقم 2307) ] ، مواقف في الشجاعة : ( الموقف التالي  ) : موقفه صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي الذي أراد قتله : روى البخاري ومسلم ، عن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنه قال : غزونا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قِبَلَ نجد ، فأدركنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في واد كثير العضاه ، فنزل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تحت شجرة ، فعلق سيفه بغصن من أغصانها ، قال : وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر ، قال : فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : (( إن رجلاً أتاني وأنا نائم ، فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي ، فلم أشعر إلا والسيف صلتاً في يده ، فقال لي ، من يمنعك مني؟ قال : قلت : اللَّه ، ثم قال في الثانية : من يمنعك مني؟ قال : قلت : اللَّه ، قال : فشام السيف ، فها هو ذا جالس ، ثم لم يعرض لـه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم )) [ البخاري ( رقم 2910) ، و ( رقم 4135) ، ومسلم ، واللفظ لـه ، ( رقم 843) ] ،  مواقف في الشجاعة : ( الموقف التالي  ) : موقفه صلى الله عليه وسلم مع من شفع في ترك إقامة الحد : قد كان النبي صلى الله عليه وسلم أعدل البشر في جميع أموره وأحكامه ، ومما يضرب به المثل في عدله إلى يوم القيامة قصة المخزومية التي سرقت فقطع يدها بعد أن شفع فيها أسامة ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحابِ في ذلك ولم يقبل الشفاعة في حد من حدود اللَّه تعالى ، فعن عائشة ’ أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح ، فقالوا : من يكلم فيها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا : ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد ، حب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأُتيَ بها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فكلمه فيها أسامة بن زيد ، فتلون وجه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال : (( أتشفع في حد من حدود اللَّه؟ )) فقال له أسامة : استغفر لي يا رسول اللَّه! فلما كان العشي قام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فاختطب فأثنى على اللَّه بما هو أهله ، فقال : (( أما بعد ، أيها الناس : إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها )) ، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها ، قالت عائشة : فحسنت توبتها بعد ، وتزوجت ، وكانت تأتيني فأرفع حاجتها إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم [ البخاري ، ( رقم 6787) ، و ( رقم 6788) ، ورواه مسلم بلفظه ( رقم 1688) ] ،  ومن مواقف الشجاعة : ( موقف لأبي بكر الصديق ) : رُوي عن علي رضي الله عنه أنه خطب ، فقال : أيها الناس أخبروني من أشجع الناس ؟ قالوا : أنت يا أمير المؤمنين! قال : أما إني ما بارزت أحداً إلا انتصفت منه ، ولكن أخبروني بأشجع الناس! قالوا : لا نعلم ، فمن ؟ قال : أبو بكر .  إنه لما كان يوم بدر ، جعلنا لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عريشاً ، فقلنا : من يكون مع الرسول صلى الله عليه وسلم لئلا يهوي عليه أحد من المشركين ، فو الله ما دنا منه أحد إلا أبو بكر ، شاهراً بالسيف على رأس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه ، فهذا أشجع الناس ، قال علي رضي الله عنه : ولقد رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأخذته قريش ، فهذا يحاده ، وهذا يتلتله ، وهم يقولون : أنت الذي جعلت الآلهة إلهاً واحداً ، فو الله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر ، يضرب هذا ، ويُجاهد هذا ، ويتلتل هذا ، وهو يقول : ويلكم ، { أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ } ، ثم رفع عليٌّ بردةً كانت عليه ، ثم بكى حتى اخضلت لحيته ، ثم قال علي : أنشدكم اللَّه ، أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر ؟ فسكت القوم .  ثم قال : ألا تجيبوني ؟ فو الله لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مثل مؤمن آل فرعون ، ذاك رجل يكتم إيمانه ، وهذا رجل أعلن إيمانه [  البداية والنهاية ، 3/272 ] ،  ومن مواقف الشجاعة : ( موقف لأبي بكر الصديق ) :  أُصيب المسلمون يوم وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بمصيبة عظيمة ، وهزّة عنيفة ، أفقدت الكثير منهم صوابهم ، حتى إن عمر أنكر موت النبي صلى الله عليه وسلم وخرج إلى الناس وخطبهم ، وقال : واللَّه ما مات رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وليبعثنه اللَّه فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ، وأقبل أبو بكر رضي الله عنه على فرس من مسكنه بالسُّنح حتى نزل فدخل المسجد فلم يُكلّم الناس حتى دخل على عائشة ’ فتيمم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو مغشى بثوب حبرة ، فكشف عن وجهه ، ثم أكبّ عليه فقبله وبكى ، ثم قال : بأبي أنت وأمي ، واللَّه لا يجمع اللَّه عليك موتتين ، أما الموتة التي كُتبتْ لك فقد متها [ البخاري : ( رقم 1241 ، 1242) ] ، ثم خرج أبو بكر – وعمر يُكلم الناس – فقال : أيها الحالف على رسْلِك ، وقال : اجلس يا عمر ، فأبي عمر أن يجلس ، فلما تكلم أبو بكر أقبل الناس إليه وتركوا عمر ، فجلس عمر رضي الله عنه فحمد اللَّه أبو بكر وأثنى عليه ، وقال : أما بعد ، فمن كان منكم يعبد محمداً صلى الله عليه وسلم فإن محمداً صلى الله عليه وسلم قد مات ، ومن كان منكم يعبد اللَّه فإن اللَّه حي لا يموت ، قال اللَّه تعالى : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ }  [ الزمر : 30 ] ، وقال : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ } [ آل عمران : 144 ] ، فو الله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن اللَّه أنزل الآية حتى تلاها أبو بكر رضي الله عنه وقال عمر : واللَّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي ، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها ، علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات )) [ البداية والنهاية لابن كثير ، 5/241 ، 242 ] ، ومن مواقف في الشجاعة : ( موقف لأبي بكر الصديق من المرتدين ) :  جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما توفي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده ، وكفر من كفر من العرب ، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر : كيف تقاتل الناس وقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا اللَّه ، فمن قال : لا إله إلا اللَّه فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه ، وحسابه على اللَّه )) ؟! فقال أبو بكر : واللَّه لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، واللَّه لو منعوني عِقالا كانوا يؤدونه إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه ، فقال عمر بن الخطاب : فو الله ما هو إلا أن رأيت اللَّه عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال ، فعرفت أنه الحق [   مسلم بلفظه ، ( رقم  20) ، والبخاري ، ( رقم 1399) ] ،  مواقف في الشجاعة : ( موقف لعمر بن الخطاب ) :  عندما أسلم عمر رضي الله عنه على يد النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يَعلم قريش بإسلامه ، فسأل عن أنقلهم للحديث ، لينقل خبر إسلامه إلى قريش ، فقيل له : جميل بن معمر الجمحي ، فذهب عمر رضي الله عنه إلى جميل ، وقال له : أعلمت يا جميل أنّي قد أسلمت ، ودخلت في دين محمد ؟ فقام جميل بن معمر يجر رداءه مُسرعاً حتى قام على باب المسجد ، ثم صرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش ، ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ ، فقال عمر وهو واقف خلفه : كذب ، ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا اللَّه ، وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فثار عليه قريش من أنديتهم حول الكعبة ، وقاتلهم وقاتلوه ، واستمر القتال بينهم وبينه في هذا الموقف حتى قامت الشمس على رؤوسهم )) [ سيرة ابن هشام ، 1/370 ، والبداية والنهاية ، 3/82  ] ، ،  مواقف في الشجاعة : ( موقف لعمر بن الخطاب عند الهجرة  ) :   عندما اشتد أذى المشركين على المسلمين ، وأذن لهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالهجرة من مكة إلى المدينة ، وابتدأت وفود المسلمين متجهة إلى المدينة وكلها مختفية في هجرتها وانتقالها ، إلا هجرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد رُوي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : ما علمت أن أحداً من المهاجرين هاجر إلا مختفياً ، إلا عمر بن الخطاب ، فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه ، وتنكب قوسه ، وانتضى في يده أسهماً وأتى الكعبة ، وأشراف قريش بفنائها ، فطاف سبعاً متمكناً ، ثم أتى المقام فصلى ركعتين ، ثم أتى حلقهم ، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة ، فقال : شاهت الوجوه ، من أراد أن تَثْكَله أمه وييتم ولده ، وترمل زوجته ، فليلقني خلف هذا الوادي ، فما تبعه منهم من أحد [ تاريخ الخلفاء للإمام السيوطي ، ص115 ]  ، مواقف في الشجاعة : (  موقف لعلي بن أبي طالب ) : موقفه رضي الله عنه في تقديم نفسه فداء للنبي صلى الله عليه وسلم ودعوته ، وقبوله أن ينام على فراشه ، : فعندما اجتمع قريش في دار الندوة ، وأجمعوا على قتل النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمر صلى الله عليه وسلم  علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن ينام في فراشه تلك الليلة  )) ، فقدم رضي الله عنه نفسه فداء للنبي صلى الله عليه وسلم ودعوته ، [ انظر : تاريخ الخلفاء للسيوطي ، ص166 ] ،  مواقف في الشجاعة : (  موقف لعلي بن أبي طالب ) : موقف علي رضي الله عنه في غزوة الأحزاب ، خرج عمرو بن عبد ودّ إلى المسلمين ، وقال: من يُبارز ؟ فقام علي بن أبي طالب ، فقال : أنا لها يا رسول اللَّه! فقال : (( إنه عمرو ، اجلس )) ، ثم نادى عمرو : ألا رجل يبرز ؟ فجعل يؤنبهم ، ويقول : أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها ؟ أفلا تبرزون إليَّ رجلاً ؟ فقام علي ، فقال : أنا يا رسول اللَّه! فقال : (( اجلس )) ثم نادى الثالثة . ، .  فقام علي رضي الله عنه فقال : يا رسول اللَّه ، أنا ، فقال : (( إنه عمرو )) ، فقال : وإن كان عمراً! فأذن له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فمشى إليه علي حتى أتى إليه ، فقال له عمرو : من أنت ؟ قال : أنا علي بن أبي طالب ، فقال له عمرو : يا ابن أخي ؟ والله ما أحب أن أقتلك .  قال له علي : ولكني واللَّه أحب أن أقتلك ، فغضب عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه ، ثم أقبل على عليٍّ وسل سيفه ، فاستقبله عليٌّ بالترس ، فشق السيف الترس ، فضربه عليُّ على حبل عاتقه ، فسقط وثار الغبار ، وسمع المسلمون التكبير ، فعرفوا أن عليًّا قتله ، وقال علي رضي الله عنه : ( نصر الحجارة من سفاهة رأيه ، . ، ونصرت رب محمد بصوابي ، . ، فصدرت حين تركته متجدلاً ، . ، كالجذع بين دكادك وروابي ) وبعد هذه المبارزة انهزم الباقون ، وخرجت خيولهم حتى اقتحمت الخندق [  البداية والنهاية ، 4/106 ، وسيرة ابن هشام ، 3/240  ] ،  مواقف في الشجاعة : (  موقف لعلي بن أبي طالب ) : موقف علي رضي الله عنه في غزوة خيبر : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم خيبر : (( لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتح اللَّه على يديه ، يحب اللَّه ورسوله ، ويحبه اللَّه ورسوله )) ، فبات الناس يدوكون ليلتهم : أيهم يُعطاها ، فلما أصبح الناس غدوا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها ، فقال : (( أين علي بن أبي طالب ؟ )) قيل : هو يا رسول اللَّه يشتكي عينيه ، قال : (( فأرسلوا إليه )) ، فأُتي به ، فبصق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في عينيه ، ودعا له ، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع ، فأعطاه الراية ،  وخرج مرحب فقال : ( قد علمت خيبر أني مرحب ،، شاكي السلاح بطل مجرب ،، إذا الحروب أقبلت تلهب ) ، فقال علي : (  أنا الذي سمتني أمي حيدره ،، كليث غابات كريه المنظره ،، أوفيهم بالصاع كيل السندره ) فضرب رأس مرحب فقتله ، ثم كان الفتح على يديه [  أخرجه مسلم ( رقم 1807) ، زاد المعاد ، 3/321 ] ، مواقف في الشجاعة : ( موقف أنس بن النضر الأنصاري ) عم أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن أنس رضي الله عنه قال : غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال : يا رسول اللَّه غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين ، واللَّه لئن أشهدني اللَّه قتال المشركين ليريَنّ اللَّه ما أصنع .  فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال : اللَّهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء – يعني المسلمين – ، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء – يعني المشركين – .  ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال : أي سعد والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أحد .  فقاتلهم حتى قتل .  قال أنس : فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة : من بين ضربة بسيف وطعنة برمح ، ورمية بسهم وقد مَثَّلوا به ، فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه .  ونزلت هذه الآية : { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا } [ الأحزاب : 23 ] ، قال فكنا نقول : نزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه [ البخاري : ( رقم 2805) ، ومسلم : ( رقم 1903 ) ،  فتح الباري ، 8/518  ] ،  مواقف في الشجاعة : ( موقف عُمير بن الحُمام ) : في غزوة بدر حينما سمع عُمير بن الحُمام رسول اللَّه يقول لأصحابه : (( قومُوا إلى جَنّةٍ عرضُهَا السّماوات والأرضُ )) فقال : يا رسول اللَّه جنة عرضها السماوات والأرض ؟ قال : (( نعم )) ،  قال : بخ بخ ، فقال صلى الله عليه وسلم : (( ما يحملك على قولك بخ بخ ؟ )) ، قال : لا واللَّه يا رسول اللَّه إلا رجاء أن أكون من أهلها .  قال : (( فإنك من أهلها )) فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال : لئن أنا حييت حتى آكل من تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل [ مسلم : ( رقم 1901) ] ،  إن خلق الشَّجَاعَة أصل الأخلاق والفضائل ، والشَّجَاعَة تحمل صاحبها على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم  ، كما أنّ الشجاع يحسن الظن بالله : فإنّ أهل الجبن والبخل : هم أهل سوء الظن بالله ، وأهل الشَّجَاعَة والجود : هم أهل حسن الظن بالله ، كما أنّ مصلحة الدين لا تتم إلا بالشَّجَاعَة : كما جاء في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [ التوبة : 38-39 ] ، اللهم ارزقنا الشجاعة فإنها من أعظم الأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم ،  اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس السادس :  أخلاق الفرد المسلم :  خلق الجُود والكَرَم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق السادس من أخلاق الفرد المسلم : [ الجُود والكَرَم والسَّخاء والبذل والعطاء ] ، وجميع تلك الصفات مترادفات ومعناها قريب ، فمعنى الجُود : إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي ، وقيل هو : ( صفةٌ تحمل صاحبها على بذل ما ينبغي مِن الخير لغير عوض ) ، ومعنى الكرم : هو الإعطاء بسهولة ، وقال القاضي عياض : ( وأما الجود والكرم والسخاء والسماحة ، ومعانيها متقاربة ، وقد فرق بعضهم بينها بفروق ، فجعلوا الكرم : الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم خطره ونفعه ) أهـ ، ومعنى السخاء : الجُود ، والكرم والسخاء :بذل المعروف قبل إلحاف السَّائل ، ومعنى البذل الجود ، والإعطاء عن طيب نفس ، والكرم صفة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام ، قال تعالى : {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ  فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ} [ الذَّاريات : 24-26 ] ، قال المفسرون : ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ، كانوا ثلاثة أكرمهم إبراهيم ، وأمر أهله لهم بالعجل السمين ،  وقال تعالى في بيان فضيلة خلق الكرم : { مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  } [ البقرة : 261 ] ، وقال تعالى{ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [ البقرة : 274 ] ، وأخرج مسلم  عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( دينارٌ أنفقته في سبيل الله ودينارٌ أنفقته في رقبةٍ ، ودينارٌ تصدَّقت به على مسكينٍ ، ودينارٌ أنفقته على أهلك ، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك)) [ أخرجه مسلم ] ، لقد مثَّل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى والقدوة الحسنة في الجُود والكَرَم ، فكان أجود النَّاس ، أخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه قال : (( ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئًا إلَّا أعطاه ، قال : فجاءه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلين ، فرجع إلى قومه ، فقال : يا قوم أسلموا ، فإنَّ محمَّدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة)) [ أخرجه مسلم ] ،  وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لو كان لي مثل أحدٍ ذهبًا ما يسرُّني أن لا يمرَّ عليَّ ثلاثٌ ، وعندي منه شيءٌ إلَّا شيءٌ أرصدُهُ لدينٍ)) ، [ أخرجه البخاري ] ،  وأخرج البخاري أيضا عن جبير بن مطعمٍ ، أنَّه بينا هو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه النَّاس ، مقبلًا مِن حنينٍ ، عَلِقَتْ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سَمُرَةٍ ، فَخطِفَتْ رداءه ، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (( أعطوني ردائي ، فلو كان عدد هذه العِضَاهِ نَعَمًا ، لقسمته بينكم ، ثمَّ لا تجدوني بخيلًا ، ولا كذوبًا ، ولا جبانًا )) [ أخرجه البخاري ] ، وأخرج البخاري أيضا : أهدت امرأة إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم شملةً منسوجة ، فقالت(( يا رسول الله ، أكسوك هذه ، فأخذها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليها ، فلبسها ، فرآها عليه رجل مِن الصَّحابة ، فقال : يا رسول الله ، ما أحسن هذه! فاكْسُنِيها ، فقال : نعم ، فلمَّا قام النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لامه أصحابه ، فقالوا : ما أحسنت حين رأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أخذها محتاجًا إليها ، ثمَّ سألته إيَّاها ، وقد عرفت أنَّه لا يُسْأَل شيئًا فيمنعه ، فقال : رجوت بركتها حين لبسها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لعلِّي أكفَّن فيها )) [ أخرجه البخاري ] ، وكان صلى الله عليه وسلم يُؤْثِـر على نفسه ، فيعطي العطاء ويمضي عليه الشَّهر والشَّهران لا يُوقَد في بيته نارٌ   ، فما أعظم كرمه وجوده وسخاء نفسه ، صلى الله عليه وسلم ، وما هذه الصِّفة الحميدة إلَّا جزءٌ مِن مجموع الصِّفات التي اتصف بها حبيبنا صلى الله عليه وسلم ، فلا أبلغ ممَّا وصفه القرآن الكريم بقوله{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [ القلم : 4 ] ، ولو ذهبنا نضرب أمثلة على الكرم والجود والعطاء من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لطال بنا المقال ، ولكن إشارة إلى بعض ذلك ، أقول وبالله التوفيق : ( الموقف الأول  ) : أخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه قال : ما سُئل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه قال : فجاءَه رجلٌ فأعطاه غنماً بين جبلين فرجع إلى قومه فقال : يا قوم ، أسلموا ؛ فإن محمداً يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة [ أخرجه مسلم : ( رقم 2312) ] ، كان صلى الله عليه وسلم يعطي العطاء ابتغاء مرضاة اللَّه عز وجل وترغيباً للناس في الإسلام ، وتأليفاً لقلوبهم ، وقد يُظهر الرجل إسلامه أولا للدنيا ثم – بفضل اللَّه تعالى ثم بفضل النبي صلى الله عليه وسلم ونور الإسلام – لا يلبث إلا قليلاً حتى ينشرح صدره للإسلام ، ولهذا الأمر شواهد كثيرة ، منها : ما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا غزوة الفتح – فتح مكة – ثم خرج صلى الله عليه وسلم بمن معه من المسلمين فاقتتلوا بحنين ، فنصر اللَّه دينه والمسلمين ، وأعطى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صفوان بن أمية مائة من الغنم ، ثم مائة ، ثم مائة .  قال صفوان : واللَّه لقد أعطاني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ  [ أخرجه مسلم : ( رقم 2313) ] ، وقال أنس رضي الله عنه : (( إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا ، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها )) [ أخرجه مسلم : ( رقم 2312) ] ، وإذا رأى صلى الله عليه وسلم الرجل ضعيف الإيمان ، فقد كان صلى الله عليه وسلم يجزل له في العطاء ، قال صلى الله عليه وسلم : (( إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه خشية أن يُكبَّ في النار على وجهه )) [  البخاري : ( رقم 1478) ، ومسلم : ( رقم 1059) ] ، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم (( يعطي رجالاً من قريش مائة من الإبل )) [ البخاري مع الفتح ، 6/249 ، ( رقم 3147) ] ،  ( موقف آخر من مواقف الكرم ) : أخرج البخاري عن أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لو كان لي مثل أحدٍ ذهبًا ما يسرُّني أن لا يمرَّ عليَّ ثلاثٌ ، وعندي منه شيءٌ إلَّا شيءٌ أرصدُهُ لدينٍ ))  [ أخرجه البخاري ( 2389 ) ] ، سبحان الله جبل ذهب مثل جبل أحد لا يمر عليه ثلاثة أيام إلا ويكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أنفقه في سبيل الله ، سبحان الله ، لا مثال للكرم فوق قول الصادق صلى الله عليه وسلم أكرم الخلق ،  (  ومن مواقف الكرم للصحابة الكرام رضي الله عنهم ) :  مواقف الكرم والانفاق لأبي بكر الصديق : عندما أسلم أبو بكر رضي الله عنه كان من أثرى أثرياء قريش ، فكانت عنده أموال كثيرة ، وقد كان في منزله يوم أسلم أربعون ألف درهم أو دينار ، فاستخدم أمواله كلها في طاعة اللَّه ، ومن ذلك ما يأتي :   ( أ ) إنفاق المال في إعتاق الرّقاب : أعتق رضي الله عنه رقاباً كثيرة ، وقد كانت هذه الرقاب يُعذّب معظمها على إسلامها ، فأنقذها اللَّه بأبي بكر الصديق رضي الله عنه [ انظر : سيرة ابن هشام ، 1/340 ، والإصابة في تمييز الصحابة ، 2/243 ] ،   ( ب) أخذه جميع ماله يوم الهجرة لإنفاقه على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : حمل الباقي من ماله عندما هاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ولم يبق لأهله شيئاً ، فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه قالت : لما خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر معه ، احتمل أبو بكر معه ماله كله ، خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم ، فانطلق بها معه ، قالت : فدخل علينا جدي أبو قحافة ، وقد ذهب بصره ، فقال : واللَّه إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه ، قالت : كلا يا أبت ، قد ترك لنا خيراً كثيراً ، قالت : فأخذت أحجاراً فجعلتها في كوة في البيت – كان أبي يجعل فيها ماله – ثم جعلت عليها ثوباً ، ثم أخذت بيده فقلت : ضع يدك يا أبت على هذا المال ، قالت : فوضع يده عليه ، فقال : لا بأس ، إن ترك لكم هذا فقد أحسن ، وفي هذا لكم بلاغ ، قالت : ولا واللَّه ما ترك لنا شيئاً ، ولكن أردت أن أسكِّن الشيخ بذلك )) [  أخرجه أحمد ، 6/350 ، البداية والنهاية ، 3/179 ] ،   ( جـ ) تصدُّقه بماله كله في غزوة تبوك : وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : أمرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن نتصدق ، فوافق ذلك مالاً عندي ، فقلت : اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً ، فجئت بنصف مالي ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : (( ما أبقيت لأهلك ؟ )) قلت : مثله .  قال : وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكل ما عنده ، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : (( ما أبقيت لأهلك ؟ )) قال : أبقيت لهم اللَّه ورسوله ، قلت : واللَّه لا أسبقه إلى شيء أبداً )) [ أخرجه الترمذي : ( رقم 3675) ، وقال : هذا حديث حسن صحيح ، وأبو داود : ( رقم 1678) ] ، وأبو بكر رضي الله عنه أولى الأمة بقوله تعالى : { وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى ، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ، وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى ، إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ، وَلَسَوْفَ يَرْضَى } [ الليل : 17إلى 21 ] ، مواقف الكرم والانفاق :  مواقف عثمان بن عفان رضي الله عنه لعثمان رضي الله عنه مواقف كثيرة ، تمثلت في إنفاقه الأموال العظيمة الكثيرة في سبيل اللَّه تعالى ، وقد كان عثمان رضي الله عنه من الأغنياء الذين أغناهم اللَّه عز وجل ، وكان صاحب تجارة وأموال طائلة ؛ ولكنه استخدم هذه الأموال في طاعة اللَّه عز وجل ابتغاء مرضاته وما عنده ، وصار سبَّاقاً لكل خير ، ينفق ولا يخشى الفقر ، ومما أنفقه رضي الله عنه من نفقاته الكثيرة على سبيل المثال ما يأتي : ( أ ) عندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة وجد أن الماء العذب قليل ، وليس بالمدينة ما يستعذب غير بئر رومة ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : (( من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة )) [ أخرجه الترمذي ( رقم  3699) ، والنسائي ( رقم 3605) ] ، فبلغ ذلك عثمان رضي الله عنه فاشتراها بماله ثم جعلها للمسلمين [ فتح الباري ، 5/407  ] ، ( ب) بعد أن بنى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مسجده في المدينة فصار المسلمون يجتمعون فيه ، ليصلوا الصلوات الخمس ، ويحضروا خطب النبي صلى الله عليه وسلم التي يُصدر إليهم فيها أوامره ونواهيه ، ويتعلمون في المسجد أمور دينهم ، وينطلقون منه إلى الغزوات ثم يعودون بعدها ، ولذلك ضاق المسجد بالناس ، فرغب النبي صلى الله عليه وسلم من بعض الصحابة أن يشتري بقعة بجانب المسجد ، لكي تزاد في المسجد حتى يتسع لأهله ، فقال صلى الله عليه وسلم : (( من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة )) ، فاشتراها عثمان بن عفان رضي الله عنه من صلب ماله بخمسة وعشرين ألف درهم ، أو بعشرين ألفاً [ الترمذي ، ( رقم 3703) ، وأخرجه النسائي  ( رقم 3606) ] ، ( ج ) عندما أراد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الرحيل إلى غزوة تبوك حثّ الصحابة الأغنياء على البذل ؛ لتجهيز جيش العسرة ، الذي أعده رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لغزو الروم ، فأنفق أهل الأموال من صحابة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كل على حسب طاقته وجهده ، أما عثمان بن عفان فقد أنفق نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها ، فقد ثبت أنه أنفق في هذه الغزوة ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها ، وجاء بألف دينار فنثرها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يُقلِّبها في حجره ، ويقول : (( ما ضر عثمان ما عمل بعد هذا اليوم ؟ قالها مراراً )) [ الترمذي ( رقم 3700) ] ،  ( أم المؤمنين عائشة ) : أخرج الشيخان البخاري ومسلم : عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : (( جاءتني امرأة معها ابنتان تسألني فلم تجد عندي غير تمرة واحدة فأعطيتها فقسمتها بين ابنتيها ثم قامت فخرجت, فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - فحدثته فقال : من يلي من هذه البنات شيئاً فأحسن إليهن كن له ستراً من النار  )) [  أخرجه البخاري ( 5995 ), ومسلم ( 2629  ) ] ،  وفي رواية لمسلم من حديث عائشة قالت : جاءتني مسكينة تحمل انبتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت إلى يها تمرة لتأكلها فاستطعمتهما ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما, فأعجبني شأنها فذكرت الذي صنعت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن الله قد أوجب لها بها الجنة أو اعتقها بها من النار ) ،  و أخرج الإمام أحمد عن عروة عن عائشة - رضي الله عنها - قال : ( رأيتها تقسم سبعين ألفاً وهي ترقع درعها )  [  الزهد / للإمام أحمد ( ص : 205  - 206  ) ] ، وأخرج الحاكم وأبو نعيم في الحلية : عن عروة : بعث معاوية مرة إلى عائشة بمائة ألف درهم , فقسمتها, لم تترك منها شيئاً, فقالت بريرة : أنت صائمة, فهلا ابتعت لنا منها بدرهم لحماً ؟ قالت : لو ذكرتني لفعلت [  أخرجه أبو نعيم " الحلية " ( 2/47 ) , والحاكم ( 4/13 ) ],  وأخرج ابن سعد عن عروة ايضاً قال : وإن عائشة تصدقت بسبعين ألف درهم, وإنها لترقع جانب درعها - رضي الله تعالى عنها - [  رواه ابن سعد في الطبقات ( 8/45  ) ] ،  وأخرج ابن سعد وأبو نعيم : عن محمد بن المنكدر عن أم ذرة  وكانت تغشى عائشة - رضي الله عنها - قالت : بعث إليها الزبير بمال في غرارتين, قالت : أراه ثمانين ومائة ألف, فدعت بطبق, وهي صائمة يومئذ, فجلست تقسمه بين الناس, فأمست وما عندها من ذلك درهم, فلما أمست قالت : يا جارية هلمي فطوري, فجاءتها بخبز وزيت, فقالت لها أم ذرة : أما استطعت مما قسمت اليوم أن تشتري لنا بدرهم لحماً نفطر عليه ؟ فقالت : لا تعنفيني, لو كنت أذكرتني لفعلت [  رواه ابن سعد في الطبقات ( 8/46 ), وأبو نعيم في الحلية ( 2/47 ), ورجاله ثقات  ] ، ( أبو طلحة الأنصاري ) : أخرج مسلم عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنَّه سمع أنس بن مالك، يقول : كان أبو طَلْحَة أكثر أنصاريٍّ بالمدينة مالًا، وكان أحبَّ أمواله إليه بيرحى  ، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب مِن ماءٍ فيها طيِّبٍ، قال أنسٌ : فلمَّا نزلت هذه الآية : لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ   } [ آل عمران : 92 ] قام أبو طَلْحَة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنَّ الله يقول في كتابه : {  لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بيرحى، وإنَّها صدقةٌ لله، أرجو برَّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( بخٍ  ، ذلك مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ، قد سمعتُ ما قلتَ فيها، وإنِّي أرى أن تجعلها في الأقربين ، فقسمها أبو طَلْحَة في أقاربه وبني عمِّه )) [ أخرجه مسلم ( 998 ) ] ،    (  قيس بن سعد بن عبادة ) : جاء في إحياء علوم الدين : أنّ قيس بن سعد بن عبادة مَرِض فاستبطأ إخوانه ، فقيل له : إنَّهم يستحيون ممَّا لك عليهم مِن الدَّيْن ، فقال : أخزى الله مالًا يمنع الإخوان مِن الزِّيارة ، ثمَّ أمر مناديًا فنادى : مَن كان عليه لقيس بن سعد حقٌّ فهو منه بريء، قال فانكسرت درجته بالعشي لكثرة مَن زاره وعاده ) [ إحياء علوم الدين : 3 : 247 ] ،  ( عبيد الله ابن عباس ) :  جاء في إحياء علوم الدين : عن أبان بن عثمان قال : أراد رجل أن يضار عبيد الله بن عبَّاس، فأتى وجوه قريش فقال : يقول لكم عبيد الله : تغدوا عندي اليوم، فأتوه حتى ملئوا عليه الدَّار، فقال : ما هذا ؟ فأُخْبِر الخبر، فأمر عبيد الله بشراء فاكهة، وأمر قومًا فطبخوا وخبزوا، وقدِّمت الفاكهة إليهم، فلم يفرغوا منها حتى وُضِعَت الموائد، فأكلوا حتى صدروا، فقال عبيد الله لوُكَلَائه : أَوَ موجود لنا هذا كلَّ يومٍ؟ قالوا : نعم، قال فليتغدَّ عندنا هؤلاء في كلِّ يوم ) [ إحياء علوم الدين : 3 : 247 ] ، وجاء في عذاء الألباب للسفاريني : قال المدائني : ( أوَّل مَن سنَّ القِرَى إبراهيم الخليل عليه السَّلام. وأوَّل مَن هشم الثَّريد هاشمٌ ، وأوَّل مَن فطَّر جيرانه على طعامه في الإسلام عبيد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما، وهو أوَّل مَن وضع موائده على الطَّريق، وكان إذا خرج مِن بيته طعامٌ لا يعاود منه شيءٌ، فإن لم يجد مَن يأكله تركه على الطَّريق ) [عذاء الألباب شرح منظومة الآداب : 2 : 150 ] ، ( علي بن الحسين ) : جاء في سير أعلام النبلاء : ( كان ناسٌ مِن أهل المدينة يعيشون لا يدرون مِن أين كان معاشهم، فلمَّا مات علي بن الحسين، فقدوا ذلك الذي كانوا يُؤْتَون باللَّيل  ) [  سير أعلام النبلاء : 4 : 393 ] ، الله إنا نسألك أن تمن علينا بسخاء النفس وصفة الكرم ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الخلق السابع : أخلاق الفرد المسلم : خلق الحلم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق السابع من أخلاق الفرد المسلم : [ الحِلْم ] : والحلم خلافُ الطَّيش ، ومعناه ضبط النَّفس والطَّبع عن هيجان الغضب   ، وقيل هو : ( الطُّمَأْنِينَة عند سَوْرَة الغضب ، وقيل : تأخير مكافأة الظَّالم ) ، وقد وردتْ آيات قرآنيَّة كثيرة تشير إلى صفة الحِلْم ، ووصف الله نفسه بالحِلْم ، وسمَّى نفسه الحليم ، ووردت آيات تدعو المسلمين إلى التَّحلِّي بهذا الخُلُق النَّبيل ، وعدم المعاملة بالمثل ومقابلة الإساءة بالإساءة ، والحثِّ على الدَّفع بالتي هي أحسن ، والتَّرغيب في الصَّفح عن الأذى والعفو عن الإساءة ، قال تعالى : {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ ُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [ آل عمران : 133- 134 ] ، وقال عزَّ وجلَّ : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [ الأعراف : 199 ] ، كما وصف الله عزَّ وجلَّ بعضَ أنبيائه بالحِلْم ؛ قال تعالى : {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} [ التَّوبة : 114 ] ،{ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} [ هود : 75 ] ؛  وقال تعالى – عن خلق إسماعيل عليه السلام :{ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ} [ الصافات : 101 ] ، وأخرج مسلم : قوله صلى الله عليه وسلم لأشجِّ عبد القيس : (( إنَّ فيك لخصلتين يحبُّهما الله : الحِلْم والأَنَاة)) ، [ أخرجه مسلم ] ،  وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ليس الشَّديد بالصُّرَعَة ، إنَّما الشَّديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) [ متفق عليه ]  ، والحليم أسم من أسماء الله تعالى الحسنى ، ورد في القرآن الكريم في أحد عشر موضعاً  ، منها قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } [ فاطر : 41 ] ، وفي صحيح البخاري من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : ( كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم  يَدْعُو عِنْدَ الكَرْبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ )) [ البخاري ح  (5985) ] ،  و ( الحليم  ) سبحانه هو ذو الصَّفح والأناة ، الذي يشاهد معصية العصاة ويرى مخالفة الأمر ثم لا يستفزه غضب ولا يعتريه غيظ ولا يحمله على المسارعة إلى الانتقام مع غاية الاقتدار عجلة وطيش ، و ( الحليم ) سبحانه لا يَحْبس أنعامَه ولا أفضالَه عن عباده لأجل ذنوبهم ، والحلم خلق عظيم من أخلاق المسلم ، يتذكر بها حلم الله تعالى على عباده ، قال تعالى : { وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ } [ البقرة : 235 ] ، اللهم ارزقنا الحلم والعلم والرفق والأناة والحكمة والبصيرة في الدين ، والنبي صلى الله عليه وسلم سيد أهل الحلم ، ولو ذهبنا نضرب أمثلة على خلق الحلم من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لطال بنا المقال ، ولكن إشارة إلى بعض ذلك ، أقول وبالله التوفيق : ( الموقف الأول  ) : ذكر ابن حجر في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة  :  جاء زيد بن سعنة أحد أحبار اليهود وعلمائهم الكبار ، - وقد كان قرأ أن من علامات نبوة النبي الخاتم أنه يسبق حلمه جهله ، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً – فأراد أن يختبر ذلك ، فجاء إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يطلبه ديناً لـه ، فأخذ بمجامع قميصه وردائه وجذبه ، وأغلظ لـه القول ، ونظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوجه غليظ وقال : يا محمد ، ألا تقضيني حقي ، إنكم يا بني عبد المطلب قوم مُطْلٌ ، وشدّد لـه في القول ، فنظر إليه عمر وعنياه تدوران في رأسه كالفلك المستدير ، ثم قال : يا عدو اللَّه ، أتقول لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما أسمع ، وتفعل ما أرى ، فو الذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر لومه لضربت بسيفي رأسك ، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتُؤَدَةٍ وتَبَسُّمٍ ، ثم قال : (( أنا وهو يا عمر كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر ، أن تأمرني بحسن الأداء ، وتأمره بحسن التقاضي ، اذهب به يا عمر فاقضه حقه ، وزده عشرين صاعاً من تمرٍ )) ، فكان هذا سبباً لإسلامه ، فقال : أشهد أن لا إله إلا اللَّه ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، وكان زيد قبل هذه القصة يقول : "لم يبق شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم إلا اثنتين لم أخبرهما منه : يسبق حلمه جهله ، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً  " فاختبره بهذه الحادثة فوجده كما وُصِفَ ، فأسلم وآمن وصدق ، وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم مشاهده ، واستشهد في غزوة تبوك مقبلاً غير مدبر [  الإصابة في تمييز الصحابة : ( 1/566 ) ] ،   ( موقف آخر من مواقف الحلم ) : قصَّة الأعرابي الذي جبذ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بردائه جَبْذَةً شديدةً، أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه بردٌ نجرانيٌّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ، فجبذه  بردائه جبْذَةً شديدةً، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثَّرت بها حاشية البُرْد مِن شدَّة جَبْذَته، ثمَّ قال: يا محمَّد! مُرْ لي مِن مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ ضحك، ثمَّ أمر له بعطاء))  [ أخرجه البخاري ( 3149 ) ] ،   ( موقف آخر من مواقف الحلم ) : أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رجلًا أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يتقاضاه فأغلظ، فهمَّ به أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((دعوه فإنَّ لصاحب الحقِّ مقالًا. ثمَّ قال: أعطوه سِنًّا مِثْل سِنِّه، قالوا: يا رسول الله، لا نجد إلَّا أمثل مِن سِنِّه، فقال: أعطوه، فإنَّ مِن خيركم أحسنكم قضاءً ))   [ أخرجه البخاري ( 2306 ) ] ،  ( موقف آخر من مواقف الحلم ) : أخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ((كأنِّي أنظر إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يحكي نبيًّا مِن الأنبياء ضربه قومه فأدموه، فهو يمسح الدَّم عن وجهه، ويقول: ربِّ اغفر لقومي فإنَّهم لا يعلمون ))  [ أخرجه البخاري ( 3477 ) ] ،   ( موقف آخر من مواقف الحلم ) : أخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن أحسن النَّاس خُلُقًا، فأرسلني يومًا لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبيُّ الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم، قال: فخرجت حتى أمرَّ على صبيان وهم يلعبون في السُّوق، فإذا رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، قابضٌ بقفاي مِن ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: يا أنيس! اذهب حيث أمرتك، قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله. قال أنس: والله لقد خدمته سبع سنين أو تسع سنين ما علمت قال لشيء صنعتُ: لم فعلتَ كذا وكذا؟ ولا لشيء تركتُ: هلَّا فعلتَ كذا وكذا؟ ))  [ أخرجه مسلم (2310 ) ] ،   ( موقف آخر من مواقف الحلم ) : أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ مِن يوم أُحُدٍ؟ قال: لقد لقيت مِن قومك ما لقيت، وكان أشدُّ ما لقيت منهم : يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلَالٍ، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم أستفق إلَّا وأنا بقرن الثَّعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إنَّ الله قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال، فسلَّم عليَّ، ثمَّ قال: يا محمَّد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يُخْرِج الله مِن أصلابهم مَن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا))  [ أخرجه البخاري ( 3231 ) و مسلم ( 1795 ) ] ،   ( موقف آخر من مواقف الحلم ) : أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يَقْسم قَسْمًا، إذ أتاه ذو الخُوَيصرة -رجل مِن بني تميم- فقال: يا رسول الله اعدل! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك! ومَن يعدل إن لم أعدل؟! لقد خبتُ وخسرتُ إذا لم أعدل، فمن يعدل؟! فقال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: يا رسول الله! ائذن لي فأضرب عنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دَعْه )) [ أخرجه البخاري ( 3610 ) و مسلم ( 1064 ) ] ،  ( موقف آخر من مواقف الحلم ) : أخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال : (( لما كان يوم الحديبية، هبط على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثمانون رجلًا مِن أهل مكَّة بالسِّلاح مِن قِبَل جبل التَّنْعيم يريدون غِرَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا عليهم فأُخذوا، قال عفَّان : فعفا عنهم، ونزلت هذه الآية : { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ } )) [ أخرجه البخاري ( 3231 ) و مسلم ( 1795 ) ] ،  ( موقف آخر من مواقف الحلم ) : أخرج النسائي وأحمد عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: سحر النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ مِن اليهود، فاشتكى لذلك أيَّامًا، قال: فجاءه جبريل عليه السَّلام، فقال: إنَّ رجلًا مِن اليهود سحرك، عقد لك عقدًا في بئر كذا وكذا، فأرسل إليها مَن يجيء بها. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا رضي الله تعالى عنه، فاستخرجها، فجاءه بها فحلَّلها، قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنَّما نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فما ذكر ذلك لليهودي ولا رآه في وجهه حتى مات  [ أخرجه النسائي ( 4080 ) و أحمد ( 19286 ) وصححه الألباني في صحيح النسائي ( 4091 ) ] ،  ( موقف آخر من مواقف الحلم ) : أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : بينما نحن في المسجد مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي ، فقام يبول في المسجد ، فقال أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : مَه مَهْ ، قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : (( لا تزرموه ، دعوه )) ، فتركوه حتى بال ، ثم إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم دعاه فقال لـه : (( إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ، ولا القذر ، إنما هي لذكر اللَّه ، والصلاة وقراءة القرآن )) ، أو كما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، قال : فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنّه عليه [ أخرجه مسلم بلفظه ( رقم 285) ، والبخاري ، بمعناه مختصراً ، ح ( رقم 219) ] ،   ( موقف آخر من مواقف الحلم ) : أخرج مسلم : عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال : بينما أنا أصلي مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم ، فقلت : يرحمك اللَّه! فرماني القوم بأبصارهم ، فقلت : واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني ، لكني سكت ، فلما صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه ، فو اللَّه ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني ، قال : (( إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن )) [ أخرجه مسلم في صحيحه ، ( 537) ] ،   ( موقف آخر من مواقف الحلم ) : أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال : إن دوساً قد عصت وأبت ، فادع اللَّه عليهم ، فاستقبل رسول اللَّه القبلة ورفع يديه ، فقال الناس : هلكوا .  فقال : (( اللَّهم اهد دوساً وائت بهم ، اللَّهم اهد دوساً وائت بهم )) [ البخاري ( رقم 2937) ، ومسلم ، ( رقم 2524) ] ، (( والطفيل بن عمرو الدوسي : رضي الله عنه ، أسلم قبل الهجرة في مكة ، ثم رجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام ، فبدأ بأهل بيته ، فأسلم أبوه وزوجته ، قم دعا قومه إلى اللَّه عز وجل فأبت عليه وعصت ، وأبطئوا عليه ، فجاء الطفيل إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وذكر لـه أن دوساً هلكت وكفرت وعصت وأبت  ))  والموقف يدل على كمال حلم النبي صلى الله عليه وسلم وصبره وتأنيه في الدعوة إلى اللَّه عز وجل ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لم يعجل بالعقوبة ، أو الدعاء على من رد الدعوة ؛ ولكنه صلى الله عليه وسلم دعا لهم بالهداية ، فاستجاب اللَّه دعاءه ، وحصل على ثمرة الصبر والتأني وعدم العجلة ، فقد رجع الطفيل إلى قومه ، ورفق بهم ، فأسلم على يديه خلق كثير ، ثم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر ، فدخل المدينة بثمانين أو تسعين بيتاً من دوس ، ثم لحقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر ، فأسهم لهم مع المسلمين )) [ انظر : سير أعلام النبلاء للذهبي ، 1/346 ، والإصابة في تمييز الصحابة ، 2/225 ] ،  ( موقف آخر من مواقف الحلم ) : أخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : (( إن فتىً شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول اللَّه ، ائذن لي بالزنا ، فأقبل القوم عليه فزجروه ، وقالوا لـه : مه مه! فقال لـه : (( ادنه )) ، فدنا منه قريباً ، قال : (( أتحبه لأمك؟ )) قال : لا واللَّه ، جعلني اللَّه فداءك ، قال : (( ولا الناس يحبونه لأمهاتهم )) ،  قال : (( أفتحبه لابنتك؟ )) قال : لا واللَّه يا رسول اللَّه ، جعلني اللَّه فداءك .  قال : (( ولا الناس يحبونه لبناتهم )) ،  قال : (( أفتحبه لأختك؟ )) قال : لا واللَّه جعلني اللَّه فداءك .  قال : (( ولا الناس يحبونه لأخواتهم )) ،  قال : (( أفتحبه لعمتك؟ )) قال : لا واللَّه ، جعلني اللَّه فداءك .  قال : (( ولا الناس يحبونه لعماتهم )) ،  قال : (( أفتحبه لخالتك؟ )) قال : لا واللَّه جعلني اللَّه فداءك .  قال : (( ولا الناس يحبونه لخالاتهم )) ،  قال : فوضع يده عليه ، وقال : (( اللَّهم اغفر ذنبه ، وطهر قلبه ، وحصّن فرجه )) ، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء )) ، [ أخرجه أحمد في المسند من حديث أبي أمامة  5/256 ، 257 ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ، وعزاه إلى الطبراني وقال : " رجاله رجال الصحيح " ، 1/129 ، وانظر : سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ، برقم 370 ، ج1 ] ، اللهم ارزقنا الحلم والعلم ، اللهم ارزقنا التقوى وجنبنا الفسوق والعصيان ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الثامن :  أخلاق الفرد المسلم  : خلق الحياء

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق الثامن من أخلاق الفرد المسلم : [ الحَيَاء ] ، الحياء في اللغة معناه الحشمة ، ومعناه اصطلاحا : انقباض النَّفس مِن شيءٍ وتركه حذرًا عن اللَّوم فيه ، وهو خُلُق يبعث صاحبه على اجتناب القبيح ، ويمنع مِن التقصير في حقِّ ذي الحقِّ ، وقد جاء مدح الحياء في القرآن والسنة ، قال تعالى : { وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ} [ الأعراف : 26 ] ، قال المفسرون : لباس التَّقوى هو الحَيَاء ، وقال تعالى : { فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } [ القصص : 25 ] ، قال مجاهد : ( يعْني : واضعةً ثوبها على وجهها ليست بخرَّاجةٍ ولا وَلَّاجةٍ ) ،  وقال سبحانه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} [ الأحزاب : 53 ] ، كان النبي صلى الله عليه وسلم يسْتَحْيِي أن يقول لهم : قوموا ، أو اخرجوا ،  وأخرج البخاري  عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إنَّ ممَّا أدرك النَّاس مِن كلام النُّبوَّة الأولى : إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) [ أخرجه البخاري ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الإيمان بضع وسبعون -أو بضع وستُّون- شعبة ، أعلاها : قول : لا إله إلَّا الله .  وأدناها : إماطة الأذى عن الطَّريق .  والحياء شعبة مِن الإيمان )) [ متفق عليه ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال : قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : (( الحَيَاء لا يأتي إلَّا بخير)) [ متفق عليه ] ، قال ابن بطَّال : ( معناه أنَّ مَن استحيا مِن النَّاس أن يروه يأتي الفجور ويرتكب المحارم ، فذلك داعيةٌ له إلى أن يكون أشدَّ حياءً مِن ربِّه وخالقه ، ومَن استحيا مِن ربِّه فإنَّ حياءه زاجرٌ له عن تضييع فرائضه وركوب معاصيه ؛ لأنَّ كلَّ ذي فطرة صحيحة ، يعلم أنَّ الله تعالى النَّافع له والضَّار والرَّزاق والمحيي والمميت ، فإذا عَلِم ذلك فينبغي له أن يستحيي منه عزَّ وجلَّ ) ، وقال ابن رجب  ))الحياء لا يأتي إلَّا بخير )) فإنَّه يكفُّ عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق ، ويحثُّ على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها ، فهو مِن خصال الإيمان بهذا الاعتبار ) ، قال ابن حجر : ( إذا صار الحَيَاء عادة ، وتخَلَّق به صاحبه ، يكون سببًا يجلب الخير إليه ، فيكون منه الخير بالذَّات والسَّبب ) ، فالحَيَاء فضيلة مِن فضائل الفطرة ، وهو مادَّة الخير والفضيلة ، وبهذا وصفه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله (( الحَيَاء خيرٌ كلُّه )) ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، أن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، مرَّ على رجل ، وهو يعاتب أخاه في الحياء ، يقول : إنَّك لتستحيى حتى كأنَّه يقول : قد أضرَّ بك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( دعه ، فإنَّ الحياء مِن الإيمان)) ، قال ابن بطَّال : ( معناه أنَّ الحَيَاء مِن أسباب الإيمان وأخلاق أهله ؛ وذلك أنَّه لما كان الحَيَاء يمنع مِن الفواحش ، ويحمل على الصَّبر والخير ، كما يمنع الإيمان صاحبه مِن الفجور ، ويقيِّده عن المعاصي ، ويحمله على الطَّاعة ، صار كالإيمان لمساواته له في ذلك ، وإن كان الحَيَاء غريزة ، والإيمان فعل المؤمن ، فاشتبها مِن هذه الجهة ) ، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( استحيوا مِن الله حقَّ الحياء .  قال : قلنا : يا رسول الله إنَّا لنستحيي ، والحمد للَّه .  قال : ليس ذاك ، ولكنَّ الاستحياء مِن الله حقَّ الحياء : أن تحفظ الرَّأس وما وعى ، وتحفظ البطن وما حوى ، وتتذكَّر الموت والبِلَى ، ومَن أراد الآخرة ، ترك زينة الدُّنيا ، فمَن فعل ذلك ، فقد استحيا مِن الله حقَّ الحياء)) [ أخرجه الترمذي وأحمد والبيهقي والحاكم ، وقال صحيح ، وأقره الذهبي ، وحسنه الألباني والمعنى أن يحفظ جميع جوارحه عمَّا لا يرضى الله ، عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما كان الفُحْش في شيء إلَّا شانه ، وما كان الحَيَاء في شيء إلَّا زَانَهُ )) [ أخرجه الترمذي وابن ماجه والبخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ] ،  [ وردت في تعريف   الحياء عباراتٌ كثيرة ] : قال بعضهم :  الحياء : هو انْقِباضُ النَّفْسِ عن القَبائِحِ ، وقيل : هو انفعال النفس وتألمها من النقص ، وقيل : هو تغير وانكسارٌ يعتري ويصيبُ النفس بسبب فعلٍ مذمومٍ أو الوقوع في قبيحٍ , أو خوف ما يُعاب ، وعرَّفه ابن حجر – رحمه الله –  بقوله : " هو خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق" [  فتح الباري ، 1/52 ] ، وعرَّفه أبو القاسم الجنيد رحمه الله فقال : (( الحياء رؤية الآلاء أي النعم ورؤية التقصير فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء ))  [  شرح النووي على صحيح مسلم ، 2/5  ] ، وجاء في الموسوعة الفقهية : الحياء : خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى اجْتِنَابِ الْقَبِيحِ مِنْ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ , وَيُمْنَعُ مِنْ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الْحَقِّ [  الموسوعة الفقهية ، 18/259 ] ، فهذه التعريفات لخلق الحياء جميعها متقاربة المعنى , وترمي إلى معنى معين هو خلق الحياء باجتناب القبيح وعدم التقصير في حق كل ذي حق ، والحياء خلق الإسلام ،  يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : (( إنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ ))  [  رواه ابن ماجه 2/1399, برقم(4182)  ، ومالك في الموطأ 2/905, برقم(1610) ] ، واتصف به النبي صلى الله عليه وسلم ، قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : (( كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : أَشَدّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا , فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ )) [ متفق عليه ، رواه البخاري 5/2263, برقم(5751) , ومسلم 4/1809, برقم(2320) ] ، و لقد جعله النبي صلى الله عليه جزءاً من الإيمان لا يتم إلا به, فعن أبي بكرة رضي الله عنه  قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الْحَيَاءُ مِنْ الْإِيمَانِ , وَالْإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ , وَالْبَذَاءَةُ مِنْ الْجَفَاءِ وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ )) [ أخرجه ابن ماجه برقم (4184) , وابن حبان في صحيحه , برقم (609) ] ، ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ ))  [  أخرجه مسلم برقم (35) ] ، والسر في كون الحياء من الإيمان : أنَّ كلاً منهما داع إلى الخير مُقرب منه صارف عن الشر مُبعد عنه، فالإيمان يبعث المؤمن على فعل الطاعات وترك المعاصي والمنكرات. والحياء يمنع صاحبه من التفريط في حق الرب والتقصير في شكره. ويمنع صاحبه كذلك من فعل القبيح أو قوله اتقاء الذم والملامة ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إلَّا بِخَيْرٍ )) [  أخرجه البخاري , برقم (5766) , ومسلم , برقم (37) ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( الحياء خير كله )) , قال الراوي : أو قال : (( الحياء كله خير ))  [  أخرجه مسلم  برقم (37) ، وأحمد برقم (19971)  ]  ،  فالحياء خلق رفيع يمنع الإنسان عن الاتصاف بالأخلاق الوضيعة, وذلك لأن الحياء يبعث على ترك القبائح، ويمنع من التفريط في حق صاحب الحق، والحياء يكون بين العبد وبين ربه عز وجل فيستحي العبد من ربه أن يراه على معصيته ومخالفته،  و هو أعلى درجات الحياء فيستحي من ربه أن يجده حيث نهاه , وهذا الحياء الذي بين العبد وربه قد جاء في الحديث الذي رَوَاه التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه مَرْفُوعًا : (( اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ . قَالَ : قُلْنَا : إنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ , قَالَ : لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنْ الِاسْتِحْيَاءُ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى , وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى , وَتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى , وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا , فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ )) [  أخرجه الترمذي  برقم(2458), وابن أبي شيبة في مصنفه 7/77, برقم (34320) ، وأحمد 1/387  ] ، فقد بيّن في هذا الحديث علامات الحياء من الله عز وجل أنها تكون بحفظ الجوارح عن معاصي الله، وبتذكر الموت، وتقصير الأمل في الدنيا، وعدم الانشغال عن الآخرة بملاذ الشهوات والانسياق وراء الدنيا ، وأخرج البخاري عن عبدالله بن عمر أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى رَجُلٍ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ [أي : يعاتبه فيه لأنه أضرَّ به], فَقَالَ لَهُ النبي صلى الله عليه وسلم : (( دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ ))  [  أخرجه البخاري ، برقم (24) ] ،  [  أقسام الحياء ] : يشتمل الحياء على الحياء من الله ، والحياء من الناس والحياء من النفس ، وأهم ذلك : ( الحياء  من الله ) : وهو أعظم الحياء, ويكون بأن لا يقابل العبد إحسان الله ونعمته بالإساءة والكفر والجحود والطغيان ، وأن لا يتضجر عند البلاء فينسى قديم إحسانه ومنته ورحمته به ، وأن يلتزم أوامره سبحانه وتعالى ونواهيه وأن يخاف منه حق الخوف ، ولا يتولد هذا الحياء إلا حين يطالع العبد نِعَمَ الله عليه، ويتفكر فيها، ويدرك تمامها وشمولها، ثم يراجع نفسه بعد ذلك ويحاسبها على الخلل والزلل والتقصير، قال بعض السلف : (( خَفِ الله على قدر قدرته عليك, واستح منه على قدر قربه منك ))  [  فتح الباري ، 1/75 ] ، فتجرؤ العبد على المعاصي, واستخفافه بالأوامر والنواهي الشرعية يدلُّ على عدم إجلاله لربه وعدم مراقبته له ، فيكون الحياء من الله : باتباع الأوامر واجتناب النواهي. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَقَّ الْحَيَاءِ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ وَلَكِنْ مَنْ اسْتَحَى مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظْ الرَّأْسَ وَمَا حَوَى وَلْيَحْفَظْ الْبَطْنَ وَمَا وَعَى وَلْيَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَقَّ الْحَيَاءِ )) [  أخرجه الإمام أحمد في ( مسنده ) ( 6 / 187) ، والترمذي ( 2458 )  ] ،  معنى الحديث : ((  استحيوا من الله حق الحياء ))  أي : استحيوا من الله قدر استطاعتكم؛ لأنه من المعلوم أنَّ الإنسان لا يستطيع أن يقوم بكل ما عليه تاماً كاملاً, ولكن كلٌّ على حسب طاقته ووسعه, قال تعالى : { فاتقوا الله ما استطعتم } ، ((  قال قلنا : إنا نستحي والحمد لله  )) : أجابوا بذلك؛ لأنهم قصدوا أنهم يفعلون الحسن, ويتركون القبيح, على حسب استطاعتهم. فردَّ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  أنَّ المقصود ليس كذلك؛ لأنَّ هناك شروطاً للحياء الحق, وهي كما يلي : (( أن يحفظ الرأس وما وعى )) أي : ما جَمَعَ من الأعضاء : العقل والبصر والسمع واللسان ، (( وليحفظ البطن وما حوى )) أي يحفظ بطنه, وما يتبعه من حفظ الفرج عن الحرام, فيحفظ بطنه من أن يدخله طعام حرام, أو من مال حرام. فالبدن ينبت ويقوى من الطعام. والرب عز وجل لا يقبل من عبده أن يتقوى على طاعته بمطعم حرامٍ, ولا مشرب حرام؛ لأن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً ،  (( وليذكر الموت والبلى)) : أنْ يذكر الموت دائماً؛ لأن المرء في هذه الدنيا ليس مخلداً , وإنما سيموت,  وسيقف بين يدي الله تبارك وتعالى. قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( فأكثروا من ذكر هادم اللذات الموت )) [  أخرجه الترمذي  برقم (2460) ] ، (( ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا )) ، ويمكن أن يعبر عنه بالزهد : لأنه ترك مالا ينفع في الآخرة ، فالمقصود أن الحياء من الله يكون باتباع أوامر الله واجتناب نواهيه وزواجره, ومراقبة الله في السر والعلن ، ومن أمثلة الحياء من الله :  الحياء من نظر الله إليه في حالة لا تليق : كالتعري كما في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده : عندما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال : (( عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ )) , فقال : (( احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك )) . قال : ((  يا نبي الله إذا كان أحدنا خالياً؟ )) , قال : (( فالله أحق أن يستحي منه الناس ))  [  أخرجه النسائي في الكبرى 5/313, برقم (8972) , وأبو داود برقم (4017) , و ابن ماجه برقم (1920) ] ، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو يخطب الناس : (( يا معشر المسلمين استحيوا من الله. فو الذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء مغطي رأسي؛ استحياء من ربي ))  [ أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ، برقم (1127) ] ،  وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه  ليكون في البيت, والباب عليه مغلق, فما يضع عنه الثوب؛ ليفيض عليه الماء؛ يمنعه الحياء أن يقيم صلبه [  مسند الإمام أحمد ، 1/73 ، برقم ( 543 ) ]  ، [  الحياء من الناس ] : ومن أسباب هذا الحياء مجالسة من يُستحيى منه, فلو لم يكن في صحبة الصالحين إلا أنها تمنع من اقتراف المعاصي لكفى ، وهذا النوع من الحياء هو أساس مكارم الأخلاق, ومنبع كل فضيلة؛ لأنه يترتب عليه القول الطيب, والفعل الحسن, والعفة والنزاهة ، والحياء من الناس على قسمين :  قسمٌ صاحبه مستحيٍّ من الناس, جازمٌ بأنه لا يأتي هذا المنكر, والفعل القبيح إلا خوفاً من الله تعالى أولاً, ثم اتقاء ملامة الناس وذمهم ثانيا ، فهذا يأخذ أجر حيائه كاملاً؛ لأنه استكمل الحياء من جميع جهاته, إذ ترتب عليه الكف عن القبائح التي لا يرضاها الدين والشرع ويذمه عليها الخلق ، وهذا القسم أحسن الحياء وأكمله وأتمه ، وقسم يترك القبائح والرذائل حياءً من الناس, وإذا خلا من الناس لا يتحرج من فعلها. وهذا النوع من الناس عنده حياءٌ, ولكنه حياءٌ ناقص ضعيف يحتاج إلى علاجٍ وتذكير بعظمة ربه وجلاله, وأنه أحقُّ أن يستحيا منه ، وعلى ذلك فإن هذا العبد لا يليق به أن يستحي من الناس الذين لا يملكون له ضراً ولا نفعاً, لا في الدنيا ولا في الآخرة, ثم لا يستحي من الله الرقيب عليه المتفضل عليه الذي ليس له غنىً عنه ، فيكون بكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح ، أما الذي يجاهر بالمعاصي ولا يستحي من الله, ولا من الناس فهذا من شر ما منيت به النفس, وانتهكت به العفة؛ لأن المعاصي داء سريع الانتقال, لا يلبث أن يعم شرها ، ويتفاقم خطبها فشرها عظيم وخطرها كبير  ، [  الحياء من النفس ] : وهو حياء النفوس العزيزة من أن تَرضى لنفسها بالنقص أو تقنع بالدون ، فيكون الإنسان ذا سمعة كريمة وضيئة مضيئة، في بيته ومجلسه وسوقه, فلا يتحدث بالذي يكون بينه وبين أهله، أو عن ماضيه القبيح وما كان فيه من الآثام والمعاصي، بل يحرص على تزكية نفسه وتنقيتها وحملها على الوقوف مواقف الخير والصلاح في كل موطنٍ, فضلاً عن الارتقاء بها إلى مراتب الحكمة والمسؤولية؛ لتكون الناصح الأقرب إليه, والواعظ الأكبر له ، والرقيب الزاجر عن فعل السيء ، ويكون هذا الحياء : بالعفة, وصيانة الخلوات, وحسن السريرة. فيجد العبد المؤمن نفسه تستحي من نفسه حتى كأن له نفسين تستحي إحداهما من الأخرى. وهذا أكمل ما يكون من الحياء. فإن العبد إذا استحى من نفسه فهو بأن يستحي من غيره أجدر ، قال بعض الحكماء : من عمل في السر عملاً يستحي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر ، [ أمثلة على خلق الحياء ] :  ( حياء النبي صلى الله عليه وسلم ) : الحياء من أبرز أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم ، أخرج البخاري ومسلم : عن أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه  قال : (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا , وَكَانَ إذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ ))  [ متفق عليه ، أخرجه البخاري , برقم (5751) , ومسلم , برقم (2320) ] ،  وكان أعظم حيائه صلى الله عليه وسلم مِن الله : أخرج البخاري ومسلم في حادثة المعراج لما طلب موسى عليه السَّلام مِن الرسول صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء أن يراجع ربَّه في تخفيف فرض الصَّلاة ، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لموسى عليه السَّلام : (( استحييت مِن ربِّي)) [ متفق عليه ] ، وأما حياؤه مِن النَّاس : فقد أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، حيث قال : (( بُنِيَ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بزينب ابنة جحش بخبز ولحم ، فأُرْسِلتُ على الطَّعام داعيًا ، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون ، ثمَّ يجيء قومٌ فيأكلون ويخرجون ، فدعوت حتى ما أجد أحدًا أدعوه ، فقلت : يا رسول الله ، ما أجد أحدًا أدعوه .  قال : ارفعوا طعامكم ، وبقي ثلاثة رهط يتحدَّثون في البيت ، فخرج منطلقًا نحو حُجْرة عائشة فما أدري أخبرته أم أُخْبِر أنَّ القوم خرجوا ، فرجع حتى إذا وضع رجله في أُسكفَّة الباب داخله والأخرى خارجة ، أرخى السِّتر بيني وبينه ، وأنزلت آية الحجاب)) [ أخرجه البخاري ] ، وكان من شدة حيائه صلى الله عليه وسلم   ، ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  ))إذا بلغه عن الرَّجل الشَّيء لم يقلْ : ما بال فلانٍ يقول؟ ولكن يقول : ما بال أقوامٍ يقولون كذا وكذا )) [ أخرجه أبو داود ، وصححه الألباني في صحيح الجامع ] ،  ( حياء موسى عليه السلام ) :  أخرج البخاري ومسلم : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن موسى كان رجلاً حيياً ستيراً, لا يُرى من جلده شيءٌ استحياء منه, فآذاه من آذاه من بني إسرائيل, فقالوا : ما يستتر هذا التستر إلا من عيبٍ بجلده إما برص, وإما أدْرةٍ, وإما آفة. وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى, فخلا يوماً وحده فوضع ثيابه على الحجر, ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه, فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر, فجعل يقول : ثوبي حجر, ثوبي حجر ، حتى انتهى إلى ملأٍ من بني إسرائيل فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله, وأبرأه مما يقولون, وقام الحجر, فأخذ ثوبه فلبسه, وطفق بالحجر ضرباً بعصاه, فوالله إنَّ بالحجر لندباً من أثر ضربه ثلاثاً, أو أربعاً, أو خمساً, فذلك قوله  { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) } [ الأحزاب : 69 ] )) [ أخرجه البخاري برقم (3223) , ومسلم  برقم (339) ] ، ( حياء أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها ) :  أخرج الإمام أحمد في المسند عن أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، قالت : (( كنتُ أدخل بيتي الذي دفن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي فأضع ثوبي. فأقول : إنما هو زوجي وأبي. فلما دفن عمر معهم, فو الله ما دخلت إلا وأنا مشدودة عليَّ ثيابي حياءً من عمر رضي الله عنه [  رواه الإمام أحمد : ( 25701 ) ] ،  [ كيف يتحلى المسلم بخلق الحياء ] :  أنْ يُطهِّر المسلم لسانه من الفحش والرذيلة ومعيب الألفاظ ، وأن يسلم المسلمون من لسانه ويده ، ومن الحياء أن يحرص المسلم على سمعته فلا يقول أو يفعل ما يشوه سمعته، ويعرضه للهزء والسخرية والاحتقار ، ومن الحياء أن يعرف لأصحاب الحقوق منازلهم ومراتبهم ، فيؤتى كل ذي فضل فضله , ومن الحياء أن يستحي المسلم من كشف العورات وفعل المنكرات ، [ تنبيه مهم ] : لا يدخل في باب الحياء ، الخجل من قول الحق أو من الأمر بالمعروف ، أو من إنكار المنكر ، فإن الساكت عن الحق شيطان أخرس ، والحياء كمال ، ولا علاقة للحياء بهذا الخجل والضعف الوهن في الدين والخلق ، والحياء غير مانع له أن يقول حقاً أو يطلب علماً أو يأمر بمعروف أو ينهى عن منـكر ، والنبي صلى الله عليه وسلم كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا , ومع ذلك كان أعظم الناس أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر وتعليما للناس أمور دينهم ، وليس أدل على ذلك من موقفه صلى الله عليه وسلم من المرأة المخزومية التي سرقت ، فقد أخرج البخاري ومسلم :  (( أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا : من يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن يجترئ عليه إلا أسامة ؟!، حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : فلم يمنع الحياء رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ يقول لأسامة في غضب : (( أتشفع في حد من حدود الله )) . ثم قام فخطب، قال : (( يا أيها الناس، إنما ضل من كان قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها ))  [  متفق عليه رواه البخاري برقم(3288) , ومسلم برقم(1688) , واللفظ للبخاري  ] ،  كما لم يمنع الحياء أم سليم رضي الله عنها أنْ تجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقول : يا رسول الله, إن الله لا يستحيي من الحق, فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟, قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إذا رأت الماء )) , فغطت أم سلمة  تعني وجهها  وقالت يا رسول الله : وتحتلم المرأة؟, قال : (( نعم تربت يمينك, فبم يشبهها ولدها؟! ))  [  صحيح البخاري : (130) ] ،  ولذا قالت عائشة : (( نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين ))  [  متفق عليه : أخرجه البخاري 1/60, كتاب العلم , باب الحياء في العلم , ومسلم 1/261, برقم (332) ] ،  اللهم ارزقنا الحياء ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس التاسع :  أخلاق الفرد المسلم : خلق العفة

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق التاسع من أخلاق الفرد المسلم : [ العفة ] ، والعفة الكَفُّ عما لا يَحِلُّ ويَجْمُل ، والاسْتِعْفاف طلَبُ العَفافِ   ، والعفيف من يباشر الأمور على وفق الشرع والمروءة  ، وقد أمر القرآن الكريم بهذا الخلق القويم : قال تعالى : { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } [ النور :  30 ] ، وقال سبحانه : {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } [ النور : 33 ] ، أي : ليطلب العفة عن الحرام والزنا الذين لا يجدون ما لا ينكحون به للصداق والنفقة ، حَتَّى يوسع الله تعالى عليهم من رزقه ) ، ، وقال سبحانه : {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ والله سميع عليم } [ النور : 60 ] ،  وقال سبحانه : { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم}[ البقرة : 273 ] ، يحسبهم الْجَاهِلُ بحالهم أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ أي : من تعففهم عن السؤال وقناعتهم يظن من لا يعرف حالهم أنهم أغنياء ، لقد أثنى الله تعالى على أهل العفة في مواضع عديدة من القرآن الكريم ، وجعلهم من أهل الفردوس الأولى ، ومن أهل المنازل العلا ، كما في قوله تعالى : {  قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ المؤمنون : 1 إلى 11 ] ، وقوله تعالى : {  إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [ الأحزاب : 35 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ  } [ المعارج : 19 إلى 35 ] ،  [ ومن حديث النبي صلى الله عليه وسلم في بيان فضل العفة ] : أخرج الترمذي  عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ))ثلاثة حقٌّ على الله عونهم : المجاهد في سبيل الله ، والمكاتب الذي يريد الأداء ، والناكح الذي يريد العفاف))  [ أخرجه الترمذي وحسنه وحسنه الألباني ] ، وأخرج أحمد عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : : (( اضمنوا لي ستًّا من أنفسكم أضمن لكم الجنة : اصدقوا إذا حدثتم ، وأوفوا إذا وعدتم ، وأدُّوا إذا ائتمنتم ، واحفظوا فروجكم ، وغضُّوا أبصاركم ، وكفُّوا أيديكم )) [ أخرجه أحمد في المسند وحسنه الألباني في صحيح الجامع ] ،  وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال : (( إن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعطاهم ، ثم سألوه فأعطاهم .  حتى إذا نفد ما عنده .  قال : ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم .  ومن يستعفف يعفَّه الله ، ومن يستغنِ يغنه الله .  ومن يصبر يصبره الله .  وما أعطي أحد من عطاء خير وأوسع من الصبر)) [ متفق عليه ] ،  والحديث فيه الحض على التعفف والاستغناء بالله عن عباده ، والتصبر ، وأنَّ ذلك أفضل ما أعطيه الإنسان ،  وأخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : (( اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى)) [ أخرجه مسلم ] ، قال النووي : ( أما العفاف والعفة ؛ فهو التنزه عما لا يباح ، والكف عنه ، والغنى هنا غنى النفس ، والاستغناء عن الناس ، وعما في أيديهم ) ، ما أعظم خلق العفة ، والعفيف هو من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، فقد جاء في الحديث  : ( ورجلٌ طلَبَتْه امرأةٌ ذاتُ مَنصِبٍ وجمالٍ ، فقال إني أخافُ اللهَ ) [ أخرجه البخاري ] ، والنبي صلى الله عليه وسلم ضرب المثل الأعلى في خلق العفة ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( كخ كخ  ! ارم بها ، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة)) [ متفق عليه ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( إني لأنقلب إلى أهلي ؛ فأجد التمرة ساقطة على فراشي ، ثم أرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها ))  [ متفق عليه ]، وأخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم بتمرة في الطريق قال ))لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها )) [ أخرجه البخاري ] ،   وأهم العفة : العفة عن محارم الله ، العفة عن الفواحش ، وذلك بحفظ الفرج عما حرم الله ، قال تعالى : { قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } ، هذا أمر للمؤمنين، وفي المقابل أمر المؤمنات، فقال تعالى : { وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } ، أمر الله تعالى المؤمنين والمؤمنات بغض البصر ، وحفظ الفرج ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ }  وقال تعالى : {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} إلى قوله تعالى: {وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } ، فعلى المسلم أن يحفظ فرجه عما رحمه الله، فذلك من حق الحياء الذي يجب عليه لله؛ كما جاء في الأثر عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (( استحيوا من الله حق الحياء، قال: قلنا يا نبي الله إنا لنستحيي والحمد لله، قال ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء )) ، فقد بيّن في هذا الحديث علامات العفة والحياء من الله عز وجل أنها تكون بحفظ الجوارح عن معاصي الله، وبتذكر الموت، وتقصير الأمل في الدنيا، وعدم الانشغال عن الآخرة بملاذ الشهوات والانسياق وراء الدنيا ،  اللهم ارزقنا خلق العفة واجعلنا من أهل العفة والعفاف ، وإذا ذكر خلق العفة ، ذكر يوسف الكريم عليه السلام ، ( عفة يوسف عليه السلام ) : قال تعالى في بيان عفة الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحق بن ابراهيم عليهم السلام : { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } [ يوسف : 23 ، 24 ] ، وقال تعالى : { قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [ يوسف : 32 إلى 34 ] ، أخبر القرآن الكريم عن عشق امرأة العزيز ليوسف، وما راودته به عن نفسه ، وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف عليه السلام بصبره وعفته وتقواه ، مع أن الذي ابتلي به أمر لا يصبر عليه إلا من صبره الله ، وكان الداعي في غاية القوة ، إذ أن يوسف عليه السلام كان شابًّا ، وشهوة الشباب وحدَّته أقوى ، وكان عزبًا ليس له زوجة ، والمرأة التي دعته إلى نفسها  كانت ذات منصب وجمال ، وأنها هي التي راودته عن نفسه ، وأنَّه في دارها ، وتحت سلطانها ، ومع هذه الدواعي كلها فآثر مرضاة الله وخوفه ، وحمله حبه لله على أن اختار السجن على الزنى : { قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ }  وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه، وأنَّ ربه تعالى إن لم يعصمه ويصرف عنه كيدهن؛ صبا إليهنَّ بطبعه، وكان من الجاهلين ، ولذا قال : { وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ } ، فاستجاب الله تعالى دعاءه ، { فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } ، و مثال آخر على العفة ( عفة جريج العابد )  :  جريج العابد ؛ تتعرض له بغي من بغايا بني إسرائيل، فيعفُّ نفسه ولا يلتفت إليها ، فتحاول أن تنتقم منه لامتناعه ، أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أنّ بني إسرائيل تذاكروا جريجًا وعبادته، وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها ، فقالت: إن شئتم لأفتننه لكم – قال - فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأتت راعيًا كان يأوي إلى صومعته  (1)فأمكنته من نفسها، فوقع عليها فحملت، فلما ولدت قالت: هو من جريج. فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي فولدت منك. فقال: أين الصبي؟ فجاءوا به فقال: دعوني حتى أصلي، فصلى فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه، وقال: يا غلام من أبوك؟ قال: فلان الراعي -قال- فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب. قال: لا أعيدوها من طين كما كانت)) [ أخرجه مسلم : 2550 ] ، ومثال آخر على العفة :  ( عفة الصحابي الجليل  حكيم بن حزام رضي الله عنه ):  أخرج البخاري ومسلم  عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : (( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني ، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال : يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة ؛ فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس، لم يبارك له فيه، كالذي يأكل، ولا يشبع اليد العليا خير من اليد السفلى. قال حكيم: فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ  أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا  ، فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيمًا إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئًا، فقال عمر: إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، أني أعرض عليه حقَّه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي )) [ متفق عليه ، البخاري ، 1472 ، ومسلم 1035 ] ، ، ومثال آخر على العفة : ( عفة عثمان بن طلحة رضي الله عنه ) :  جاء في سيرة ابن هشام حادثة تبين لنا عفة وشهامة عثمان بن طلحة رضي الله عنه ، تقول أم سلمة رضي الله عنها : (( وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة، قالت : ففرَّق بيني وبين زوجي وبين ابني ، قالت: فكنت أخرج كلَّ غداة فأجلس بالأبطح ، فما أزال أبكي حتى أمسي سنة أو قريبًا منها، حتى مرَّ بي رجل من بني عمي أحد بني المغيرة، فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة، فرَّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها، قالت: فقالوا : الحقي بزوجك إن شئت. قالت: وردَّ بنو عبد الأسد إليَّ عند ذلك ابني، قالت: فارتحلت بعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، قالت: وما معي أحد من خلق الله، قالت: قلت: أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار، فقال: أين يا بنت أبي أمية؟ قالت: أريد زوجي بالمدينة، قال: أو ما معك أحد؟ قلت: لا والله إلا الله وابني هذا، قال: والله ما لك من مترك، فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي به، فو الله ما صحبت رجلًا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأخر عني، حتى إذا نزلنا استأخر ببعيري فحطَّ عنه، ثم قيَّده في الشجرة، ثم تنحَّى إلى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله، ثم استأخر عني، فقال: اركبي، فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقاد بي حتى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية - وكان أبو سلمة بها نازلًا - فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعًا إلى مكة، قال: وكانت تقول: ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب أبو سلمة، وما رأيت صاحبًا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة  )) [  سيرة ابن هشام : 1\ 469 ] ، ومثال آخر على العفة : ( عفة سالم بن عبد الله بن عمر ) :  روى الدينوري عن سفيان ابن عيينة قال : (دخل هشام الكعبة ، فإذا هو بسالم بن عبد الله، فقال : سلني حاجة. قال : إني أستحيي من الله أن أسأل في بيته غيره ، فلما خرجا ، قال : الآن فسلني حاجة ، فقال له سالم : من حوائج الدنيا ، أم من حوائج الآخرة ؟ فقال: من حوائج الدنيا ، قال: والله ما سألت الدنيا من يملكها ، فكيف أسألها من لا يملكها ؟ )) [  رواه الدينوري في المجالسة وجواهر العلم : 1| 384 ] ، ( الرسول صلى الله عليه وسلم يُعلم الشباب العفة ) : أخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة قال (( إن فتى شابًّا أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ائذن لي بالزنا ، فأقبل القوم عليه فزجروه ، وقالوا : مه مه ، فقال : ادْنُه ، فدنا منه قريبًا ، قال : فجلس ، قال : أتحبُّه لأمِّك؟ قال : لا والله جعلني الله فداءك ، قال : ولا النَّاس يحبونه لأمهاتهم ، قال : أفتحبه لابنتك؟ قال : لا والله يا رسول الله ، جعلني الله فداءك ، قال : ولا النَّاس يحبونه لبناتهم ، قال : أفتحبه لأختك؟ قال : لا والله جعلني الله فداءك ، قال : ولا النَّاس يحبونه لأخواتهم؟ قال : أفتحبه لعمتك؟ قال : لا والله جعلني الله فداءك ، قال : ولا النَّاس يحبونه لعماتهم ، قال : أفتحبه لخالتك؟ قال : لا والله جعلني الله فداءك ، قال : ولا النَّاس يحبونه لخالاتهم ، قال : فوضع يده عليه ، وقال : اللهم اغفر ذنبه ، وطهر قلبه ، وحصن فرجه ، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء)) [ أخرجه أحمد وصححه الأرناؤوط في تحقيقه على المسند ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة وقال :  هذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح ]،   ولله در الشافعي حيث يقول  : (( عِفُّوا تعِفَّ نساؤكم في المحرمِ  ... وتجنَّبُوا ما لا يليقُ بمسلمِ ... إنَّ الزِّنا دَينٌ إذا أقرضتًه ... كان الوفا مِن أهلِ بيتِك فاعلمِ ... يا هاتكًا حُرمَ الرجالِ وقاطعًا ... سُبلَ المودةِ عشتَ غيرَ مُكرَّمِ ... لو كنتَ حرًّا مِن سُلالةِ ماجدٍ ... ما كنتَ هتَّاكًا لحرمةِ مُسلمِ ... من يزنِ يُزنَ به ولو بجدارِه ... إن كنتَ يا هذا لبيبًا فافهمِ )) [ ديوان الشافعي ص 108 ]  ، اللهم ارزقنا العفة والعفاف ، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس العاشر :   أخلاق الفرد المسلم :  خلق الرفق

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق العاشر من أخلاق الفرد المسلم : [  الرِّفق ]  : الرفق : ضد العنْف ، وهو لين الجانب بالقول وبالفعل واللطف في أخذ الأمر بأحسن الوجوه ، وأيسرها  ، وقد امتدح القرآن الكريم صفة الرفق ، فقال تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [ آل عمران : 159 ] ،  { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ } ، ألان الله تعالى قلبه على المسلمين  وجعله  لهم لين القلب  سهلا هينا لينا ، وقال سبحانه مخاطبًا الرسول : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [ الشعراء : 215 ] أي : ارفق بهم وألن جانبك لهم  ،  وقال سبحانه : { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [ طه : 43-44 ] فقوله تعالى : {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا }أي : سهلًا لطيفًا ، برفق ولين وأدب في اللفظ من دون فحش ولا صلف ، ولا غلظة في المقال ، أو فظاظة في الأفعال ، لَّعَلَّهُ بسبب القول اللين يَتَذَكَّرُ ما ينفعه فيأتيه ، أَوْ يَخْشَى ما يضره فيتركه ، فإنَّ القول اللين داع لذلك ، والقول الغليظ منفر عن صاحبه  ،  والرفق كان من أبرز صفات النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : (( أن يهود أتوا النَّبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : السام عليكم .  فقالت عائشة : عليكم ولعنكم الله وغضب الله عليكم .  قال : مهلًا يا عائشة ، عليك بالرِّفق وإياك والعنف والفحش ، قالت : أو لم تسمع ما قالوا ؟ قال : أو لم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في )) [ أخرجه البخاري ] ، وأخرج مسلم عن جرير رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من يحرم الرِّفق يحرم الخير ) [ أخرجه مسلم ] ،  يعني أنَّ الإنسان إذا حرم الرِّفق في الأمور فيما يتصرف فيه لنفسه ، وفيما يتصرف فيه مع غيره ، فإنَّه يحرم الخير كله ، وعلى هذا فينبغي للإنسان الذي يريد الخير أن يكون دائمًا رفيقًا حتى ينال الخير)  ، وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : (( سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا : اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم فاشقق عليه ، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به )) [ أخرجه مسلم ] ، والرفق : أن تسير بالنَّاس حسب أوامر الله ورسوله ، ولكن تسلك أقرب الطرق وأرفق الطرق بالنَّاس ، ولا تشق عليهم في شيء ليس عليه أمر الله ورسوله ، فإن شققت عليهم في شيء ليس عليه أمر الله ورسوله ، شق الله عليك)  ، وأخرج مسلم  عنها أيضًا رضي الله عنها عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إنَّ الرِّفق لا يكون في شيء إلا زانه ، ولا ينزع من شيء إلا شانه )) [ أخرجه مسلم ] ،   وأخرج الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من أعطي حظه من الرِّفق فقد أعطي حظه من الخير ، ومن حرم حظه من الرِّفق حرم حظه من الخير))  [ أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح ، وصححه الألباني في صحيح الجامع ]  ، إنّ الرِّفق في الأمور ، والرِّفق بالنَّاس ، واللين بهم ، والتيسير لهم ، من أعظم الأخلاق ،  فالله تعالى رفيق من أسمائه الحسنى الرفيق ، ففي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ )) [ أخرجه البخاري ح (5901)  ] ، وعند مسلم عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لها : (( يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَي الرِّفْقِ مَا لاَ يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لاَ يُعْطِي عَلَي مَا سِوَاهُ )) [ أخرجه مسلم ح (2593)  ] ، و( الرفيق ) هو كثير الرفق، المُيسر والمُسهل لأسباب الخير كلها ، والله تعالى رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على ما سواه ، وكذلك فإنه سبحانه يحب من عباده التخلق بخلق الرِّفق ، والإسلام دين الرفق واليسر والسهولة ، قال صلى الله عليه وسلم : (( إنَّ الدين يسر ، ولن يشادَّ  الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة ، والروحة ، وشيء من الدُّلْجة ))  [ متفق عليه ] ، وعن عائشة رضي الله عنها : (( أنَّ الحولاء بنت تُوَيْتِ بن حبيب بن أسد ابن عبد العزَّى مرت بها ، وعندها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : فقلت : هذه الحولاء بنت تويتٍ .  وزعموا أنَّها لا تنام بالليل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تنام بالليل ، خذوا من العمل ما تطيقون ، فو الله لا يسأم الله حتى تسأموا )) [ متفق عليه ]، ويكون بلين الجانب وعدم الغلظة والجفاء ، والتعامل مع النَّاس بالسَّمَاحَة ، قال صلى الله عليه وسلم : (( المؤمنون هيِّنون ليِّنون ، كالجمل الأنِفِ ، إن قِيد انقاد ، وإذا أُنيخ على صخرة استناخ )) [  رواه ابن المبارك في الزهد، وقال الألباني : ( حسن ) انظر حديث رقم : 6669 في صحيح الجامع ، وكذا في السلسلة الصحيحة ح (936 ) ] ، ( هينون لينون ) سهولتهم في أمور الدنيا ،  ولين جانبهم وسهولة انقيادهم إلى الخير والمسامحة في المعاملة  ، كالجمل الأنِفِ إن قيد انقاد وإذا أنيخ على صخرة استناخ ، فإن البعير إذا كان أنفا مجروح الأنف كان ذلولا لا يمتنع على صاحبه للوجع الذي به ، والمراد أن المؤمن سهل يقضي حوائج الناس ويخدمهم وشديد الانقياد للشارع في أوامره ونواهيه ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( إنَّ شرَّ الرِّعاء الحُطَمة ))  [ أخرجه مسلم ] ، فشرُّ الرعاة من النَّاس هو الحطمة ، الذي لا رفق عنده ، ولا رحمة في قلبه تليِّن سياسته وقيادته ، فهو يقسو ويشتد على رعيته ، ويوسعهم عسفًا وتحطيمًا ، ويدفعهم دائمًا إلى المآزق والمحرجات ، ولا يعاملهم بالرِّفق والحكمة ، والحطمة: صيغة مبالغة من الحطم ، وأصل الحطم كسر الشَّيء اليابِس، والحَطِم: السواق بعنف كَأَنَّه يحطم بعض الإِبِل بِبَعض أو العنيف برعاية الإبل في السوق، وسميت جَهَنَّم الحُطمة لحطمها ما يلقى فيها، فإنها تكسر العظم بعد أكل اللحم، ويقصد به المُفْسد من الوُلَاة الذي لا يرفق برعيته ، والرفق خلق إسلامي عظيم حتى مع الحيوان ، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( بينا رجل يمشي ، فاشتدَّ عليه العطش ، فنزل بئرًا ، فشرب منها ، ثُمَّ خرج فإذا هو بكلب يلهث ، يأكل الثرى من العطش ، فقال : لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي ، فملأ خفه ، ثم أمسكه بفيه ، ثم رقي ، فسقى الكلب ، فشكر الله له ، فغفر له ، قالوا : يا رسول الله ، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قال : في كل كبد رطبة أجر)) [ متفق عليه ] ،  والنَّبي صلى الله عليه وسلم كان المثال الأعظم للرفق واللين : أخرج البخاري عن عروة أنَّ عائشة رضي الله عنها زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم حدثته أنَّها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم ، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟(( قال : لقد لقيت من قومك ما لقيت ، وكان أشدَّ ما لقيت منهم يوم العقبة ، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يَالِيلَ بن عبد كُلال ، فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ، فرفعت رأسي ، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني ، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني ، فقال : إنَّ الله قد سمع قول قومك لك ، وما ردوا عليك ، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ، فناداني ملك الجبال فسلَّم علي ، ثُمَّ قال : يا محمد ، فقال : ذلك فيما شئت ، إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين  ؟ فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا  ))  [ أخرجه البخاري ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : (( بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَهْ مَهْ  ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تُـزْرموه  دعوه ، فتركوه حتى بال ، ثُمَّ إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه ، فقال له : إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر ، إنَّما هي لذكر الله عزَّ وجلَّ والصلاة وقراءة القرآن ، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنَّه عليه )) [ متفق عليه ] ، وأخرج مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي قال : (( بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم ، فقلت : يرحمك الله .  فرماني القوم بأبصارهم ، فقلت : واثُكْلَ أُمِّيَاه ، ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ، فلمَّا رأيتهم يُصمِّتونني لكني سكت ، فلما صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه ، فو الله ما كهرني ، ولا ضربني ، ولا شتمني .  قال : إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام النَّاس ، إنَّما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)) [ أخرجه مسلم ]، وأخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة قال (( إن فتى شابًّا أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ائذن لي بالزنا ، فأقبل القوم عليه فزجروه ، وقالوا : مه مه ، فقال : ادْنُه ، فدنا منه قريبًا ، قال : فجلس ، قال : أتحبُّه لأمِّك؟ قال : لا والله جعلني الله فداءك ، قال : ولا النَّاس يحبونه لأمهاتهم ، قال : أفتحبه لابنتك؟ قال : لا والله يا رسول الله ، جعلني الله فداءك ، قال : ولا النَّاس يحبونه لبناتهم ، قال : أفتحبه لأختك؟ قال : لا والله جعلني الله فداءك ، قال : ولا النَّاس يحبونه لأخواتهم؟ قال : أفتحبه لعمتك؟ قال : لا والله جعلني الله فداءك ، قال : ولا النَّاس يحبونه لعماتهم ، قال : أفتحبه لخالتك؟ قال : لا والله جعلني الله فداءك ، قال : ولا النَّاس يحبونه لخالاتهم ، قال : فوضع يده عليه ، وقال : اللهم اغفر ذنبه ، وطهر قلبه ، وحصن فرجه ، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء)) [ أخرجه أحمد وصححه الأرناؤوط في تحقيقه على المسند ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة وقال :  هذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح ]،   وكان صلى الله عليه وسلم رفيقًا بنسائه ، أخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه  ))أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أتى على أزواجه ، وسَوَّاق يسُوقُ بهنَّ يُقال له : أَنْجَشَة ، وكان يَحْدُو للإبل ببعض الشعر حتى تسرع على حِدَائه ، فقال له النبي : ويحك يا أَنْجَشَة ، رُوَيدًا سَوْقَك القوارير )) [ أخرجه مسلم ]،   وكان صلى الله عليه وسلم رفيقًا بالصغار ، أخرج البخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذني فيقعدني على فخذه ، ويقعد الحسن على فخذه الآخر ، ثم يضمهما ، ثم يقول : اللهم ارحمهما ، فإنِّي أرحمهما )) [ أخرجه البخاري ] ، اللهم ارزقنا الرفق في أمورنا كلها ، فإنَّ الرِّفق لا يكون في شيء إلا زانه ، ولا ينزع من شيء إلا شانه ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق رفقا ورحمة ،  اللهم ارزقنا الرفق والحلم والأناة ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الحادي عشر : أخلاق الفرد المسلم : خلق الأناة

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق التالي من أخلاق الفرد المسلم : [  الأناة ] : الأناة هي التأني وهي الحِلم والوقار ، ورجل آنٍ أَي : كثير الأَناة والحِلْم ، وتقول للرَّجل : إنَّه لذو أناةٍ ، أي : لا يَعجَل في الأمور ، وهو آنٍ : وقورٌ  ،  والأناة خلق عظيم يعني : التَّثبُّت وترك العَجَلَة   ، والأناة  : هي المبالغة في الرِّفق بالأمور والتَّسبُّب إليها بأسبابها ، وقوله صلى الله عليه وسلم للأشجِّ - أشجِّ عبد القيس (( إنَّ فيك خصلتين يحبُّهما الله : الحِلْم ، والأناة )) [ أخرجه مسلم ] ، والفرق بين الحِلْم والأَنَاة:  أنّ الحِلْم معناه : أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب ، فإذا حصل غضبٌ وهو قادر على العقاب، فإنَّه يَحْلم ولا يعاقب ، وأمَّا الأَنَاة : فهي التَّأنِّي في الأمور وعدم العجلة ، وألَّا يأخذ الإنسان الأمور بظاهرها فيتعجَّل ويحْكُم على الشَّيء قبل أن يتأنَّى فيه وينظر ، والتأني خلق قويم جاء فيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم : (( التَّأنِّي مِن الله ، والعَجَلة مِن الشَّيطان)) [ أخرجه أبو يعلى والبيهقي ، وقال المنذري في الترغيب والترهيب : رجاله رجال الصحيح ، وكذا قال الهيثمي في مجمع الزوائد ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع ، ح : 3011 ] ، فإن التَّأنِّي ممَّا يرضاه الله تعالى ويثيب عليه ، والعَجَلَة مِن الشَّيطان لأنَّ العَجَلَة تمنع مِن التَّثبُّت ، والنَّظر في العواقب  ، أخرج أبو داود عن سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه أنَّه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( التُّؤدة في كلِّ شيء خيرٌ إلَّا في عمل الآخرة)) [ أخرجه أبو داود وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ] ، فالتَّأنِّي ، (( في كلِّ شيء ))  أي : مِن الأعمال (( خيرٌ)) أي : مستحسن (( إلَّا في عمل الآخرة )) أي : لأنَّ في تأخير الخيرات آفات لقوله تعالى{ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} ، وقوله تعالى : { وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ } ، ، فالأناة خير في كل شيء إلا الأعمال الصالحات ، إنّ العجلة طبيعة في الإنسان وهي صفة مذمومة ، وهي من الشيطان ، قال تعالى : { خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ  } [ الأنبياء : 37 ] ، وقال تعالى : { وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا  } [ الإسراء : 11 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( التَّأنِّي مِن الله ، والعَجَلة مِن الشَّيطان)) [ حسنه الألباني في صحيح الجامع ، ح : 3011 ] ، إذن ما أعظم أن يتحلى المسلم بخلق الأناة ،  [ من معاني الأناة ]  : مما يدخل في معاني الأناة  : التثبت وعدم العجلة ، والتمهل والتبصر  ، والأناة هي  : التصرف الحكيم بين العجلة والتباطؤ  ، والأناة مظهر من مظاهر خُلق الصبر ، وهي من صفات أصحاب الألباب  ، بخلاف العجلة فإنها من صفات أصحاب الرعونة والطيش والحمق  ،   والأناة صفة وسط بين التباطؤ والتعجل  ، والأناة ليست تعجلًا  ، ولا تباطؤًا وكسلًا ، وقد ذم الإسلام الاستعجال ونهى عنه ، وذم التباطؤ والكسل ونهى عنه ، ومدح الأناة وأمر بها ، وعمل على تربية المسلمين على الأناة والتثبت الحكيم بالأعمال وتصريف الأمور  ، قال الله - تعالى - للنبي صلى الله عليه وسلم تربية لـه وتعليمًا : {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } [ القيامة  : 16 إلى 19 ]  ، وقال تعالى : {فَتَعَالَى الله الـمَلِكُ الـحـَقُّ وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا } [ طه  : 114 ]  ، وأمر سبحانه عباده المؤمنين بالتأني في الأمور والتثبت في الامور كلها  ، قال تعالى  : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } [ الحجرات  : 6 ]  ، ولعظم أمر الأناة والتبين التي أمر الله بها قال سبحانه  : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِـمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } [ النساء  : 94 ]  ، والأناة خلق قويم لابد وأن يتحلى به المسلم في كل أحواله وأوقاته  ،  وقد حرص الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم  على تطبيع أصحابه رضي الله عنهم على خلق الأناة  ، ومن ذلك أخرج البخاري ومسلم   : عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة ، قال : فصبَّحنا القوم فهزمناهم ، قال : ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم ، قال : فلما غشيناه قال : لا إله إلا الله ، قال : فكف عنه الأنصاري ، فطعنته برمحي حتى قتلته ، قال : فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال : فقال لي : ((يا أسامة ، أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله ؟)) قال : قلت : يا رسول الله ، إنما كان متعوِّذًا ، قال : فقال : ((أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله ؟)) ، قال ، فمازال يُكرّرها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم [  البخاري  ، ح  4269  ، ومسلم  : ح  96  ]  ، وفي رواية  : قال : قلت يا رسول الله : إنما قالها خوفًا من السلاح ، قال : ((أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا)) ، فمازال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذٍ  [  مسلم ، في كتاب الإيمان ، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله ، برقم 96 ]  ، وفي رواية : ((كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة ؟)) ، قال : يا رسول الله : استغفر لي ، قال :  ((وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة ؟)). قال فجعل لا يزيده على أن يقول : ((كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة)) [  أخرجه مسلم في كتاب الإيمان ، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله ، برقم 96 ] ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الناس أناةً وتثبُّتًا ، فكان لا يُقاتل أحدًا من الكفار إلا بعد التأكد بأنهم لا يقيمون شعائر الإسلام ، وأخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك  : ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر ، فإن سمع أذانًا كف عنهم ، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم )) [  البخاري بلفظه مطولاً ، في كتاب الأذان ، باب ما يحقن بالأذان من الدماء ، برقم 610 ، ومسلم ، في الصلاة  ، باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سُمِعَ فيهم الأذان ، برقم 1365 ]  ،  ومن ذلك  : تربيته لأصحابه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين على الأناة وعدم العجلة قوله صلى الله عليه وسلم  : (( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تَسْعون ، وأتوها تمشون ، وعليكم السكينة فما أدركْتُمْ فصلّوا ، وما فاتكم فأتموا )) [  البخاري  : ح  908 ، ومسلم : ح  602 ]  ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت )) [  مسلم : ح 604 ]   ،   وخلق الأناة كما يشمل  : التأني والتثبت في الأفعال والأقوال  ، فهو كذلك يشمل كل مواقف الإنسان وتصوراته  ، قال تعالى  : {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا } [ الإسراء  : 36 ]  ، فلا يقول اللسان كلمة  ، ولا يروي حادثة  ، ولا يحكم حكمًا ، ولا يبرم أمرًا إلا وقد تثبّت من كل جزئية  ، وحينئذ يصل المسلم إلى أعلى درجات الأناة والحكمة والسداد  ، وقد أخرج الترمذي عن عبد الله بن سرجس المزني رضي الله عنه  ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال  : ((السَّمْتُ الحسن  ، والتُّؤَدَةُ  ، والاقتصاد  ، جزء من أربعةٍ وعشرين جزءًا من النبوة )) [  الترمذي ، كتاب البر والصلة ، باب ما جاء في التأني والعجلة ، برقم 2010 ، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ، 2/195 ]  ، وبهذا يُعلم أن الأناة في كل شيء محمودة وخيرٌ إلا ما كان من أمر الآخرة  ، مما يُحب الله تعالى العجلة إلى فعله والمسارعة إلى إتمامه فإنّ خير البر عاجله  ، والشاهد  : أنه يستثنى من العجلة ما دل الشرع على استحباب التعجل فيه  ، قال تعالى : - على لسان موسى عليه السلام -  : {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى } [ طه  : 84 ]  ، وقال تعالى – ممتدحا بعض أنبيائه -  : {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْـخَيْرَاتِ} [ الأنبياء  : 90 ]  ، وأخرج أبو داود عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال الأعمش  : ولا أعلمه إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( التُّؤَدَة  في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة )) [  أبو داود ، كتاب الأدب ، باب الرفق ، برقم 4810 ، والحاكم بلفظه وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي ، 1/64 ، وانظر : صحيح سنن أبي داود ، 3/913 ]  ،  [ وضد الأناة  : العجلة  ] ، وهي طلب وقوع الأمر قبل وقته ، وهي صفة مذمومة  ، والمشكلة تكمن في أنها طبيعة الإنسان   ، فإنّ من طبيعة الإنسان الاستعجال  ، قال تعالى  : { خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ } [ الأنبياء  : 37 ]  ، وقال تعالى  : {  وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا } [ الإسراء  : 11 ]  ،  وقال تعالى : {وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَـهُم بِالْـخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } [ يونس  : 11 ]  ،  وخاطب القرآن الكريم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى  : {فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَـهُمْ عَدًّا } [ مريم  : 84 ]  ، ومن صور العجلة لدى المسلم ترك الدعاء  ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم  : ((لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل )) قيل  : يا رسول الله  ، فما الاستعجال ؟ قال  : (( يقول قد دعوت فلم أر يُستجب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء )) [  مسلم ، كتاب الذكر والدعاء ، والتوبة والاستغفار ، باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب ، برقم 2735 ]  ، ومن صور العجلة لدى المسلم  : استعجال النصر دون التمكن من أسبابه  ، أخرج البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال  : شكونا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة لـه في ظل الكعبة  ، [ ولقد لقينا من المشركين شدة ]  ، فقلنا  : ألا تستنصر لنا  ، ألا تدعو لنا  ؟ فقال  : (( قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر لـه في الأرض  ، فيجعل فيها  ، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين  ، ويمشط بأمشاط الحديد [ ما دون عظامه من لحم وعصب ]  ، فما يصده ذلك عن دينه  ، واللَّه ليُتَمَّنَّ هذا الأمر  ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللَّه والذئب على غنمه  ، ولكنكم تستعجلون )) [ البخاري ( رقم 3612) ]  ، فالعجلة مذمومة ، قال سبحانه  : {وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ } [ الروم  : 60 ]  ، ولهذا أخرج أبو يعلى في مسنده  ، والبيهقي في السنن الكبرى  وحسنة الألباني في الصحيحة  : عن أنس بن مالك رضي الله عنه يرفعه  : ((التأني من الله والعجلة من الشيطان )) [  أخرجه أبو يعلى في مسنده ، 3/1054 ، والبيهقي في السنن الكبرى ، 10/1040 ، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ، 4/404 : ((هذا إسناد حسن ورجاله ثقات)) ]   ،  اللهم خلقنا بخلق الأناة واهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، أخرج مسلم في صحيحه :  كان مِن دعاء النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : (( اهدني لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّي سيئها لا يصرف عنِّي سيئها إلَّا أنت )) [ أخرجه مسلم ] ،  اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الثاني عشر :  أخلاق الفرد المسلم : خلق التواضع

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق التالي من أخلاق الفرد المسلم : [ التواضع ] : التواضع التذلل ، يُقَال : وضَعَ فُلانٌ نَفْسَهُ وضْعًا ، أي أذلَّها .  وتَوَاضَعَ الرَّجُلُ : إذا تَذَلَّلَ ، ومن التَّواضُع ترك التَّرؤس ، وإظهار الخمول ، وكراهية التَّعظيم ، والزِّيادة في الإكرام ، وأن يتجنَّب الإنسان المباهاة بما فيه مِن الفضائل ، والمفاخرة بالجاه والمال ، وأن يتحرَّز مِن الإعجاب والكِبْر  ، وقيل خلق التواضع هو : رضا الإنسان بمنزلة دون ما يستحقُّه فضله ومنزلته ،  وهو وسطٌ بين الكِبْر والضِّعَة ، فالضِّعَة : وضع الإنسان نفسه مكانًا يزري به بتضييع حقِّه ،  والكِبْر : رفع نفسه فوق قدره ، وخلق التواضع يختلف عن التذلل ، فأنَّ التَّذلُّل : إظهار العجز أمام من يتذلَّل له رغبةً في دنياه ، أما التواضع فهو إظهار الاحترام والتقدير لمن يتواضع له ابتغاء مرضاة الله ورسوله والمؤمنين ،  والتواضع من عظيم أخلاق المسلم ،  قال تعالى : { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا } [ الفرقان : 63 ] ، وقال تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [ آل عمران : 159 ]  ، كما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يلين جانبه للمؤمنين ، وأن يتواضع لهم ، فقال تعالى : {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [ الحجر : 88 ] ، وقال تعالى : {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [ الشُّعراء : 215 ] ،  ووصف الله تعالى أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بأنَّهم يظهرون التَّواضُع للمؤمنين ، ويظهرون الشِّدَّة والغلظة والتَّرفُّع على الكافرين ) حيث قال سبحانه : { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } [ الفتح : 29 ] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [ المائدة : 54 ] ، وقد رغَّب النبي صلى الله عليه وسلم في خلق التَّواضُع وحثَّ عليه ، فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله :  ))ما نقصت صدقة مِن مال ، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلَّا عزًّا ، وما تواضع أحد لله إلَّا رفعه الله ))  [ أخرجه مسلم ] ، فما تواضع أحد لله إلَّا رفعه الله ، جزاءً على تخلقه بخلق التواضع ، وأن يكون ذلك علو منزلته في الآخرة ، وأخرج مسلم : عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إنَّ الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحد ، ولا يبغي أحدٌ على أحدٍ ) [ أخرجه مسلم ] ، وأخرج الترمذي عن معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مَن ترك اللِّباس تواضعًا للَّه ، وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيِّره مِن أيِّ حلل الإيمان شاء يلبسها )) [ أخرجه الترمذي ، وصححه الألباني في صحيح الجامع ح : 6145 ] ،  وأخرج البخاري ومسلم عن حارثة بن وهب رضي الله عنه أنَّه سمع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول : (( لا أخبركم بأهل الجنَّة؟ قالوا : بلى .  قال صلى الله عليه وسلم : كلُّ ضعيف متضعِّف ، لو أقسم على الله لأبرَّه .  ثمَّ قال : ألا أخبركم بأهل النَّار؟ قالوا : بلى .  قال : كلُّ عتلٍّ جوَّاظٍ  مستكبر)) [ متفق عليه ] ، وأخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل طعامًا لَعِقَ أصابعه الثلاث قال: وقال: (( إذا سقطت لقمة أحدكم، فَلْيُمِطْ عنها الأذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان )) ،  وأمر أن تُسْلَتَ القَصْعَةْ قال: (( فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة )) [ أخرجه مسلم : ح (2034) ] ،  وأخرج النسائي في السنن الكبرى : عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : ( إنَّكم لتغفلون أفضل العبادة : التَّواضُع ) [ السنن الكبرى النسائي ح : 11852 ] ، وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه : ( لا يبلغ عبدٌ ذُرَى الإيمان حتى يكون التَّواضُع أحبَّ إليه مِن الشَّرف ، وما قلَّ مِن الدُّنْيا أحبَّ إليه ممَّا كَثُر ، ويكون مَن أحبَّ وأبغض في الحقِّ سواء ، يحكم للنَّاس كما يحكم لنفسه وأهل بيته ) [ رواه ابن المبارك في الزهد ] ، [ وضد التواضع ، الكبر ]، و ( الكبر ) هو التعالي والتعاظم على الناس، و ( الكبر ) هو بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس ، ومعنى ( بطر الحق ) : رفض قبوله والاستعلاء عليه ، ومعنى ( غمط الناس ) ،  أي احتقارهم والترفع عليهم وانتقاصهم ، والكبر من أخلاق أهل جهنم الذين استكبروا عن عبادة الله وتكبروا على عباد الله ، فلم ينقادوا للحق الذي أمرت به الرسل وجاءت به الكتب ، قال الله تعالى : { تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } [  القصص  : 83 ] ، وقال تعالى : { وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } [  لقمان : 18 ] ،  وقال تعالى – في بيان عاقبة قارون المتكبر - : { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ } إلى قوله تعالى : { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ }  [ الآيات من سورة القصص ] ، و قال تعالى – في بيان عاقبة الكبر - : { ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ } [ الزمر : 72 ، و غافر :76 ] ، وقال تعالى : { فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ } [  النحل : 29 ] ، وقال تعالى : { كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ } [  غافر :35 ] ، وأخرج مسلم عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي ص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر )) ،  فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنةً؟ قال : (( إن الله جميل يحب الجمال الكِبْرُ بَطَرُ الحقَّ وغمطُ الناس )) ،  [ أخرجه مسلم (91) ، وأخرجه أبو داود (4091) ، والترمذي (1999) ] ، بطر الحق : دفعه ورده على قائله، وغمط الناس : احتقارهم ، وأخرج مسلم عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن رجلاً أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله، فقال : (( كُلْ بيمينك )) ، . قال : لا أستطيع! قال : (( لا استطعت )) ،  ما منعه إلا الكبر. قال : فما رفعها إلى فيه )) [ أخرجه مسلم (2021) ] ، و أخرج البخاري ومسلم عن حارثة بن وهب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مستكبر )) ،  [ متفق عليه ، البخاري 8/507، 508 و10/408، ومسلم (2853) ] ، وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( احْتَجَّتِ الجَنَّةُ والنار، فقالت النار : فيَّ الجَبَّارون والمتكبرون، وقالت الجنة : فيَّ ضعفاء الناس ومساكينهم. فقضى الله بينهما : إنَّك الجنة رحمتي، أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي، أعذب بك من أشاء ولكليكما علىَّ مِلُؤها )) ،  [ أخرجه مسلم (2847) ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرَّ إزاره بَطَرًا )) ،  [ متفق عليه ، البخاري: 10/219، 220، ومسلم (2087) ] ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم : شيخ زان، ومَلِكٌ كذاب، وعَائِلٌ مستكبر )) [ أخرجه مسلم (107) ] ، والعائل معناه الفقير ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( قال الله عز وجل : العزُّ إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني عذبته )) [ أخرجه مسلم (2620) ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( بينما رجل يمشي، في حلة تعجبه نفسه، مُرَجَّلٌ رأسه، يختال في مشيته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة )) [ متفق عليه ، البخاري: 10/221، 222، ومسلم (2088) ] ، "مُرَجِّل رأسه"، أي : مُمَشَّطُهُ. "يتجلجل" بالجيمين، أي : يغوص وينزل ، وأخرج الترمذي عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين، فيصيبه ما أصابهم )) ،  [ أخرجه الترمذي (2001) ، وقال : حديث حسن ] ، "يذهب بنفسه" أي : يرتفع ويتكبر ،  [ عاقبة الكبر ] : يصرف الله تعالى عن أهل الكبر الهداية والتوفيق ، قال تعالى : { سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } [ الأعراف : 146 ] ، والقرآن يخبرنا أن المستكبرين كانوا أعصى الناس عن الاستجابة لدعوة الرسل لهذا حكى الله عن قوم نبيّه صالح : { قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } [الأعراف : 75-77 ] ، وحكى الله عن قوم نبيه شعيب : { قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } [ الأعراف : 88 ] ،   وهؤلاء قوم عاد استكبروا عن سماع هداية الله فكان جزاؤهم العذاب الأليم في الدنيا والآخرة : { فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ } [فصلت : 15-16 ] ، ولهذا توعد الله المتكبرين بالعذاب الأليم في الآخرة فقال سبحانه : { أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ } [  الزمر : 60 ] ، أي أليست النار كافية لهم سجنًا وموئلاً بسبب تكبرهم ؟  نعوذ بالله من الكبر وأهله ، [ علامات الكبر ] :  الكبر له علامات تدل عليه ، ومن أقبح تلك العلامات : ( 1 ) الاستكبار عن طاعة الله وعبادته ، وقد صور القرآن الكريم ما أعده الله لهذا الصنف من البشر، وعلق دخولهم الجنة على أمر مستحيل، وهو دخول الجمل في ثقب الإبرة ، قال تعالى :  { إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } [ الأعراف  : 40-41 ] ، أخرج مسلم عن سلمة بن عمرو بن الأكوع : أن رجلاً أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله فقال له : (( كل بيمينك، قال : لا أستطيع، قال : لا استطعت. ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه )) ،  فهذا النوع من الاستكبار عن طاعة الله ورسوله، قد يقع فيه كثير من الناس حين يعرض عن الامتثال لأوامر الله ورسوله في حكم من الأحكام ، ( 2 ) ومن علامات الكبر : تصعير الخد للناس إعراضًا عن الناس, وتكبرًا عليهم, أو ازدراءً وتصغيرًا لهم ، وقد نهانا الله سبحانه عن ذلك في قوله : { وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ } [ لقمان  : 18 ] ، ( 3 ) ومن علامات الكبر :  المشي في الأرض على وجه الخيلاء والعجب والغرور والتبختر والمرح, وقد نهانا الله عن ذلك في قوله : { وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً } [ الإسراء  : 37 ] ، وقال تعالى { وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } [ لقمان : 18 ، 19 ] ، ومن مظاهر الكبر إطالة الثوب وجره على الأرض خيلاء  : أخرجه البخاري عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة )) ، وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( بينما رجل يمشي في حلة, تعجبه نفسه, مرجل رأسه, يختال في مشيته إذ خسف الله به, فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة )) ، ( 4 ) ومن علامات الكبر : الاستهزاء بالناس والسخرية منهم, ولذلك نهانا الله تعالى عن ذلك بقوله سبحانه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [ الحجرات : 11 ] ، ( 5 ) ومن علامات الكبر : الترفع عن مجالسة الفقراء والضعفاء من الناس ، ولذلك  حكى القرآن الكريم حالهم بقوله تعالى : { فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ } [ هود : 27 ] ،  وكان كفار قريش يعيبون على الرسول ذلك ، فأنزل الله تعالى : { وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ } [ الأنعام  : 52 ] ، وأمره ربه أن يصبر نفسه مع فقراء المؤمنين وضعفائهم فقال تعالى : { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } [ الكهف  : 28 ] ، ( 6 ) ومن علامات الكبر :  أن يحب الشخص أن يقف له الناس ، وسيد البشر وسيد أهل التواضع صلى الله عليه وسلم  لم يكن له مجلس معين يعرف به بين قومه لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان يجلس حيث ينتهي به المجلس , فيجيء الغريب فلا يعرف من هو محمد من بين القوم , فيسأل : أين رسول الله ؟ وكان صلى الله عليه وسلم يكره أن يقوم له أصحابه إذا أقبل, ويقول : (( إذا رأيتموني فلا تقوموا كما تصنع الأعاجم )) ،  ويقول صلى الله عليه وسلم : (( من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار )) [  أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي  ] ، وكان صلى الله عليه وسلم ينهى أن يقام الرجل من مجلسه ليجلس فيه آخر, ولكن ينصحهم بالتوسع والتفسح, فإذا دعا شخص شخصًا ليجلس بجواره عن طيب نفسه – فليجبه, فإنما هي مكرمة أكرمه بها أخوه ، ( 7 ) ومن علامات الكبر : الفخر وتزكية النفس وحب الظهور , والتفاخر بالنسب والأصل والقبيلة أو الوظيفة والرتبة , أو العقار والأموال ، قال تعالى : { فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } [ النجم : 32 ] ، وقال تعالى : { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [ الحجرات : 13 ] ،  فتواضع يا أخي المسلم, يحبك الله ويحبك الناس, ولا تكن متكبرًا فتخسر محبة الناس في الدنيا, ونعيم الله في الآخرة ،   [ أجمل ما قيل في التواضع ] : سئل الفضيل بن عياض عن التواضع؛ فقال : يخضع للحق، وينقاد له. ويقبله ممن قاله ، وقيل : التواضع أن لا ترى لنفسك قيمة. فمن رأى لنفسه قيمة فليس له في التواضع نصيب ، وقال الجنيد بن محمد : هو خفض الجناح، ولين الجانب ، وقال أبو يزيد البسطامي : هو أن لا يرى لنفسه مقامًا ولا حالاً. ولا يرى في الخلق شرًّا منه ، وقال ابن عطاء : هو قبول الحق ممن كان ، والعِزُّ في التواضع ، فمن طلبه في الكبر فهو كتطلب الماء من النار ، [ مدارج السالكين ] ،  [ أمثلة عالية للتواضع ] : أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : (( إن كانت الأمَة من إِمَاء المدينة لتأخذ بيد الرسول صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت )) ، وكان من حال النبي صلى الله عليه وسلم أنه يعلف بعيره ويعقله , ويكنس بيته, ويحلب شاته بنفسه, ويخصف نعله, ويرقع ثوبه, ويأكل مع خادمه, ويطحن عنه إذا تعب, ويشتري الشيء من السوق فيحمله إلى أهله بنفسه, ويصافح الغني والفقير, والكبير والصغير, ويبتدئ بالسلام على كل من استقبله ، ودخل عليه رجل وهو يرتعد خوفًا من هيبته فقال له صلى الله عليه وسلم : (( هون عليك, فأنا لست بملك ولا جبار, إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة ))  ، وفي غزوة بدر كان يتناوب الركوب مع اثنين من أصحابه على بعير واحد كسائر أفراد الجيش ولما أراد أحدهما أن يؤثره بنوبته في الركوب, قال : (( ما أنتما بأقوى مني على المشي, وما أنا بأغنى منكما عن الأجر )) ،  وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه رآه بعض الصحابة يومًا يحمل على عاتقه قربة ماء, فقالوا له : يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك هذا, فقال : لما أتاني الوفود سامعين مطيعين, دخلتْ نفسي نخوة (عجب) فأردت أن أكسرها!  وكان يتناوب مع خادمه الركوب على دابة واحدة حين ذهب إلى فلسطين فاتحًا ولما جاء دوره ليمشي صادف ذلك ساعة الوصول إلى بيت المقدس وكان في استقباله القساوسة والرهبان فأبي الخادم أن يركب, ولكن عمر أصر على عدالة القسمة بينه وبين خادمه, ودخل عمر المدينة وهو يقود زمام الناقة لخادمه, فما زاده ذلك في أعين القوم إلا إجلالاً وإكبارًا ، ورُئيِ عمر بن الخطاب مرة حاملاً لحمًا بيده اليسرى، وفي يده اليمنى الدرّة وهو أمير المسلمين وخليفتهم يومئذ ، روي أن عليًّا رضي الله عنه اشترى لحمًا فجعله في ملحفته فقيل له : يحمل عنك يا أمير المؤمنين؟ فقال : لا، أبو العيال أحق أن يحمل ، وروي أن أبا هريرة رضي الله عنه أقبل من السوق يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة بالمدينة لمروان، ويقول : أوسعوا للأمير ليمر، وهو يحمل حزمة الحطب ، ولما تفاخر البعض بأحسابهم أمام سلمان الفارسي, قال : ( لكنني خلقت من نطفة قذرة ثم أعود جيفة منتنة, ثم آتي الميزان, فإن ثقل فأنا كريم, وإن خفّ فأنا لئيم )!!  وروي أن عمر بن عبدالعزيز أتاه ليلة ضيف وكان يكتب فكاد السراج يطفأ فقال الضيف : أقوم إلى المصباح فأصلحه؟ فقال : ليس من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه. فقال الضيف : إذًا أنبّه الغلام؟. فقال عمر : إنها أول نومة نامها فلا تنبهه. وذهب إلى البطة وملأ المصباح زيتًا، ولما قال له الضيف : قمتَ أنتَ بنفسك يا أمير المؤمنين؟. أجابه قائلاً : ذهبت وأنا عمر، ورجعت وأنا عمر، ما نقص مني شيء، وخير الناس من كان عند الله متواضعًا ،  إنّ التواضع من أعظم أخلاق المسلم يرفعه بين المسلمين قدرًا ويحوز محبتهم في الدنيا والرفعة في الآخرة ، ويجعله من عباد الرحمن الذين قال الله تعالى فيهم : { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا } [ الفرقان : 63 ] ، ومن الذين قال الله تعالى فيهم : {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [ القصص : 83 ] ،  ويتحقق فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( وما تواضع أحد لله إلَّا رفعه الله ))  [ أخرجه مسلم ] ، اللهم ارزقنا التواضع واجعلنا من عبادك المتواضعين ، واجعلنا ممن قلت في وصف صفاتهم وأخلاقهم : { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } اللهم آمين ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الثالث عشر :  أخلاق الفرد المسلم :  خلق الرحمة

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : الخلق التالي من أخلاق الفرد المسلم : [ الرحمة ] : الرَّحْمَة تشتمل على أخلاق الرقة والعطف والرأفة ، وتراحم القوم : رحم بعضهم بعضًا ، ومنها الرَّحِم : وهي عَلاقة القرابة ، والرَّحْمَة رقَّة تقتضي الإحسان إلى الْمَرْحُومِ ، وهي رِقَّة في النفس ، تبعث على سوق الخير لمن تتعدى إليه ، والله تعالى من أسمائه الحسنى ( الرحمن الرحيم )  قال تعالى : { الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ } [الرحمن: 1، 2 ] ، وقال تعالى : { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } [الحشر:22] ، و ( الرحمن ) أخص من ( الرحيم ) ولذلك لا يسمى به غير الله عز وجل ، وهو كثير الرحمة ، رحمته وسعت كل شيء وهو ارحم الراحمين ، والرحيم هو المنعم ابدا ، المتفضل دوما ، فرحمته لا تنتهي ، ورحمة الله تعالى وسعت كل شيء ، وهي على قسمين : رحمة عامَّة لجميع الخلائق ، وتشمل البَرِّ والفاجر ، ورحمة أخري خاصَّة بالمؤمنين، ؛ فمن رَحْمَته العامَّة جميع النعم التي عَمَّتْ كلَّ مخلوق المؤمن منهم والكافر ، وأما المؤمنين فإن لهم رحمة خاصَّة بهم ، قال تعالى : {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156]، وقال تعالى : {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ *} [الأعراف: 56]، حتى إذا أدخلهم الجنة برحمته خاطبهم فيها بقوله تعالى : { سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ } [ يس : 58] ، والرحمة من أخص أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [ الأنبياء : 107 ] ، والرحمة من أخص أخلاق المؤمنين ، أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن النُّعمان بن بشير رضي اللَّه عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ترى المؤمنين في تراحمهم ، وتوادِّهم ، وتعاطفهم ، كمثل الجسد إذا اشتكى عضوًا ، تداعى له سائر جسده بالسَّهر والحمَّى)) [ متفق عليه ]  ، وأخرج البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : (( جاء أعرابيٌّ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال : تقبِّلون الصِّبيان فما نقبِّلهم ، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرَّحْمَة ؟)) [ أخرجه البخاري ] ،  وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال النَّبي صلى الله عليه وسلم : (( من لا يرحم لا يرحم ))   [ متفق عليه ]  ، وأخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( لا تنزع الرَّحْمَة إلَّا من شقيٍّ )) [ أخرجه الترمذي وحسنه الألباني ] ، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن جرير بن عبد اللَّه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من لا يرحم النَّاس لا يرحمه الله )) [ متفق عليه ]  ، وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا صلى أحدكم للنَّاس فليخفِّف ، فإنَّ في النَّاس الضَّعيف والسَّقيم وذا الحاجة)) [ أخرجه البخاري ] ، وحين تنعدم أخلاق الرحمة وتحل القسوة بدلا منها يبتعد الإنسان عن الله، قال الله تعالى : { فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ  } [ الزمر : 22 ] ،  وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي )) [ أخرجه الترمذي ] ،  و [ الله عز وجل هو الأصل لكل رحمة ] : قال تعالى: { وربك الغني ذو الرحمة } [ الأنعام : 133 ] ، وذو الرحمة : أي المالك الأصلي للرحمة ، ومن أسمائه الحسنى : ( الرحمن ) و ( الرحيم ) ، قال تعالى  : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } [ الفاتحة : 2 ، 3 ] ، وقال تعالى : { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } [ الحشر : 22 ] ، وقال تعالى : { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } [ البقرة : 163 ] ، ، وقال تعالى : { حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } [ فصلت : 1 إلى 3 ] ، و ( الرحمن الرحيم ) اسمان مشتقان من الرحمة والرحمة ، و ( الرحمن ) أخص من ( الرحيم ) ولذلك لا يسمى به غير الله عز وجل ، وهو كثير الرحمة ، رحمته وسعت كل شيء وهو ارحم الراحمين ، والرحيم هو المنعم ابدا ، المتفضل دوما ، فرحمته لا تنتهي ، ورحمة الله تعالى وسعت كل شيء ، وهي على قسمين : رحمة عامَّة لجميع الخلائق ، وتشمل البَرِّ والفاجر ، ورحمة أخري خاصَّة بالمؤمنين، ؛ فمن رَحْمَته العامَّة جميع النعم التي عَمَّتْ كلَّ مخلوق المؤمن منهم والكافر ، وأما المؤمنين فإن لهم رحمة خاصَّة بهم ، قال تعالى : {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156]، وقال تعالى : {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ *} [الأعراف: 56]، حتى إذا أدخلهم الجنة برحمته خاطبهم فيها بقوله تعالى : { سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ } [ يس : 58] ،  والمسلم يفتتح قراءة سور القرآن الكريم بالبسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) وفيها إقرار الرحمة لله رب العالمين ، ولا تصح الصلاة إلا بقراءة الفاتحة في كل ركعة ، وفيها قول الله تعالى ( الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم  ) ، وأخرج البخاري حديث النبي صلى الله عليه وسلم : (( جعل الله الرحمة في مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءا واحدا ، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه )) [ أخرجه البخاري ] ، إن رحمة الله عز وجل العامة تشمل كل الخلق ، تشمل كل الناس مؤمنهم وكافرهم ، برهم وفاجرهم ، وتشمل كل المخلوقات الأخرى من حيوانات وطيور وحشرات وأشجار ونباتات  ، قال تعالى: { ورحمتي وسعت كل شيء } [ الأعراف : 156 ] ، أي في الدنيا ، والله تعالى يجعل هذه الرحمة في الآخرة خاصة للمؤمنين ، قال تعالى : { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ الأعراف : 156 ، 157 ] ،  وقال تعالى: { كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم } [ الأنعام : 54 ] ، وقال تعالى: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم } [ الزمر : 53 ] ، وقال تعالى  : { إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما } [ الفرقان : 70 ] ، فهذه الرحمة الواسعة أكبر النعم التي أنعم الله تعالى بها على خلقه ، ولا ينبغي للإنسان مهما كبرت ذنوبه أن يقنط من رحمة الله ، قال تعالى : { وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ } [ الحجر : 56 ] ، فبرحمته سبحانه يزكو الإنسان ، ولولاها لما نجى أحد ، قال تعالى : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم } [ النور : 21 ] ، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل اختصاص رحمته ، قال تعالى : { والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم } [ البقرة :  105 ] ، وقال تعالى : { نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } [ يوسف :  56 ] ، والقرآن الكريم كلام الله تعالى رحمة للمؤمنين ، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } [ يونس : 57 ، 58 ] ،  وقال تعالى:  { وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [ الأعراف : 52 ] ، وقال تعالى : { وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ  } [ النمل : 77  ] ، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ما أرسل إلا رحمة للعالمين ، قال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [ الأنبياء : 107 ] ، وقال تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } [ آل عمران : 159 ] ، وقال تعالى : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [ التوبة : 128 ] ، والنبي صلى الله عليه وسلم هو نبي الرَّحْمَة كما وصف نفسه فقال : (( أنا محمد ، وأحمد ، والمقفي ، والحاشر ، ونبي التوبة ، ونبي الرَّحْمَة ))  [ أخرجه مسلم ] ، والنبي صلى الله عليه وسلم أرحم الخلق بالخلق ، ولو ذهبنا نضرب أمثلة على خلق الرحمة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لطال بنا المقال , ولكن إشارة إلى صور عظيمة من رحمته صلى الله عليه وسلم :  فمِن رحمته صلى الله عليه وسلم ، أخرج البخاري : عن عائشة رضي اللّه عنها زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّها قالت للنَّبي صلى الله عليه وسلم : هل أتى عليك يوم كان أشدَّ من يوم أحد؟ قال : (( لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدَّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت. وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلَّا وأنا بقرن الثَّعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إنَّ الله قد سمع قول قومك لك وما ردُّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ، ثمَّ قال: يا محمَّد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا ))  [ أخرجه البخاري ( 3231 ) ] ، ومِن رحمته صلى الله عليه وسلم ،  أخرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : ((كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق لحاجته فرأينا حُمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحُمرةُ فجعلت تفرِش، فجاء النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: (من فجع هذه بولدها؟ ردُّوا ولدها إليها، ورأى قرية نمل قد حرقناها ، فقال: من حرَّق هذه ؟ قلنا : نحن ، قال : إنَّه لا ينبغي أن يعذِّب بالنَّار إلَّا ربُّ النَّار))  [ ورواه أبو داود ( 2675 ) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ( 2675 ) ] ، وامتدت رحمته صلى الله عليه وسلم إلى الجماد : ، أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم : ((كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة ، فقالت امرأة من الأنصار، أو رجل: يا رسول الله، ألا نجعل لك منبرًا ؟ قال: إن شئتم. فجعلوا له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النَّبي صلى الله عليه وسلم فضمَّه إليه  ، تئنُّ أنين الصبي الذي يسكن، قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها )) [ أخرجه البخاري (  3584 ) ] ، اللهم صلى وسلم وبارك دائما أبدا على من أرسلته رحمة للعالمين ، والعلماء من أمة النبي صلى الله عليه وسلم رحمة ، وهذه الرحمة تتجلى في هداية الناس إلى سواء الطريق ، فهم مصابيح الأرض يبينون للناس الحلال من الحرام والحق من الباطل ، والضار من النافع ، والعلماء امتداد لرحمة الرسول صلى الله عليه وسلم أخرج أبو داود والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( العلماء ورثة الأنبياء )) [ أخرجه أبو داود والترمذي ] ، قال يحيى بن معاذ : ( العلماء أرحم بأمة محمد صلى الله عليه وسلم من آبائهم وأمهاتهم ، قيل : وكيف ذلك ؟ قال : لأن آبائهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا ، والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة ) ، والمؤمن الحق رحمة ، قال تعالى : { وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون } [ آل عمران  : 132 ] ، وقال تعالى : { وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون } [ النور : 56 ] ، وكل أعمال الدين رحمة ، فبر الوالدين رحمة ، قال تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [ الإسراء : 23-24 ] ، والإحسان إلى الأهل والعيال رحمة ،  أخرج الترمذي وأبو داود وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((خيركم : خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي )) [ الحديث أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة  ] ،  وهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقول : (( ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده ولا امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله و ما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله )) [ أخرجه مسلم ] ، و هذا انس يقول "خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أفٍ قط  وما قال لي لشيء صنعته : لم صنعته؟ ولا لشيء تركته : لم تركته ؟ و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً )) [ متفق عليه ] ،  وصلة الأرحام رحمة ،  والإحسان إلى الجار رحمة ، وإكرام الضيوف رحمة ، والإحسان إلى المسكين وابن السَّبيل رحمة  ، لقد بلغ من الاهتمام بالرحمة في الإسلام أنّ الشرع الحكيم أوصى بالرحمة بالحيوان ، قال صلى الله عليه وسلم )) إنَّ الله كتب الإحْسَان على كلِّ شيء ؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة )) ، ودخل رجل الجنة لرحمته لكلب كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم : (( بينما رجل يمشي بطريق ، اشتد عليه العطش ، فوجد بئرا فنزل فيها ، فشرب ثم خرج ، فإذا كلب يلهث ، يأكل الثرى من العطش ، فقال الرجل : لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي ، فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ، فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له ، قالوا : يا رسول الله ، وإن لنا في البهائم أجرا ؟ فقال : في كل ذات كبد رطبة أجر )) ، فالرحمة في الإسلام يمتد ليشمل كل الكائنات الحية ولذلك غفر الله لبغى من بنى إسرائيل سقت كلباً يلهث من العطش ، ودخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض [ أخرجه البخاري ] ، وأخرج أبو داود والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : (( لا تنزع الرحمة إلا من شقي )) [ أخرجه أبو داود والترمذي ] ، اللهم ارزقنا خلق الرحمة  واجعلنا من عبادك الرحماء ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، الباحث الشرعي : مجدي محمد على محمد ، حاصل على الشهادة العالمية في العلوم الشرعية الإسلامية ، والمشرف العام لموقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com] ،

سلسلة الأخلاق الإسلامية ( 3 ) أخلاق المسلم مع دين الإسلام - مجدي محمد على محمد

موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com

وفيها تسعة دروس :

( الدرس الأول ) :  أخلاق المسلم مع دين الإسلام الرضا بالإسلام دينا ،

( الدرس الثاني ) :  أخلاق المسلم مع دين الإسلام العلم الراسخ بمراتب الدين ،

( الدرس الثالث ) : أخلاق المسلم مع دين الإسلام اتباع المدارس المتخصصة في علوم الدين ،

( الدرس الرابع ) : فقه مسائل واحكام البدعة في الدين وفقه الأحاديث الواردة في ذم الابتداع في الدين

( الدرس الخامس ) :  من أهم أخلاق المسلم مع دين الإسلام الانتساب إلى جماعته الناجية ،

( الدرس السادس ) :  أخلاق المسلم مع دين الإسلام الحذر من الفرق المبتدعة في الدين ،

( الدرس السابع )  أخلاق المسلم مع دين الإسلام حمل أمانة الدين بالدعوة إليه ،

( الدرس الثامن  ) :  أخلاق المسلم مع دين الإسلام حمل أمانة الدين بالحسبة عليه  ،

( الدرس التاسع ) :  أخلاق المسلم مع دين الإسلام حمل أمانة الدين بالجهاد من أجله ،

***

الدرس الأول : أخلاق المسلم مع دين الإسلام : خلق الرضا بالإسلام دينا

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول :  بيان : أخلاق المسلم مع دين الإسلام ، أقول وبالله التوفيق : قال الله تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } ، وفي الحديث : (( ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا )) [ رواه مسلم ] ، [ الإسلام ] دين الله عز وجل لا دين سواه ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } ، وقال تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ، [ الإسلام ] دين الله القيم ، قال تعالى : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } ، [ الإسلام ] جاء في اللغة العربية ( لغة القران ) على معان الاستسلام والإذعان والانقياد والخضوع والطاعة دون اعتراض ، وقد أيد القران الكريم هذه المعاني جميعها كما في قوله عز وجل : { وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } ، أي انقاد واستسلم وأذعن كل من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ، وقال تعالى : { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } ،  أي أذعن واستسلم لأمر الله فأطاع لذلك دون اعتراض ، وقال تعالى : { وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى } [ لقمان ] ، أي انقاد وأذعن وأطاع لله عز وجل. وعلى ذلك فمن استسلم لله عز وجل وأذعن وانقاد لأمره ونهية وأطاعه دون أدنى اعتراض فهو المسلم لله رب العالمين ، وكلما زادت تلك الصفات في قلب الإنسان وظهرت على جوارحه كلما ازداد علوا وصعودا في درجات الإسلام ومنازله ، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أكثر الناس تحقيقا لهذه المعاني ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أول المسلمين جميعا من لدن آدم عليه السلام وإلى قيام الساعة ، وكان هو صلى الله عليه وسلم أعلاهم قدرا ومنزلة وذلك لأنه أسلم قلبه وجوارحه ، فأسلم عبادته وأعماله ، وحركاته وسكناته، ومحياه ومماته لله رب العالمين وحده لا شريك له، وفي ذلك يقول الله تعالى : { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } ، والناس جميعا بعده صلى الله عليه وسلم متفاوتون في منازلهم ودرجاتهم وأقدارهم في ( الإسلام ) وفق تحقيق معانيه السابقة ( الاستسلام والإذعان والخضوع والانقياد والطاعة دون أدنى اعتراض لأمر الله تعالى وشرعه ودينه وحكمه ومشيئته وقضائه وقدره) ،

والإسلام – على هذا المعنى – هو دين الأنبياء والمرسلين جميعا من لدن آدم وإلى رسول الله خاتم الأنبياء والمرسلين ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } ، وقال تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( الأنبياء إخوة من علات ، وأمهاتهم شتى ، ودينهم واحد )) [ أخرجه مسلم حديث 2365 ]، فأول الرسل الكرام نوح عليه السلام كان مسلما ، قال تعالى - على لسان نوح عليه السلام - : { فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ }  [ يونس : 72  ] ، وإبراهيم أبو الأنبياء  عليه السلام كان مسلما وجميع الأنبياء من بعده كانوا مسلمين ، قال تعالى : { وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [ البقرة : 130 إلى 133 ] ، وموسى عليه السلام كان مسلما ،  قال تعالى  : { وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ } [ يونس : 84 ] ، وعيسى عليه السلام كان مسلما ، قال تعالى : { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [ المائدة : 52 ]  ، فالدين واحد ، يشمل إسلام الوجه لله في كل أمر ، ويقوم على توحيد الله والتلقي في دين الله عن رسل الله ، وبالرسول صلى الله عليه وسلم اكتمل الدين وختمت الرسالات ، قال تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [ المائدة ] ،

فالدين واحد هو الإسلام وأئمة الدعاة إلى دين الإسلام هم الأنبياء عليهم السلام ،  ودين الإسلام الذي جاء به الأنبياء والمرسلون جميعا واحد من حيث اتفاقه على عقيدة التوحيد وإفراد الله عز وجل بالعبادة ومن حيث اتفاقه على طاعة ذلك الرسول ومتابعته في كيفية تلك العبادة ومن حيث المبادئ الأساسية ، في العقائد وللتشريع والأخلاق، والتي فيها صلاح الناس وفلاحهم في الدنيا والآخرة ، ولكنه يختلف سعة وشمولا وفق رسالة الرسول ويختلف تشريعا من رسول إلى أخر وفق حاجات قومه وعصره وما يصلحه ،  

وجميع الرسل والمرسلين جاءوا بعقيدة التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبادة ، والكفر بكل ما يعبد من دون الله ، قال تعالى- مبيناً الغاية من خلق العباد جميعا - : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56] ، وقال تعالى- مخاطبا العباد جميعا -: { يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ } [العنْكبوت : 56 ] ، وقال تعالى - في حق الغاية من إرسال الرسل أجمعين - : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } [النحل: 36] ،  وقال تعالى - في بيان أهم ما بدأت به وركزت عليه دعوة الرسل : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ  } [الأنبياء: 25] ، وكل الأنبياء والمرسلين أمروا الناس بطاعتهم وإتباعهم لكونهم رسل الله ولأنهم الطريق الأوحد إلى عبادة الله عبادة صحيحة مقبولة ، وفي ذلك يقول الله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ }  ،

وجميع المرسلين نادوا بالمبادئ الأساسية في العقائد وفي التشريع وفي الأخلاق تلك المبادئ الثابتة التي فيها في كل زمان ومكان صلاح الناس وفلاحهم في الدنيا والآخرة ، فجميعهم أمروا بالتوحيد ونهي عن الشرك ، وجميعهم أمر بتقوى الله وخشيته وتقوى ناره التي أعدها للعاصين من عباده ، وجميعهم أمر بطاعة الله ورسوله وكلهم نهى عن معصية الله ورسوله ، وجميعهم أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وجميعهم نهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، وجميعهم عليهم السلام نهى عن المحرمات الأساسية التي ذكرها الله تعالى في سورة الأنعام ، قال تعالى : { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }  [ الأنعام : 151- 153 ] ،

إذن دين الإسلام الذي بُعث به الأنبياء والمرسلون واحد من حيث الأصول ، ولكنّه مختلف من حيث السعة والأحكام والتشريع : لقد تدرج التشريع سعة وشمولا وأحكاما حتى وصل إلى منتهاه الأسمى وكمال الرباني الأعلى متمثلا في دين الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم النبي الخاتم الذي أكمل الله به الدين وأتم الله به النعمة ورضي دينه الذي جاء به من عند ربه عز وجل ، قال تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [ المائدة ] ، وجعله تفصيلاٍ لكل شيء ، وتبياناً لكل شيء من أمور الدنيا والآخرة ، قال تعالى : { وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [ يوسف : 111 ] ، وقال تعالى : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } [ النحل : 89 ] ،  ودين الإسلام بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة يعني الاستسلام والانقياد والإذعان والخضوع والطاعة لله رب العالمين وحده لا شريك له ولا يكون ذلك الانقياد ولا تلك الطاعة إلا من طريق واحد هو طريق متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كيفية عبادة الله وطاعته وإسلام الوجه له وحده ، وهذا الدين القيم يطالب به الناس جميعا من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة وكل من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به ويتبع دين الإسلام الذي جاء به من عند الله فهو كافر بالله تعالى الكفر الأكبر ، وهو من أهل النار وبئس المصير ، هذا وإن أمن بجميع الأنبياء والمرسلين قبله –وقد سمع بدعوته صلى الله عليه وسلم –لم ينفعه ذلك الإيمان مثقال ذره حتى يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتبعه على دينه الذي جاء به من عند الله، وإلا فهو الكافر حقا ، وأعد الله تعالى للكافرين عذابا مهينا ، والأدلة على ذلك واضحة بينه : قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } [ النساء : 150 ، 151 ] ،  وقال تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [ النساء : 115]  ،ـ وقال صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار )) [ أخرجه مسلم ] ،  يقول النووي في شرح الحديث : ( وقوله صلى الله عليه وسلم لا يسمع بي أحد من هذه الامه أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة فكلهم يجب عليه المدخول في طاعته وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيها على من سواهما وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى ) أهـــ  [ شرح النووي على صحيح مسلم ج2 ص 188] ، فكل من سمع برسالة النبي صلى الله عليه وسلم ثم لم يدخل في دين الإسلام الذي جاء به من عند الله عز وجل عقيدة وتشريعا فهو من أهل النار وبئس المصير ، وعلى ذلك فالدين المعتبر عند الله تعالى هو الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله عز وجل ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } [  آل عمران : 19 ] ، وهو الدين الذي لا يقبل من الناس جميعا بعد بعثته صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة دينا سواه ، قال تعالى :  { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [ آل عمران : 85 ] ، ذلك الدين الذي أكمله الله عز وجل وأتم به على الإنسانية جمعاء النعمة ورضيه لعباده جميعا دينا لا يقبل منهم سواه { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [ المائدة : 3 ] ،

وقد اختص الله عز وجل دين الإسلام القيم الذي أرسل به نبيه صلى الله عليه وسلم بخصائص لم تكن لما سبقه من الأديان والرسالات ، وأهم تلك الخصائص : أنّه الدين الخاتم الذي ختمت به الرسالات جميعا والأديان جميعا ، لقوله تعالى : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } [ الأحزاب : 40] ، وقوله صلى الله عليه وسلم ))  وأنا خاتم النبيين  )) [ أخرجه البخاري ومسلم ] ، وأنّه إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة ، لقوله تعالى : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) الاعراف ، وقال تعالى ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ سبأ : 28 ] ،  وأنّه الدين الناسخ لما سبقه من الأديان والمهيمن عليه جميعا ، لقوله تعالى : { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ } [ المائدة : 48 ] ، وأنّه الدين الذي لا يقبل الله عز وجل من العباد جميعا بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة دينا سواه ، لقوله تعالى : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [ آل عمران : 85 ] ، وأنّه محفوظ بحفظ الله عز وجل له وإلى قيام الساعة ، لقوله تعالى : { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [ فصلت : 42 ] ، وقوله تعالى : : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر : 9 ] ،   وأنّه دين كامل تام شامل تبيان لكل شيء من أمر الدنيا والآخرة ، لقوله تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } ، وقوله تعالى : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } [النحل : 89 ] ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا } [ النساء : 174] ، وقوله تعالى :{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } [ يونس : 57 ] ، وقوله تعالى :{ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } [ ابراهيم : 1 ] ، وكل عبادة بغير شرعه مردودة على صاحبها ، قال تعالى : { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا }، وقال صلى الله عليه وسلم : (( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد )) [ أخرجه مسلم ] ، ومع شمول وتمام وتكامل شريعة الإسلام لم يجعل الله عز وجل للإنسان اختيارا في إتباعها والسير وفق أحكامها بل أوجب عليه الاحتكام إليها وجعل ذلك من أصل الإيمان وأصل الدين ، قال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُـمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [ النساء : 64 ، 65 ] ، وقال تعالى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا } [ الأحزاب : 36 ] ، وقال تعالى : { أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } [الأنعام : 114 ] ، وقال تعالى : { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } [ المائدة : 50 ] ، فالله تعالى هو المشرع ، وما على العباد إلا الطاعة والانقياد ، واسلام الوجه لله ، قال تعالى : { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ النور : 51 ] ، وقال تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] ، وقال تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَل اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ} [ المائدة :45 ] ، وقال تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَل اللّهُ فَأُولئكَ هُمُ الْفاسِقُونَ } [ المائدة : 47 ] ، هذا هو الدين القيم ، الذي قال الله تعالى عنه : { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } ، وقال تعالى : {  فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } ، 

وأول أخلاق المسلم مع الدين القيم : الرضا به دينا ، قال تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } ، وفي الحديث : (( ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا )) [ رواه مسلم ] ، ويدخل في الرضى به : العلم الراسخ بالدين وبمراتبه وأركانه وعلومه وكافة جوانبه ، ويدخل في الرضى به : اعتقاد عقائده وامتثال أوامره والكف عن نواهيه ومحارمه ، والوقوف عند حدوده ، والتخلق بأخلاقه ، ويدخل في الرضى به : الرغبة فيما عند الله والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة ، ويدخل في الرضى به : التفاني في العمل من أجل هذا الدين ، من نشر الدين بالدعوة إليه ومن حفظ الدين بالحسبة عليه ومن الدفاع عنه وإظهار أمره بالجهاد من أجل نصرته ، لقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يُعلّم المسلمين ويغرس في قلوبهم الرضا بالله تعالى رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً ، وكان يندبهم لتكرارها فيقول : (( من قال إذا أصبح وأمسى : رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً ، وبمحمد رسولاً ، كان حقاً على الله أن يرضيه ))  [ أخرجه أبو داود والترمذي ] ، ومن لوازم الرضا بالله تعالى رباً ؛ الرضا بكل أفعاله في شؤون خلقه ؛ من إعطاءٍ ومنع وخفض ورفع ، وضر ونفع ، ووصل وقطع ، ومن لوازم الرضا بالإِسلام ديناً أن يعتقد المسلم عقائده ، وأن يتمسك بأوامره وأن يبتعد عن نواهيه ، وأن يستسلم لأحكامه ولو كان في ذلك مخالفة لهوى نفسه ، ومعارضة لمصالحه الخاصة ، ومن لوازم الرضا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً أن يقتفي المسلم  أثره ، ويتحلى بسنته ، ويجاهد هواه حتى يكون تبعاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، وحتى يكون أحب إليه من والده وولده ونفسه والناس أجمعين ، فمن تحلى بالرضا بالله تعالى رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبسيدنا محمد نبياً ورسولاً ، ذاق طعم الإيمان ، ووجد حلاوة اليقين ، قال صلى الله عليه وسلم : (( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله تعالى رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد نبياً )) [ رواه مسلم ] ، اللهم ارزقنا الرضا بالله تعالى رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولا ، اللهم آمين ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الثاني : أخلاق المسلم مع دين الإسلام : خلق  العلم الراسخ بمراتب الدين

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : بيان : العلم الراسخ بمراتب الدين ، أقول وبالله التوفيق : للدين ثلاثة مراتب جاء ذكرها في كتاب الله تعالى في آيات من كتاب الله ، وجاء ذكرها في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم  ، قال تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } [فاطر : 32 إلى 35 ] ، والآيات عند تدبرها نجد أنها جعلت عباد الله الذين اصطفاهم الله تعالى واختارهم لدين الإسلام ثلاث مراتب تبدأ من الأدنى إلى الأعلى ، فالمرتبة الأولى ( الأدنى ) هي مرتبة الظالم لنفسه ، أي المقصر في بعض حقوق الله تعالى عليه ، والمرتبة الثانية هي مرتبة المقتصد وهو الذي يؤدي ما عليه من الواجبات لا يزيد ولا ينقص ، والمرتبة الثالثة ( المرتبة الأعلى ) هي مرتبة السابق بالخيرات بإذن الله ، وهو الذي يؤدي ما عليه من الواجبات ويزبد على ذلك بالتقرب إلى الله تعالى بالمندوبات والمستحبات ، وجميعهم ( أي أصحاب المراتب الثلاث ) داخل بحمد الله تعالى في الاصطفاء والاختيار لدين الله ، (  2  ) وقوله تعالى : { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * } [ الحجرات : 14- 16 ]، فعند تدبر هذه الآيات ، نعلم أن مرتبة الإيمان أعلى واجل من مرتبة الإسلام ، لأن الآيات الكريمة نهت الأعراب عن ادعاء مرتبة الإيمان ، لأنهم لم يبلغوها ولم يقوموا بحقوقها بعد ،{ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا  } ، ثم أمرتهم بالاقتصار على مرتبة الإسلام  { وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا } ، لأن مرتبة الإيمان مرتبة عالية لم تبلغها أعمالهم بعد ، { وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ } فإن بلغوها فإن الله لا ينقصهم من أعمالهم شيئا ، { وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، ثم بينت الآيات متطلبات مرتبة الإيمان ، { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } فهذا دين الله تعالى فلا ينبغي لأحد ادعاء منزلة ومرتبة أعلى من مستواه الديني ، { قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ، وكذلك قوله تعالى : { فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * } دلت الآيات على أن هناك مرتبتان اصطفاهم الله لمرضاته ويدخلهم جنته ابتداء  وهما : أصحاب اليمين ، والمقربون ، والمقربون أفضل أجرا وأعلى منزلة من أصحاب الميمنة ، وقوله تعالى - من سورة الرحمن : { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } إلى قوله تعالى من نفس السورة {  وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } فدلت الآيات على وجود مرتبتين أحداهما أعلى من الأخرى ، {  وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } ثم قوله تعالى بعدها { وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ }، والمتتبع للآيات يجد التفضيل واضحا في أوصاف المقربين عن من دونهم ، فالمقام الأول أرفع وأعظم وهو مقام المحسنين ، والمقام الثاني وإن كان عظيما إلا أنه أدنى وأقل درجة من المقام السابق ،  وأخرج البخاري عن ‏ ‏أبي سعيد الخدري ‏ ‏رضي الله عنه ‏‏عن النبي ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏قال : ((  يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى ‏ ‏أخرجوا من النار من كان في قلبه ‏ ‏مثقال ‏ ‏حبة من ‏ ‏خردل ‏ ‏من إيمان فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا ‏ ‏أو الحياة شك ‏ ‏مالك ‏ ‏فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية ‏)) [ صحيح البخاري] دل الحديث على وجود صنف ثالث ( ظالم لنفسه ) اصطفاه الله تعالى لجنته بعد عذاب النار ، ظلموا أنفسهم بارتكاب بعض المحرمات ، أو التقصير في بعض الواجبات ، فدخلوا النار بذنوبهم ، ثم أخرجهم الله تعالى بفضله من النار ، وأدخلهم الجنة برحمته  ،

[ قلت ] : من فقه الآيات والأحاديث السابقة نعلم أن هناك ثلاثة مراتب لدين الله عز وجل : المرتبة الأولى : مرتبة الظالم لنفسه يدخل النار بذنوبه ثم يدخله الله تعالى الجنة بعد ذلك ، وهو مسلم حتماً لأن الجنة لا يدخلها كافر أبداً ، والمرتبة الثانية : مرتبة المقتصد ( أصحاب اليمين ) الذين يدخلون الجنة ابتداءً ، والمرتبة الثالثة : مرتبة السابقين بالخيرات ( المقربين )  الذين يدخلون الجنة ابتداءً ولكن في منزلة أعلى من منازل أصحاب اليمين ، فإذا أضفنا إلى ذلك الفقه حديث جبريل الجامع اتضحت الصورة أكثر وظهرت حدود وأركان ومنزلة كل مرتبة من دين الله ،  أخرج مسلم في صحيحه عن الفاروق عمر رضي الله عنه  قال : (( بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد سواد الشعر شديد بياض الثياب لا يرى عليه أثر السفر و لا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه و وضع كفّيه على فخذيه ، و قال : يا محمّد أخبرني عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاّ الله و أ نّ محمّدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت اليه سبيلا . قال صدقت . فعجبنا له يسأله ويصدقه ! ، قال : فأخبرني عن الإيمان ،قال : أن تؤمن بالله و ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر و تؤمن بالقدر خيره و شرّه . قال : صدقت ، قال : فأخبرني عن الإحسان ، قال : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، قال : فأخبرني عن الساعة ، قال : ما المسئول عنها بأعلم من السائل ، قال : فأخبرني عن أماراتها . قال : أن تلد الأمة ربّتها و أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان . ثم انطلق فلبثت مليا ، ثم قال : يا عمر أتدري من السائل ؟ قلت الله و رسوله أعلم ، قال : إنه جبريل أتاكم يعلّمكم دينكم )) [ أخرجه مسلم ] ،   ونزول جبريل عليه السلام في هيئة رجل يراه الصحابة رضي الله عنهم ويجلس أمام الرسول صلى الله عليه وسلم ويسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان بقصد تعليم المسلمين أمر دينهم ليس بالأمر الهين ، بل هو أمر عظيم يدل على أهمية ومنزلة هذه الأسئلة من دين الله عز وجل فقد اشتمل على بيان أصول الدين وقواعده ومراتبه , ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث :  ( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) , فجعل ما في هذا الحديث بمنزلة الدين كله  ،

والمستفاد من الحديث : ( أ ) أن مسمى مراتب الدين الثلاثة هي :  الإسلام والإيمان والإحسان ، ( ب ) أن هذه المراتب عظيمة جدًا تحيط بكافة جوانب الدين وعراه ، ( ت ) ويعلم أيضا من ذلك الحديث العظيم أركان كل مرتبة من تلك المراتب الثلاث ، ( ث )  أركان المرتبة الأولى ( مرتبة الإسلام ) هي أركان الدين الخمسة الظاهرة الشهادتان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ، مَن أكمل الإتيان بمباني الإسلام الخمس صار مسلمًا حقاً، مع أن من أقر بالشهادتين صار مسلمًا حُكماً، فإذا دخل في الإسلام بذلك؛ أُلزم بالقيام ببقية خصال الإسلام، ومن ترك الشهادتين؛ خرج من الإسلام ، وهذه المرتبة إذا اقتصر المسلم عليها لا يتعداها ، صار ظالما لنفسه لأن في الدين واجبات أخرى ينبغي أن تؤدى سوى الأركان الخمس ، ( ج ) أركان المرتبة الثانية ( مرتبة الإيمان) هي ستة أركان : الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر والقدر خيره وشره من الله تعالى وكل ركن منها يلزمه تصديق بالقلب وقول اللسان وعمل بالجوارح ، وذلك لأن الإيمان قول وعمل ، وعقيدة في القلب تصدقها الجوارح ، وهذه المرتبة هي ( مرتبة المقتصد) ، الذي يؤدي حق المرتبة السابقة ( أركان مرتبة الإسلام )  ثم يؤدي ما افترضه الله تعالى عليه من واجبات وينتهي عن الكبائر والمحرمات ، ( ح ) المرتبة الثالثة العالية فهي ( مرتبة الإحسان (  هي أعلى مراتب الدين وأشرفها ، فقد اختص الله أهلها بالعناية ، وأيدهم بالنصر ، قال عز وجل : { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل : 128 ] ، وهذه المرتبة العظيمة درجات ومنازل عالية ، أولها : المراقبة (( أن تعبد الله كأنك تراه )) ، وأعلاها اليقين والشهادة ((  فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) ، وهي منازل والمقربين و السابقين بالخيرات بإذن الله ، وهم الذين أدوا حق المرتبة الأولى ثم الثانية ثم زادوا على ذلك بأن تقربوا إلى الله بالنوافل والمستحبات وتنزهوا عن المكروهات وتورعوا عن بعص الحلال خوفا من الوقوع في الشبهات ، ( خ ) يعلم من ذلك الحديث العظيم : أهمية معرفة المسلمين لتلك المراتب وحدودها وأهميتها فعلى تلك المراتب وأركانها وحدودها يبنى الفهم الصحيح والعلم الراسخ لدين الإسلام ، ولولا أهمية العلم بتلك المراتب وأركانها وحدودها ومنزلتها من دين الله تعالى لما أرسل الله عز وجل جبريل عليه السلام ليسأل النبي صلى الله عليه وسلم ثم يصدقه ، والصحابة رضي الله عنهم يسمعون باهتمام ، وبعدما انصرف جبريل عليه السلام وضح النبي صلى الله عليه وسلم أهمية تلك الأسئلة التي جاء بها جبريل عليه السلام عن مراتب الدين ( الإسلام والإيمان والإحسان ) بقوله صلى الله عليه وسلم يا عمر أتدري من السائل فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. ، فجعل صلى الله عليه وسلم تعليم الدين هو بمثابة معرفة تلك المراتب ومعرفة أركانها وحدودها وأهميتها من دين الله ، ( د ) هذه المراتب الثلاث عظيمة جدا ؛ وبين هذه المراتب ارتباط وثيق ، فدائرة الإسلام أوسع هذه الدوائر ، تليها دائرة الإيمان فالإحسان ، وبالتالي فإن كل محسن مؤمن ، وكل مؤمن مسلم ، ومما سبق يتبيّن لنا سر العتاب الرباني على أولئك الأعراب الذين ادّعوا لأنفسهم مقام الإيمان ، وهو لم يتمكّن في قلوبهم بعد ، يقول الله في كتابه : { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم }[ الحجرات : 14 ] ، فدل هذا على أن)  الإيمان ) كمرتبة هو أخصّ وأضيق دائرةً وأعلى قدرا من ( الإسلام ) كمرتبة أدنى ،

[ تنبيهات ] : لفظ ( الإسلام ) تارة يطلق ويقصد به المعنى اللغوي من الاستسلام والانقياد والطاعة وتارة يطلق ويقصد به المعنى الشمولي لدين الإسلام بمراتبه الثلاث ( الإسلام و الإيمان والإحسان )  ، وتارة يطلق ويقصد به مرتبة الأركان الخمسة الظاهرة ، وحديثنا ها هنا عن المرتبة الأدنى من مراتب الدين ، ولفظ ( الإيمان) تارة يطلق ويقصد به المعنى اللغوي من التصديق والانقياد القلبي ، لاسيما إذا ذكر معه العمل الصالح دل بمفرده على التصديق القلبي لأركان الإيمان – وهذا التصديق مطلوب مع كل مرتبة من مراتب الدين بدأ من مرتبة الإسلام - وإلا كان المرء منافقا يظهر الإسلام ويبطن الكفر - ، وتارة يطلق ويقصد به المعنى الشمولي لدين الإسلام بمراتبه الثلاث ، وتارة يطلق ويقصد به جميع عرى الدين وشعبه  ،  وتارة يطلق الإيمان ويقصد به ( مرتبة الإيمان ) وهي المرتبة الثانية في دين الإسلام وتلك المرتبة تصديق القلب وقول اللسان وعمل الجوارح ، وحديثنا ها هنا عن تلك المرتبة الثانية من مراتب الدين ( مرتبة الإيمان ) ، ولفظ ( الإحسان ) لغة يعني إجادة العمل وإنفاقه وإخلاصه ، وهو شرعا يطلق تارة ويقصد به الإنفاق والبذل والعطاء وتارة يطلق ويقصد به المرتبة الثالثة العالية من مراتب دين الإسلام ، وحديثنا ها هنا عن المرتبة الأعلى من مراتب الدين ( مرتبة المحسنين السابقين المقربين ) وحسن أولئك رفيقا ، وتلك المراتب الجليلة الثلاث مرتبة من الأدنى إلى الأعلى :  فأدنى تلك المرتب هي مرتبة الإسلام الظاهر وهي مرتبة الظالم لنفسه وذلك لأن حدها هو إقامة أركان الدين الخمسة التي بني عليه الإسلام ، ودين الإسلام بعد الأركان به فرائض وواجبات لابد وأن تؤدى وبه نواهي ومحرمات لابد وأن تجتنب ، والواقف على تلك الأركان الخمسة فهو وإن كان من عبدا الله المخلصين إلا أنه ظالم لنفسه لتقصيره في حق الواجبات ولوقوعه في المحرمات، والمفرط في حق الفرائض والواجبات والواقع في المحرمات متى أقان أركان الدين الخمسة فهو في المرتبة الأولى مرتبة الإسلام الظاهر ، مرتبة الظالم لنفسه ، وهو إلى مشيئة الله عز وجل إن شاء الله عذبه على تقصيره في حق الدين في الدنيا أو في الأخرة أو في كلاهما بما يظهره من ذنوبه وإن شاء غفر له ، وفي كلا الحالتين فماله إلى الجنة إذ يخلد في النار أبدا لأنه وإن كان ظالما لنفسه إلا أنه من عباد الله المخلصين ،  ويليها ( مرتبة الإيمان ) وهي مرتبة المقتصد : وهو المقيم لأركانه مرتبة الإسلام الظاهر ( أركان الإسلام الخمسة) والمؤدي للفرائض والواجبات والمنتهي عن المحرمات والواقف عن حدود شرع الله في الحلال والحرام لا يتعداها ، والسائرون في تلك المرتبة هم من أصحاب اليمين ،  ثم  ( مرتبة الإحسان ) وهي مرتبة السابق بالخيرات بإذن الله تعالى وهو المقيم لأركان الإسلام الظاهر .والمقيم لأركان مرتبة الإيمان المؤدي لما عليه من الفرائض والواجبات والمنتهي عن الكبائر والمحرمات والواقف عند حدود الله في الحلال والحرام لا يتعداها. وهو إضافة إلى ذلك لا يزال يتقرب الى الله تعالى بالنوافل والمستحبات وينزه نفسه عن الوقوع في المكروهات والمتقن لأعماله جميعا يحسنها ويخلصها لله وحده رجاء فضله وثوابه ورضوانه ، وجمع المراتب كلها قول الله تعالى {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [ فاطر :32 ] ،

فعباد الله عز وجل الذين اصطفاهم لدين الإسلام ثلاثة أصناف وكلهم داخل في الاصطفاء بإتباع الدين الحق الذي لا يقبل الله من عباده سواه ،  والمسلمون جميعا يدورون في دين الله تعالى بين ثلاث مراتب : ( 1 ) صاحب مرتبة الإسلام: وهو الواقف على أركان الإسلام ولكنه يفرط في أداء بقية الفرائض والواجبات ويقع في الكبائر والمحرمات فهذا هو الظالم لنفسه ، ولكنه مسلم في دائرة الإسلام ، ( 2 ) صاحب مرتبة الإيمان: وهو المؤدي لما عليه من الأركان والفرائض والواجبات والمنتهي عن الكبائر والمحرمات والواقف عند حدود الله في الحلال والحرام لا يتعداها فهذا هو المقتصد ، ( 3 ) صاحب مرتبة الإحسان: هو المؤدي لكل ما يقوم به المقتصد صاحب مرتبة الإيمان ولكنه يزيد على ذلك بالمسابقة بما ينال رضا الله عز وجل من الأعمال والأقوال والنوافل والمندوبات وبالتنزه عن المكروهات والسير في طريق إحسان العمل وإخلاصه التام لله رب العالمين، وهذا هو السابق بالخيرات بإذن الله ، ولكن ليحذر المسلم من أمرين اثنين ويراعي أمرا ثالثا :  الأمر الأول : التقصير في حق المرتبة الأولى ( مرتبة الإسلام الظاهر) وذلك بالتقصير في ركن من أركانها لأنه بتلك الأركان يوزن إسلام المرء فهي العلامات الظاهرة التي تشير إلى إسلام الفرد وإسلام المجتمعات ، وبها يقاس قرب العبد وبعده عن دين الإسلام ، فالحذر كل الحذر من التهاون في تحقيق أركان تلك المرتبة التي هي أدنى المراتب وإلا لكان المقصر فيها والمتهاون في تحقيقها على شفا حفرة من الخطر الجسيم ، الأمر الثاني :أن يحذر المسلم من ادعائه مرتبة ليست له أو لم يستوف أركانها وحدودها وإذا كان الله عز وجل قد نهانا أن نزكي أنفسنا بما هو فينا لمجرد التزكية فإن النهي أشد وأعظم عندما نزكي أنفسنا بما لا نستحقه. قال تعالى { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ الحجرات ] ، فقد ذم الله عز وجل أولئك الذين ادعوا مرتبة الإيمان ولم يقوموا بحقوقها والتي منها الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم بالنفس والمال إذ هو فرض عين آنذاك ، ثم بين الله عز وجل حقيقة تلك المرتبة وأنها يقين في القلب يظهر أثره على اللسان والجوارح ، قال تعالى { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } [ الحجرات : 15 ] ، فمن كانت تلك صفاتهم فهم الصادقون في إيمانهم  والله عز وجل اعلم بمن اتقى فلا تزكوا أنفسكم ، قال تعالى{ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحجرات: 16]  ، الأمر الثالث : هو أن الصحابة رضي الله عنهم مع أنهم خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين ومع أنهم أئمة المحسنين والمقربين والسابقين بالخيرات بإذن الله إلا أنهم كانوا يتحرجون من ادعاء الإيمان مخافة تزكية النفس ، فكان أكثرهم يقول إني مسلم أو إني مؤمن إن شاء الله وذلك لا شكا في الإيمان حاش لله فهم أرسخ الناس إيمانا وأعمقهم يقينا في الله ولكنه تواضعا لله وخوفا من عاقبة الأمور كما وصفهم الله تعالى بقوله : { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } ، فالأمور والأعمال  بخواتيمها والله عز وجل أعلم بالعواقب ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون نسأل الله حسن الخاتمة ،  ولذلك :  يجب على المسلم أن يقول إني مسلم معتزا بإسلامه لله وحده ، والأفضل له عند ذكر الإيمان أن يقول إني مؤمن إن شاء الله لأنه قد لا يكون استكمل واجبات وحدود مرتبة الإيمان فيكون كمن ادعى ما ليس له ، وإن استكمل حدود المرتبة فهو لا يدري الخاتمة والأعمال بخواتيمها  ، ولا يحق لمسلم أن يقول إني محسن يقصد بذلك بلوغه الإحسان لان ذلك لا شك تزكية للنفس والله عز وجل ينهى عن ذلك قال تعالى : {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى }  ولأن مرتبة الإحسان مرتبة عظيمة لا يصل إليها إلا القليل ، إلا أنه ينبغي للمسلم أن يجتهد دائما في المسارعة بالخيرات حتى يكون من عباد الله السائرين على هدى المحسنين المقربين السابقين بالخيرات بإذن الله ذلك الفضل الكبير ،  وخلاصة الفقه في معرفة مراتب الدين : أنّ دين الإسلام هو ذلك الدين القيم الذي لا يقبل الله من العباد سواه ، قال تعالى { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام } ، وقال تعالى : { يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ، ولدين الإسلام مراتب ثلاث : ( أدناها  ) : مرتبة الإسلام الظاهر ( مرتبة الظالم لنفسه) ، وأركانها خمسة هي : الشهادتان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ، وحدودها ما تصح به الأركان الخمسة في دين الإسلام ، و ( المرتبة الثانية ) : مرتبة الإيمان الواجب ( مرتبة المقتصد) ، وأركانها ستة هي :  الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر والقدر خيره وشره من الله تعالى ، وحدودها القيام بالفرائض والواجبات ، والكف عن الكبائر والمحرمات والوقوف عند حدود شرع الله في الحلال والحرام والمعاملات والعبادات وذلك بعد القيام بحدود المرتبة الأولى ، و ( المرتبة الثالثة ) : مرتبة الإحسان ( مرتبة السابق للخيرات) ودرجاتها كثيرة أولها المراقبة وهي عمل المتقين وأعلاها المشاهدة وهي عمل الصديقين أفضل البشر بعد الأنبياء والمرسلين ، وحدودها التقرب إلى الله تعالى بالسنن والمندوبات والنوافل والقربات والتقرب إلى الله تعالى بالتنزه عن المكروهات والشبهات وذلك بعد القيام بحق المرتبتين الأولى والثانية ، وتلك المراتب الثلاثة هي التي نزل من أجل تعليمها للناس جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله ويصدقه ، وهي المراتب الثلاث التي ذكرها الله عز وجل في كتابه الكريم بقوله تعالى { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ }  نسأل الله تعالى من فضله الكبير ، أسأل الله (جل وعلا) أن يملأ قلوبنا رضًا بالله ربا بالإسلام ديناً ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولا ، اللهم فقهنا في ديننا ،  اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الثالث :  أخلاق المسلم مع دين الإسلام  :  اتباع المدارس المتخصصة في علوم الدين

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : المدارس المعبرة عن علوم الدين وضرورة احترام آراء تلك المدارس العلمية : أقول وبالله التوفيق :  عند طلب العلم بالدين لابد من احترام التخصص العلمي ، وطلب العلم الشرعي من خلال المدارس العلمية المتخصصة في أبواب العلم على منهاج أهل السنّة والجماعة ، ورد الأمور المتنازع عليها إلى الكتاب والسنّة بفهم المدارس العلمية للمتخصصة في علوم الدين على منهاج أهل السنّة والجماعة فنأخذ بما اتفقت عليه من أصول العلم ومحكماته ، ويسعنا ما وسعها من الاختلاف ، وطلب العلم بالدين لا يتأتى أبداً إلا باحترام التخصص العلمي ، واتباع أحسن ما أنتجه المتخصصون في علومهم ، وقد أمرنا الله تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 83 ] ، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم ، قال تعالى : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ، وقوله تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ، وطالب العلم العاقل لا يطلب العلم إلا في مظانه ، ومظانه عند أهل التخصص فيه ، فمن أراد معرفة الحديث لجأ إلى أهل التخصص فيه وهم علماء الحديث ، ومن أراد معرفة الفقه لجأ إلى علماء الفقه ، ومدارس الفقه المتأصلة معروفة ، ومن أراد معرفة العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها ، وهكذا ، وإنما يأتي الخلل عندما نلجأ إلى غير المتخصص ، أو عندما يتحدث غير المتخصص في غير فنه ، 

إذن هناك مسألتان : ( الأولى ) لماذا لا يكون طلب العلم إلا على منهاج أهل السنّة الجماعة ، و ( الثانية ) ما هي مدارس العلم المتخصصة فيه على منهاج اهل السنّة والجماعة ،

( المسألة الأولى ) : لماذا لا يكون طلب العلم إلا على منهاج أهل السنّة الجماعة : أقول وبالله التوفيق : صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها فرق مبتدعة على عقائد ضالة تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ناجية قائمة على الحق ، أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة )) [ أخرجه الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه ، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/ 356 ] ،  وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما قال : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ((  وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) [ أخرجه الترمذي كتاب الإيمان 5/ 26 ، وذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي وقال : الحديث حسن ح (2129 ) ] ، وأخرج أبو داود عن معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما قال : ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال : (( ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق  على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة وهي الجماعة )) [ أخرجه أبو داود كتاب السنة 4/198 وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة ح ( 204 ) 1/358 ، وفي صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ، ]  ، وأهل السنّة  والجماعة هم أهل القرآن وخاصته ، لا يشاركهم  في جمع القرآن وضبطه غيرهم من فرق الإسلام ، وجميع فرق المسلمين عالة عليهم في القرآن وعلومه ، وصار لهم في القرآن قراءات عشر متواترة السند موصولة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، منها سبع قراءات مشهورة , وأهل السنّة  والجماعة هم أهل الحديث وخاصته ، وكان من بركة تخصصهم في علم الحديث ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل ، وكان من أعلامها المتخصصين في علم الحديث : البخاري ، ومُسْلِم ، أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ،  والأعلام المتخصصين في الجرح والتعديل وعلم الرجال مثل شُعْبة بن الحجَّاج ، ويحيى بن سعيد القَطَّان ، وعبدالرحمن بن مهدي ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المَديني ، والإمام أحمد بن حنبل ، فهؤلاء وأمثالهم ومن جاء بعدهم من تلامذتهم هم المرجع في علم الحديث وعلم الجرح والتعديل وعلم الرجال وعلم مصطلح الحديث ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب السنّة وحفظ السنّة  ،  وأهل السنّة  والجماعة هم الفرقة الوحيدة التي تتميز بسلامة الصدر مع جميع الصحابة يترضون عن جميعهم ويحبون جميعهم ، ولذا ينطبق عليهم حديث ((   كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) [ أخرجه الترمذي ، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ح (2129 ) ]  ، وأهل السنّة  والجماعة هم أهل الجماعة سواد أهل الإسلام الأعظم ، ولذا ينطبق عليهم حديث وواحدة في الجنة وهي الجماعة )) [ أخرجه أبو داود ، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة ح ( 204 ) ] ، وأهل السنّة  والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين الفرق الضالة : أهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه ، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه ، ( أولا ) هم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه ، فأما الخوارج والمعتزلة فأدخلوا في أصل الإيمان المنجى من الكفر الأكبر عمل الجوارح ، ولهذا فالخوارج يعتبرون مرتكب الكبيرة كافراً ، والمعتزلة يسلبون منه مسمى الإيمان ، فيجعلونه لا مؤمناً ولا كافراً ، والجهمية والمرجئة أخرجوا عمل الجوارح من مسمى الإيمان بالكلية ، لذا يعتبرون مرتكب الكبائر مؤمن  كامل الإيمان ، أما أهل السنّة والجماعة فهم يجعلون الإيمان منه ما نهو أصل ضده الكفر الأكبر المخرج من الملة ، ومنه ما هو واجب ، وضده الكفر دون كفر والفسوق والعصيان ، ومرتكب الكبيرة عندهم مسلم لا يزال في مرتبة الإسلام ، وهو عندهم مؤمن فاسق عاص ، مؤمن بأصل إيمانه فاسق بكبيرته ، فلا يسلبون عنه أصل الإيمان الناقل من الكفر الأكبر إلى الإسلام كما تفعل الخوارج والمعتزلة ، ولا يصفونه بالإيمان الكامل كما تفعل الجهمية والمرجئة ،  ( ثانيا ) : هم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه ، فالجهمية والجبرية أفرطوا في القضاء والقدر، فنفوا فعل العبد أصلا، وجعلوا الإنسان مجبورا ليس له أي اختيار ، وقالوا الإنسان مجبور على عمله كالريشة في مهب الريح ، والقدرية  والمعتزلة فرطوا في القضاء والقدر، وقالوا إن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله وليس لله تأثير على هداية العبد أو على إضلاله ، أما أهل السنة والجماعة : فتوسطوا وجعلوا له اختيارا، ولكن اختياره مربوط بمشيئة الله: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وقالوا: إن العباد فاعلون والله خالقهم وخالق أفعالهم، كما ذكر القرآن: { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ }  ، وعندهم أنّ الإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله ، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى ، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله ، كما في قوله تعالى : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [ الصافات: 96 ] ، ولكن الله تعالى جعل للثقلين ( الجن والإنس ) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله ، له حرية الاختيار ،  وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار ، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال ، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار ، ولكن ليس معنى ذلك ، أنّه يستطيع أن يخرج عن اطار قانون الله في الكون وأنّه وحده سبحانه الخالق لكل شيء ، وأنّه لا يكون في ملكه إلا ما يريد ، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه ، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره ، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره ، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد ، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان ، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده ، كما قال تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وعندهم أنّ من طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله ، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه ، والله تعالى يقول : { لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } [ الأنبياء : 23 ] ،  ( ثالثاً ) وسطية أهل السنًة والجماعة في باب التوفيق بين المعقول والمنقول : بين المعتزلة الذين يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية دونما تقيد بأدلة الشرع ، وبين الحشوية والظاهرية المحضة التي تلغي أي دور للعقل في معرفة العقائد ، أو حتى في تدبر وفهم النصوص المتعارضات ،  لكنهم يجمعون في مسائل الأصول بين الأدلة السمعية وبراهيـن العقـول ، ويتجنبون إفراط المعتزلة ، ويتجنبون تفريط المجسمة المشبهة، فمذهبهم في ذلك أوسط المذاهب ، يعرفون ما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى في اطار صريح المعقول ، وليس المقصود به عقل الجاهل ولا عقل القاصر ، وإنما عقل العالم المتخصص الفاهم الفقيه ،  ثم يوفقون بينه وبين صحيح الشرع ، في توسط وفقه واعتدال حبى الله تعالى به أهل السنّة والجماعة دوناً عن أهل البدع والأهواء من أهل الإفراط والتفريط ،  ( رابعاً ) وسطية أهل السنّة والجماعة في باب الإمام علي رضي الله تعالى عنه بين ( النواصب والخوارج(  وبين ( الرافضة ) ، فالنواصب قالوا : بفسق علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، والخوارج قالوا : بكفر علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، والرافضة قالوا : بأنه معصوم كعصمة الأنبياء وأنه أفضل من كل الأنبياء إلا النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، أما أهل السنة والجماعة : قالوا بأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خليفة راشد وإمام عادل ، ولكنه ليس معصوما كعصمة الأنبياء ، وقالوا أنّه يهلك فيه فريقان أحدهما يقصر عن فضله حتى يكفره ، والثاني يغالى فيه حتى يرفعه فوق منزلته ويكفّر من أجله أبا بكر وعمر وعثمان وعامة الصحابة رضي الله عنهم ،  ( خامساً ) أهل السنّة والجماعة هم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة  وآل البيت رضي الله عنهم  بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض ،  ( الشيعة ) يلعنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , ويكفرونهم إلا نفراً يسيراً  , وفي المقابل ( الخوارج ) يكفرون علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ويكفرون من والاه ، أما أهل السنة والجماعة , فهم يوالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا ويترضون عنهم جميعا ويقرون بما أتثبته الله تبارك وتعالى من فضلهم ومن الكرامة لهم ,  وأهل السنّة والجماعة هم أهل العدل والتوسط في باب آل البيت : بين الشيعة والنواصب ، فالشيعة يصلون ببعض آل البيت إلى درجه العصمة ، وببعض آل البيت إلى الفاحشة والنفاق والفجور ، والنواصب يبغضون آل البيت ويكرهونهم ، أما أهل السنّة والجماعة  فهم يحبون آل البيت جميعا ، ويوالونهم جميعا ، وكذلك لا يرضون لما نالهم من الأذى , ويحبونهم المحبة العظيمة التي أوجبها الله تبارك وتعالى لذوي القربى من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ،  ( المسألة الثانية ) : مدارس العلم المتخصصة فيه على منهاج اهل السنّة والجماعة : أهل السنّة والجماعة - بين جميع الفرق التي تنتسب إلى الإسلام -  هم أهل التخصص العلمي الصحيح في كافة علوم الدين : لقد تطرق القرآن الكريم إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية ، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد ، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات ، ثم ترك جمع القواعد والأصول لكافة علوم الدين للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا  ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم ،  وعندما فتح الصحابة رضي الله عنهم مشارق الأرض ومغاربها ، ودخل الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى ، اتسعت دائرة العلوم ، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص ،  فقام كل فريق من أهل الاختصاص بتدوين العلم الذي يحتاج الناس إليه ، ( احتاج الناس إلى حفظ القرآن وفهمه ) : فظهرت أول ما ظهرت من التخصصات الأساسية من علوم الدين : مدرسة القرآن وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم القراء ، وتفرعت وتعددت مجالاتها ، وظهرت داخلها علوم القراءات ، وكان من ثمرتها حفظ القرآن عضاً طرياً كما أُنزل ، وصار أهل السنة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته ، لا يشاركهم في جمع القرآن وضبطه غيرهم من فرق الإسلام ، وجميع فرق المسلمين عالة عليهم في القرآن وعلومه ، وصار لهم في القرآن قراءات عشر متواترة السند موصولة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، منها سبع قراءات مشهورة ، وجميعهم من أهل السنة والجماعة ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب القرآن ، ومنه نعلم لماذا لا يكون طلب علم القرآن إلا على منهاج أهل السنّة الجماعة ، ( ثم احتاج الناس إلى الحديث ) ، فظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث ، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل ، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل ، وكان من أعلامها المتخصصين في علم الحديث : البخاري ، ومُسْلِم ، أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ،  والأعلام المتخصصين في الجرح والتعديل وعلم الرجال مثل شُعْبة بن الحجَّاج ، ويحيى بن سعيد القَطَّان ، وعبدالرحمن بن مهدي ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المَديني ، وأحمد بن حنبل ، وأبو زرعة الرازي ، وأبو حاتم الرازي ، وابن أبي حاتم ، فهؤلاء وأمثالهم ومن جاء بعدهم من تلامذتهم هم المرجع في علم الحديث وعلم الجرح والتعديل وعلم الرجال وعلم مصطلح الحديث ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب السنّة وحفظ السنّة  ، ومنه نعلم لماذا لا يكون طلب العلم الحديث إلا على منهاج أهل السنّة الجماعة : ، ( ثم احتاج الناس إلى تعلم أحكام الدين وأحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام ) فظهرت مدرسة الفقه ، وانتسب إليها طلاب العلم ، وعرفوا باسم الفقهاء ، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم أصول الفقه ، وكان من ثمرة التخصص فيها ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ، وقد سميت آراء هؤلاء الأئمة الأربعة ومن ذهب مذهبهم من الأئمة المجتهدين (( مذاهب )) ولم تسمى (( فرق )) ، وذلك لأنهم اتّفقوا على أصول الدِّين التي يؤدي الخلاف فيها إلى التفرق المذموم وظهور البدع والفرق الضالة في مقابل الفرقة الناجية ؛ وإنما كان الخلاف بينهم في الفروع : وهي المسائل الظنِّية من الدِّين، التي لا يمكن الاتفاق فيها على رأي واحد ، لأنها تخضع لعوامل عديدة واحتمالات كثيرة يصعب الاتفاق عليها جميعا ، والاختلاف فيها لا يدخل في الاختلاف المذموم ، ولهذا سميت مذاهب فقهية في فهم فروع الدين ، لقد أصبحت المذاهب الفقهية الأربعة على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه على مذهب أهل الكتاب والسنّة ، مع العلم بأنّها ( المذاهب الفقهية ) عبارة عن اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا بل وعلى بقية الأئمة الذين انقرضت مذاهبهم ، ولكن الملاحظ أن أقوالهم دخلت في أقوال المذاهب الأربعة الجامعة تقريبا لفقه الدين الإسلامي ، وصارت هي مجال التخصص الفقهي عند أهل السنّة والجماعة ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب الفقه بالدين ، ومنه نعلم لماذا لا يكون طلب علم الفقه إلا على منهاج أهل السنّة الجماعة ،  ( ثم استفحل أمر الفرق الضالة  ) والتي كان أهم أسباب ظهورها هو الجهل بالدين ، أضف إلى ذلك الهوى الذي يجري من صاحبه مجرى الدم من العروق ، وأصول الفرق الضالة هم ( الخوارج ) و ( الشيعة ) و ( المعتزلة ) و ( الحشوية ) و ( المرجئة ) ،   ولما استفحل أمر تلك الفرق احتاج المسلمون إلى أهل التخصص في العقيدة ، لبيان عقائد الفرقة الناجية ، والرد على الفرق الضالة ، فظهرت مدارس العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة  : وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر ، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة ، وهم : الإمام أحمد ابن حنبل ، والإمام أبو الحسن الأشعري ، والإمام أبو منصور الماتريدي ، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم ، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة تجاه المخالفين ، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة ، وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة والجهمية والمرجئة ، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم ، وامتزجت علومهم ، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام ، ومسائل الإيمان والكفر ، ومسائل التوحيد والشرك ، ومسائل التقديس والتنزيه ، ومسائل الإتباع والابتداع ، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات ، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام ، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت ، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه ، وهي ( المدرسة الأثرية ) وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، ( والمدرسة الأشعرية ) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، ( والمدرسة الماتريدية ) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها ، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف ، من هاجم مدرسة منها فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة وعلوم العقيدة ، ومنه نعلم لماذا لا تكون راية التجديد هي راية أهل السنة والجماعة الناجية ، ( ومع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية ، بدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها ، وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية ( التصوف ) ، وإثبات شرفه وجلاله وفضله ، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية ، وإذا كان أهل السنة والجماعة ( سواد المسلمين الأعظم ) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) كمدارس متخصصة في العقيدة ، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) كمدارس متخصصة في الفقه ، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة ، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [الشمس : 9-10 ] ، وهو الإحسان الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه : (( قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك")) [ أخرجه مسلم ] ، وأهله هم المتخصصون في علوم التزكية والإحسان ، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا ( بالصوفية ) فلا مشاحة في الاصطلاح ، والمهم المضمون في هذا الباب ، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن ، بطهارته من الحقد والحسد والكبر والعجب والرياء ودسائس الاخلاق ، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق ، وقد كان السادة الصوفية المتمسكون بالكتاب والسنة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التزكية والإحسان ، ومنه نعلم لماذا لا يكون طلب علم التزكية الصحيح إلا على منهاج أهل السنّة الجماعة ، وعلى ذلك استقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) على مر عصور الإسلام السابقة : في العقيدة ثلاث مذاهب أصولية معتمدة ، الأولى : المدرسة الأثرية ، والثانية : الأشعرية ، والثالثة : الماتريدية ، واستقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) في الفقه مذاهب أربعة ، المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، وقد تنوعت الطرق التربوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ ( الطرق الصوفية ) ، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة ، والمتخصصة في التزكية والأخلاق ، وبهذا صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل هؤلاء ، وهم سواد المسلمين الأعظم ، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ، ولا شك أنّ هناك أخطاء وقصور عند تلك الطوائف كما هو القصور عند الأشخاص ، ولكنه قصور في إطار أهل السنّة والجماعة يمكن تقويمه من خلال الحكمة والموعظة الحسنة ، خلاصة القول : طلب العلم الصحيح لا يكون إلا على منهاج أهل السنّة الجماعة ،  ( ثانياً ) ضرورة احترام التخصص العلمي عند أهل السنّة ،  إن الخطوة العملية الصحيحة الأولى نحو تصحيح المسار العلمي يتمثل في : احترام التخصص العلمي الذي يؤدى حتماً إلى تقارب الصفوف وتكاملها ، ومعرفة المدارس العلمية المتخصصة في أبواب العلم على منهاج أهل السنّة والجماعة ، وتحديد المرجعية العلمية إليها دون غيرها ، ورد الأمور المتنازع عليها إلى الكتاب والسنّة بفهم المدارس العلمية للمتخصصة في علوم الدين على منهاج أهل السنّة والجماعة فنأخذ بما اتفقت عليه من أصول العلم ومحكماته ، ويسعنا ما وسعها من الاختلاف ، لقد كان من ثمرة التخصص في العقيدة ظهور ثلاث مدارس متخصصة في الأصول على منهاج أهل السنّة والجماعة لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه ، وهي ( المدرسة الأثرية ) وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، ( والمدرسة الأشعرية ) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، ( والمدرسة الماتريدية ) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها ، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف ، وكان من ثمرة التخصص في علم الفقه ظهور المذاهب الأربعة ، المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، ومع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية ، بدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها ، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية ( التصوف ) ، وإثبات شرفه وجلاله وفضله ، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية ، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا ( بالصوفية ) فلا مشاحة في الاصطلاح ، والمهم المضمون في هذا الباب ، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن ، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته ، وهو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين ، وبعد فهذا اختصار مبسط لبيان تخصصات أهل الإسلام الذين ملئوا الدنيا علما ، ويستحيل على أحد بعد ذلك أن يطرح مؤسسة واحدة على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية ،  والإسلام يدعو إلى احترام التخصص العلمي ، قال تعالى : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [ النساء : 59 ] ، أوضحت الآية أنّ المرجعية الأساسية عند النزاع والخلاف هي الكتاب والسنّة ، ولما كانت الأفهام قد تختلف أيضا في فهم أدلة الكتاب والسنّة ، لذا جاء الأمر الرباني باحترام أفهام المتخصصين لأدلة الكتاب والسنة ، فقال تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [ النساء : 83 ] ، أوضحت الآية الثانية من الذين يحق الرجوع إلى أفهامهم للكتاب والسنّة ألا وهم العلماء المتخصصون ، وزاد القرآن الكريم الأمر تأكيدا ، وذلك بقوله تعالى : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ، وقوله تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ، ونحمد الله تعالى أنّ جعل خصيصة لأهل السنّة والجماعة الناجية لا يُشاركهم فيها أحد من الفرق الإسلامية الأخرى ألا وهو التخصص العلمي ووجود المذاهب العلمية المتخصصة في كافة أبواب العلم ، والواجب على كل مسلم أن يطلب علم الدين من خلال مدارسه المتخصصة فيه على منهاج أهل السنة الجماعة ،   و [ العلم منه ما هو فرض عين ] ، وهو ما لا يسقط عن المكلف إلا بقيامه به بنفسه ، ويتناول :  ( 1 ) تعلم عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب أحد إمامي أهل السنّة الجماعة : أبي الحسن الأشعري أو أبي منصور الماتريدي مع الاستدلال الإجمالي على كل مسألة من مسائل العقيدة ، والسر في الاقتصار على هذين المذهبين أنهما ضبطا أصول العقيدة بعيدا جميع الفرق الضالة ، وبعيدا عن الحشو والاعتزال ، ( 2 )  تعلم ما يستطيع به المكلف أداء المفروض عليه من العبادات كالصلاة والزكاة والحج والصوم ، على مذهب أحد أئمة الفقه الأربعة ( أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ) ، ( 3 ) مَنْ تعاطى شيئاً من المعاملات كالبيوع والإجارة والنكاح والطلاق ، يفترض عليه تعلم ما يتمكن معه من تجنب الحرام والتزام حدود الشرع على مذهب أحد أئمة الفقه الأربعة ( أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد )  ، ( 4 ) تعلم جميع الأخلاق الحسنة والسيئة كي يطبق الحسنة كالتوكل على الله والرضا عنه والتسليم له والتواضع والحلم ويجاهد نفسه على التخلق بها ، ويجتنب السيئة كالكبر والغرور والبخل والحسد والحقد والرياء ، ومن ثَمَّ يجاهد نفسه على تركها ، إذ أن المجاهدة فرض على كل مكلف ولا يمكن حصولها إلا بمعرفة الأخلاق المذمومة والممدوحة ، والعلم منه ما هو فرض كفاية : وهو ما إذا قام به البعض سقط التكليف عن الباقين ، وإذا لم يقم به أحد فالكل آثمون ، والعلوم المفروضة كفائياً هي ما يتوقف عليها صلاح الأمة ، كالتعمق في علم العقيدة على مناهج المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة ، وذلك للرد على جميع الفرق الضالة كالشيعة والخوارج والمعتزلة والمجسمة الحشوية ، والتعمق في علم الفقه زيادة على مقدار الحاجة ، ، وذلك لا بد في كل بلد من مُفْتٍ يكون مرجعاً للناس في أمور دينهم يقوم بهذا الفرض الكفائي ويسقط الإثم عن الناس ، والتعمق في علم التزكية على مناهج الربانيين المتخصصين في علم التصوف السني الصحيح الصافي القائم على أدلة الكتاب والسنّة ، فإن دين الإسلام جاء بتزكية الظاهر والباطن ، قال تعالى : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [ الْأَعراف : 33 ] ، وقال تعالى : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [ الْأَنعام : 151 ] ، وقد تكفل علم التصوف بتزكية الباطن ، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته ، وقد قال تعالى : { يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [ الشعراء : 88-89 ] ، والتصوف – كما هو معلوم لأهله - يتخصص في تزكية القلب بطهارته من النفاق والحقد والحسد والكبر والعجب والرياء  ، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق .. ، وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات القلبية كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر ، والتصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة ، والحق يقال أنه على مر عصور الإسلام فإن للسادة الصوفية الحظ الأوفر من الوراثة النبوية في تحلية النفس بالصفات الكاملة كالتوبة والتقوى والاستقامة والصدق والإخلاص والورع والتوكل والرضا والأدب والتسليم والمحبة والذكر والمراقبة ، والتصوف السني الصحيح هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق الحقيقي العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس ، وقد كان السادة الصوفية هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان ، ولذا قال حجة الإسلام الإمام الغزالي : بعد أن اختبر طريق التصوف ولمس نتائجه وذاق ثمراته ( ولقد علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السيرة ، وطريقتهم أصوب الطرق ، وأخلاقهم أزكى الأخلاق.. ثم يقول رداً على من أنكر على الصوفية وتهجَّم عليهم : وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقةٍ طهارتُها ـ وهي أول شروطها ـ تطهيرُ القلب بالكلية عما سوى الله تعالى ، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة استغراقُ القلب بالكلية بذكر الله ، وآخرها الفناء بالكلية في الله ) [ المنقذ من الضلال ]  ، إن التكاليف الشرعية المتعلقة بالقلب أهم من التكاليف الشرعية المتعلقة بالبدن - وإن كان الكل مُهمَّاً – وذلك لأن الباطن أساس الظاهر ومصدره ، وأعماله مبدأ أعمال الظاهر ، ففي فساده إخلال بقيمة الأعمال الظاهرة ، وفي الحديث ما يدل على ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم : (( ألا وإن في الجسد مُضغة إذا صلحتْ صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب" [ متفق عليه ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم (( إن الله لا ينظرُ إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم )) [ أخرجه مسلم ] ، وما دام صلاح الإنسان مربوطاً بصلاح قلبه الذي هو مصدر أعماله الظاهرة ، تعيَّن عليه العمل على إصلاحه بتخليته من الصفات المذمومة التي نهانا الله عنها ، وتحليته بالصفات الحسنة التي أمرنا الله بها ، وعندئذٍ يكون القلب سليماً صحيحاً ، ويكون صاحبه من الفائزين الناجين {يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلا مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ} [ الشعراء : 88 - 89 ] ، قال الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله : ( وأما علم القلب ومعرفة أمراضه من الحسد والعجب والرياء ونحوها ، فقال الغزالي : إنها فرض عين ) [ "الأشباه والنظائر" للسيوطي ص504 ] ،   ويقول العلامة ابن عابدين في حاشيته الشهيرة : ( إن علمَ الإخلاص والعجب والحسد والرياء فرضُ عين ، ومثلها غيرها من آفات النفوس ، كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة والمداهنة ، والاستكبار عن الحق والمكر والمخادعة والقسوة وطول الأمل ، ونحوها مما هو مبين في ربع المهلكات من "الإحياء". قال فيه : ولا ينفك عنها بشر ، فيلزمه أن يتعلم منها ما يرى نفسه محتاجاً إليه ، وإزالتها فرض عين ، ولا يمكن إلا بمعرفة حدودها وأسبابها وعلاماتها وعلاجها ، فإن من لا يعرف الشر يقع فيه ) [ "حاشية ابن عابدين" المسماة رد المحتار على الدر المختار ج1 : ص31 ] ، وكذلك فلا ننسى ضرورة التعمق في بقية علوم الشريعة ، كعلم التفسير ، وعلم الحديث ، وعلم أصول الفقه ، وكافة العلوم الشرعية التي تحتاج إليها الأمة الإسلامية ،   اللهم ارزقنا العلم والعمل ، اللهم ارزقنا الفهم والفقه ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع ، ومن قلب لا يخشع ، ومن دعوة لا يُستجاب لها ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

***

 

الدرس الرابع :  أخلاق المسلم مع دين الإسلام : فقه مسائل واحكام البدعة في الدين

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذه الحلقة أتناول :  فقه مسائل واحكام البدعة في الدين ، وفقه الأحاديث الواردة في ذم الابتداع في الدين : من يرد الله تعالى به خيرا يفقهه في الدين ، أخرج البخاري (71) ، ومسلم  (1037 ) عن مُعَاوِيَةَ بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ )) [ متفق عليه ] ،  العلم هبة من الله فليسأل العبد ربه أن يزيده علماً ، قال تعالى : { وقل رب زدني علما } ، والفقه والفهم في الدين هبة من الله  ، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ )) ، نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في الدين ، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، اللهم آمين ،  أقول وبالله التوفيق : هناك نصوص عديدة في السنة الصحيحة  تحذر من البدع والإبتداع في الدين ويفهم منها أن كل المحدثات في الدين بدع ضالة مردودة على أصحابها وأصول تلك الأحاديث هي : قوله صلى الله عليه وسلم : (( أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمدٍ ، وشر الأمور محدَثاتها ، وكل محدَثةٍ بدعة ، وكل بدعةٍ ضلالة )) [ أخرجه مسلم ] ، وفي رواية عند النسائي بزيادة ((أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمدٍ ، وشر الأمور محدَثاتها ، وكل محدَثةٍ بدعة ، وكل بدعةٍ ضلالة؛ وكل ضلالةٍ في النار)) [ أخرجه النسائي ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( فإن من يعش منكم؛ فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثةٍ بدعة ، وكل بدعةٍ ضلالة  )) [ أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (3 : 119) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد  )) [ متفق عليه ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )) [ أخرجه مسلم ] ، إلا أن هذه الأحاديث لابد من فقهها ومعرفة ضوابطها ومفاتيحها التي تساعد على فهمها الفهم الصحيح حتى لا نقع في الإفراط أو التفريط ،  [  1  ] : فقه معنى الحديث الأول : قوله صلى الله عليه وسلم : ( أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمدٍ ، وشر الأمور محدَثاتها ، وكل محدَثةٍ بدعة ، وكل بدعةٍ ضلالة؛ " وكل ضلالةٍ في النار" ) أخرجه مسلم [ صحيح مسلم بشرح النووي 2 : 464 ] ، هذا الحديث العظيم يستدل به البعض على ضلال كل محدثة في الدين وعلى أنه لا توجد بدعة في الدين تكون حسنة ، ووجه الدلالة فيه : أن لفظ ( كل )  في الحديث يفيد العموم فكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ،  ولكن هل من الممكن أن تأتي ( كل ) على معنى الغالب والأكثر وليس جميع مفردات البدع والمحدثات ، وبالتالي يكون التحذير من بدع الضلالة التي تمثل غالب المحدثات والكثرة الكاثرة منها ، ولا يمنع ذلك من وجود محدثات لها أصل من الشرع وتدل على خير لا خلاف لأحد فيه ، فإنّ الذي يتدبر آيات الكتاب العزيز يدرك أن كلمة (( كل )) قد تأتي والمراد بها التعميم الشامل فيما دخلت عليه ، ومن ذلك قوله تعالى : { وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ، ففي الآية لا تستطيع أن تتصور شيئاً لا يدخل في عموم ما دخل عليه لفظ (( كل )) ، فالله تعالى بكل شيء عليم ، ويستحيل أن تتصور شيئاً لا يدخل في علمه تعالى ،، وقد تأتي (( كل ))  والمراد بها تعميم هو دون التعميم الشامل لكل ما يصدق عليه اللفظ ، ومن ذلك قوله تعالى : { بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ } ، أي تدمر كل شيء أرسلت بهلاكه ، لأنها لم تدمر هوداً عليه السلام ومن كان آمن به ، ولم تدمر مساكنهم ، وقال تعالى : { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ } ، ( وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيء ) أي من الأمور التي يحتاج إليها الملك في تدبير أمور المملكة ، وعلى هذا يمكن أن نفهم من قوله صلى الله عليه وسلم (( وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة )) هو الغالب أو العام المخصوص ، والمعنى أن كل محدثة مما لا يندرج تحت نص من نصوص الكتاب أو السنة ولا يتفق مع مقاصدهما فهو بدعة مذمومة شرعاً ، وكل بدعة بهذا المعنى فهي ضلالة ، وإنّ من قواعد الأصول الثابتة أن في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا من الكليات والعموميات ، من العام المخصوص ، أو العام الذي أريد به الخصوص ، والعموميات في الكتاب والسنة كثيرة وكلها دخلها التخصيص ، ومن العام الذي أريد به الخصوص قوله تعالى : { وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى } [ النجم : 39 ]  مع أن هناك من الأدلة ما يبلغ التواتر في أن المسلم ينتفع بعمل غيره من إخوانه المسلمين ودعاء الملائكة ، كما هو كمقرر في الشريعة ، ويشهد لذلك حديث (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) ،  فإن قال قائل : لم لا نحمل هذا اللفظ الوارد في الحديث الشريف على العموم ؟ ! فالجواب : أنه إذا حملناه على العموم الشامل بإطلاق فإن هذا يؤدي إلى مخالفة ما كان عليه الهدي النبوي كما سيأتي عند بيان فقه قوله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ )) [ أخرجه مسلم ] ، وقال النووي في شرح الحديث : " وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَخْصِيص قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كُلّ مُحْدَثَة بِدْعَة وَكُلّ بِدْعَة ضَلَالَة ) , وَأَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمُحْدَثَات الْبَاطِلَة وَالْبِدَع الْمَذْمُومَة " أهـ ، وما فعله النووي هو الفقه في دين الله حتى لا تتعارض النصوص ويضرب بعضها بعضا ، والقاعدة الأصولية تنص على أن الجمع بين الادلة مقدم على الترجيح بينها ، وسيأتي مزيد بيان لهذا الأمر عند شرح قول عمر رضي الله عنه ( نعم البدعة هذه ) ،  ومن درر الفقهاء في فهم حديث ( كل بدعة ضلالة ) : يقول الإمام النووي في فقه الحديث ما نصه : " قوله صلى الله عليه وسلم : ( وكل بدعة ضلالة ) هذا عام مخصوص , والمراد غالب البدع ..  ويؤيد ما قلناه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في التراويح : نعمت البدعة , ولا يمنع من كون الحديث عاما مخصوصا . قوله : ( كل بدعة ) مؤكدا ( بكل ) , بل يدخله التخصيص مع ذلك , كقوله تعالى : ( تدمر كل شيء ) " أهـ [ صحيح مسلم بشرح النووي 2 : 464 ] ، ويقول الإمام النووي رحمه الله عند شرح حديث (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ) ما نصه : " وفي هذا الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم : (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) , وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة " أهـ ، ويقول السندي في شرح سنن النسائى في فقه الحديث  -  وهو يوضح ضابط البدعة  -  ما نصه : " (وشر الأمور محدثاتها) يريد المحدثات التي ليس في الشريعة أصل يشهد لها بالصحة وهي المسماة بالبدع ، ويقول ابن حجر في كتابه فتح البارى : " قوله ( وشر الأمور محدثاتها إلخ ) و" المحدثات " بفتح الدال جمع محدثة والمراد بها ما أحدث , وليس له أصل في الشرع ويسمى في عرف الشرع " بدعة " وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة , فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة سواء كان محمودا أو مذموما , قال الشافعي : " البدعة بدعتان : محمودة ومذمومة , فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم " أخرجه أبو نعيم بمعناه من طريق إبراهيم بن الجنيد عن الشافعي , وجاء عن الشافعي أيضا ما أخرجه البيهقي في مناقبه قال " المحدثات ضربان ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال , وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة " انتهى ، والمراد بقوله " كل بدعة ضلالة " ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام " أهـ ، إذن : من الدرر المستفادة من الحديث وأقوال الفقهاء عليه ، وتتمثل في أن الحديث من العام الذي يشمل غالب البدع ، وأنه يخرج من معنى الحديث كل محدثة لها أصل في كتاب الله ، وأن كل محدثة لها أصل في الدين لا تكون بدعة ضلالة ،  [  2  ]  فقه معنى الحديث الثاني : قوله  صلى الله عليه وسلم : (( فإن من يعش منكم؛ فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ؛ فإن كل محدثةٍ بدعة ، وكل بدعةٍ ضلالة  )) [ أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان وغيرهم وقال الترمذي حديث حسن صحيح وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (3 : 119) ، وانظر عون المعبود 11 : 234 ، وتحفة الأحوذي 7 : 365 ، وصحيح ابن حبان 1 : 178 ، والفتح الرباني 1 : 188 ، والمستدرك 1 : 288 ] ، ومن درر الفقهاء في فهم الحديث : ( وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَات الْأُمُور إِلَخْ ) : قال الحافظ ابن رجب في كتاب جامع العلوم والحكم : " فيه تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة وأكد ذلك بقوله " كل بدعة ضلالة " والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه , وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة " أهـ ، ( قلت ) : وهاهنا اجمل الدرر المستفادة من الحديث ومن فقه الحافظ ابن رجب عليها ، وتتمثل في : أنّ كل محدث له أصل من شرع الله فلا يكون بدعة شرعية ( بدعة ضلالة) وإن كان يطلق عليه بدعة لغة ، وأنّ كل ما أحدث من الدين وليس له أصل في شرع الله فهو بدعة ضلالة لا يختلف على ذلك فقيهان ،  [  3  ] : فقه معنى الحديث : ( من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس منه فهو رد  ) متفق عليه ، وفي رواية مسلم  -  ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )  رواه مسلم [ صحيح مسلم مع شرح النووي 3 : 380 ] ، ومن درر الفقهاء في فهم الحديثين : قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في بيان فقه الحديث وضوابط البدعة ما نصه : " وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام كما أن حديث " الأعمال بالنيات " ميزان للأعمال في باطنها وهو ميزان للأعمال في ظاهرها فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء " [ جامع العلوم والحكم ص 81 . ]  فشرط للبدعة الضالة أن تضاف إلى الدين ولم يأذن بها الله ورسوله ، وقال بن حجر في فتح البارى في بيان فقه الحديث وضوابط البدعة ما نصه : " وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده , فإن معناه : من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه . " فشرط للبدعة الضالة أن تضاف إلى الدين وأن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه ، ( قلت ) : وهاهنا اجمل الدرر المستفادة من الحديث : أنّ هناك شرطين للبدعة الضالة عند الحافظ ابن رجب وهما أن أن تضاف إلى الدين ولم يأذن بها الله ورسوله ، وأنّهما نفس الشرطين للبدعة الضالة عند الحافظ ابن حجر وهما أن تضاف إلى الدين وأن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه ، ونستفيد معرفة الشرطين من الحديث الشريف فقوله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرِنا هذا) دل على الشرط الأول للبدعة وهو الإضافة إلى الدين ،وقوله صلى الله عليه وسلم ( ما ليس منه ) دل على الشرط الثاني للبدعة ألا وهو أن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه . ونستفيد كونها بدعة ضلالة من قوله صلى الله عليه وسلم ( فهو رد )  ،  [  4  ] : الأحاديث الدالة على إمكانية وجود البدعة الحسنة : هناك نصوص عديدة في السنة الصحيحة  يفهم منها أن المحدثات في الدين ليست كلها ضالة بل قد يكون منها ما هو حسن وأصول تلك الأحاديث هي : ( 1 ) ما أخرجه مسلم في صحيحه : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ )) ، وفي رواية أخرى : (( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ)) ، وفي رواية أخرى : (( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَسُنُّ عَبْدٌ سُنَّةً صَالِحَةً يُعْمَلُ بِهَا بَعْدَهُ ))  ثُمَّ ذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ ، قال النووي : في شرح الحديث : " وفي هذا الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم  كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) , وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة " أهـ ، وقال أيضا : " قوله صلى الله عليه وسلم : ( من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة ) الحديث وفي الحديث الآخر ( من دعا إلى الهدى ومن دعا إلى الضلالة ) ،  هذان الحديثان صريحان في الحث على استحباب سن الأمور الحسنة , وتحريم سن الأمور السيئة , وأن من سن سنة حسنة كان له مثل أجر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة , ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة , وأن من دعا إلى هدى كان له مثل أجور متابعيه , أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه , سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه , أم كان مسبوقا إليه , وسواء كان ذلك تعليم علم , أو عبادة , أو أدب , أو غير ذلك . قوله صلى الله عليه وسلم : ( فعمل بها بعده ) معناه إن سنها سواء كان العمل في حياته أو بعد موته . والله أعلم ." أهـ ، وقال -  عند شرح حديث : ( لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها ; لأنه كان أول من سن القتل ) - : " وهذا الحديث من قواعد الإسلام , وهو : أن كل من ابتدع شيئا من الشر كان عليه مثل وزر كل من اقتدى به في ذلك العمل مثل عمله إلى يوم القيامة , ومثله من ابتدع شيئا من الخير كان له مثل أجر كل من يعمل به إلى يوم القيامة , وهو موافق للحديث الصحيح : " من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة " وللحديث الصحيح " من دل على خير فله مثل أجر فاعله " وللحديث الصحيح : " ما من داع يدعو إلى هدى وما من داع يدعو إلى ضلالة " . والله أعلم ." أهـ ، وجاء في تحفة الأحوذي بشرح الترمذى : قوله : ( من سن سنة خير ) وفي رواية مسلم : من سن في الإسلام سنة حسنة أي أتى بطريقة مرضية يشهد لها أصل من أصول الدين ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة أي طريقة غير مرضية لا يشهد لها أصل من أصول الدين. " أهـ ،  ( 2 ) وما أخرجه مسلم كذلك في صحيحه : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (( مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا )) ،   ( 3 ) وأخرج ابن ماجة في سننه : عَنْ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا)) ، وقال السندى في شرح الحديث : " قوله ( سنة حسنة ) أي طريقة مرضية يقتدي فيها والتمييز بين الحسنة والسيئة بموافقة أصول الشرع وعدمها " أهـ ،  ( 4 ) وأخرج البخاري في صحيحه ومالك في الموطأ : عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله  ) [ صحيح البخاري مع الفتح 5 : 155 ] ، قال بن حجر في شرح الحديث : قوله : ( قال عمر نعم البدعة ) في بعض الروايات " نعمت البدعة " بزيادة تاء , والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق , وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة , والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة وإن كان مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة " أهـ. [ صحيح البخاري مع الفتح 5 : 155-156 ] ، وجاء في المنتقى شرح المؤطأ : فقال نعمت البدعة هذه ، وهذا القول تصريح من عمر رضي الله عنه بأنه أول من جمع الناس على قيام رمضان على إمام واحد بقصد الصلاة بهم ورتب ذلك في المساجد ترتيبا مستقرا لأن البدعة هو ما ابتدأ فعله المبتدع دون أن يتقدمه إليه غيره فابتدعه عمر وتابعه عليه الصحابة والناس إلى هلم جرا وهذا أبين في صحة القول بالرأي والاجتهاد وإنما وصفها بنعمت البدعة لما فيها من وجوه المصالح التي ذكرناها " أهـ ،  ( 5 ) وأخرج الترمذى في سننه : عن كثير بن عبد الله هو ابن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال بن الحارث : (( اعلم قال ما أعلم يا رسول الله قال اعلم يا بلال قال ما أعلم يا رسول الله قال إنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي ، فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا )) ، قال الترمذي : هذا حديث حسن . وقال البغوي : هذا حديث حسن . وصححه الألباني [ انظر سنن الترمذي مع شرحه عارضة الأحوذي 10 : 106-107 ، وسنن ابن ماجة 1 : 76 ، وشرح السنة للبغوي1 : 233 ، وصحيح سنن ابن ماجة للألباني 1 : 41-42 ] ، وجاء فِي الْمِرْقَاةِ في شرح الحديث " ( ومن ابتدع بدعة ضلالة ) قيد به لإخراج البدعة الحسنة " أهـ ،  ( 6 ) وأخرج ابن ماجة في سننه : حدثني كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل أجر من عمل بها من الناس لا ينقص من أجور الناس شيئا ومن ابتدع بدعة لا يرضاها الله ورسوله فإن عليه مثل إثم من عمل بها من الناس لا ينقص من آثام الناس شيئا )) ، قال السندى في شرح الحديث : قوله ( لا يرضاها الله تعالى ) هذا تقبيح للبدعة وإلا فكل بدعة كذلك بالمعنى الذي ذكرناه وهو ما لا يوافق أصول الشرع وقيل فيه تنبيه على أن من البدع ما يرضاها الله ورسوله كالتصنيف وبناء المدارس ونحو ذلك قلت وهذا مبني على أن البدعة مطلق الأمر المحدث بعده " أهـ ،  ( 7 ) وأخرج البخاري في صحيحه : عن رِفاعة بن رافع الزَّرقي قال : (( كنا يومًا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما رفع رأسه من الركعة قال : " سمع الله لمن حمده" ، قال رجل وراءه : ربنا ولك الحمد حمدًا كثيراً طيبًا مباركًا فيه ، فلما انصرف قال : " من المتكلم" قال : أنا ، قال : " رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول" )) ، قال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح هذا الحديث : " واستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور" اهـ [ فتح الباري : كتاب الصلاة (312 : 8) ] ،  [  5  ] : موقف فقهاء الأمة من تلك الأحاديث : ( الفريق الأول من الفقهاء ) : يرى بأنّ كل المحدثات الدينية بدعة وأنها جميعها ضلالات ، وأنه لا توجد بدعة حسنة ولا يمكن تصور ذلك في الدين لأن الدين مكتمل ولا يحتاج إلى اي إضافة ، ويستدلون لذلك بالعديد من الآيات والأحاديث التي تدعم مذهبهم في ذم البدع والمحدثات ، ولكنّهم لفقههم في الدين جعلوا لكون المحدثة بدعة ضلالة ضابطان : ( الاول ) : أن يكون مجالها في الدين ، فالابتداع لا يكون إلا في الدين ، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع ، و ( الثاني ) : أن لا يكون لها أصل في الشرع ، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة ، وعلى ذلك فكل محدث له دليل مقبول من الكتاب والسنة فلا يكون بدعة بل قد يكون سنة وفعل خير يؤجر عليه ، أو يكون مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة ، وممن نُسب إليه هذا القول : إمام دار الهجرة الإمام مالك رحمه الله وعدد من المالكية والحنابلة والمحدثين منهم الطرطوشي والشاطبي ، وهؤلاء جعلوا لفظ البدعة يتعلق بالدين فقط ، ويحمل معنى الذم والضلال ، وفي المقابل وسعوا في معنى المصالح المرسلة ووضعوا القيود الهادية في المسالة فلا تكون المحدثة بدعة ضلالة إلا بشروطها الربانية الهادية التي  استنبطوها من فقه الكتاب والسنة ، الشرط الأول : أن تكون محدثة بعد زمن التشريع ، والشرط الثاني : أن تكون في الدين يقصد بها القربة إلى الله تعالى ، والشرط الثالث : أن تخالف الشرع ، والشرط الرابع : ألا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحضَّ عليه الله أو رسوله  صلى الله عليه وسلم ، وبالتالي فلا يكون بدعة ضلالة : ما أحدث من مصالح دنيوية ولا يقصد بها الدين ، وما أحدث مما فيه مصلحة ولا تخالف الشرع ، وما أحدث في الدين من تجديد سنة اندرست, أو هيئة فيها مصلحة تندرج تحت عموم وأصل ندب إليه الشرع من أفعال المعروف ، و ( الفريق الثاني من الفقهاء ، وهم جمهور الفقهاء  ) : يثبت وجود البدعة الحسنة ، ويجزم بأن الدين تام كامل بأصوله وقواعده ولكن هذه الأصول والقواعد أشارت إلى وجود المحدث النافع والبدعة الحسنة التي تعود على المسلمين بالخير والأجر ، واستدلوا لمذهبهم بالكثير من الأيات والأحاديث وأقوال الصحابة وأعمالهم ، وهؤلاء فهموا من أدلة الشرع ما يدل على تقسيم المحدث إلى حسن يوافق الكتاب والسنة وقبيح يخالف الكتاب والسنة ، وقالوا : أن الدليل الأول على تقسيم البدعة هو تقسيم الرسول صلى الله عليه وسلم لها بقوله ( من سن في الإسلام سنة حسنة .....ومن سن في الإسلام سنة سيئة ) ،  ويؤيده ما جاء عن فقيه قريش الإمام الشافعي الذي ملأ الأرض علما رحمه الله : حيث روى الحافظ البيهقي بإسناده الصحيح في المدخل : قال الشافعي رحمه الله " البدعة بدعتان بدعة  خالفت كتابا وسنة وإجماعا وأثرا عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عله وسلم فهذه بدعه ضلاله وبدعه لم تخالف شيئا من ذلك فهذه قد تكون حسنة لقول عمر نعمت البدعة هذه هذا الكلام أو نحوه " أهـ ، ومن أكابر العلماء الذين نصروا هذا الرأي : الإمام الشافعي عالم الأمة الإمام القرشي المطلبي الذي ملأ طباق الأرض علما وبه قال عامة الشافعية والأحناف والمالكية وعدد من فقهاء الحنابلة ، وقد نقل الشيخ أحمد بن يحيى الونشريسي المالكي إجماع المالكية عليه في كتاب المعيار المعرب [ ج 1 : 357 ، 358 ]  وقال به الكثير من علماء الأمة والمحدثين ، منهم على سبيل المثال : الإمام الغزالي والإمام فخر الدين الرازي وسلطان العلماء الإمام العز بن عبدالسلام والإمام القرافي والفقيه الرباني الإمام النووي وأمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام السيوطي والإمام الزرقاني والأمام الكرماني وابن عابدين الشامي والإمام الحافظ ابن العربي المالكي والعلامة ابن الأثير الجزري والإمام شهاب الدين أبو شامة والإمام العيني وغيرهم كثير وهؤلاء هم ورثة النبوة وأركان العلم عند أهل السنة والجماعة فمن بدع هؤلاء الفقهاء في فهمهم لتقسيم البدعة فليراجع عقله أو يراجع دينه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وهؤلاء العلماء الربانيون وضعوا القيود الهادية في المسالة فلا يُطلق على المحدثة في الدين لفظ الحسنة إلا بشروط ربانية هادية استنبطوها من فقه الكتاب والسنة ، الشرط الاول : أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة ، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها ، أو أمر عام من أوامرها ، وهذا الشرط مجمع عليه بينهم حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه ، والشرط الثاني : أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة ، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين ،  فإذا صادمت سنة من سنن الدين أو أدت إلى تغييرها صارت بدعة مذمومة ، والشرط الثالث : أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير ، وسيأتي تباعا بيان أقوال الجميع وأدلتهم على ما قالوا وما استنبطوا به شروطهم الضابطة لباب الاتباع والابتداع ، والفريق الأول حق بضوابطه ، والفريق الثاني حق بضوابطه ، ولكن الخلل في المعاصرين من الأتباع ، وذلك في عدم تطبيق القيود والضوابط فينفرط عقد البدعة ويحدث التشدد أو يحدث التساهل ، إذن المشكلة تكمن في أنصاف المتفيقهين ممن لم يشموا رائحة الفقه في هذا الباب ، وإنما يكمن العلاج في أمرين : أولهما : تفعيل الضوابط الفقهية السديدة للبدعة عند الطرفين وحينها ينتظم الأمر للجميع بوحدة علمية عملية صحيحة في مجال البدعة ، وذلك من خلال فقه الآيات والأحاديث ووضع الضوابط الصحيحة للبدعة من خلالهما بما يضبط أحكامها دونما غلو أو تقصير ، والثاني : حمل ذم الفريق الأول للبدعة على أنها بدعة الضلالة ( على المعنى الشرعي ) التي يكون مجالها في الدين ، ولا يكون لها أصل معتبر في الشرع ، وحمل مدح الفريق الثاني للبدعة الحسنة ( على المعنى اللغوي ) أو اسمها الحقيقي السنّة الحسنة ( على معناها الشرعي ) وذلك للحديث (( من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها )) بشروطها المعتبرة عندهم وهي أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة ، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها ، أو أمر عام من أوامرها ، وهذا الشرط مجمع عليه بينهم حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه ، وأن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم نصاً من نصوص الشريعة ، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين ، وأن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير ، فإن تم لنا ذلك صار الخلاف لفظيا ، ( تنبيه ) : إنّه مما يقرب الأمر بين فريقي أهل السنة - بعد النظر إلى الضوابط الرصينة التي وضعها فقهاء كلا الفريقين لضبط مسائل البدعة -  مبادئ أهمها : ( أ ) أنّ الفريقين متفقان على أنّ أصول البدع الضالة التي تُخرج من إطار أهل السنّة والجماعة إنما هي الأصول العريضة التي قامت عليها فرق الضلال من الخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة والمشبهة والمرجئة والجبرية ، ، وأنّ هناك أحيانا خلاف لفظي على مصطلح البدعة بين لغوي وشرعي يسبب الخلط أحياناً ، فما له أصل في الدين يسميه الفريق الاول سنة حسنة أو مصلحة مرسلة ، ويمتنع عليه تسميته بدعة لأن البدعة عنده لا تكون إلا سيئة ، أما الفريق الثاني وفق تعريفه اللغوي للبدعة فيسميه بدعة حسنة على غرار تسمية الفاروق رضي الله عنه لجمع المسلمين على إمام واحد في قيام رمضان يصلي بهم عشرين ركعة نعم البدعة هذه ، ويحدث الخلاف بسبب اختلاف التعريف ، ولذلك قيل : كم للتعاريف من جناية على الألفاظ ، ( ب ) أن الكل متفق على خطورة البدعة بمفهومها الشرعي المذموم الإحداث في الدين بما ليس فيه ، وأنّه أخطر على الدين من الفسوق والعصيان ، لأنّ مآله إلى تغيير معالم الدين وتحريف شرائعه ، ( ت ) أنّ الذين لم يقسموا البدعة إلى حسنة وسيئة ، أخرجوا كل محدث له أصل في الدين من مسمى البدعة وجعلوا له مسمى السنّة الحسنة ، وكل محدث يؤول إلى خدمة الدين والشرع بالمصلحة المرسلة ، (  ث  ) أن الذين قسموا البدعة لم يتناسوا التعميم الحادث في قول الرسول ( كل بدعة ضلالة ) ، فإنهم وإن خصصوه بأدلة من الشرع ولكن جعلوه من العام الذي يشمل غالب البدع وأكثرها إلا ما كان له أصل من الدين يشهد له وهذا وفق تعريف الفريق الأول يخرج من معنى البدعة لأنهم جعلوا من شروط البدعة أن لا يكون لها اصل من الدين ، (  ج  ) أن الدين تام كامل بأصوله وقواعده وليس بجميع الفروع والجزئيات إذ ليست محصورة ولم يقل بهذا فقيه قط والدين صالح لكل زمان ومكان والمحدثاث مستمرة لا تتوقف والفقه في الدين أن تعرض المحدثات على اصول الدين وقواعده  فما كان له أصل من الدين كان سنة حسنة وما ليس له أصل كان بدعة سيئة ، ( ح ) أن تطبيق القواعد الفقهية المقيدة والضابطة لمصطلح البدعة عند الفريقين سيؤول إلى نفس النتيجة عند تطبيقها التطبيق الصحيح على أرض الواقع ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ، فالفريق الذي جعل كل محدثة بدعة ضلالة ، وضع لها القيود الهادية فلا تكون المحدثة بدعة ضلالة إلا بشروطها ، وأول تلك الشروط أن يكون مجالها في الدين ، فالابتداع لا يكون إلا في الدين ، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع ، والثاني : أن لا يكون لها أصل في الشرع يحث عليها ، فإن كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة بالاصطلاح المقصود ، وعلى ذلك فكل محدث له دليل مقبول من الكتاب والسنة فلا يكون بدعة بل قد يكون سنة وفعل خير يؤجر عليه ، أو يكون مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة ، والفريق الذي قسّم البدعة إلى حسنة وسيئة ، وضع لها القيود الهادية في المسالة فلا تكون المحدثة بدعة حسنة إلا بضوابط وشروط لابد منها ، تجعلها مقبولة في ميزان الشرع ، مندرجة تحت غطائه ، وليس الأمر بالتشهي ولا باتباع الهوى ، وهؤلاء الفقهاء وضعوا شروطا ثلاثة فلا تكون المحدثة بدعة حسنة إلا بهذه الشروط التي استنبطوهما من فقه الكتاب والسنة هي : الاول : أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة ، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها ، أو أمر عام من أوامرها ، وهذا الشرط مجمع عليه بينهم حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه ، والثاني : أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة ، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين.  فإذا صادمت سنة من سنن الدين أو أدت إلى تغييرها صارت بدعة مذمومة ، والثالث : أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير ، وبالنظر إلى ضوابط الطرفين من الفقهاء الذين في مجملهم يمثلون أهل السنة والجماعة ، وعند التزام تلك الضوابط فلن يكون هناك خلاف حقيقي بين الطرفين إلا في أذهان المتنطعين أو المتساهلين ،  ومع تطبيق تلك الضوابط المقيدة للبدعة عند كلا الطرفين وفقه مسائلها تقترب وجهات النظر إلى حد كبير ويضيق الخلاف في فروع البدعة ويؤول إلى خلاف فقهي ناشئ عن اجتهاد معتبر للمصيب فيه أجران وللمخطئ فيه أجر واحد ، ومع جمع الضوابط الفقهية للبدعة تتضح الصورة أكثر وتظهر الحلقة المفقودة بين الطرفين وتتواصل سلسلة الود والتفاهم بين كافة أطراف أهل السنة ، وبالتالي تتوحد جهود علماء أهل السنة والجماعة نحو محاربة البدع الأصلية التي تأخذ بأصحابها نحو الضلالة واستحقاق النار كبدع الخوارج والروافض والمرجئة والمشبهة والمجسمة والقدرية والجبرية والجهمية وغيرها من الفرق الضالة ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ،  اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ،

****

 

الدرس الخامس : أخلاق المسلم مع دين الإسلام : الانتساب إلى جماعته الناجية ( أهل السنة والجماعة )

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، إنّ من أوجب أخلاق المسلم مع دين الإسلام الانتساب إلى جماعته الناجية ( أهل السنة والجماعة ) : والبراءة مما يخلفها من الفرق ، لأنها فرق ضالة تقع تحت الوعيد بالنار ،  أنه لا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنة والجماعة للأسباب التالية : [ أولا ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في القرآن أول مصادر الدين ، [ ثانيا ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في السنّة ثاني مصادر الدين ، [ ثالثا ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين ، [ رابعا ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في باب التخصص العلمي ، [ خامسا ] : هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين ، [ سادسا ] : هم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق  الصحيحة ، [ سابعا ] : هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه ، لهذا لا يكون إطار الجماعة الناجية إلا إطارهم العلمي والعملي والأخلاقي والسلوكي ، وأشرع إن شاء الله تعالى في تفصيل تلك الأسباب السبعة العريضة التي من خلالها نعلم لماذا لا تكون الفرقة الناجية إلا أهل السنة والجماعة سواد اهل الإسلام الأعظم ، أقول وبالله التوفيق : 

[ السبب الأول  ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في القرآن أول مصادر الدين :   لماذا ؟ ، لقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم على الرسول منجما مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على سبعة أحرف وهي لهجات قبائل العرب آنذاك تيسيرا لحفظه  ،  ولم يُجمع القرآن الكريم في السطور كاملاً في عهده صلى الله عليه وسلم بل كان محفوظاً في صدور الصحابة رضي الله عنهم ، وكانت أجزاء منه قد كُتبت على الرقاع ، وأُخرى على أغصان النخيل، والأحجار، وما تيسر من وسائل الكتابة في ذلك العصر ، وحفظ القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كثير من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة : أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، وعبد الرحمن بن عوف ، والزبير بن العوام ، ومعاذ بن جبل ، وأبي بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن مسعود ، وحذيفة بن اليمان ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وأبو هريرة ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمرو ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الزبير ، وأبو الدرداء ، وأنس بن مالك ، ومن أمهات المؤمنين عائشة وحفصة وأم سلمة ، وانتقل الرسول إلى ربه ، وكان أكثر هؤلاء حضروا العرضة الأخيرة على النبي صلى الله عليه وسلم ، ولما كثر القتل في القراء في اليمامة ، وخشي عمر على القرآن نصح أبي بكر بجمعه ، فكلف زيد بن ثابت بجمعه فجمعه ، ثم لما مات أبو بكر أخذ هذه النسخة عمر ، ثم لما مات عمر صارت النسخة إلى أم المؤمنين حفصة ولما آلت الخلافة لعثمان بن عفان رضي الله عنه ، واتسعت الفتوحات الإسلامية  وانتشر الصحابة في البلاد المفتوحة يعلمون الناس القران كل بقراءته ، ولما لاحظ الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان اختلاف المسلمين في القراءة ، أخبر الخليفة بذلك ، فأمر عثمان بجمع المصحف على حرفٍ واحد ، وأرسل إلى حفصة بنت عمر بأن تسمح له باستخدام المصحف الذي بحوزتها ليجمع القران منه، شَكل عثمان بن عفان لجنة لكتابة المصحف تضم : زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، ثم دفع إلى زيد بن ثابت والقرشيين الثلاثة المصحف الذي كان عند حفصة بنت عمر، وأمرهم بنسخ مصاحف منها،  لتوحيد القراءة وأمر أن توزع على بلاد المسلمين، كما أمر بإحراق ما يخالف هذا المصحف ، وعلى ذلك فإن الذي كان له شرف جمع النسخة الأولى هو أبو بكر بإشارة من عمر ، والذي كان له شرف النسخ منه وتعميم النسخ على الامصار هو عثمان ، وبعد تعميم المصاحف العثمانية على الأمصار ، ظهرت مدرسة القرآن وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم القراء ، وتفرعت وتعددت مجالاتها ، وظهرت داخلها علوم القراءات ، وكان من ثمرتها حفظ القرآن عضاً طرياً كما أُنزل ، وصار أهل السنة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته ، لا يشاركهم  في جمع القرآن وضبطه غيرهم من فرق الإسلام ، وجميع فرق المسلمين عالة عليهم في القرآن وعلومه ، وصار لهم في القرآن قراءات عشر متواترة السند موصولة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، منها سبع قراءات مشهورة , 1- ( قراءة نافع ) : وهو إمام المدينة في القراءة ، وكان إذا تكلم يُشم من فمه رائحة المسك ، فقيل له : أتتطيب كلما جلست للإقراء ؟ فقال : لا أمسّ طيبا ، ولكني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يقرأ في فيَّ  ، وقد أشار إلى هذا صاحب الشاطبية بقوله : فأما كريم السر في الطيب نافع فذاك الذي اختار المدينة منزلا ، وراوياه هما : [ قالون ] ، و [ ورش ] ،  2 - ( قراءة ابن كثير ) : هو عبد الله بن كثير بن عبد المطلب القرشي ، إمام أهل مكة في القراءة ، وراوياه هما : [ البَزي ] ، و [  قُنبل ] ، 3-  ( قراءة أبي عمرو البصري ) : وراوياه هما : [ الدُوري ] و [  السُوسي ] ، 4 - ( قراءة ابن عامر الشامي ) : انتهت إليه رئاسة الإقراء في الشام ، وراوياه هما : [ هشام بن عمار]  ، و [  ابن ذكوان ] ،  5 - ( قراءة عاصم )  : هو عاصم بن أبي النجود ، كان من أحسن الناس صوتا بالقرآن ، وراوياه هما : [ شعبة ] ،  و [ حفص ] : وهو حفص بن سليمان بن المغيرة ، كان من أعلم الناس بقراءة عاصم ، ومعظم المسلمين في العالم يقرءون القرآن برواية حفص عن عاصم  ، 6 - (  قراءة حمزة الكوفي ) ، وراوياه هما : [ خلف] ، و [ خلاد ] ، 7 - (  قراءة الكسائي ) : وهو إمام النحاة الكوفيين ، وراوياه هما : [ أبو عمر الدُوري ] ،  و [ الليث بن خالد ] ، فهؤلاء هم القرآء السبعة وجميعهم من أهل السنة والجماعة ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب القرآن فهم الذين جمعوه وهم الذين نسخوه وهم الذين قرؤوه ، ولا يستطيع مسلم أن يقرأ القرآن إلا ولهم عليه فيه منه ، وهم مرجعه في القرآن ومنه نعلم لماذا لا تكون الفرقة الناجية سوى أهل السنّة والجماعة ، أهل القرآن وخاصته ، 

[ السبب الثاني ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في السنّة ثاني مصادر الدين  :  كان الصحابة حريصون على حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان من أكثرهم رواية لحديثه صلى الله عليه وسلم  سبعة من الصحابة هم أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي ،  وعبد الله بن عمر ، وأنس بن مالك الأنصاري ، وأم المؤمنين عائشة ، وعبد الله بن عباس ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ،  وأبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري ، وتتلمذ على أيدي هؤلاء طلاب علم الحديث من التابعين ، وظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث ، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل ، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل ، وكان من أعلامها المتخصصين في علم الحديث : البخاري ، ومُسْلِم ، أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ،  والأعلام المتخصصين في الجرح والتعديل وعلم الرجال مثل شُعْبة بن الحجَّاج ، ويحيى بن سعيد القَطَّان ، وعبدالرحمن بن مهدي ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المَديني ، والإمام أحمد بن حنبل ، وأبو زرعة الرازي ، وأبو حاتم الرازي ، وابن أبي حاتم ، فهؤلاء وأمثالهم ومن جاء بعدهم من تلامذتهم هم المرجع في علم الحديث وعلم الجرح والتعديل وعلم الرجال وعلم مصطلح الحديث ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب السنّة وحفظ السنّة  ، ومنه نعلم لماذا لا تكون الفرقة الناجية سوى أهل السنّة والجماعة ، سواد اهل الإسلام الأعظم ،

[ السبب الثالث ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين : الإجماع هو أحد مصادر التشريع الإسلامي وهو المصدر الثالث من المصادر الشرعية للأحكام عموماً بعد الكتاب والسنة ، وكان ظهوره بسبب القضايا المستجدة التي طرأت بعد وفاة الرسول فصار كونه مصدر ضرورة لابد منها، ولكون النبي حذر من الفرقة والاختلاف وحثّ على الاجتماع في أحاديث كثيرة ، ولا بد في الإجماع أن يستند إلى أصل من الكتاب والسنة، اللذان هما الوحيان والمصدران الأولان الأساسيان للتشريع ، وكان عصر الصحابة هو أول وأهم عصور الاجماع ، وكان الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم كان إذا عزبهم أمر جمعوا رؤوس الصحابة واستشاروهم في كل ما يستجد من أمر وما يطرأ من معضلة ودرسوا معهم الأمر دراسة يصدرون في أفعالهم عنها ، ومثال ذلك ما فعله أبوبكر الصديق فقد جمع الصحابة عند جمع القرآن وعند حرب المرتدين وفي الأراضي المفتوحة في الشام والعراق وبهذه السنة التي سنها كثر إجماع الصحابة في كثير من المسائل. وكذلك فعل عمر في عدة أمور منها ، وقوع الطاعون في الشام وعند انتخاب الخليفة بعده عندما طُعن وغيرها ، والطائفة الوحيدة التي تترضى على كل الصحابة بلا استثناء ويدخل فيهم بالضرورة كل آل البيت ، هم أهل السنة والجماعة ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب السنّة وحفظ السنّة  ، ومنه نعلم لماذا لا تكون الفرقة الناجية سوى أهل السنّة والجماعة ، سواد اهل الإسلام الأعظم ،

[ السبب الرابع ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في باب التخصص العلمي : في الفقه وفي العقيدة وفي التزكية ، أقول وبالله التوفيق ، بعد ضبط الصحابة لأهم مصادر الاستدلال الشرعية وهي القرآن والسنة والإجماع ، أقام كل صحابي من علماء الصحابة مدرسة لتعليم التابعين العلم ، وظهرت التخصصات العلمية الإسلامية ،  التخصص في علوم الفقه والشريعة ، التخصص في علوم أصول الدين والعقيدة ، التخصص في علوم التزكية والتربية والسلوك والأخلاق ،  ( أولا التخصص في الفقه ) احتاج المسلمون إلى تعلم أحكام الدين وأحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام ) فظهرت مدرسة الفقه ، وانتسب إليها طلاب العلم ، وعرفوا باسم الفقهاء ، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم أصول الفقه ، وكان من ثمرة التخصص فيها ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ، وقد سميت آراء هؤلاء الأئمة الأربعة ومن ذهب مذهبهم من الأئمة المجتهدين (( مذاهب )) ولم تسمى (( فرق )) ، وذلك لأنهم اتّفقوا على أصول الدِّين التي يؤدي الخلاف فيها إلى التفرق المذموم وظهور البدع والفرق الضالة في مقابل الفرقة الناجية ؛ وإنما كان الخلاف بينهم في الفروع : وهي المسائل الظنِّية من الدِّين، التي لا يمكن الاتفاق فيها على رأي واحد ، لأنها تخضع لعوامل عديدة واحتمالات كثيرة يصعب الاتفاق عليها جميعا ، والاختلاف فيها اختلاف تنوع وليس تضاد ، ولا يدخل في الاختلاف المذموم ، ولهذا سميت مذاهب فقهية في فهم فروع الدين ، وهذه المذاهب الأربعة - بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة - صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه ، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر ، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام ، وهل يستطيع طالب علم - اليوم - أن يطلب العلم دونما أن يلتحق بمدارسه ومعاهده وجامعاته المتخصصة ، لقد كان لكثير من علماء السلف الكبار الأوائل وأولهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم آراء فقهية عديدة ، استفادت منها جميعها المذاهب الفقهية الأربعة ، ولكن آراء الصحابي أو العالم  لا يصح أن يقال عنها مذهب لأنها لم تتناول جميع أبواب الفقه ، كما أنها لم تُخدم على يد علماء أفاضل يكونون بمثابة مدارس فقهية متخصصة تنتمي إلى هذا الصحابي أو العالم تصحح النقل عنه وتحمل مجمله على مفصله ومتشابهه على محكمه وعامه على مطلقه وهكذا ، فضلا عن أن هذه الآراء لم تشتهر ولم تنضبط ،فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه ، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها ، ولم يتيسر ذلك سوى للمذاهب الأربعة المشهورة التي شاء الله تعالى أن يجعلها أعمدة الفقه في بناء دين الإسلام ، لقد أصبحت المذاهب الفقهية الأربعة على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة ، مع العلم بأنّها ( المذاهب الفقهية ) عبارة عن اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا بل وعلى بقية الأئمة الذين انقرضت مذاهبهم ، ولكن الملاحظ أن أقوالهم دخلت في أقوال المذاهب الأربعة الجامعة تقريبا لفقه الدين الإسلامي ، وصارت هي مجال التخصص الفقهي عند أهل السنّة والجماعة ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب الفقه بالدين ، ومنه نعلم لماذا لا تكون الفرقة الناجية سوى أهل السنّة والجماعة ، سواد اهل الإسلام الأعظم ،  ( التخصص في العقيدة ) : استفحل أمر الفرق الضالة ، وأصول تلك الفرق الضالة المضلة المؤثرة في العالم الإسلامي أربعة هم ( الخوارج ) و ( الروافض ) و ( المعتزلة ) و ( الحشوية ) ، والتي كان أهم أسباب ظهورها هو الجهل بالدين ، أضف إلى ذلك الهوى الذي يجري من صاحبه مجرى الدم من العروق ، وأهم من ذلك كله تتبع المتشابه  الذي حذر منه القرآن الكريم بقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 } ، ففي هذه الآية وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وعلى ذلك  فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين ، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم ، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية ( المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان ، فإنّ تتبع المتشابه في آيات الإيمان أدى إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة التعطيل حتى نفوا صفات الله تعالى المحكمة ، وإلى ظهور الحشوية في جهة التجسيم ، ونسبة لوازم التجسيم من الحد والمقدار إلى ذات الله تعالى ، ولو عقلوا أنّ المحدود لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم ، ويجيزون عليه سبحانه الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه ، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما لأنهم أهل حشو لا أهل تخصص ورسوخ في العلم ، ومما يدل على ذلك أنهم يبدعون المؤولة ، ثم يتأولون  القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر ، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة ، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية ، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع ، لا فرق بين هذا وهذا إلا في أسقامهم التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود الملك في مملكته ، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة ، وهذا المكان هو العرش على ظنهم ، وأنّه بذاته فوق عرشه ، فأتو بلفظ ( ذاته ) من عند أنفسهم ، وجعلوا الاستواء حسيا ، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء ، وليس كمثل وجوده وجود ، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش ، وهو رب العرش ورب الكون ورب المكان والزمان ، والملك والملكوت ، ومهما كلمتهم في ذلك لا يفهمون ، ويظنون أنّك تحدثهم عن العدم ، ويقولون " لا يعقل " وهم لا عقول لهم يظنون المحسوس هو المعقول ، ولو تواضعوا للعلم لحظات على يد عالم بالأصول لفرقوا بين المحسوس والمعقول ، ولعلموا أنّ وجود الله معقول وليس محسوس لأنّه سبحانه منزه عن المحسوس لأن جميع ما هو محسوس أمامنا مخلوق والله هو خالق المخلوق تنزه عن مشابهة المحسوسات ، وخطر هؤلاء جسيم لأنهم يحشون أنفسهم في زمرة أتباع السلف والسلف من زيغ عقائدهم براء ، ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة ، وهم أهل الحشو والجفاء والبدعة ، أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة والرسوخ في العلم بهما ، وهم أبعد الناس عن روح عقائد التقديس والتنزيه التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة ،  ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية المتشابهة ، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم  ، ويمتحن الناس باعتقادها ، هل هذه سلفية ، أم حشوية ، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية ، خوفا من تتبع المتشابهات ، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها ، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم ، ثم ينسب ذلك إلى السلف ، وقد كان السلف الأوائل يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى ، بل الشيعة على بدعهم ، والخوارج على طوامهم يستحون من وصف الله تعالى بما يصفه به هؤلاء الأجلاف السفهاء ، من  نسبة الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله تعالى ، والكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ،  ومن المؤسف أنهم يواجهون العامة بهذا ، وليس لهم مستند في ذلك إلا التشبث بالمتشابهات ،  أما أهل السنة والجماعة المتخصصين في العقيدة ، فالعمدة عندهم في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى أحد صمد غني حميد ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ولا إلى مكان ولا إلى زمان ولا نحو ذلك ، ومحكمات القرآن تؤكد ذلك ، ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته إذ يقول في سورة الإخلاص ثلث القرآن : { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } أي لا نظير له بوجه من الوجوه ، ولا كفء له ولا شبيه ، منزه عن المثيل والكفء والشبيه والسمي : كقوله تعالى : { ليس كمثلِه شيء }  [ سورة الشورى :  11 ]، أي لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه ، وقوله تعالى : { وللهِ المثَلُ الأعلى } [ سورة النحل :60 ] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين ، ، وكقوله تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [ سورة النحل : 74 ]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وكقوله تعالى : {هل تعلمُ لهُ سميًّا) [ سورة مريم : 65 ] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وكقوله تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [سورة الأنعام :100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ، وكقوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه : 110] ولو كان له كفء أو شبيه أو مثيل لأحاطت به علوم البشر ، ومنه نعلم مخالفة ذات الله تعالى لجميع المخلوقات والموجودات والمحدثات ، ولما كانت جميع المخلوقات عبارة عن أجسام تتصف بالطول والعرض والحجم ، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه ، والأدلة على ذلك كثيرة جدا في الكتاب والسنة فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها  ، ولكن لجهل الحشوية بهذا العلم خاضت في هذا الباب بما نهى الله تعالى عته ، أخذوا بظواهر المتشابهات ، ثم تحزبوا عليها ، وامتحنوا الناس على أساسها ، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ، أما طريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق  في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه ، ورد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء  أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها ، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده ، قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ، هذا هو فعل المتخصصين الراسخين في العلم ، الشاهد ، لما استفحل أمر تلك الفرق احتاج المسلمون إلى أهل التخصص في العقيدة ، لبيان عقائد الفرقة الناجية ، والرد على الفرق الضالة ، فظهرت مدارس العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة ) : وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر ، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة ، وهم : الإمام أحمد ابن حنبل ، والإمام أبو الحسن الأشعري ، والإمام أبو منصور الماتريدي ، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم ، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة تجاه المخالفين ، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة ، وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة والجهمية والمرجئة ، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم ، وامتزجت علومهم ، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام ، ومسائل الإيمان والكفر ، ومسائل التوحيد والشرك ، ومسائل التقديس والتنزيه ، ومسائل الإتباع والابتداع ، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات ، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام ، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت ، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه ، وهي ( المدرسة الأثرية ) وعليها غالب فضلاء السادة الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، ( والمدرسة الأشعرية ) وعليها غالب علماء السادة المالكية والسادة الشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، ( والمدرسة الماتريدية ) وعليها غالب علماء السادة الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وهذه المدارس الفاضلة الثلاث تمثل أهل السنة والجماعة في باب العقيدة ، وعلماؤها هم أهل الفقه الأكبر في الدين ، وأهل العقيدة الصافية التي تقوم على أساس الكتاب والسنة ، والتفريق بين المحكم والمتشابه ، عملاً بقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 } ، ففي المحكم تقوم عقيدتهم على التصديق والتفسير والمعرفة والعلم والفقه في الدين ، لأن المحكم أصل العلم ، { مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ } ، وفي المتشابه : تقوم عقيدتهم ضوابط ربانية عظيمة تمنع من الزلل والإفراط والتفريط ، وتجعل طريقهم عدلاً وسطا بين المشبهة والمجسمة والحشوية ، وبين الجهمية والمعتزلة ، إنها ضوابط العلم الراسخ التي تقوم على : التقديس ثم التصديق ثم الاعتراف بالعجز ثم السكوت ثم الإمساك ثم الكف ثم التسليم ، أما التقديس: فهو تنزيه الله تعالى عن التشبيه والتمثيل والنقص والعجز والعيب ولوازمها ، وأما التصديق : فهو الإيمان بما قاله الله تعالى ، وبما صح من قول رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن ما جاء في الكتاب والسنة من المتشابه حق وصدق ، إلا أنه على مراد الله تعالى وعلى مراد رسوله صلى الله عليه وسلم ،  وأما الاعتراف بالعجز: فهو الإقرار بأن معرفة مراد المتشابه ليست على قدر طاقته ، وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته ، وأما السكوت: فهو عدم السؤال عن معناه ولا يخوض فيه ، ويعلم أن سؤاله عنه بدعة، وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينه، وأنه يوشك أن يكفر لو خاض فيه من حيث لا يشعر ، وأما الإمساك: فإن معناه عدم التصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى، والزيادة فيه والنقصان منه والجمع والتفريق، بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ وعلى ذلك الوجه من الإيراد والإعراب والتصريف والصيغة ، وأما الكف: فإن معناه أن يكف باطنه عن البحث عنه والتفكر فيه لأنه لا يقدره قدره ولا يعلم محاذير التصرف فيه ،  طبعا هذا كله حذرا من إتباع المتشابه الذي يؤدي إلى الفتنة كما في قوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، ثم لما كان الوقف - في الآية - محتملاً على لفظ الجلالة ( الله ) أو على قوله قوله تعالى ( والراسخون في العلم ) ، ولا سبيل للجزم بأيهما لأنه اجتهاد ، اتسع إطار أهل السنة والجماعة - لحكمة من الله تعالى ورحمة - ليسع الراسخين في العلم الذين يعلمون من قواعد التقديس والتنزيه القائمة على الكتاب والسنة ما يمنع من ولوجهم في الزيغ والزلل ، فيحملون الآيات المتشابهات على المعاني المحكمة التي تقبلها قواعد اللغة العربية ( لغة القرآن ) لصرف العوام عن التشبيه والتمثيل ، وللرد على طوائف المبتدعة الذين أوجب الله تعالى على أهل العلم الرد عليهم  ، دون الجزم بالمراد من المتشابه لأنه لا يعلم حقيقته إلا الله ، الشاهد اتسع إطار العقيدة الحقة الناجية التي عبرت عنها تلك المدارس الثلاث ( المدرسة الأثرية ) وعليها غالب فضلاء السادة الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، ( والمدرسة الأشعرية ) وعليها غالب علماء السادة المالكية والسادة الشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال - ، ( والمدرسة الماتريدية ) وعليها غالب علماء السادة الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها ، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف ، من هاجم مدرسة منها فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة وعلوم العقيدة ، ومنه نعلم لماذا لا تكون الفرقة الناجية سوى أهل السنّة والجماعة ، سواد اهل الإسلام الأعظم ،  ( التخصص في التزكية والإحسان ) : ( مع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية ، بدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها ، وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية ( التصوف ) ، وإثبات شرفه وجلاله وفضله ، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية ، وإذا كان أهل السنة والجماعة ( سواد المسلمين الأعظم ) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) كمدارس متخصصة في العقيدة ، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) كمدارس متخصصة في الفقه ، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة ، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [الشمس : 9-10 ] ، وهو الإحسان الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه : (( قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك")) [ أخرجه مسلم ] ، وأهله هم المتخصصون في علوم التزكية والإحسان ، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا ( بالصوفية ) فلا مشاحة في الاصطلاح ، والمهم المضمون في هذا الباب ، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن ، وهو العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته ، بطهارته من الحقد والحسد والكبر والعجب والرياء ودسائس الاخلاق ، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق ، والتصوف هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس ، وقد كان السادة الصوفية المتمسكون بالكتاب والسنة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان ، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ ( الطرق الصوفية ) ، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة ، والمتخصصة في التزكية والأخلاق ، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التزكية والإحسان ، ، ومنه نعلم لماذا لا تكون الفرقة الناجية سوى أهل السنّة والجماعة ، سواد اهل الإسلام الأعظم ، وبهذا التخصص العلمي الرصين : صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية ، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ، 

[ السبب الخامس ]  أهل السنّة والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين : أهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه ، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه ، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه ، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه ، وهم وسط في باب الإيمان بذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه ، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة  وآل البيت رضي الله عنهم  بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض ، ومن هذه الوسطية والاعتدال نعلم لماذا لا تكون الفرقة الناجية سوى أهل السنّة والجماعة ، سواد اهل الإسلام الأعظم

[ السبب السادس ] : هم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق  الصحيحة ، صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ، فقد أخرج الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة )) [ والحديث وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/ 356 وصحيح سنن أبي داود 3 / 869 ] ،  وأخرج الترمذي : عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) [ والحديث ذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي ح2 ص 334 وقال : الحديث حسن ح (2129 ) ] ، وأخرج أبو داود  : عن معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما قال : ألا إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال : (( ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق  على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة وهي الجماعة )) [ والحديث ذكره الألباني في السلسلة الصحيحة ح ( 204 ) 1/358 ، وفي صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ] ، وأخرج الإمام أحمد وابن ماجة عن انس ابن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم : (( إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة ، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة )) [ والحديث ذكره الألباني في صحيح سنن ابن ماجه 2/364 وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/359 ] ، وبعد : فهذه بعض روايات حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة ، وقد صحح روايات هذا الحديث جم غفير من أهل العلم بهذا الشأن منهم الترمذي والحاكم والذهبي والشاطبي والعراقي والسيوطي والألباني وغيرهم من المحققين كثير ،  لقد تمايز أهل الطائفة الظاهرة المنصورة والفرقة الناجية بمسمى (أهل السنة والجماعة) ، ( فأهل السنة ) : لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم ، واجتماعهم على تقديم الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان على الخليفة الراشد علي، والترضي عنهم جميعا ، رضي الله عنهم وأرضاهم ، وذلك في مقابل الشيعة الذين خالفوا هدى النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم ، والذين قدموا الإمام علي رضي الله عنه على الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم جميعا ، تقديم تنقيص واتهام لهما بسلبه حقه ، مخالفين بذلك إجماع الصحابة على تقديم الشيخين واتفاقهم على تقديم الخليفة الراشد عثمان على الخليفة الراشد علي رضي الله عنهم جميعا ، ثم لم يكتف هؤلاء الضالة بذلك ، حتى وقعوا في الصحابة وسفهوهم ، ثم آل بهم الغلو إلى تكفير الصحابة والحكم بردتهم جميعا إلا قليلا ، ( وأهل الجماعة ) : لاجتماعهم على الحق ولزومهم طاعة أولي الأمر وأئمة المسلمين وخلفائهم وحكامهم ما كانوا على الإسلام وأقاموا شرع الله تعالى ، وتحريم الخروج عليهم بالسيف إلا لكفر بواح للمسلمين فيه من الله تعالى ، وذلك في مقابل الخوارج الذين كفروا الإمام علي رضي الله عنه وقتلوه واستحلوا دماء المسلمين وأعراضهم من خلفه ، وعلى ذلك فهم أحق المسلمين بوصف (( ما أنا عليه وأصحابي )) ، في حديث :  (( وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) ، وهم احق الناس بوصف (( الجماعة ))   في حديث : (( ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق  على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة وهي الجماعة )) ، نعلم لماذا لا تكون الفرقة الناجية سوى أهل السنّة والجماعة ، 

[ السبب السابع ] : أهل السنة والجماعة هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه ، فقد أخرج الامام ابن ماجه فى سننه كتاب الفتن باب السواد الأعظم بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : " إن أمتي لا تجتمع على ضلالة ، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم " ، وأخرج الحاكم في المستدرك من حديث ابن عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبدا » وقال : « يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم ، فإنه من شذ شذ في النار » وأخرج الحاكم أيضا عن طريق أخر؛ عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا يجمع الله هذه الأمة - أو قال أمتي - على الضلالة أبدا ، واتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار )، وأخرج الحاكم أيضا عن طريق أخر؛ عن ابن عمر ، قال : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم ، قال : لا يجمع الله أمتي على ضلالة أبدا ، ويد الله على الجماعة هكذا ، فاتبعوا السواد الأعظم ، فإنه من شذ شذ في النار )، وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( لا يجمع الله تعالى هذه الأمة على ضلالة أبدا ويد الله مع الجماعة هكذا واتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار ) ، وأخرج الداني في السنن الواردة في الفتن ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يجمع الله أمتي أو هذه الأمة على ضلالة أبدا ، ويد الله على الجماعة هكذا ، اتبعوا السواد الأعظم ، فإن من شذ شذ في النار )، وأخرج الخطيب في الفقيه والمتفقه، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وفي حديث عبد الملك قال نبي الله صلى الله عليه وسلم - : « لا يجمع الله أمتي على ضلالة أبدا ، إن يد الله على الجماعة واتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار )، وأخرج الحاكم من حديث ابن عباس يحدث أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ: «لَا يجمع الله أمتِي - أَو قَالَ: هَذِه الْأمة - عَلَى الضَّلَالَة أبدا، وَيَد الله عَلَى الْجَمَاعَة، ) ، وقال الإمام العجلوني في كشف الخفاء: روى أحمد والطبراني في الكبير وابن أبي خيثمة في تاريخه عن أبي نضرة الغفاري رفعه : (( سألت ربي أن لا تجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها )) ، والطبراني وحده وابن أبي عاصم في السنة عن أبي مالك الأشعري رفعه : إن الله أجاركم من ثلاث خلال أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعا ، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق ، وأن لا تجتمعوا على ضلالة . ورواه أبو نعيم والحاكم ، ومن طريقه الضياء عن ابن عمر رفعه : إن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة أبدا ، وإن يد الله مع الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم فإن من شذ شذ في النار ، وروى الترمذي وابن أبي عاصم عن ابن مسعود موقوفا ( عليكم بالجماعة ، فإن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة ) ، وبالجملة فالحديث مشهور المتن وله أسانيد كثيرة وشواهد عديدة في المرفوع وغيره ، وقد اخذ به التابعون وكانوا كثيراً ما يطلقون على السنتهم هذا القول ، وكذلك الأئمة العلماء الأعلام ، ولا نجد سوادا أعظم من هذه الامة سوى ( أهل السنة والجماعة ) هم أهل السنة الذين يهتمون بسنة النبي صلى الله عليه وسلم أشد اهتمام ، وهم أهل الجماعة يحرصون عليها أشد الحرص ، وهم في مجموعهم يمثلون سواد المسلمين الأعظم والذي قارب اليوم المليار وسبعمائة مليون مسلم على وجه الأرض يزيد أهل السنة والجماعة فيهم على نسبة الثمانين بالمائة ، وهم الذين ينتسبون إلى السنّة ويلقبون باسمها ، دون من تسمى بغير اسمها كسائر الفرق الضالة الشيعة والخوارج والإباضية والمعتزلة والمجسمة وغيرها ، وهم ( أهل السنة والجماعة ) كل من اعتقد بصحة خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ، ويؤمنون بعدالة كل الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ويحبون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ،  وهم ( أهل السنة والجماعة ) : أهل القرآن تلاوةً وتدبراً وفهماً وحفظاً وتفسيراً ، وهم ( أهل السنة والجماعة ) : أهل السنة النبوية تدوينا وحفظا وتمسكا وهديا ، وهم ( أهل السنة والجماعة ) أهل الفقه في الدين ، ويأخذون الفقه عن المذاهب الأربعة المتخصصة في الفقه، وهم ( أهل السنة والجماعة ) : أهل الفقه الأكبر في الدين ، استقر لهم في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة ، ( الأولى ) : المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل وعليها فضلاء السادة الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم ، و ( الثانية ) : الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري حفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وعليها غالب علماء السادة المالكية والسادة الشافعية وهم سواء علماء أهل السنة والجماعة وجمهورهم الأعظم ، و ( الثالثة ) : الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي  حفيد الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وعليها غالب السادة الأحناف ، إلا من مال إلى حشو أو اعتزال ، ولا يمكن فصل إحدى تلك المدارس عن إطار أهل السنة والجماعة بحال ، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة [ سيتبين هذا الأمر في الرسائل المتتالية القادمة إن شاء الله تعالى بما لا يدع مجالا للشك في هذه القضايا المصيرية المتعلقة بأهل السنة والجماعة ] ،  وهم ( أهل السنة والجماعة ) يؤمنون بالكرامات للأولياء الصالحين ، ويأخذون بالكشف والإلهام الذين لا يعارضان القرآن والسنة ، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها المربون في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ ( الطرق الصوفية ) ، ومن أشهرها عند أهل السنة والجماعة الطريقة الرفاعية والطريقة الشاذلية والطريقة الدسوقية والطريقة البرهانية والطريقة القادرية والطريقة التيجانية ، وكلها تنتمي في أصولها العريضة إلى أهل السنّة والجماعة الناجية ، إلا من شذ ، ولا عبرة بالشاذ ، ونحن نتكلم على مجمل الداخلين في إطار أهل السنّة والجماعة الناجية إن شاء الله تعالى ، وبعد : فهذا هو الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة ، سواد المسلمين الأعظم ، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ، والنجاة في أحاديث التفرق لا تنطبق إلا عليهم  ، فإنهم الجماعة الناجية سواد أهل الإسلام الأعظم ، وإلى هنا أكون بحمد الله تعالى وصلت إلى نهاية تلك الحلقة ، وقد تناولت فيها بيان لماذا لا تكون الجماعة الناجية إلا أهل السنة والجماعة لا أحد سواهم ، وملخص تلك الأسباب : [ الأول ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في القرآن أول مصادر الدين ، [ الثاني ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في السنّة ثاني مصادر الدين ، [ الثالث ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين ، [ الرابع ] : كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في باب التخصص العلمي ، [ الخامس ] : هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين ، [ السادس ] : هم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق  الصحيحة ، [ السابع ] : هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم  ، اللَّهُمَّ انْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا , وَعَلِّمْنَا مَا يَنْفَعُنَا , وَزِدْنَا عِلْمًا يارب العالمين ، اللهم واجعل أعمالنا ونياتنا خالصة لوجهك الكريم ، 

****

 

الدرس السادس : أخلاق المسلم مع دين الإسلام : الحذر من الفرق المبتدعة في الدين

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول :  بيان الفرق الضالة المبتدعة في الدين :  [ صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها فرق مبتدعة على عقائد ضالة تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ناجية قائمة على الحق  ] ، وقد أخرج أحاديث الافتراق ورواياته المتعددة جم غفير من أئمة الحديث منهم الإمام أحمد في مسنده والأئمة أبو داود والترمذي وابن ماجه في السنن والحاكم في المستدرك وابن أبي عاصم في السنة والهيثمي في مجمع الزوائد والبغوي في شرح السنة ، وابن حجر في المطالب العالية ، والسيوطي في الجامع الصغير ،  وقد صحح روايات هذا الحديث جم غفير من أهل العلم بهذا الشأن منهم الترمذي والحاكم والذهبي والشاطبي والعراقي والسيوطي وغيرهم من المحققين كثير ، ومن روايات الحديث الدال على افتراق الأمة  :  ( أ ) أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة )) [ أخرجه الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه ، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/ 356 وصحيح سنن أبي داود 3 / 869 ، وصحيح سنن ابن ماجه 2 / 364 ] ،  ( ب ) أخرج الترمذي عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما قال : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ((  وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي )) [ أخرجه الترمذي كتاب الإيمان 5/ 26 ، وذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي وقال : الحديث حسن ح (2129 ) ] ، ( ت ) أخرج أبو داود عن معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما قال : ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال : (( ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق  على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة وهي الجماعة )) [ أخرجه أبو داود كتاب السنة 4/198 وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة ح ( 204 ) 1/358 ، وفي صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ، ]  ،

وأهم رؤوس البدع الضالة التي خالفت اهل السنّة والجماعة الناجية :  تتمثل في بدع التشيع ، والخروج ، و الاعتزال ، والحشو والتجسيم ، والارجاء ، ومن خلال تلك البدع ظهرت الفرق الضالة عن مذهب أهل السنّة والجماعة ، ومن كل فرقة منهم انشطر العديد من الفرق بعدد أفكار الضلال ، وتمايز عنهم أهل الفرقة الناجية باسم أهل السنة والجماعة ، كما أن هناك بدع خطيرة معاصرة تمثل خطرا على صفاء منهج أهل السنّة والجماعة وتمثل انحرافا عن منهجهم الصافي إلى مناهج أهل الضلال ، ومن ذلك  : بدعة الغلو في مسائل التكفير ، وكذلك بدعة الحشو عند الحديث عن ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، وبدعة الغلو في مسائل الشرك ، وبدعة الغلو في مسائل التبديع ،  

[  أبرز ضلالات الشيعة ] :  أهم أصول البدع الضالة عند الشيعة الروافض تتمثل في : المغالاة في الإمامة وجعلها أصل من أصول الاعتقاد وجعلها الأساس الأعظم الذي يبنى عليه دين الإسلام عندهم  ( والإمامة ) عند أهل السنة والجماعة الناجية : ليست من أصول الدين وأركانه ، ولكنها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به ، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على وجوب نصب الإمام ،  وأجمع أهل السنة والجماعة الناجية على أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الأمة عند موته دون أن ينص على إمام بعينه ، بل ترك للأمة حق اختيار من تراه أفضلها وأكفأها وأصلحها لهذا الأمر ، واتفق أهل السنة والجماعة الناجية على أن الشورى بين المهاجرين والأنصار آلت بهم إلى تفضيل الصديق أبي بكر رضي الله عنه واختياره خليفة للمسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم  ،  أما الإمامة عند الشيعة روافض الحق : فلها وضع عجيب غريب يمتلئ بالغلول والضلال ، إذ جعلوها أساس الدين الأعظم وركنه الأكبر ، وجعلوها الأصل الأول من أصول الاعتقاد وقدموها على الصلاة والزكاة والصيام والحج ، وجعلوها محور الخلود في الجنة أو الخلود في النار ثم هم مختلفون في أئمتهم أشد الاختلاف وأئمة الإمامية غير أئمة الزيدية غير أئمة الإسماعيلية وجميعهم شيعة الباطل ، ومن أصول الضلال عندهم : بُغض الصحابة والانتقاص من قدرهم وتكفيرهم وسبهم ولعنهم والبراءة منهم  وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الكرام البررة ، هم خير أصحاب الأنبياء وصفهم الله تعالى بالصدق والإخلاص ، حملوا دين الإسلام ونشروا رسالته إلى أرجاء الأرض ونصروا عقائده وشرائعه وأخلاقه ، وبسطوا سلطانه ورفعوا رايته ، عاشوا حياتهم كلها لله دعوة وحسبة وجهاداً ، يضحون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وفي سبيل مرضاته ، راجين رحمته وخائفين من عذابه ، امتدحهم الله تعالى في قرآنه الكريم ، أما الشيعة الإمامية يعتبرون عامه الصحابة كفاراً مرتدين وعلى رأسهم الخلفاء الراشدين أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ، وهم لا يكتفون بذلك بل يجعلون دينهم ودينهم سب الصحابة ولعنهم وشتمهم والدعاء عليهم وقد امتلأت كتبهم على بمئات النصوص التي تدل على معتقدهم الضال في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم ، ومن أصول الضلال عندهم : التشكيك في حفظ وصيانة القرآن الكريم ، حيث يقوم مذهب الرافضة الضال على تكفير الصحابة والبرآة منهم ، ولما كان للصحابة رضي الله عنهم الفضل الأعظم  بعد الله ورسوله  في تبليغ القرآن الكريم وفي جمعه وكتابته بين دفتي المصحف ، ولما كان القرآن الكريم تمتلئ آياته بالثناء عليهم والترضي عليهم ، كان الشيعة في مأزق عسير : إما أن يتوبوا إلى الله من ضلالاتهم ويجزموا بصحة القرآن وصيانته ويترضوا عمن ترضى عنهم القرآن وعمن حملوا لنا القرآن وحفظوه وجمعوه وبالتالي ينسفوا مذهبهم الباطل من أساسه ، وإما أن يكفروا الكفر البواح ويعلنوا أن القرآن الذي جمعه الصحابة وحفظوه وقد حرف وزيد فيه ونقص وحذفت منه آيات تنص على الولاية لعلي رضي الله عنه وحذفت منه آيات تفضح أولئك الذين قام المذهب على سبهم ولعنهم وتكفيرهم  ، ومن أصول الضلال عندهم : عدم اعترافهم بدواوين السنّة المشرفة  ، وقد دعاهم إلى إنكار السنة التي جمعها أئمة الحديث عند أهل السنّة والجماعة أسباب  أهمها : أنّهم يكفرون أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم  ولذلك فهم يشككون ، بل وينكرون كل حديث حمله أولئك الأصحاب عن النبي  صلى الله عليه وسلم  إلينا ، والنتيجة الحتمية لهذا الأمر أنهم ألغوا السنة النبوية بكاملها وألغوا كافة أثارها إذ لم يحمل إلينا السنة سوى الأصحاب الكرام البررة رضي الله عنهم ، والسبب الثاني : أنّهم يضللون كل من يقدم الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على الإمام علي رضي الله عنه ، ولذلك فهم يضللون الحفاظ المحدثين الذين سجلوا حديث النبي  صلى الله عليه وسلم  وحفظوه لمن بعدهم وإلى قيام الساعة ، والشيعة ينكرون كل حديث صدر منهم ، ولذلك نجدهم يكذبون حديث النبي  صلى الله عليه وسلم الموجود في كتب الحديث التي تلقتها الأمة بالقبول لاسيما ما وجد منها في الصحيحين البخاري ومسلم ثم ما تلاهما من كتب الحديث كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وما تلاها من المستدركات على الصحيحين والمسانيد والجوامع ، وهم ينكرون كل هذه الأحاديث ، ولذلك لم يبق لهم من علم الحديث شيء وصار واقعهم العملي الحقيقي هو إنكار سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيبها ، ومن أصول الضلال عندهم : وقوع الشيعة الإمامية  في مسالك التدسيه وسوء الأخلاق ، وأسباب ذلك : استحلالهم السب والشتيمة واللعن على صحابة النبي  صلى الله عليه وسلم  الكرام البررة واستحلالهم السب والشتيمة على عامة المسلمين إلا من كان على نفس ضلالهم ، وهذا المعتقد عندهم سهل الشتيمة على ألسنتهم حتى صار اللعان والسباب صفة متأصلة تملأ صدورهم ، واستحلالهم دماء وأموال وأعراض مخاليفهم لا سيما من أهل السنة السائرين على هدي النبي  صلى الله عليه وأصحابه الكرام البررة ، واستحلالهم الكذب والتدليس والنفاق في صورة التقية التي جعلوها تسعة أعشار الدين وجعلوها ركن الإيمان ، واستحلالهم الزنا في صورة المتعة حتى أنهم من خلالها أعاروا الفروج وغرقوا في الفاحشة ، وضاعت غيرتهم وصاروا لا خلاق ولا أخلاق ، نسأل الله العافية ،

[  أبرز ضلالات الخوارج ] :  الخوارج على اختلاف فرقهم ومذاهبهم تكاد تجمعهم مخازي مشينة ومعتقدات ضالة تنبئ عن غلوهم وتنطعهم وصدق ما وصفهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من سفاهة عقولهم وتمكن الأهواء من قلوبهم ومروقهم من الدين بسرعة وعجلة ، ومن هذه المعتقدات الضالة :  ( أ ) غلوهم في الإمامة : فيشترطون في الإمام أن يكون على نفس معتقدهم وإلا كفروه واستحلوا دمه وأوجبوا الخروج عليه  ، ويشترطون فيه أن يكون قدوتهم في العبادات التي غالوا فيها وأوجبوها على أنفسهم مع أنها رغبة عن سنة النبي  صلى الله عليه وسلم  ، ويشترطون فيه أن يكون خالياً مبرئا من اللهو محب المعاصي وكأنهم يريدون نبياً يحكمهم ووالله لو كان نبياً لخرجوا عليه ، ويشترطون في صحة إمامته أن تكو بيعته بإجماعه ويرضى كافتهم لا يغني بعضهم عن بعض  ، ونظراً لهذه المعتقدات الضالة في الإمامة فإن إمامهم لا يكون إلا أشد منهم تنطعاً وغلواً وإلا عاش بينهم مذعوراً ينتظر متى يخطئ أدنى خطأ حتى يكفروه ويخرجوا عليه مستحلين دمه وعرضه وماله ، ( ب ) غلوهم مع أهل القبلة : يكفرون أصحاب الكبائر من أمة الإسلام ، ويقولون كل ذنب مغلط كفر وكل كفر شرك وكل شرك فهو عبادة للشيطان ، ومرتكب الكبيرة كافر مشرك عابد للشيطان ، ويحكمون صاحب الكبيرة إذا مات عليها أنه خالد مخلد في النار أبداً كالكفار الجاحدين بالله وملائكته وكتبه ورسله ويومه الآخر ، ويقولون إذا كفر الرجل كفرت نساؤه وأولاده ويحكمون بانهم مع آبائهم في النار ، والكافر حلال الدم والعرض والمال ولذلك فهم يستحلون دماء وأموال وأعراض من يكفرونه من أهل القبلة ، وقلما ينجو من تكفيرهم مسلم موحد ،  ( ت ) غلوهم في حق أنفسهم : يقرون لأنفسهم بالإيمان ويشهدون لأنفسهم بالجنة ، ويشهدون على مخالفيهم بالكفر وبالنار  ، يعتبرون دارهم دار هجرة والقاعد عن الهجرة إليهم  حتى وإن كان على مذهبهم  كافر ينبغي التبرؤ منه حتى يهاجر إليهم ، يعتبرون دارهم دار إسلام وتوحيد ودار الإسلام على مذهبهم  توليناه وتبرأنا من أطفاله حتى يدركوا فيعرضون عليهم الإسلام ، ولا يحكمون عليهم قبل ذلك بإسلام ولا كفر ، فهذه صور من غلو الخوارج وبالطبع فليست بإجماع منهم ولا اتفاق إذ المعروف عـن الخوارج أنهم فرق عديدة تمكنت منها أهواؤها ويميز كل فرق منهم بإعجابه برأيه واتباع هواه ، فأدى ذلك إلى اختلافهم في عقائدهم حتى داخل الفرقة الواحدة ، ولو ألقيت على جماعة منهم سؤلاً واحداً في الاعتقاد لربما انقسموا على أثره إلى فرق عديدة بعدد وجوه إجابة السؤال فنسأل الله السلامة ،

[  أبرز ضلالات المعتزلة ] :  المعتزلة فرقة واسعة الانتشار بأفكارها الضالة إذ يظن البعض ممن لا دراية له أن المعتزلة فرقة ضالة ظهرت في القرن الثاني الهجري ثم اندثرت بعد ذلك وهذا خطأ بين إذ أن كثير من العقلانيين  اليوم  ما هم في حقيقة أمرهم إلا معتزلة ، وكذلك فلا تنسى أن الشيعة الزيدية والشيعة الإمامية  هؤلاء جميعاً هم معتزلة في الأصول ، ومن أصول الضلال الضلال عند المعتزلة : الأصل الأول عندهم : يسمونه التوحيد وهو في حقيقته إفراط في باب التنزيه على حساب الإثبات وخوض في صفات الله تعالى بما لا ينبغي : وهذا الأصل يبحثون فيه مبحث صفات الله تعالى وما يجب له تعالى وما يستحيل في حقه سبحانه وقد وصلوا من خلال هذا المبحث إلى نفي جميع صفات الله تعالى من العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وأنه سبحانه لم يكن له في الأزل اسم ولا صفة ، ووصلوا من خلال هذا الأصل إلى نفي رؤية الله عز وجل في الدار الآخرة مع أنها ثابتة بإجماع أهل السنة بأدلة تقرب من التواتر صحة وثباتاً ،  والأصل الثاني عندهم : يسمون العدل وهو في حقيقته نفي القدر والتكذيب به ، وهذا الأصل يبحثون فيه أفعال الله تعالى وقد راموا في هذا المبحث نفي الظلم عن أفعال الله تعالى فوقعوا في وصفه سبحانه بالعجز  تعالى الله عن ضلال المعتزلة علواً كبيراً  ومن ضلالاتهم المتعلقة بهذا الأصل : أنهم يرون أن أفعال العباد فيهم ، وأن الله  تعالى لم يخلقها ، وإنما هم الخالقون لها والمحدثون لها ، ويرون أن من قال : أن الله  تعالى  هو خالق أفعال العباد فقد عظم خطأه لأنه نسب إلى الله تعالى الجور والظلم ، ونسب إليه فعل القبيح لأن أفعال العباد أكثرها قبيح  ، ويرون أن الله تعالى لا يضل من يشاء ، ولا يذل من يشاء ،  ويرون أنه إذا شاء الله عز وجل الهداية لإنسان وشاء هو لنفسه الضلالة غلبت مشيئة الانسان لأنه هو الخالق لأفعاله ، والأصل الثالث عندهم : ويسمونه الوعد والوعيد : وهو في حقيقته حجر لرحمة الله الواسعة التي وسعت كل شيء ، ونفي لعفو الله عز وجل لعباده العاصمين لأصحاب الكبائر من أمة النبي  صلى الله عليه وسلم  ، وتحكم غير صحيح في مشيئة الله تعالى الذي إن شاء عذّب وإن شاء عفى ، والأصل الرابع عندهم : ويسمونه المنـزلة بين المنـزلتين : وهو في حقيقته نفي مطلق الإيمان عن أصحاب الكبائر وجعلهم في منزلة بين الإيمان والكفر فلا يأخذون اسم أحدهما ولا حكمة ، ومن ثم مضاهاة الخوارج في الحكم عليهم بالخلود الأبدي في النار خلود الكافرين ، والأصل الخامس عندهم : ويسمونه الأمر بالمعروف والنهي علن المنكر : وهو في حقيقته تهيئة الأجواء للخروج على الحاكم المسلم العاصي أو الفاسق وإثارة الفوضى والهرج والمرج وسفك دماء المسلمين ، وذلك لأنهم يرون الخروج على الحاكم العاصي أو الفاسق لأنه عندهم لا هو مسلم ولا هو كافر وإنما هو في منـزلة بين المنـزلتين وأنه في الآخرة خالد مخلد في النار مع الكافرين ،

[ المجسمة فرقة من الفرق الضالة التي تنتسب إلى الإسلام ] :  تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم ، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها ، و ( الجسمية ) دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ، وهي تعني صفات وخصائص يستحيل نسبتها إلى الله منها الحد والمقدار فإن لكل جسم حد ومقدار والله تعالى منزه عن الحد والمقدار ، والجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه ، والجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث ، الجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو { الغني } له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ، والجسم مادة ، وذات الله تعالى لا تسري عليه قوانين المادة ، لأنّ المادة مقهورة بقوانين الحد والمقدار والكون في مكان وأن يجري عليها زمان وأن يكون لها حجم وكتلة ولون وشكل وصورة وغير ذلك مما هي مقهورة عليه لا انفكاك لها منه ، وأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بتلك القوانين ، ولكنّه هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء ،  فلا تسري عليه مفاهيم الأجسام ، ولا الصور والأشكال ، لأنّه ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه ، والجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ، وقوله تعالى {هل تعلمُ لهُ سميًّا} [سورة مريم : 65] قال المفسرون هل تعلم له سميا أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل له مثلا سبحانه وتعالى عما يصفون ، وقوله تعالى {وللهِ المثَلُ الأعلى}  [سورة النحل:60]  قال المفسرون  أي له سبحانه الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، ومعنى ذلك أنه لا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الجسمية ولوازم الجسمية ، وقوله تعالى { فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل:74]، قال المفسرون أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى منزه عن الشبيه و المثيل ، فلا ذاتُه يشبه الذوات ولا صفاتُه تشبه الصفات ، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل ذاته تشبه الذوات سبحانه وتعالى عما يصفون ، وقوله تعالى { فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } [سورة البقرة : 22] ، والند هو المثيل والشبيه ولو كان جسما لكان له أنداد والعياذ بالله من التشبيه والتمثيل ، وقوله تعالى {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد } من أعظم الدلائل على تنزيه الله تعالى عن الجسمية فقوله تعالى ( أحد) يدل على نفى الجسمية لأن الجسم أقله أنه يكون مركباً من جوهرين وذلك ينافى الوحدة ولما كان قوله { أحد} مبالغة في الواحدية كان قوله { أحد } منافي للجسمية وقوله تعالى { الله الصمد } فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس بجسم لأن كل جسم مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمداً و لو كان مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً فعلم من ذلك تنزهه سبحانه عن الجسمية ولوازمها ، وأما قوله تعالى { ولم يكن له كفواً أحد } فهذا أيضاً يدل على أنه ليس بجسم لأن الأجسام متماثلة فلو كان تعالى جسما لكان مثلاُ لجميع الأجسام فكان كل واحد من الأجسام كفؤاً له فثبت أن هذه السورة من أظهر الدلائل على أنه تعالى منزه عن الجسمية  ، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى { والله الغنى وأنتم الفقراء }دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان جسماً لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ، وقوله تعالى { لا إله إلا هو الحى القيوم ؤ والقيوم مبالغة فى كونه غنياً عن كل ما سواه ، وكونه مقوماً لغيره ، فلو كان جسماً لكان هو مفتقراً الى أجزائه ،  وحينئذ لا يكون قيوماً بإطلاق ، وقوله تعالى : { القدوس السلام } والقدوس عز وجل هو المنزه عن كل ما ينافي كماله سبحانه في ذاته وصفاته وأفعاله والقدوس هو المنزه عن النقائص والعيوب والقدوس هو المنزه عن أن يكون له مثيل أو شبيه  ، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى { هو الله الخالق البارئ المصور} والخالق هو المقدِرُ المنزه في ذاته عن الحد والنهاية والمقدار  ، ولو كان تعالى جسماً سبحانه لكان مقدَراً متناهياً محدوداً ولو كان متناهياً محدوداً لكان مخلوقا وليس خالقا ، سبحانه هو وحده الخالق البارئ المصور سبحانه وتعالى عما يشركون ، وقوله تعالى { هو الأول والأخر والظاهر والباطن } يقتضى أن يكون منزها عن الجسمية لأن الجسم حادث مؤلف من أجزاء تسبق وجوده فلا يكون الجسم أولا أبدا ، ( والظاهر والباطن ) معنى الباطن الذي لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال ، ولو كان جسماً لما أمكن وصفه بأنه لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال ، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى { وإذا سألك عبادي عنى فإني قريب } ولو كان تعالى جسما لكان قربه حلولا واتحادا بمخلوقاته من سائر الأجسام حاشاه سبحانه من هذا الكفر ولا يبقى لنا سوى تنزيهه سبحانه عن الجسمية وهو الصحيح الذي لا مناص من اعتقاده ، وقوله تعالى  { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [سورة ق : 16] ولو كان تعالى جسما لما صح القول بأنه تعالى أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد إلا على سبيل الاتحاد والحلول بين الأجسام أو التنزيه عن الجسمية ولوازمها من التحيز والاتحاد والحلول ،

[ أبرز ضلالات المرجئة ] :  الإرجاء صفة وعلامة على فرقة ضالة في الاعتقاد وهي المرجئة وإرجاء هؤلاء معناه تأخير العمل عن مسمى الإيمان ، فلا يجعلون الأعمال داخلة في مسمى الإيمان ، و ( المرجئة ) يخرجون أعمال الجوارح عن مسمى الإيمان ، ولهم مقالات تدل على إهمال قيمة عمل الجارحة بالكلية منها قول بعضهم ( لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع من الشرك طاعة ) وقول بعضهم ( المعصية لا تضر صاحب التوحيد ) وقول بعضهم ( لا يدخل النار مؤمن ) ويقصدون بالمؤمن كل من قال لا إله إلا الله معتقداً لها مهما أتى من الذنوب والآثـام ، وأهل السنة يقولون لا يخلد في النار مؤمن ، والفارق بينهما عظيم فالمرجئة يقولون بعدم دخوله النار ابتداءً وهذا إهمال عظيم لعمل الجوارح وإهدار عظيم للطاعات واستهتار واضح بالمعاصي والذنوب ، أما أهل السنة فيقولون بأنه في المشيئة ويدخل فريق منهم النار يقيناً لأنه قد صحت بذلك الآثار ، ويمكثون في النار ما شاء الله ، إلا أن أهل التوحيد لا يخلدون في النار خلود الكفار الجاحدين المكذبين ، ومن أصول الضلال التي قام عليها الإرجاء : الأصل الأول : الإيمان أصله وفرعه وجميعه لا يخرج عن القلب ولا يتعداه إلى الجوارح وأعمال الجوارح ليست من الإيمان ، وإن نسيت إلى الإيمان فهي نسبة مجازية وليست حقيقية لأن الإيمان في القلب لا يتعداه إلى غيره ، وهذا الأصل يكاد يجمع غالب فرق المرجئة  ، والأصل الثاني من أصول الضلال عند المرجئة : الخطأ في فهم الإيمان وظنهم أنه حقيقة واحدة لا تقبل التجزئة فإما أن توجد وإما أن تنتفي ولهذا جردوه عن الأعمال وقالوا لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، والأصل الثالث من أصول الضلال عند المرجئة : إهمال قيمة عمل الجوارح بالكلية وعدم الاعتداد به ، وبالتالي فالنتيجة الحتمية لذلك هي إهمال أداء الواجبات وإهمال قدرها ، والاستهانة بالمعاصي والاجتراء عليها ، وقد بدا هذا الخلل العظيم واضحاً في مقولات المرجئة : فمنهم من يقول : ( الفاسق مؤمن مستكمل الإيمان إيمانه كجبريل وميكائيل وإن لم يعمل واجباً قط وإن لم يدع كبيرة قط ) ، ومنهم من يقول : ( فساق أهل القبلة لا نطلق عليهم اسم الفسوق ولكن نقول فسق في كذا وكذا ) ، ومنهم من يقول : ( لا يدخل من أهل التوحيد أحد النار أبداً ) ، ومنهم من يقول : ( النار محرمة على أهل لا إله إلا الله )  ، وهكذا من الأقوال التي يبدو فيها الخلل واضحاً في إهمال قيمة الطاعات وأداء الواجبات والكف عن المحرمات ، والأصل الرابع من أصول الضلال عند المرجئة : زعمهم أنه ما دام الإيمان في القلب فلا يكفر صاحبه مهما أتى به من أعمال الكفر الظاهرة ، فمن سجد للصنم أو سب الدين أو استهان بالدين أو أهان المصاحف فهذه الأعمال عندهم لا تضر صاحبها وهو مؤمن كامل الإيمان ما كان في قلبه التصديق وعلى لسانه الإقرار

[ أبرز ضلالات الجهمية ] :  الجهمية فرقة ضالة يقوم ضلالها على : الأصل الأول : تعطيل الأسماء والصفات ونفيها عن الله عز وجل ، والأصل الثاني : القول بالجبر في باب الإيمان بالقدر ، والأصل الثالث : القول بالإرجاء الغالي في باب الإيمان وهو أنه يكفي المرء في الإيمان مجرد المعرفة ، والأصل الرابع : القول بفناء الجنة والنار ، والأصل الخامس : إنكار أكثر الأخبار الواردة في أمور اليوم الآخر كإنكار الصراط والميزان ورؤية الله تعالى وعذاب القبر ، وبعد ، فتلك أصول البدع المخرجة عن إطار أهل السنّة والجماعة إلى أُطر الفرق الضالة وتتمثل في بدع الرفض والتشيع ، والخروج ، والاعتزال ، والتجسيم ، والارجاء ، والتجهم ومن خلال تلك البدع ظهرت الفرق الضالة عن مذهب أهل السنّة والجماعة ، ومن كل فرقة منهم انشطر العديد من الفرق بعدد أفكار الضلال ، وتمايز عنهم أهل الفرقة الناجية باسم أهل السنة والجماعة ، على اني يلزمني ال

( تنبيه ) إلى أن : هناك بدع أخرى معاصرة خطيرة تمثل خطرا على صفاء منهج أهل السنّة والجماعة وتمثل انحرافا عن منهجهم الصافي إلى مناهج أهل الضلال ، ومن ذلك  : بدعة الغلو في مسائل التكفير ، وكذلك بدعة الحشو عند الحديث عن ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، وبدعة الغلو في مسائل الشرك ، وبدعة الغلو في مسائل التبديع ، فهذه الأربعة بدع خطيرة معاصرة تمثل خطرا على صفاء منهج أهل السنّة والجماعة وتمثل انحرافا عن منهجهم الصافي إلى مناهج أهل الضلال ،

[ بدعة الغلو في مسائل التكفير ] :  بدعة الغلو في مسائل التكفير تمثلها جماعات الغلو في التكفير  : هي جماعات غالية نهجت نهج الخوارج في تكفير أهل القبلة من المسلمين بالذنوب والمعاصي  ، والتكفير عنصر أساسي في أفكار ومعتقدات هذه الجماعات  فهم يكفرون الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله بإطلاق ودون تفصيل ، ويكفرون المحكومين لأنهم رضوا بذلك وتابعوهم أيضاً بإطلاق ودون تفصيل ، أما العلماء فيكفرونهم لأنهم لم يكفروا هؤلاء ولا أولئك ، كما يكفرون كل من عرضوا عليه فكرهم فلم يقبله أو قبله ولم ينضم إلى جماعتهم ويبايع إمامهم  ، أما من انضم إلى جماعتهم ثم تركها فهو مرتد حلال الدم ، ويرجع أصل بدعة الغلو في التكفير الى الخوارج والذين كانوا من أشد الناس تمسكاً بالشعائر التعبدية صياماً وقياماً وتلاوة القرآن ولكنهم أتوا من فساد العقيدة ، ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً وقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : (( يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم )) ، وأنّهم : ((  يقتلون أهل الاسلام و يدعون أهل الأوثان )) ، ، وأحمد الله تعالى أن أكرمني بالرد عليهم وإظهار تلبيسهم وتدليسهم وباطلاهم ، وذلك في حلقات التجديد في علم الإيمان تناولت عبر ثمانية عشرة حلقة التأسيس لعلم الإيمان والرد على بدعة الغلو التكفير واتهام الأمة بالكفر الأكبر في مسائل لا تبلغ بهم هذا المبلغ ، ،

[ بدعة الحشو في مسائل التقديس ] :  الحشوية : لقب أطلق على طائفة من المبتدعة من أصحاب الحديث الذين اعتقدوا بلوازم التجسيم من الحد والصورة والكون في المكان ، والفرق بينهم وبين المجسمة ، أنّ المجسمة ينصون على التجسيم ، ولا يرون به بأساً في ذات الله تعالى ، أمّا الحشوية ،  فهم يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم ، وإن كانوا يتحفظون في التجسيم ، ولذا يراهم البعض أهون بدعة من المجسمة ، ولكنهم في الحقيقة أكبر خطراً من المجسمة وذلك لأنّهم ينتسبون إلى السلف ( زورا وبهتانا والسلف من زيغ عقائدهم براء ) ، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة ، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين ، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي ، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه ، والحشوية لهم مواصفات معينة ، أبرزها أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه ، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى ، يعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان ، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ، ويتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه ، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما ، وهم لا يحترمون تخصص المذاهب العقائدية والفقهية والسلوكية المنتسبة إلى اهل السنّة والجماعة ، ويهجمون على كل أبواب العلم ، لا سيما الأصول ، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء ، يشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه ، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه ، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون  في فهم المراد من النصوص ، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل ، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص ،  ومن أهم مشاكل هؤلاء ، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة ، وعلومهم القاصرة ، نسبوه إلى السلف ، وتحصنوا بهذه النسبة ، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف ، والمروق من الدين ، لا يستوعبون قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من فقه الكتاب والسنّة ، وأدى ذلك إلى الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد ، وإلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه ، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين ، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، وإلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس ، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك ، وإهمال دراسة قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد ، واعتبارها من علوم اليونان ، وهم لا يعلمون : لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان ، وعدم الدقة في تحديد دائرة المتشابه الصحيحة ، وما آل إليه ذلك من تتبع المتشابه والخوض فيه ، ووقوعهم بذلك تحت خطر الوعيد القرآني المتمثل في تهديد الذين يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم ، وذلك في قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 ] ، وهم ينتسبون إلى السلف ، والسلف برآء منهم ، وهم يذهلون عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى ، واعتقاد أن مذهبهم إثبات العلم ونفي الكيفية ، ولنا أن نتساءل كيف يكون متشابها ثم يتصف بالعلم ، وهل كان متشابها إلا لمحاذير إثبات العلم به ولكنهم لا يعلمون تلك المحاذير ، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة - وهم أهل السلف الحقيقيون - بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع ، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم ، وبعد فتلك بعض مفردات مذهب الحشوية ، والتي يسعى الحشوية في كل زمان إلى نسبتها إلى مذهب السلف وإلى أهل الحديث ، وجعلها بديل لكافة التخصصات العلمية ، وهم أهل الجفاء والغلظة والخيلاء ، والقسوة وغمط المسلمين والجفاء عند معاملتهم ، وافتراض سوء القصد في أقوالهم وأفعالهم التي قد تنشأ عن غير قصد غالبا ، تراهم دوماً في حروب وهمية مع من يظنونهم مبتدعون مارقون عن مذهب السلف الذي صنعوه بأيديهم ونسبوه إلى السلف ، ويدافعون عنه ضد كل من تسول له نفسه مخالفة ، ديدنهم الوقيعة في أهل التنزيه والأصول من أكابر أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ومحاولة التشكيك في انتسابهم إلى أهل السنة والجماعة  ، مع إهمال قيمة التخصص العلمي لديهم وتلميع أهل التعدي على أكابرهم بغيا وظلما بغير وجه حق ، وهم من أخطر الفرق على منهاج أهل السنة والجماعة ، وذلك لأنّهم يتدثرون بلباس السلف ، ويهدمون بمعاولهم دين الإسلام بزعم اتباع الكتاب والسنّة وباسم السلف ، وقد سماهم أهل العلم بالحشوية : ( أ ) لأنّهم يحشون عقائدهم بالمستحيلات العقلية ، وبكل ما يخالف صريح العقل ، وهم أبعد الناس عن العقل ، فالشيعة على بدعهم ، والخوارج على طوامهم يستحون من وصف الله تعالى بما يصفه به هؤلاء الأجلاف السفهاء ، من  نسبة الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله تعالى ، ونسبة الحد والمقدار إلى ذات الله تعالى ، ولو عقلوا أنّ المحدود لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم ، ويجيزون علي الله تعالى الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه ، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما ، ( ب ) ولأنّهم يحشون الأحاديث الموضوعة والواهية والضعيفة ، في أبواب العقيدة وما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته ، ويقبلونها ويستنبطون منها الوحل والتجسيم والتشبيه والتمثيل ثم يلوكون السنتهم بعد الخوض فيها بقولهم بلا كيف ، ( ت ) ولأنّهم يحشون عقولهم بالمتناقضات : لأنّهم أهل التناقض ، فهم يبدعون المؤولة ، ثم يتأولون  القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر ، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة ، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية ، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع ، لا فرق بين هذا وهذا إلا في أ  سقامهم التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود الملك في مملكته ، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة ، وهذا المكان هو العرش على ظنهم ، وأنّه بذاته فوق عرشه ، فأتو بلفظ ( ذاته ) من عند أنفسهم ، وجعلوا الاستواء حسيا ، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء ، وليس كمثل وجوده وجود ، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش ، وهو رب العرش ورب الكون ورب المكان والزمان ، والملك والملكوت ، ومهما كلمتهم في ذلك لا يفهمون ، ويظنون أنّك تحدثهم عن العدم ، ويقولون " لا يعقل " وهم لا عقول لهم يظنون المحسوس هو المعقول ، ولو تواضعوا للعلم لحظات على يد عالم بالأصول لفرقوا بين المحسوس والمعقول ، ولعلموا أنّ وجود الله معقول وليس محسوس لأنّه سبحانه منزه عن المحسوس لأن جميع ما هو محسوس أمامنا مخلوق والله هو خالق المخلوق تنزه عن مشابهة المحسوسات ، ( ث ) لأنّهم يحشون أنفسهم في زمرة أتباع السلف والسلف من زيغ عقائدهم براء ، وينتسبون إلى الإمام أحمد وهو منهم بريء ، وهم يحاولون بذلك تبرئة أنفسهم من مغبّة الآراء الباطلة ، والمخالفة لأدلّة العقل السليم والنقل الصحيح ، فهم يُسندون جميع أقوالهم إلى غيرهم من الأموات السالفين ، ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة ، وهم أهل الظاهر والحشو والجفاء ، أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة ، وأبعد الناس عن روح عقائد التقديس والتنزيه التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة ،  ، وأحمد الله تعالى أن أكرمني بالرد عليهم وإظهار تلبيسهم وتدليسهم وباطلاهم ، وذلك في حلقات التجديد في علم التقديس تناولت عبر ثلاث وعشرون حلقة التأسيس لعلم التقديس والرد على بدعة الحشو التي هي من عموم البلوى في هذا الزمان ،

[  بدعة الغلو في مسائل الشرك  ] ، لقد حدث الغلو في مسائل الشرك واتهام المسلمين بالشرك الأكبر في أعمال لا تبلغ بهم ذلك الشرك ، والسبب في ذلك الغلو ، هو الغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة وذلك بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة ، والخطأ في تحديد الضابط الشرعي الدقيق والصحيح لمسمى العبادة ، وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها ، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك ، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر ، في أعمال قد تسبب فيها الجهل أو البدعة ، أو مجرد الخلاف الفقهي المشروع ، وأدى ذلكم الغلو إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم ، على أنهم مشركون تحل دماؤهم واعراضهم ، وأحمد الله تعالى أن أكرمني بالرد عليهم وإظهار تلبيسهم وتدليسهم وباطلاهم ، وذلك في حلقات التجديد في علم التوحيد تناولت عبر ثلاث وعشرين حلقة التأسيس لعلم التوحيد الصافي والرد على بدعة الغلو في التشريك واتهام الأمة بالشرك في مسائل لا تبلغ بهم هذا المبلغ ،

[ بدعة الغلو في مسائل التبديع ] :  لقد حدث الغلو في مسائل التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة ، وتبديع طوائف برمتها ، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة ، ويرغب الغلاة في التبديع في طردهم منها ، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها ، لقد حدث غلو شديد في مسائل التبديع ، وصار  الغلاة يبدعون حتى في المسائل الفقهية الاجتهادية التي قال بها الأئمة المجتهدين ، وصار الغلاة يبدعون حتى المدارس الأصولية التى ارتضاها أهل السنّة والجماعة مدارس معبرة عن آرائهم ، وهي الأثرية والأشعرية والماتريدية ، تلك المدارس المتخصصة التي حفظ الله تعالى بها عقائد أهل السنّة والجماعة بعيدا عن الاعتزال والحشو والتجسيم ، إن فقه مسائل السنّة والبدعة ، باب خطير لأنّ التنطع فيه يؤدي إلى إنتهاك حرمات المسلمين وتبديع من ليس بمبتدع ، والتبديع سلاح خطير ، وإذا كان الخوارج قديما قد سلوا سيف التكفير على أمة الإسلام فإن هناك طوائف عديدة ممن إبتلوا بهوس البدعة ولم يشموا رائحة الفقه في الدين وخلطوا بين أمور الإبتداع وأمور الخلاف في الإجتهادات الفقهية بسبب أصول ضيقة أصلوها بأفهامهم السقيمة ، حتى صار كل منهم يبدع الأخرين على أقل الخلاف وأيسره ، ، وأحمد الله تعالى أن أكرمني بالرد عليهم وإظهار تلبيسهم وتدليسهم وباطلاهم ، وذلك في حلقات التجديد في علم الاتباع تناولت عبر سبعة وعشرين حلقة التأسيس لعلم الاتباع والرد على بدعة الغلو في التبديع ،  اللهم ارزقنا العلم والعمل ، اللهم ارزقنا الفهم والفقه ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع ، ومن قلب لا يخشع ، ومن دعوة لا يُستجاب لها ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس السابع : أخلاق المسلم مع دين الإسلام : خلق حمل أمانة الدين بالدعوة إليه

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول :  حمل أمانة الدين بالدعوة إليه ، أقول وبالله التوفيق :

( 1 ) تعريف الدعوة إلى الله  : الدعوة إلى الله تعالى تطلق على كل عمل يدعى فيه إلى الله أو إلى توحيد الله تعالى أو عبادته أو طاعته أو التزام دينه الحق ( الإسلام ) أو أي من عقائده أو شرائعه أو شعائره أو كل ما من شأنه إعلاء كلمة الإسلام ، وأول من دعا إلى الله هو الله سبحانه دعا العباد جميعا إلى دينه الحق ، قال تعالى : { لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ } ومعناه نداء الحق سبحانه وتعالى للخلق ليوحدوه ويعبدوه ، قال علي بن أبى طالب رضي الله عنه : {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} قال : التوحيد ، وقال ابن عباس ( شهادة لا إله إلا الله) [ رواهما ابن جرير في تفسيره ] ، والدعوة إلى الله تعالى علم واسع يشمل : ( أ ) تعريف الناس بهذا الدين وتبصيرهم بأهميته وتذكيرهم بضرورة اتباع هديه وقيمه وعقائده وشرائعه ، ودعوتهم إلى اعتناق ما جاء به ، وتبشير من اتبعه برضوان الله تعالى ونيل ثوابه وجنته والنجاة من عذابه وعقابه ، وإنذار من تركه وأعرض عنه بالعذاب والهلاك ، لأنّه دين الله تعالى الذي لا يقبل الله من عباده جميعا دينا سواه قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } ، وقال تعالى : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ، ( ب ) نشر عقائد وشرائع وأخلاق هذا الدين والبناء على الدعوة لبناء الفرد المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم ، ( ت ) الأمر بكل معروف جاء به الدين والنهى عن كل منكر نهى عنه الدين ، ( ث )  إعداد المسلمين للانتصار على أنفسهم وعلى أعدائهم ، بالجهاد في سبيل الله ، والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى فرض كفاية إذا قام بها من يكفى لتبليغ رسالة الإسلام إلى مشارق الارض ومغاربها بلاغا صحيحا تقوم به الحجة على عباد الله تعالى أجمعين سقط الإثم عن الباقين ، قال تعالى : {  وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ آل عمران : 104 [، فهذه الآية من الأدلة التي تبين أنه لا بد أن يوجد من أفراد الأمة الإسلامية من يتصـدى للدعــوة إلى الله سبحانه وتعالى: سواء كان في صفوف المسلمين بتذكيرهم ووعظهم وإرشادهم وإعادتهم إلى الطريق المستقيم، أو في صفوف الكفار بدعوتهم وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى حيّز التوحيد والإسلام، وقد تكون فرض عين على فئة من الناس قام على اكتافهم ثغر الدعوة إلى الله تعالى ، أو توجب عليهم ذلك لضرورة الزمان أو المكان ،

( 2 ) وجوب تحمل المسلمين أعباء الدعوة إلى الله حتى تعم الأرض كلها  : لا مفر على أهل الإسلام ولا مناص لهم من القيام بأعباء الدعوة إلى الله تعالى حتى تعم الناس جميعا وذلك للأسباب التالية : ( أ ) ما دام أنّ الدين المعتبر عند الله تعالى هو الإسلام ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } ، ( ب ) وما دام أنّ الله تعالى لا يقبل من عباده جميعا دينا سواه ، قال تعالى : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ، ( ت ) وما دام أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء لا نبي بعده ، قال تعالى : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } [ الأحزاب : 40] ، ( ث ) وما دام أنّ دين الإسلام إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة : قال تعالى : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } ، وقال تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ سبأ : 28 ] ، ( ج ) وما دام الله عز وجل تكفل بنفسه سبحانه أن بحفظ هذا الدين القيم ، وذلك بحفظ مصادره الأساسية - القرآن والسنة - وذلك إلى قرب قيام الساعة وظهور علاماتها الكبرى حيث يرفع المولى جل وعلا كتابه كما أنزله محفوظا في التبديل والتحريف والزيادة والنقصان وتأتي ريح طيبة تأخذ كل نفس مؤمنه ولا يبقي إلا شرار الخلق ليس الله فيهم حاجة تقوم عليهم الساعة ، قال تعالى : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر : 9 ] ،  وقال تعالى { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [ فصلت : 42 ] ، ( ح ) وما دامت شريعة الإسلام الحكيمة تامة كاملة شاملة بحيث أنّ أصولها وقواعدها العامة تناولت كل ما يحتاجه البشر في شئونه وحياتهم ، قال تعالى : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } [ النحل : 89 ] ، وقال تعالى : { وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [ يوسف : 111 ] ، وقال تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [ المائدة : 3 ] ، ثم تركت المجال لعلماء المسلمين المجتهدين أن يقرروا الأحكام التي تُلائم البشر وفق أصول الشريعة وقواعدها الحكيمة التي من أهم مقاصدها تحقيق مصالح البشر في دينهم ودنياهم ، ( خ ) وما دامت كل تلك المعاني السابقة يطالب به الناس جميعا من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة ، وكل من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به ويتبع دين الإسلام الذي جاء به من عند الله فهو كافر بالله تعالى الكفر الأكبر ، وهو من أهل النار وبئس المصير ، هذا وإن أمن بجميع الأنبياء والمرسلين قبله –وقد سمع بدعوته صلى الله عليه وسلم –لم ينفعه ذلك الإيمان مثقال ذره حتى يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتبعه على دينه الذي جاء به من عند الله، وإلا فهو الكافر حقا ، وأعد الله تعالى للكافرين عذابا مهينا ، والأدلة على ذلك واضحة بينه : قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } [ النساء : 150 ، 151 ] ،  وقال تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [ النساء : 115]  ،ـ وقال صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار )) [ أخرجه مسلم ] ،  يقول النووي في شرح الحديث : ( وقوله صلى الله عليه وسلم لا يسمع بي أحد من هذه الامه أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة فكلهم يجب عليه المدخول في طاعته وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيها على من سواهما وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى ) أهـــ  [ شرح النووي على صحيح مسلم ج2 ص 188] ، فكل من سمع برسالة النبي صلى الله عليه وسلم ثم لم يدخل في دين الإسلام الذي جاء به من عند الله عز وجل عقيدة وتشريعا فهو من أهل النار وبئس المصير ، وعلى ذلك فالدين المعتبر عند الله تعالى هو الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله عز وجل ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } [  آل عمران : 19 ] ، وهو الدين الذي لا يقبل من الناس جميعا بعد بعثته صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة دينا سواه ، قال تعالى :  { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [ آل عمران : 85 ] ، ذلك الدين الذي أكمله الله عز وجل وأتم به على الإنسانية جمعاء النعمة ورضيه لعباده جميعا دينا لا يقبل منهم سواه { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [ المائدة : 3 ] ، ما دامت هذه هي قطعيات الدين التي لا مراء فيها فإنّ فريضة الدعوة إلى الله عز وجل قائمة على جميع المسلمين ، حتى يقوم بها من يبلغها إلى جميع الأرض وغلى جميع الإنس بما تقوم به الحجة عليهم ،

( 3 ) فضل الدعوة إلى الله : الدعوة إلى الله تعالى أفضل الأعمال لأنها وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى: { يَأَيّهَا النّبِىّ إِنّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مّنِيراً } [ الأحزاب : 45] ، والدعوة إلى الله هي سبيل النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه إلى يوم القيامة قال الله تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ سورة يوسف : 108 ] ، وحمل أمانة الدعوة إلى الله تعالى سبب خيرية هذه الأمة وفلاحها قال تعالى { وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [آل عمران:104] وقال تعالى { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } [آل عمران:110] والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرع من فروع الدعوة إلى الله ، والداعي إلى الله هو أحسن الناس قولاً ، قال تعالى { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمّن دَعَآ إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [فصلت:33] ، وأجر الداعي إلى الله عظيم ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا...)) [ الحديث رواه مسلم (2674) ] ، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما للداعية من أجر عظيم ، فقال  لعلي رضي الله عنه : (( فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْرِ النعَم )) [ متفق عليه رواه البخاري (2942)، ومسلم (2406) ]،

( 4 ) أهمية الدعوة إلى الله :  لولا الدعوة إلى الله لما قام لله على الأرض دين ، ولا انتشر توحيد وإسلام ، ولهذا أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بتبليغها  إلى الناس كاملة ، قال تعالى {  يَـَأَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ وإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ..}  الآية. [المائدة: 67] ، وأمره سبحانه بأن تكون الدعوة إلى الله تعالى هي سبيله وسبيل أتباعه إلى قيام الساعة ، قال تعالى { قُلْ هـَذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَىَ اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِى وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [يوسف: 108] ، وأمر سبحانه المسلمين بأن يتخصص طائفة منهم لحمل تلك الأمانة ( أمانة الدعوة إلى الإسلام ) ،قال تعالى {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }[آل عمران:104]   ، 

( 5 ) حكم الدعوة إلى الله : الدعـوة إلى الله فرض كفاية على الأمة الإسلامية جميعها ، إذا قام بها من يكفي للقيام بأعبائها سقط الإثم عن الباقين ، وذلك لقوله تعالى: { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لّيَتَفَقّهُواْ فى الدّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوَاْ إِلَيْهِمْ لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ } ، [التوبة: 122] ، وقوله تعالى : { وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ آل عمران : 104 ] ، ويتعين الوجوب على أهل العلم من المسلمين الذين أخذ الله عليهم الميثاق ببيان العلم وعدم كتمانه كما قال تعالى: {وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه..} (آل عمران:187) والمقصود به تحذير العلماء من المسلمين من فعل ذلك ، وقال تعالى: { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلا الذين تابوا، وأصلحوا، وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} (البقرة:159-160). وقـال تعالى: { إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم } [ البقرة :174 ] ، ويتأكد الوجوب في هذه الأيام نظراً إلى بعد الناس عن الإسلام  وجهلهم به وغفلة المسلمين عن دينهم وعن التمسك به وبعقائده وشرائعه وأخلاقه وآدابه وتزكيته و نظراً إلى انتشار الدعوة إلى المبادئ الهدامة  والدعوات المضللة التي تخالف الإسلام ، فإن الدعوة إلى الله عز وجل اليوم أصبحت اليوم أكثر وجوبا على جميع العلماء ليبلغوا دين الله عز وجل ويحملوا أمانته  ،

( 6 ) الداعية  إلى الله على خطر عظيم :  الدعوة إلى الله هي بالأساس مهمة الرسل ، والرسل الكرام عليهم السلام اصطفاهم الله تعالى من الناس ، لهم مؤهلات أخلاقية وعلمية وعملية خاصة ، لأنهم حملة دينه سبحانه إلى الناس ، قال تعالى : { اللّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ } الآية. [الحج: 75] والاصطفاء معناه الاختيار لمن هو أفضل وأجدر لحمل أمانة الدعوة إلى الله والحديث عن دين الله  ،  الداعية إلى الله هو الركن المهم  والمحور الأساس في الدعوة إلى الله تعالى ، ومقامُه مقامٌ بالغُ الأهمية والخطورة ، لأنه ينوب عن النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ أعظم رسالة في الوجود ، رسالة الإسلام دين الله القيم ،

( 7 ) البصيرة في الدين هي أساس الدعوة إلى الله : الداعية إلى الله تعالى لابد وان يتصف بالبصيرة في الدين ، قال الله تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ سورة يوسف ] ، والبصيرة أقوى وأعلى مراتب العلم ، لأنها الفقه في دين الله ، وفي الحديث (( من يرد الله به خيرا يفقه في الدين ) ، فالداعية إلى الله لابد أن يكون مؤهلا لحمل أمانة الدعوة بالعلم والفهم والبصيرة في الدين ، وإلا أفسد من حيث مقصوده الصلاح ، وأضل من حيث مقصوده الهدى والرشاد ، ويكون والعياذ بالله داعية إلى البدعة أو الضلالة ويناله شيء من وعيد الله تعالى في قوله تعالى : { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } [ الكهف : 103 ، 104 ] ، فالأمر جد خطير ، وخطره جسيم فإما أن يكون الداعية إلى الله عالما فقيها بالدين على بصيرة من دعوته فيتصدر لها ، وإما أن يتأنى حتى يطلب العلم من منابعه الصحيحة ، ثم يتصدر لها بعد ذلك ، إذ سبيل الدعوة مستقيم لا اعوجاج فيه ، وما أكثر السبل التي تؤدي إلى مهالك الداعية ، قال تعالى : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [الْأَنعام : 153 ] ،  

( 8 ) أهداف الدعوة إلى الله :  ( أولا ) : بيان الحق والبلاغ المبين بدين الإسلام : قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم : {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [ المائدة : 67 ] ، وقال تعالى : { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ }[ آل عمران : 20 ]  ، وقال تعالى : {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ} [ الغاشية : 21 ] ، وقد امتدح الله تعالى الدعاة إلى الله تعالى بقوله : { الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [ الأحزاب : 39 ] ، ( ثانيا ) : إقامة الحجة والإعذار إلى الله بأداء الأمانة : قال الله تعالى : {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}، وأتباع الرسل يخلفونهم في هذه المهمة: وقال تعالى : {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي }، وقال تعالى : {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى}، قال تعالى في حق أصحاب السبت : { وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } ، ( ثالثا ) : دعوة الناس إلى صراط الله المستقيم  ودينه القويم : قال تعالى في حق رسوله صلى الله عليه وسلم :{ كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} [ إبراهيم :1 إلى 4 ] ، وقال تعالى : { وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم} [ المؤمنون:17] ، وخاطب المولى تبارك وتعالى أمة الإسلام بقوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} [ آل عمران:110 ] ، وجعلها خير الأمم لقيامها بحق الرسالة  فقال سبحانه وتعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [ آل عمران:110 ] ، وقد أجمل الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه مهمة أمة الإسلام بقوله لرستم قائد الفرس يدعوه إلى الإسلام ، فقال له رستم: لماذا جئتم؟ فقال: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. [ البداية والنهاية 7/39 ] ، ( رابعا ) : إيجاد المؤمن الصالح :  إيجاد مؤمن واحد هو تحقيق عظيم لواحد من أهم أهداف الدعوة إلى الله ، وفي ذلك جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم )) [ متفق عليه ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( يجيء النبي ومعه الرجلان ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك )) [ أخرجه أحمد وابن ماجه وصححه الألباني في صحيح الجامع 8033 ]، ( خامسا ) : إيجاد المجتمع الصالح الملتزم بدين الإسلام : قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [ آل عمران:164 ] ،  ( سادسا ) : نشر الدين وإظهاره وإقامة شرع الله في الأرض : قال الله تعالى : { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ التوبة : 32 ، 33 ] ، وتحقيق هذا الهدف يكون بالدعوة إلى الله بكل الجهد والطاقة ليلا ونهارا جهرا وإسرارا ، وقد وعد الله تعالى عباده الصالحين بتحقيق هذا الهدف ، قال تعالى { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }، [النور : 55 ] ، ( سابعا ) : نشر الخير والمعروف والصلاح والنهي عن الشر والمنكر والفساد : الإسلام دين الله تعالى الذي رضيه لعباده على الأرض لذا فهو دين الدعوة إلى كل خير والأمر بكل معروف ولإرشاد إلى الصلاح ، وهو دين النهي عن أي شر أو منكر أو فساد ، وكل ما في كلمات الخير والمعروف والصلاح من معاني وأعمال فإن الإسلام يأخذ به و يدعو إليه وكل ما في كلمات الشر والمنكر والفساد من معاني وأعمال فإن الإسلام  يأباه وينهى عنه ، قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ النحل :90] ،  وقال تعالى: { فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } [هود : 117 ، 118 ]، فالصلاح والنهي عن الفساد هما سبب النجاة من الهلاك ، وكل الرسل الذين أرسلهم الله نشروا الخير وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وعن الشر والفساد ، وعلى الرغم من تركيزهم الشديد على التوحيد وهو أعظم الخير والمعروف والصلاح وضده الشرك وهو أعظم المنكر والشر والفساد  إلا أن ذلك لم يشغلهم عن النهي عن الفساد في الأرض ،  وكان دائما منهاجهم قوله تعالى { فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ } [ الْأَعراف : 74 ] وقوله تعالى : { وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ } [ هود : 85 ] ، وقوله تعالى : {  وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } [ القصص : 77 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ } [ يونس : 81 ] ، وقوله تعالى : { وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ } [ الشعراء : 151 ، 152 ] ، وقوله تعالى : { وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [الْأَعراف : 85 ] وقوله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم { وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ } [ البقرة : 205 ] ،  وفي ذلك الهدف الجليل خاطب الله تعالى أمة الرسول بقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) } [الحج  : 77 ] وقوله تعالى : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ آل عمران : 104 ] ، وجعلهم خير الأمم لقيامهم بهذا الواجب فقال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ...} الآية [ آل عمران : 110 ] ، ( ثامنا ) : عمارة  الأرض بالأخلاق العظيمة والقيم الفاضلة : من أهداف الدعوة إلى الله عمارة الأرض بالأخلاق العظيمة كالصدق والأمانة والوفاء والرحمة والعدل والإحسان ، والقيم الفاضلة كبر الوالدين وصلة الأرحام وتربية الأبناء وإكرام الضيف والإحسان إلى الجار ومساعدة المحتاج وكفالة اليتيم والعدل في الحكم ولو مع الأعداء ، وقد وصف الله تعالى رسوله بالخلق العظيم فقال تعالى { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [القلم : 4 ] وجعله سبحانه رحمة لجميع الخلائق فقال تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [الْأَنْبياء : 107 ]، وجعل رسالته المتممة لمكارم الأخلاق ، فقال صلى الله عليه وسلم (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق [ السلسلة الصحيحة 1 / 75] ، ( تاسعا ) : التعارف مع الشعوب والقبائل والأجناس البشرية لنشر ثقافة الإسلام ومبادئ الدين القيم : قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } [آل عمران :19] وقال تعالى : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [آل عمران : 85 ] وقال تعالى : { ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ يوسف : 40 ] ، وقد جعل الله تعالى أهل الإسلام شهداء على الأمم الباقية لما لهم من فضل علم عليهم بالله وبدينه ، قال تعالى : { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ...} الآية [الحج : 78] ، وإن من أهم أهداف الدعوة الإسلامية التعارف مع الشعوب الأخرى المنتشرة على سطح الأرض من أجل إيصال دعوة الإسلام ومبادئ ذلك الدين القيم إليهم ونشر ثقافة الإسلام بينهم ، قال تعالى {  يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ  }[الحجرات: 13] ، ( عاشرا ) : الدفاع عن الإسلام وتصحيح المفاهيم المغلوطة والشبهات الزائفة عن الإسلام : إن مع أكثر ما يعوق الدعوة الإسلامية ونشر دين الإسلام هو الفهم الخاطئ لدين الله ، مع أنه دين الفطرة والاعتدال ، قال تعالى : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [الروم : 30 ] ، فدين الله يلائم فطرة الناس ولو أفسح المجال أمام الناس بصدق لكانوا أمة واحدة على دين التوحيد ، ولما كان أعداء الله تعالى يعرفون ذلك أخذوا يحاربون انتشاره بين الناس بنشر المفاهيم المغلوطة والشبهات الزائفة عنه ، ومن أهم أهداف الدعوة إلى الله الدفاع عن الإسلام ومحاربة الانحراف عن صراطه المستقيم وتصحيح المفاهيم المغلوطة والشبهات الزائفة عن الإسلام لأن ذلك من أعظم الدعوة والجهاد من أجل نشر الدين ونصرته ،   ( 9 ) أهم صفات الداعية إلى الله : إنّ الداعية إلى الله تعالى ينبغي أن يتحلى بمنظومة متكاملة من الأخلاق العظيمة التي تكون زاداً له على طريق الدعوة إلى الله ، وهذه المنظومة المتكاملة من الأخلاق تبلغ عشرين خلقا أساسيا مصدرها جميعاً الكتاب والسنة ، فالقرآن الكريم وصف النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى { وإنك لعلى خلق عظيم } ،  والقرآن الكريم خاطب المسلمين جميعا بقوله تعالى { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } ، وعندما سئلت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : ( كان خلقه القرآن ) [ أخرجه مسلم ] ، ومن أبرز أخلاق الداعية إلى الله تعالى التي لا يصلح الداعية إلا بها : عشرون خلقا لابد وأن يتميز بها الداعية ، وأن يتخلق بها ويتأدب بصفاتها : ( 1 ) : الصدق فلا يكون الكاذب داعية إلى الله ، ( 2 ) والأمانة فلا يكون الخائن داعية إلى الله ، ( 3 ) والصبر فلا تصح الدعوة إلا بالصبر لها وعدم استعجال ثمرتها ، ( 4 ) والرحمة فلا يكون الفظ غليظ القلب داعية إلى الله ، ( 5 ) والتواضع فلا يكون الجبار المتكبر داعية إلى الله ، ( 6 ) والعدل فلا يكون الظالم داعية إلى الله ، ( 7 ) والعلم فلا يكون الداعية إلى الله تعالى جاهلا بما يدعو إليه ، ( 8 ) والحلم ، فإن الحلم سيد الأخلاق ، ( 9 ) والبصيرة في الدين ، فلا تكون الدعوة إلى الله تعالى إلا على بصيرة ، قال تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ يوسف : 108 ] ،  ( 10 ) والحكمة ، ( 11 ) والموعظة الحسنة ، وهما من أهم أخلاق الدعاة إلى الله ، وبدون الحكمة والموعظة الحسنة يفسد الداعية من حيث يريد الإصلاح ، قال تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [ النحل : 125 ] ، ( 12 ) والتجرد ، واحتساب أجر الدعوة إلى الله عند الله تعالى وحده ، قال تعالى: - آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم : { قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ } [الْأَنعام : 90] ، وأمر سبحانه جميع رسله أن يقولوا { وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ } [ الشعراء : 109 ] ، ( 13 ) والاستقامة بمعنى أن يصدق العمل القول وأن يكون عمل الداعية مطابق لما يدعو إليه ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } [ الصف : 2 ، 3 ] ، ( 14 ) والإخلاص في الدعوة إلى الله ، فلا يريد بها إلا وجه الله ، قال تعالى : { أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } و قال تعالى : { قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ  } ، ( 15 ) واليقين في الله تعالى ، قال تعالى : { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } [ السجدة : 24 ] ، ( 16 ) وتقوى الله عز وجل ، قال تعالى: { إِنّمَا يَتَقَبّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتّقِينَ }. [المائدة: 27] ، ( 17 ) وحسن التوكل على الله والاتصال الوثيق بالله  قال تعالى : { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ ق والتجرد ، ( 18 ) والحرص البالغ على هداية الناس ، قال تعالى : { لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 3 ] ، ( 19 ) والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة ، قال تعالى : { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } [ القصص : 83 ] ،َدْرًا } [ الطلاق : 3 ] ، ( 20 ) النزاهة والقدوة الحسنة ، قال تعالى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ } [ الأنعام : 90 ] ، وقال تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ } [ الممتحنة : 6 ] ، وقال تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } [ الأحزاب : 21 ] ، اللهم اجعلنا هداة مهديين ، ولا تجعلنا ضالين ولا مضلين ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس الثامن : أخلاق المسلم مع دين الإسلام : خلق حمل أمانة الدين بالحسبة عليه

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول :  حمل أمانة الدين بالحسبة عليه ، وبيان أهمية الحسبة على الدين لحفظ الدين : أقول وبالله التوفيق :  [ المعروف ] : هو كل ما يأمر به الشرع ويمدحه ويثني على أهله ، ويدخل في ذلك جميع عقائد الإسلام وعباداته وطاعاته وأخلاقه ، والمنكر : هو كل ما ينكره الشرع وينهى عنه ويذمه ويذم أهله ، ويدخل في ذلك جميع معتقدات أهل الكفر والشرك والبدع والمعاصي التي تخالف دين الإسلام ، وإذا أطلق الأمر بالمعروف من غير أن يقرن بالنهي عن المنكر فإنه يدخل فيه النهي عن المنكر، وذلك لأن ترك المنهيات من المعروف ، ولأنه لا يتم فعل المعروف إلا بترك المنكر ، وإذا أطلق النهي عن المنكر من غير أن يقرن بالأمر بالمعروف فإنه يدخل فيه الأمر بالمعروف، وذلك لأن ترك المعروف من المنكر، ولأنه لا يتم ترك المنكر إلا بفعل المعروف ،  [ حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ] : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين ، لقوله تعالى : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ آل عمران : 104 ] ، ويكون فرض عين على من يشاهده بحسب قدرته ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ((  من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )) [ أخرجه مسلم ح ( 49 ) ] ، كما يتعين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المحتسب الموظف القائم على نظام الحسبة في المجتمع ،  [ أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان فضله ] : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل عظيم من أصول الإسلام ، متوقف على  القيام به قيام الدين وحفظ شرائعه وتعظيم شعائره وعلو كلمته ، ومتوقف عليه صلاح البلاد والعباد في دينهم ودنياهم ، وبه كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس ، وفي اهماله يظهر الفساد في البر والبحر وتنتشر المنكرات ويعم العذاب وتضيع عرى الدين ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أبرز ما وصف به النبي صلى الله عليه وسلم  في الكتب السابقة ، قال تعالى : { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ } [الأعراف: 157] ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أبرز صفات المؤمنين ، كما وصفهم الله تعالى بقوله تعالى : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [التوبة: 71] ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب خيرية أمة النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الأمم ،  كما قال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ  }  [ آل عمران: 110] ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب الفلاح ، كما في قوله تعالى : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ آل عمران: 104] ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب النجاة من عذاب الدنيا ، كما في قوله تعالى : { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } [الأعراف: 165] ، وقوله تعالى : { فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ } [ هود : 116 ] ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو علامة قوة الإيمان ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم  : (( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَاسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ )) [ أخرجه مسلم : ح (186) ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم :  (( ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل )) [ أخرجه مسلم ح ( 80 ) ] ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب استجابة الدعاء ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم  : ((  مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ قَبْلَ أَنْ تَدْعُوا فَلاَ يُسْتَجَابَ لَكُمْ )) [ أخرجه أحمد (6/159) ، وابن ماجه (4004) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (5868) ] ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - أنه من أسباب النصر، قال تعالى: { وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَنِ يِنَصُرُهُ إنَّ اللهَ لَقَوىُّ عَزيزُ * الَّذيِنَ إن مَّكَّناهُم في الأَرضِ أقَامُوا الّصلاةَ وأتُوا الزكاةَ وَأمَرُوا بِالمعرُوفِ ونَهَوا عَنِ المُنكَرِ وللهِ عَاقِبةُ الأمُورِ } [ الحج : 40 ، 41 ] ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال الصالحين، قال تعالى: { لَيسُوا سَواءً من أهلِ الكتَابِ أُمةُ قَائِمةُ يَتلُونَ آياتِ اللهِ آناء الليلِ وَهُم يَسجُدُونَ * يُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوم الآخِرِ وَيَأمرونَ بِالمعرُوفِ وَيَنهونَ عَن المُنكَر وَيُسَارِعُونَ في الخَيراتِ وَأولئِكَ منَ الصَّالِحُينَ } ،

[ عاقبة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ] : ترك فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  من خصال المنافقين ، كما في قوله تعالى : { المُنَافِقُونَ وَالمُنافِقاتُ بَعضُهُم مِن بَعضٍ يَأمُرُونَ بِالمُنكَرِ وَيَنَهَونَ عَن المَعرُوفِ وَيَقبِضُونَ أيدِيَهُم نَسُوا اللهَ فَنَسِيهُم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفَاسِقُونَ } ، وعاقبة ترك الأمر بالعروف والنهي عن المنكر هو اللعن والطرد من رحمة الله ، كما في قوله تعالى : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [المائدة: 78، 79] ، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بئس صنيع العلماء ، كما في قوله تعالى : { لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } [المائدة: 63] ، وعاقبة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي وقوع الهلاك والعذاب ، قال الله تعالى : { وَاتَّقُوا فَتنَةً لا تُصِيبَنَ الذين ظَلَمُوا مِنكُم خاصةً } ،  وأخرج أحمد والترمذي عن حذيفة رضى الله عنه  مرفوعاً: (( والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم ))  [ أخرجه أحمد والترمذي ، وقال : حديث حسن ] ، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو بداية النقص كما أخرج أبو داود والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا : اتق الله ودع ما تصنع ؛ فإنه لا يحل لك ، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله ، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا، ولتقصرنه على الحق قصرًا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم )) [ أخرجه أبو داود وهذا لفظه ، والترمذي وقال: حديث حسن ] ، [ مثال عظيم ضربه الرسول صلى الله عله وسلم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ] : أخرج البخاري عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها، إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقًا فلم نؤذِ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا )) [ أخرجه البخاري ح ( 2493 ) ] ، وفي هذا الحديث مثال عظيم في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  ، يتمثل في أمور منها : أنّ المسلمين مشتركون في الدين الذي هو آلة النجاة في الآخرة ، كاشتراك أهل الدنيا في السفينة التي هي آلة النجاة في الدنيا ، وكما أن سكوت شركاء السفينة عن الشريك الذي أراد فسادها سبب هلاكهم في الدنيا ، كذلك سكوت المسلمين عن الفاسق وترك الإنكار عليه سبب هلاكهم في الآخرة ، بل في الدنيا، كما في الأحاديث الآتية إن شاء الله تعالى ، ومنها : أنه كما لا ينجي الشركاء من الهلاك قول المفسد، إنما أفسد فيما يخصني، كذلك لا ينجي المسلمين من الإثم والعقوبة قول مرتكب المنكر: إنما أجني على ديني لا على دينكم، وعليكم أنفسكم، ولي عملي ولكم عملكم، وكل شاة معلقة بعرقوبها، ونحو هذا الكلام مما يجري على ألسنة الجاهلين، لأن شؤم فعله وسوء عاقبته فساد يشملهم أجمعين ، ومنها: أن أحد الشركاء في السفينة إذا منع المفسد من خرقها كان سببًا في نجاة أهل السفينة كلهم، كذلك من قام من المسلمين بإنكار المنكر كان قائمًا بفرض الكفاية عنهم، وكان سببًا لنجاة المسلمين جميعًا من الإثم، وله عند الله الأجر الجزيل على ذلك ، ومنها: أنه إذا أنكر مُنْكِر من أهل السفينة على الشريك الذي أراد خرقها، فاعترض عليه معترض منهم، نسب ذلك المعترض إلى الحمق وقلة العقل، والجهل بعواقب هذا الفعل، إذ المنكر ساع في نجاة المعترض وغيره، كذلك لا يعترض على من ينكر المنكر إلا من عظم حمقه وقل عقله، وجهل عواقب المعصية وشؤمها، إذ المنكر قائم بإسقاط الفرض الواجب على المعترض وغيره، وساع في نجاتهم وخلاصهم من الإثم والحرج ، ومنها: أن من سكت عن خرق الشريك السفينة مع استطاعته حتى غرق، آثم فيما نـزل به، وعاص بقتل نفسه، كذلك الساكت عن إنكار المنكر آثم بسكوته، عاص بإهلاك نفسه ، ومنها: أن شركاء السفينة إذا سكتوا عمن أراد خرقها كانوا هم وإياه في الهلاك سواء، ولم يتميز المفسد في الهلاك من غيره، ولا الصالح منهم من الطالح، كذلك إذا سكت الناس عن تغيير المنكر عمهم العذاب ولم يميز بين مرتكب الإثم وغيره، ولا بين الصالح منهم وغيره  [ انظر تنبيه الغافلين  ص77 -78 ] ،

[ واجب الدعاة والعلماء والربانيين تجاه فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ] : على العلماء واجب عظيم ومسئولية خطيرة تجاه فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن الله تعالى أخذ عليهم الميثاق ببيان الشرع للناس ، كما في قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ  لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ } [ آل عمران : 187 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ  تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الـرَّحِيمُ } [ البقرة : 159، 160 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ } [ البقرة : 174 ، 175 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ((من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار  )) [ أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة وحسنه الترمذي ، والحاكم عن أبي هريرة ، وقال : وهذا الإسناد صحيح على شرط الشيخين  ]  ، وقد ذم القرآن الكريم علماء اليهود وأحبارهم لعدم قيامهم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما في قوله تعالى : { وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } [ المائدة : 62 ، 63 ] ، وقوله تعالى : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [ المائدة : 78 ، 79 ] ، [ ضرورة وجود نِظامُ للحِسْبَة على الدين ] :  ( الحسبة ) : معناها :  أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله ، لقد شرع الإسلام نظام الحسبة على المجتمع حتى تكون أفعاله وأقواله وفق شرع الإسلام ،  فإن ترك المجتمع معروفاً تكفلت الحسبة بالأمر به وإيجاده ، وأن ظهر في المجتمع منكراً قامت الحسبة بالنهي عنه وعملت على إزالته ، ويتعين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المحتسب القائم على الحسبة في المجتمع ، و ( الحسبة على  الدين ) : فرض كفاية إذا قام به البعض ، سقط عن الباقين، وإن لم يقم بها أحد ، أثم القادرون جميعاً ،  و ( للحسبة ) مكانة عظيمة جداً في الاسلام لأنها من أخص خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما جاء في قوله تعالى : { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ الأعراف : 157 ] ، وهي من أخص خصائص المؤمنين كما  جاء في قوله تعالى : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  } [ التوبة : 71 ] ،  وقد كان ترك الحسبة سبب في لعن الأمم السابقة وطردهم من رحمة الله ، كما في قوله تعالى : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [ المائدة : 79 ] ، وقد كانت فضيلة ( الحسبة ) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب خيرية أمة الإسلام ، كما قال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } [ آل عمران : 110 ] ، والحسبة هي صمام الأمن في المجتمع وسبب نجاة المؤمنين من وقوع العذاب ، كما جاء في قوله تعالى : { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } [ الأعراف : 165 ] ، و ( تجري الحسبة على أي فرد في المجتمع ، إذا ما صدر منه ما تجري فيه الحسبة ، لأن الحسبة أمر بمعروف ونهي عن منكر والكل أمام هذا الفرض سواء ، إلا احتساب الابن على والديه يكون ببيان الحكم الشرعي والموعظة الحسنة والتخويف من الله تعالى ولا يتعدى ذلك إلى الوسائل الأخرى كالكلام الغليظ والضرب، رعاية لحق الأبوة والأمومة دون تفريط بواجب الاحتساب ، وإلا احتساب المحتسب على الأمير وصاحب السلطان والمنصب فإنّه يكون بالرفق واللين مع الصدع بالحق ،

[ شروط المنكر الذي ينبغي الاحتساب عليه ] :  ( أ ) أن يكون ظاهراً ينكشف للمحتسب بدون تجسس ، وعلى هذا من كان في بيته وقد أغلق بابه عليه وقام بشيء من المنكر لم يجز للمحتسب أن يتسلق الجدار أو يكسر الباب ليطلع على ما يفعله أهل الدار ، ( ب ) أن يكون المنكر قائماً في الحال ، ومعنى ذلك أن يكون موجوداً في الحال لأن المنكر إذا وقع وانتهى فلا احتساب فيه على فاعله وإنما لولي الأمر أن يعاقبه إذا ثبت ذلك عليه ولكن يجوز الاحتساب على فاعله بوعظه بعدم العودة إليه ،  ( ت ) عدم الخلاف فيه بمعنى أن يكون مما اتفق الفقهاء على اعتباره منكراً حتى لا يحتج المحتسب عليه بأن ما يفعله جائز على رأي بعض الفقهاء وإن كان غير جائز على رأي المحتسب ، ولكن ينبغي أن يكون الخلاف سائغاً ، وعلامة كونه كذلك أن يكون قال به عالم معتبر من علماء أهل السنّة المجتهدين كأحد أئمة المذاهب الأربعة المقتدى بهم في الدين ، فهذا الخلاف السائغ يمنع من الاحتساب عليه ، أما الخلاف غير السائغ ، فهو الخلاف الباطل الذي لم يقل به أحد الأئمة المجتهدين المقتدى بهم في الدين ، فهذا الخلاف لا يعتد به لعدم قيامه على أي دليل مقبول ، ولا يمنع المحتسب من الإنكار والاحتساب عليه ،

[ أمثلة للحسبة في الإسلام ] : ( أ ) تجري الحسبة في أمور العقيدة، فمن أظهر عقيدة باطلة، أو اظهر ما يناقض العقيدة الإسلامية الصحيحة أو دعا الناس إليها أو حرف النصوص أو ابتدع في العقيدة بدعة لا أصل لها ، منع من ذلك وجرت الحسبة عليه ، ويدخل في ذلك الحسبة على الفرق الضالة كالشيعة والخوارج والمعتزلة والمشبهة والمرجئة ،  (ب ) وتجري الحسبة على العبادات : ويدخل في ذلك ترك صلاة الجمعة من قبل أهل قرية أو بلد مع توافر شرط إقامتها ، أو الافطار في رمضان، أو الامتناع عن اخراج الزكاة ، وهكذا ، (  ت  ) وتجري الحسبة على المعاملات : ويدخل في ذلك الرشوة والغش في الصناعات والمبيعات ، وأكل أموال الناس بالباطل ، والتعامل بالربا ، والتطفيف في الكيل والميزان وغيره من أنواع الغش ، [ فقه الاحتساب ] : الغرض من الاحتساب إزالة المنكر من الأرض وإيجاد المعروف فعلاً، وإذا كان هذا هو الغرض من الاحتساب فيجب أن ينظر المحتسب الى ما يؤول اليه احتسابه من جهة ما يترتب عليه من زوال مفسدة المنكر وحلول مصلحة المعروف مكانه ، وفي ضوء ذلك يقدم أو يحجم عن الاحتساب ،  وذلك لأن الاحتساب إنما يطلب إذا كان من ورائه تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة ، فإذا كان ما يترتب عليه فوات معروف أكبر أو حصول منكر أكبر لم يكن هذا الاحتساب مطلوباً شرعاً وإن كان المحتسب عليه قد ترك واجباً أو فعل محرماً ، لأن على المحتسب أن يتقي الله في عباده وليس عليه هداهم، وليس من تقوى الله أن يتسبب باحتسابه في فوات معروف أكبر أو حصول منكر أكبر، لأن الشرع إنما أوجب الحسبة لقمع الفساد وتحصيل الصلاح ، فإذا كان ما يترتب على الاحتساب مقداراً من الفساد أكبر من الفساد القائم أو يفوت من الصلاح مقداراً أكبر من الصلاح الفائت لم يكن هنا الاحتساب مما أمر به الشرع ، فمن فقه الاحتساب : أن  يتبصر المحتسب في حسبته ، ويزن مقادير المعروف والمنكر التي تنتج عن احتسابه ثم يقدم بعد ذلك على احتسابه او يحجم عنه ،وهذا كله بالنسبة للواقعة المعينة والشخص المعين ، اما بالنسبة للعموم فإن المحتسب يأمر بالمعروف مطلقاً وينهى عن المنكر مطلقاً ، و ( من فقه الاحتساب ) : نستطيع أن نفهم لماذا منع الشرع من الخروج على السلطان بالقوة وحمل السلاح وإن ظهر منه شيء من الفسوق ، لأن الغالب في هذا الخروج حصول مفاسد أعظم من مفسدة فسقه ، وحيث كانت المفسدة أعظم لم يجز الاحتساب ، كما أنَّ الإمام لا يزال في دائرة الإسلام ولم يخرج منه بفسقه ، فيبقى له حق الطاعة على الرعية ما لم يأمر بمعصية فلا يستوجب الاحتساب عليه بالقوة وحمل السلاح واحداث الفتنة والاقتتال بين المسلمين ، كما أنّ السلطان بحاجة الى التلطف معه لما يحس من نفسه من سلطة ، ولأنه محتاج الى الهيبة وقد يتطاول عليه المغرضون بحجة الاحتساب ، فمنعاً لذلك ومراعاة لما يحس هو من نفسه كان الرفق معه في الاحتساب هو المطلوب وبهذا أشار الفقهاء. ويقاس على السلطان نوابه وولاة الأمور. وقد يدل على ذلك و يؤيده ، ما جاء في القرآن الكريم من أمر الله تعالى لنبيه موسى عليه السلام وأخاه هارون وقد أرسلهما الى فرعون بقوله تعالى : { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [ طه : 43 ، 44 ] ، و ( من فقه الاحتساب ) : الأخذ بالرفق ما أمكن ذلك عند الاحتساب ،  ودليل ذلك قوله تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } [ آل عمران : 159 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف )) [ أخرجه مسلم ( 2503 )  ] ، وفعله صلى الله عليه وسلم وهو إمام المحتسبين ، فقد أخرج الإمام أحمد بن حنبل عن ابي امامة رضي الله عنه أن غلاماً شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله أتأذن لي في الزنى؟ فصاح الناس به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم قربوه، أدن، فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : (( أتحبه لأمك، فقال: لا، جعلني الله فداك. قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم. أتحبه لابنتك؟ قال: لا، جعلني الله فداك، قال: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم. أتحبه لأختك حتى ذكر صلى الله عليه وسلم العمة والخالة، والغلام يقول في كل واحدة: لا جعلني الله فداك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: كذلك الناس لا يحبونه. فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره وقال: اللهم طهر قلبه واغفر ذنبه وحصن فرجه، فلم يكن شيء أبغض اليه من الزنى )) [ أخرجه أحمد ] ،  اللهم اجعلنا من عبادك الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

****

 

الدرس التاسع : أخلاق المسلم مع دين الإسلام : خلق حمل أمانة الدين بالجهاد من أجله

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول : حمل أمانة الدين بالتضحية والجهاد من أجله ،  أقول وبالله التوفيق : 

[ ( 1 ) مفهوم الجهاد ]  : ( الجهاد ) لغة : من جَهَدَ جهداً في الأمر : جد وبذل وسعه ، وهو المبالغة واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل ، و ( الجهاد ) شرعا : بذل الوسع والطاقة بقتال الكفار في سبيل الله عز وجل بالنفس والمال واللسان والعتاد ،  وقد يتسع الجهاد ليشمل جهاد النفس والشيطان وغير ذلك، لكنه إذا أطلق فإنما يقصد به القتال لإعلاء كلمة الله ، والجهاد يشمل اللسان كما يشمل النفس والمال : أخرج أبو داود عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((  جاهدوا المشركين بألسنتكم،  وأنفسكم، وأموالكم، وأيديكم )) [  أخرجه أبو داود حديث رقم 2504، والنسائي حديث رقم 3098 ، وأحمد واللفظ له ، 3/153، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/475 ] ، وقوله تعالى عن القرآن : { وجاهدهم به جهاداً كبيراً } [  الفرقان :52 ] ، وقد سماه القرآن الكريم { جهاداً كبيراً } ليدل على مركزه الكبير المتميز بين أنواع الجهاد ،  ومما يؤكد هذه الحقيقة ويزيدها وضوحاً قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر )) [  أخرجه بهذا اللفظ أحمد (3/19) والحاكم (4/505) من حديث أبي سعيد، وأخرجه أبو داود (4344) والترمذي (2174)وابن ماجه (4011)  ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( أفضل الجهاد أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله تعالى )) [  أخرجه أبو نعيم في الحلية ( 2/249  ) من حديث أبي ذر ، وذكره الألباني في الصحيحة (1496) وصححه بشاهد له ] ، وفي بيان المعنى الواسع للجهاد وبيان مراتب الجهاد في سبيل الله : أخرج أحمد وابن حبان والحاكم وصححه ووافقه الذهبي :  (( المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ))  ، ومنه يتضح أن للجهاد معنى خاص هو ( قتال الكفار ) وقد يراد به معنى واسع يشمل جهاد النفس ، وجهاد الشيطان ، وجهاد الدعوة إلى الله تعالى بالقرآن ، وجهاد الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ومقاومة الشر والسعي في إبطاله ، وأنه ليس محصوراً في القتال وحسب ، والجهاد له مراتب عديدة : تبدأ جهاد النفس ، وجهاد الشيطان ، وتشمل جهاد الكفار، وجهاد المنافقين، وجهاد البغاة المعتدين ، وجهاد المبتدعة المارقين ، والطغاة الظالمين ، والفساق والعاصين ، أمرنا الله تعالى بجهادها جميعاً بقوله تعالى : { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ } [  الحج : 78 ] ، وقال تعالى في عاقبة جهادها : { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } [  العنكبوت : 69 ] ، أما جهاد النفس فيكون على الإيمان والعمل الصالح ، وإتباع الحق ، والصبر على الطاعة ، لقوله تعالى : { وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ * } [  سورة العصر ] ، وجهاد الشيطان على ما يلقي إليه من الشهوات والشبهات ، والمعاصي والذنوب لقوله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [  فاطر: 6 ] ، وجهاد الكفار بالمال والنفس ، لقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَ‍قًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  } [  التوبة : 111 ] ، وجهاد المنافقين بالمال واللسان واليد ، لقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [  التحريم : 9 ] ، وجهاد المنافقين يكون بكشف ألاعيبهم، وفضحهم، وبيان مؤامراتهم؛ لأنهم يتآمرون للقضاء على الإسلام، فلابد من جهادهم ، وجهاد البغاة المتحزبين المعتدين بقتالهم لقوله تعالى : { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } [  الحجرات: 9 ]  وجهاد المبتدعة المارقين ، والطغاة الظالمين ، وجهاد الفساق والعاصين ، وهذا يكون بنشر العلم الصحيح والدعــوة إلى الله تعالى ، وبالأمر بالمعـروف، والنـهي عن المنـكر، فجميع ذلك أنواع من الجهاد ، وجهادهم يكون باليد إذا قدر المجاهد على ذلك مع أمن الفتنة ، فإن عجز انتقل إلى اللسان بالنصح والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن عجز جاهدهم  بقلبه ، لما أخرجه مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((  من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )) [  أخرجه مسلم ] ، وأكمل الناس عند الله جهادا من كمل مراتب الجهاد كلها ، والخلق متفاوتون في مراتب الجهاد؛ وأكمل الخلق جهادا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه كمّل مراتب الجهاد وجاهد في الله حق جهاده ، 

[ (  2  ) حكم الجهاد في سبيل الله تعالى ] : ذهب الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الجهاد فرض كفاية ، إذا قام به من يدفع العدو سقط عن الباقين ، وإذا لم يقم به من يكفى أثم الجميع ، ودليلهم في ذلك قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [  التوبة: 122 ] ، وقوله تعالى : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا } [  النساء : 95 ] ، وذهب جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الجهاد يكون فرض عين في ثلاث حالات : ( الحالة الأولى ) : إذا حضر المسلم المكلف القتال والتقى الزحفان وتقابل الصفان، حرم على من حضر الانصراف وتعين عليه المقام ،  لقوله تعالى: {آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} [  الأنفال: 45 ]،  وقوله سبحانه: {آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ، وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [  الأنفال: 15، 16 ]،  وأخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن التولي يوم الزحف من السبع الموبقات [  متفق عليه ] ، ( الحالة الثانية ) : إذا نزل الكفار بلدا من بلدان المسلمين تعين على أهله قتالهم ودفعهم وطردهم منها، ويلزم المسلمين أن ينصروا ذلك البلد إذا عجز أهله عن إخراج العدو ويبدأ الوجوب بالأقرب فالأقرب ، ( الحالة الثالثة ) : إذا استنفر إمام المسلمين قوماً لزمهم النفير معه – لقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [  التوبة : 38 ، 39 ]  وقوله صلى الله عليه وسلم : ((  وإذا استنفرتم فانفروا )) [  متفق عليه ] ، راجع في ذلك [  بدائع الصنائع 7 / 98 ، ملتقى الأبحر ص 355 ، التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل 3 / 348 ، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 174 – 175 ، نهاية المحتاج 8 / 58 – 59 ، شرح الزركشي 6 / 427 ، العدة شرح العمدة ص 582 ] 

[ ( 3 ) فضل الجهاد في سبيل الله تعالى ]  : ( أ ) قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [  التوبة: 111 ]  ، ( ب ) قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [  الصف: 10-13 ] ، ( ت ) قال تعالى: { فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [  النساء: 74 ] ، ( ث ) قال تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [  آل عمران: 169-171 ] ، ( ج ) قال تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [  البقرة: 261 ] ، ( ح ) قال الله تعالى: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا، دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [  النساء: 95 ، 96 ] ، ( خ ) وقال الله تعالى:{  أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } ]التوبة: 19-20[  ،  ( د ) وعن أبى هريرة  رضي الله عنه  قال : ((  سئل رسول الله  صلي الله عليه وسلم أي العمل أفضل  ؟ قال: إيمان بالله ورسوله،  قيل: ثم ماذا  ؟ قال: الجهاد في سبيل الله ، قيل: ثم ماذا  ؟ قال: حج مبرور " [  متفق عليه ] ، ( ذ ) وعن أنس قال: قال رسول الله  صلي الله عليه وسلم: " لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها " [  متفق عليه ] ، ( ر ) قوله صلى الله عليه وسلم : ((  رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأُجري عليه رزقه، وأمن الفتان )) [  أخرجه مسلم ] ، ( ز ) قوله صلى الله عليه وسلم : ((  حرمت النار على عين دمعت أو بكت من خشية الله وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله )) [  أحمد ، والنسائي، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي 2/653 ] ، ( س ) قوله صلى الله عليه وسلم : ((  عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله )) [  الترمذي ، وحسنه، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/127 ] ، ( ش ) قوله صلى الله عليه وسلم : ((   رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عيها )) [  متفق عليه  ] ، ( ص ) قوله صلى الله عليه وسلم : ((  لغدوةٌ في سبيل الله أو روحةٌ خير من الدنيا وما فيها )) [  متفق عليه  ]، ( ض ) قوله صلى الله عليه وسلم : ((  ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار )) [  أخرجه البخاري ] ، ( ط ) قوله صلى الله عليه وسلم : ((  أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف )) [  متفق عليه ] ، ( ظ ) أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((  دلني على عمل يعدل الجهاد ؟ قال: ( لا أجده )  قال: ( هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر )  ؟ قال: ( ومن يستطيع ذلك  ؟)) [  متفق عليه ] ، ( ع ) قوله صلى الله عليه وسلم : ((  إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجَّر أنهار الجنة )) [  أخرجه البخاري ] ، ( غ ) قوله صلى الله عليه وسلم : ((   والذي نفسي بيده لا يُكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يُكلم في سبيل إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك )) [  متفق عليه ] ، ( ف ) قوله صلى الله عليه وسلم : ((  ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة )) [  متفق عليه  ] ، ( ق ) وأخرج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه سئل عن هذه الآية: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [  آل عمران: 169 ]،  قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا ؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا [  أخرجه مسلم ] ، ( ك ) قوله صلى الله عليه وسلم : ((  من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه )) [  أخرجه مسلم ] ، ( ل ) قوله صلى الله عليه وسلم : ((  يُغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين )) [  أخرجه مسلم ] ، ( م ) أخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله، أي الناس أفضل ؟ فقال: ((  مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله" قال: ثم من ؟ قال: "ثم مؤمن في شعب من الشعاب يعبد الله ربه ويدع الناس من شره )) [  متفق عليه ] ، ( ن ) قوله صلى الله عليه وسلم : ((  مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صلاة، ولا صيام، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله )) [  متفق عليه ] ، ( و ) قوله صلى الله عليه وسلم : ((  رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد )) [  أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه ، و وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه 2/359 ]  ، 

[ (  4  ) الترهيب من ترك الجهاد ]  : إنّ حب الجهاد علامة الإيمان وكراهيته علامة النفاق : قال تعالى: { لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ } [  التوبة:44 إلى 46 ] ، وقال تعالي: { قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } ]التوبة:24[  ، وقال تعالي: { فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } ]التوبة:81[   ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((  من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق ))  [  أخرجه مسلم ] ، وقد عد أهل العلم ترك الجهاد العيني من كبائر الذنوب ، قال الحافظ ابن حجر الهيتمي في كتابه الزواجر: "الكبيرة التسعون والحادية والثانية والتسعون بعد الثلاثمائة: ترك الجهاد عند تعينه؛ بأن دخل الحربيون دار الإسلام أو أخذوا مسلمًا وأمكن تخليصه منهم، وترك الناس الجهاد من أصله، وترك أهل الإقليم تحصين ثغورهم بحيث يخاف عليها من استيلاء الكفار بسبب ترك ذلك التحصين" [  الزواجر عن اقتراف الكبائر" للهيتمي : (2/163) ]  ، قال ابن كثير: "وقال الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه - ومعنا أبو أيوب الأنصاري - فقال أناس: ألقى بيده إلى التهلكة· فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية؛ إنما نزلت فينا؛ صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار نجيًا فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصره حتى فشا الإسلام وكثر أهله - وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد - وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهم فنزل فينا: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة: من الآية195)،  فكانت التهلكة: الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد" [  تفسير ابن كثير": (1/228) ] ، كما أن في ترك الجهاد إضعافًا لعقيدة الولاء والبراء؛ وذلك كما مر بنا سابقًا أن عقيدة الولاء والبراء تتناسب طردًا مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله عز وجل؛ فكلما ركن العبد عن الجهاد ضعفت عقيدة الولاء والبراء وأصابها الوهن؛ وكفى بذلك خطرًا ، وبترك الجهاد يفشو الشرك والظلم ويعلو الكفر وأهله ويستعبد الناس بعضهم بعضًا، ولا يخفى ما في ذلك من الشقاء والتعاسة والفساد الكبير على الناس قال الله تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة: من الآية251)، وقال تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: من الآية40) ،

[ ( 5 ) أهداف وغايات الجهاد في الإسلام ] : الجهاد في الإسلام لم يكن مقصده التدمير والتخريب وقتل الأبرياء وترويع الآمنين ، بل أن مقاصده وغاياته ربانية شريفه نبيلة  تتلخص فيما يلي : ( 1 ) تامين حريه نشر الدين : فإنّ القاعدة الربانية التي بنى عليها المسلمون عقيدتهم القتالية في هذا الخصوص هي قوله تعالى : { لا إكراه في الدين  قد تبين الرشد من الغي } [ البقرة : 256 ] ، ، لذا فان اعتناق وإتباع الدين في الإسلام ليس بالاكراة وبحد السيف ، بل هو بالدعوة اللينة الحسنه ،المبنية على أسلوب الإقناع وليس الإكراه والإجبار ، قال تعالى : { ادع الى سبيل  ربك بالحكمة والموعظة الحسنه وجادلهم بالتي هي احسن } [ النحل : 125 ] ، ،لذلك فان أسلوب الإسلام في جذب الناس الى الدين هو الحكمة والموعظة الحسنه والإقناع العقلي لذلك فان المسلمين لم يقاتلوا من اجل اجبار الناس على اعتناق الإسلام بالقوة ،بل كان الهدف هو تامين الحماية لحرية العقيدة وتامين حرية انتشارها بين الناس ، لان الإسلام قد صان حرية الرأي والتعبير وضمنها للناس ، قال تعالى : { ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } [ يونس : 99 ] ، ( 2 ) الدفاع عن الدعوة :  لابد ان تكون الدعوة محفوظة ومصانة من عبث العابثين ومن اعتداء المعتدين لتكون عزيزة الجانب مهابة الحمى ، لقد تعرض المسلمون في بداية الدعوة الى ألوان مختلفة من العذاب والظلم والاعتداء ، لدرجه أنهم هاجروا وتركوا أموالهم وديارهم وأهليهم ، وجلسوا في المدينة يتحملون الظلم ويصبرون عليه ولم يردوا بالحرب والعدوان منتظرين أمر الله ،حيث كان يقول لهم صلى الله عليه وسلم : (( لم أومر بقتال ، لم اومر بقتال )) ، إلى أن جاء أمر الله بالدفاع عن الدعوة ورد الظالمين ، وحماية الدين وتوفير الأجواء المناسبة لهم للعبادة ونشر الدين الجديد وتامين حمايته ، حيث قال تعالى : { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير } [ الحج : 39 ] ،عندها استجاب المسلمون لأمر الله فكانت حربهم حربا دفاعيه ليست أداة للهدم والتخريب والإفساد وإذلال الناس وتحقيق المنافع وإشباع المطامع ، بل هي حفظ لتوازن ومنعا للظلم والتعسف والطغيان ، ولا أدل على ذلك من قوله تعالى : { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين } [ البقرة : 190 ] ، وتنبه الآيات الكريمة إلى ان على المسلمين  ان ينتهوا من القتال  عندما يرتفع العدوان عنهم  ، ( 3 ) رد العدوان الخارجي :  وذلك امتثالا لقوله تعالى : { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ، ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين } ، وهذا يدلنا على ان الحرب في الإسلام حرب دفاعيه وليست عدوانية او هجومية بغير وجه حق ،فهم لا يلجؤون إليها الا مكرهين مجبرين ، ويطبقون خلالها مواثيق الشرف والأخلاق ولا يقومون بما يتنافى مع مبادئ الإسلام السمحة وقيمه النبيلة ، ولا ابلغ من نهي النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بقوله : (( لا تقتلوا أصحاب الصوامع )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد : (( لا تقتلوا ذريه ولا عسيفا )) ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : (( ألا لا تقتلوا الذرية ، ألا لا تقتلوا الذرية )) ، ( 4 ) تحقيق السلام وتثبيت أركانه : لا يمكن أن يكون للامه هيبة بغير جيش قوي يدافع عنها عند الشدائد والمحن ، ويمنع العدو من ان تسول له نفسه ان يعتدي عليها ، وان جاهزيه هذا الجيش للحرب في كل وقت وحين ، يجعلها مهابة الجانب عزيزة كريمه يهابها أعدائها ويحترمون إرادتها ،ويمنعهم من التعرض لها عند ذلك يسود الأمن والسلام ،ان السلام – وليس الحرب – هو غاية الإسلام وهدفه ، مصداقا لقوله تعلى : { يا أيها الذين امنوا ادخلوا في السلم كافه } ، وقوله تعالى أيضا : { وان جنحوا للسلم فاجنح لها  } ،فلم يدعوا الإسلام إلى الحرب والقتال بل ان من أهداف الإسلام العامة هو تحقيق السلام بين الأمم ،لان الهدف المتوخى من إتباع الإسلام هو تحقيق السلام وليس الحرب ، والمشكلة تكمن في الاعداء لأمة الإسلام ، قال تعالى في وصف حالهم : { وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا } [ البقرة : 217 ] ، وقال تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ] ، وقال تعالى – آمرا المؤمنين بالإعداد لرد شرهم وكيدهم وفتنتهم -  : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ } [ التوبة : 60 إلى 62 ] ،

[ ( 6 ) أخلاقيات الجهاد في دين الإسلام ]  : الهدف الأسمى من الجهاد إضافة إلى ما ذكرناه من تامين حريه نشر الدين ، و الدفاع عن الدعوة  ، و رد العدوان الخارجي  ، هناك هدف أسمى ألا وهو : هداية الناس وإخراجهم من الظلمات الى نور الإسلام وعدله وسماحته ، ولأنه كذلك فقد امتاز الجهاد بأخلاقيات مثاليه وحضارية اقتدت بها الأمم المتمدنة واتخذتها كقوانين إنسانيه تطبقها أثناء الحروب والقتال ، ومن ابرز مثاليات الجهاد في الإسلام  ما يلي :  ( 1 ) احترام العهد ، وهو خلق من أخلاق الإسلام ، وصفه من صفات نبيه الكريم ،حتى انه قبل الإسلام كان يسميه قومه الصادق الأمين ، بل انه كان صادقا حتى في المزاح والمداعبة ، فقد اخرج الترمذي عن أبي هريرة انه قال : قالوا يا رسول الله انك تداعبنا ، قال : { إني لا أقول إلا حقا } ، حيث كان صلى الله عليه وسلم يحترم العهد الذي يقطعه على نفسه ولا يحنث به ولا ينكثه ، بل انه كان يحث أصحابه اذا عاهدوا ان يحترموا العهد ولا ينقضوه مهما كانت الظروف والأحوال ، حتى مع المشركين الوثنيين ، قال تعالى : { وان احد من المشركين استخارك فاجرة حتى يسمع كلام الله ثم ابلغه مأمنه } [ التوبة : 6 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( الا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها )) ،  وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ولا يشدها حتى يمضي أمدة أو ينبذ أليهم على سواء )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( من امن رجلا على نفسه فقتله فانا بريء من القاتل )) ، ( 3 ) الوفاء بالوعد :  ، وهو خلق من أخلاق الإسلام ، وصفه من صفات نبيه الكريم ،حتى انه عندما عقد الهدنة مع قريش كانت شروط  الهدنة فيها الغبن والظلم الواضح للعيان حيث كان من شروطها ان يسلم النبي صلى الله عليه وسلم من يلجأ إليه من المسلمين بغير إذن وليه وان لا يطالب بتسليم من يلجأ الى قريش من أتباعه ،  وبعد توقيع الصلح مع سهيل بن عمرو ، جاء ابو جندل ابن سهيل بن عمرو يحجل في قيوده هاربا من مكة ، وأبوه حاضر ، فقال أبوه هذا أول من أقاضيك عليه ، فقال هبه لي فأبى ، فرده إليه وفاء بالوعد ،  وقال له سيجعل الله لك فرجا ومخرجا ، بل هو القائل صلى الله عليه وسلم : (( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا : من إذا حدث كذب ، وإذا وعد اخلف ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر ، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها )) [ أخرجه البخاري ] ،  ( 3 ) معامله الأسرى : قال تعالى : { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا *  إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا } [ الإنسان : 8 ، 9 ] ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه بعد أن جاؤا بثمامة بن اثال بعد ان وقع أسيرا في أيدي المسلمين ، : (( أحسنوا أسارة )) فجمعوا ما عندكم من طعام فبعثوا  به اليه ، وبعد ان رأى هذه الأخلاقيات العظيمة دخل في الإسلام ، وكان صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه في أسرى بدر : (( استوصوا بهم خيرا )) ، وسياسة الإسلام في التعامل مع الأسرى كانت مثاليه لدرجه انه جعل فداء الواحد منهم ليس مالا ولا إكراها على إتباع الدين ولا الأشغال الشاقة ، بل انه جعل فدائهم تعليم أبناء المسلمين القراءة والكتابة ، هل هناك أعظم من القيام بمهمة التعليم والتدريس ، كما أنّ موقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ، عندما وقف مخاطبا قريش وقال لهم : (( يا معشر قريش ما تظنون اني فاعل بكم ؟ ، فقالوا : خيرا ،اخ كريم وابن اخ كريم ، فقال :" اذهبوا فانتم الطلقاء ))  ، هذه هي المبادئ التي قام عليها دين الإسلام ، ( 4 ) احترام الجرحى والمرضى والعزل : فمن الأخلاق العظيمة للإسلام في الجهاد ، العناية بالجرحى والمرضى واحترامه لهم  وخاصة الناس المسالمين والذين لا علاقه لهم بالقتال ،فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وأوصاهم بان لا يتعرضوا للنساء والأطفال والشيوخ الكبار في السن وكل من اعتزل القتال ،فها هو صلى الله عليه وسلم يوصي جنده فيقول لهم : (( انطلقوا باسم الله تعالى وعلى بركه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا امرأة ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين )) ، وقال صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد : (( لا تقتل ذريه ولا عسيفا )) (أي أجيرا )  ، ونهى صلى الله عليه وسلم  كذلك عن التمثيل بالأعداء ، وعدما وقع سهيل بن عمرو في الأسر طلب عمر رضي الله عنه من الرسول أن ينزع ثنيتيه ، كان خطيبا ، فقال لا أمثل بأحد فيمثل الله بي ولو كنت نبيا ، ( 5 ) دفن القتلى ومنع التمثيل بهم :  نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التمثيل بالقتلى في الحرب ، وذلك لان الحرب في الإسلام ليست لتشفي والانتقام وليست حرب غل وحقد بل هي حرب دعوة وهداية القصد منها إخراج الناس من الظلمات الى النور وإرشادهم لما فيه خيرهم وصلاحهم ، قال صلى الله عليه وسلم موصيا وموجها أصحابه : (( إياكم والمثلة )) ، بل انه صلى الله عليه وسلم أمر بدفن جثثهم واحترامها من ان تكون طعاما للوحوش الكاسرة والطيور الجارحة ،ففي بدر أمر صلى الله عليه وسلم بدفن قتلى المشركين في القليب ،  ( 6 ) صيانة الأعراض والأموال ، و عدم الاعتداء على المتعبدين ، وعدم هدم البيوت وتخريب العمران : الحرب في الإسلام لا تشن للعدوان والبغي والانتقام بل أنها تشن لتوطيد أركان السلام وتصون الأرواح وتحفظ الأعراض والأموال وقد كانت أخلاقيات الحرب في الإسلام سببا رئيسيا لدخول كثير من الناس الى هذا الدين أفواجا وجماعات لقناعتهم بأنه دين الرحمة والسلام ، يقول (مونتغمري) عن أخلاقيات الحرب في الإسلام : (  كان المسلمين يستقبلون في كل مكان يصلون إليه كمحررين للشعوب من العبودية وذلك لما اتصفوا به من التسامح والانسانيه والحضارة ،مما زاد من إيمان الشعوب بهم علاوة على تميزهم بالشجاعة والصلابة في القتال وقد ادى هذا الى اعتناق معظم الشعوب التي انتصر عليها العرب الدين الإسلامي )  ، هذه شهادة الأعداء وليس الأصدقاء لذا فهي بريئة من التحيز والتزلف  ، والنبي صلى الله عليه وسلم في وصاياه للمجاهدين : (( ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب الصوامع ))  ، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن قتل الضعفاء والنساء والأطفال ، وقد سار على نهجه الشريف خلفائه من بعدة فها هو ابو بكر الصديق يوصي قائد جيشه الخارج للقتال فيقول له : ( وذا نصرتم فلا تقتلوا شيخا ولا امرأة ولا طفلا ، ولا تحرقوا زرعا ولا تقطعوا شجرا ، ولا تذبحوا بهيمة إلا ما يلزمكم للأكل ولا تغدروا إذا هادنتم ولا تنقضوا اذا صالحتم )  ،  وكان من قواعد الحرب في  الإسلام احترام المتعبدين في صوامعهم حتى ولو كانوا على غير دين الإسلام ، وهذا يدل على سماحه وعدل الإسلام وبأنه لا يجبر احد على ترك دينه والتحول الى الإسلام لان قاعدته هي { لا إكراه في الدين } ،   وروى ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( لا تقتلوا أصحاب الصوامع )) ،  ( 7 ) احترام السفراء والرسل :  تبادل الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام السفراء مع الدول المجاورة له وبعث الرسل إلى الملوك والأمراء والزعماء يدعوهم الى الدين الجديد ، وكانت تأتيه الرسل للرد على رسائله ، وقد كان لهؤلاء الرسل عند نبينا الكريم الأمان والحماية ، لأنّ الرسل والسفراء في الإسلام آمنون لا يقتلون ولا يعتدى عليهم ولهم حق الجوار والعهد ما داموا داخل ديار الإسلام ، ومن سيرته صلى الله عليه وسلم في هذا الخصوص انه قال لرسولي مسيلمة الكذاب عندما سمع منهما كلاما جارحا : (( لو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما ))  ، وقصه أبي رافع رسول قريش تؤكد صحة ذلك ، حيث قدم أبو رافع رسولا لقريش للنبي صلى الله عليه وسلم فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله إني لن ارجع إليهم ابدا ، فقال له الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : ((  إما إني لا اخيس بالعهد ولا احبس البرد ولكن ارجع فان كان في قلبك الذي في قلبك فارجع )) قال : فرجعت ، ثم أقبلت إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وأسلمت ))  ، ( 8 ) العفو والصفح :  إن الله تعالى بعث النبي عليه الصلاة والسلام رحمه للعالمين وذلك مصداقا لقوله تعالى : { وما أرسلناك إلا رحمه للعالمين } ، فقد كانت رحمته صلى الله عليه وسلم في كل وقت وحين فهي في الحرب كما هي في السلم  ، الرسول الكريم في اشد المواقف وأعسرها وفي أحلك ساعات القتال بل وهو في اوج انتصاره  ، على أولئك الذين  أذوه وضربوه وطردوه من بلده ، عندما جاءها  فاتحا يقول لهم : (( اذهبوا فأنتم الطلقاء )) ، ولم يكونوا أسلموا بعد ، إنها رحمه نبوية ليس بعدها رحمه ، كما سجل التاريخ مواقف كثيرة من سيرة الفتوحات التي قام بها جند الإسلام المجاهدون تدل على الرحمة والتسامح والعفو والصفح مما ترك أثارا عميقة في نفوس سكان الديار المفتوحة فكان دافعا لهم يدخلوا في دين الإسلام عن رغبه ومحبه ،فقد كتب المسيحيون في بلاد الشام إلى ابي عبيدة  أثناء فتح الشام يقولون له : ( يا معشر المسلمين انتم أحب إلينا من الروم وان كانوا على ديننا وانتم أوفى لنا وارأف بنا واكف عن ظلمنا وأحسن ولاه علينا )  ، وهذه شهادة أهل البلاد المفتوحة في المسلمين ، ومثل حال هؤلاء القوم الكثير كالفرس الذين لم يقاوموا المسلمين الفاتحين لبلادهم لان حكامهم قد استبدوا وظلموا ، وكذلك الحال في أسبانيا عندما دخلها المسلمون فوجدوا  سكانها يتعرضون لمذله والإهانة على يد القوط فرحب السكان بهم وفتحوا بسهوله ويسر ، يقول الكونت (هنري دي كاستري) : ( ان المسلمين امتازوا بالمسالمة وحرية الأفكار في المعاملات ومحاسنه المخالفين ) ،شهادات تكتب بماء الذهب تدل على رحمه المجاهدين وإحسانهم إلى أهل البلاد التي فتحوها ،  ( 9 ) عقد الصلح والمعاهدات :  أمر الله سبحانه وتعالى نبيه ان يرضى بالصلح وان يقبل دعوة السلم اذا ما دعي إليها حيث قال تعالى : { وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله انه هو السميع البصير } [ الأنفال : 61 ] ، والهدنة هي صلح على شروط ، وشروط الصلح في الإسلام ان يكون فيه مصلحه عامه وان لا يكون فيه أباحه لما حرمته الشريعة او تحريم لما أباحته الشريعة مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم : (( الصلح جائز بين المسلمين الا صلحا احل حراما او حرم حلالا  ))  ،

[ ( 7 ) أسباب انتصار الصحابة المجاهدين على أعدائهم وبلوغهم بالإسلام مشارق الأرض ومغاربها ] : لم يأت ذلك من فراغ ، بل له أسباب عظيمة ، وأهم تلك الأسباب :  ( 1 ) العقيدة الراسخة والإيمان الراسخ بالله ربا وبالإسلام دينا وبالرسول صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا : وهذه العقيدة هي سر قوة الأمة ومنعتها ، ،لقد كان إيمانهم مطلقا راسخا بالله لا يتزعزع رغم كل المغريات والأسباب ، لقد كان هاجس القوم هو إعلاء كلمه الله ونشر الدين الجديد والدفاع عن العقيدة التي رسخت في نفوسهم وضمائرهم ،فبذلوا من اجل ذلك المال والولد وكل ما يملكون بل أغلى ما يملكون وهو نفوسهم التي بين أظهرهم حبا لله ولرسوله وتنفيذا لأوامر الله بالدفاع عن الدين وحمايته من العدوان ونشرة في بقاع الأرض كلها  ،  ، قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه : نحن أمة أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله ، وقد جاء عن بعض الصحابة قولهم : أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم ، وفي معركة القادسية ، بعث سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه ربعي بن عامر رضي الله عنه رسولاً إلى رستم قائد الفرس ، فدخل عليه ، فقالوا له : ضع سلاحك فقال : إني لم آتِكم وإِنّما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإِلا رجعت ، فقال رستم : إئذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النَّمارق فخرَّق عامتها ، فقالوا له : ما جاء بكم ؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضِيق الدنيا إلى سعَتَها ، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإِسلام ، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه ؛ فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه ، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضيَ إلى موعود الله ، قالوا : وما موعودُ الله ؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى ، والظفر لمن بقي ، فقال رستم : لقد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا ؟ قال : نعم ، كم أحبُّ إليكم؟ يوماً أو يومين ، قال : لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا ، فقال : ما سنَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخِّر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث ، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل ، فقال :أسيِّدهم أنت ؟ قال: لا ، ولكن المسلمون كالجسد الواحد يُجير أدناهم على أعلاهم ، فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال : هل رأيتم قط أعزَّ وأرجح من كلام هذا الرجل ؟ فقالوا : معاذ الله أن تميل إِلى شيء من هذا وتدع دينك إلى هذا الرجل أما ترى إلى ثيابه ؟ فقال : ويلَكم لا تنظروا إلى الثياب ، وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة، إن العرب يستخفُّون بالثياب والمأكل ويصونون الأحساب ]] ، لقد حولت العقيدة الراسخة الصحابة رضي الله عنهم الى قوم شجعان لا يهابون الموت ويقدمون عليه بنفوس مطمئنه لأنهم امنوا وتيقنوا بان ما عند الله خير وأبقى وبان ثمن ذلك كله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، لقد كان جهادهم بلا تهور ، ولا اندفاع أهوج ، بل كان وفق أسس عسكرية مدروسة وأهداف ربانية سامية ، لقد حولت العقيدة الراسخة هؤلاء القوم الى مجاهدين صادقين ليس لهم هدف سوى نشر الإسلام والسلام والعدل والمساواة والإخاء والرحمة بين بني الإنسان ،  ( 2 ) السبب الثاني : القيادة الربانية العظيمة : لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو القائد المثالي : الحكيم الشجاع الحازم القائد الفذ شهد له الأعداء قبل الأتباع بالكمال في أخلاقه القيادية وأخلاقه الربانية  ،  وأخلاقه الإنسانية ، وها هو علي رضي الله عنه يقول : (( انا كنا إذا اشتد الخطب واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا الى العدو ))  !!! ، نال محبه أصحابه رضي الله عنهم حتى ان احدهم كان يفديه بكل ما يملك من مال وولد ونفس وكل نفيس ، ولا أدل على ذلك من قول عروة بن مسعود الثقفي مندوب قريش للمفاوضات في الحديبية عن الرسول صلى الله عليه وسلم ،حيث يقول لأصحابه :"يا معشر قريش أني جئت كسرى في ملكه ، وقيصر في ملكه ،واني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد ،لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوؤه ، ولا يسقط من شعرة شيء الا أخذوه ، وإنهم يسلمونه لا لشيء أبدا )) ،هذه شهادة مندوب الأعداء فكيف بالأصحاب والمقربين الذي خبروا وعرفوا صفاته عن كثب وقرب ، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ،  كذلك  فقد ربى النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على الأخلاق الفاضلة والسجايا الكريمة وحسن المعشر ولين الجانب ، وبنى فيهم نفوسا وأجساما اصلب وأقوى من راسيات الجبال ،فكان الواحد فيهم يعد بألف رجل فهم الدعاة كما هم المحاربون ، وهم القادة كما هم الجنود في ذات الوقت ، فكانوا فعلا كما أرادهم النبي صلى الله عليه وسلم والدليل على ذلك ان الإسلام استمر وانتشر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفس القوة ، لأنه كان هناك قادة من بعده يحملون الرسالة ويدافعون عن هذا الدين ، ويشعرون بالمسؤولية تجاه نشره ، ولديهم القدرة على اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب  ، والناظر في سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام ، يجد كيف كان يتعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه على أنهم قادة لهم رأي ، ولهم مواقف ، ويشاركون في صنع القرار ، ومن أمثله  ذلك؛  ما حدث في غزوة بدر حينما نزل النبي صلى الله عليه وسلم أول ما نزل في مكان معين ، جاءه الحباب بن المنذر رضي الله عنه ، فقال : (( يا رسول الله أهذا منزل أنزلكه الله (أي إذا كان وحي فلا يد لنا فيه ولا اعتراض) أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟" ،قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : (بل هو الرأي والحرب والمكيدة) قال : "فما هذا بمنزل" ،  فقام النبي صلى الله عليه وسلم ، وغيّر مكان الجيش الذي اختاره هو ، وغير الخطة كلها بناءً على اقتراح وجيه جاءه من مجاهد في الجيش  ،  ( 3 ) السبب الثالث : التجرد والتضحية من أجل الدين : الصحابة رضي الله عنهم وهبوا حياتهم وما يملكون فيها لأجل دينهم ، وصفهم الله تعالى بقوله : { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } ، ووصفهم بقوله : { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } ، ووصفهم بقوله : { رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } ، باعوا أنفسهم لله لا يقيلون ولا يستقيلون ، سجل القرآن بيعتهم بقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [  التوبة: 111 ] ، فقالوا والله لا نقيل ولا نستقيل ، لذا مكن الله تعالى لهم في الأرض عملا بقوله تعالى : { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } ، فأقاموا فيها الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، لقد ضرب الصحابة الكرام أروع المثال في العمل للدين والتضحية من أجله ، والكلام يطول ولا يستوفي الشيء اليسير من ذلك ، لكن إشارة إلى بعض تلك المواقف ،  اشتد عذاب المشركين على المؤمنين ، فجاء خباب بن الأرت رضي الله عنه إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة لـه في ظل الكعبة ، فقال : يا رسول الله ألا تستنصر لنا ، ألا تدعو لنا ؟ فقال : (( قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر لـه في الأرض ، فيجعل فيها ، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم وعصب ، فما يصده ذلك عن دينه ، واللَّه ليُتَمَّنَّ هذا الأمر ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللَّه والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون )) [البخاري ( رقم 3612) ] ، موقف آخر في غزوة بدر الكبرى يدل على التفاني في العمل لدين الله : استشار النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة قبل بدء المعركة ؛ فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال وأحسن ، ثم عمر بن الخطاب – رضي اللَّه عنه – فقال وأحسن ، ثم استشارهم ثانياً ، فقام المِقْدَاد فقال : يا رسول اللَّه ، امض لما أمرك اللَّه فنحن معك ، واللَّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون ، [نقاتل عن يمينك ، وعن شمالك ، ومن بين يديك ، ومن خلفك ، ثم استشار الناس ثالثاً ، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم ، فبادر سعد بن معاذ فقال : يا رسول اللَّه كأنك تريدنا   ، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم : فاظعن حيث شئت ، وصل حبل من شئت ، واقطع حبل من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ، وأعطنا ما شئت ، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت ، وما أمرتنا فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك ، فو اللَّه لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك ، والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فَخُضْتَهُ لخضناه معك ، ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدواً غداً ، إنا لَصُبُرٌ في الحرب ، صُدقٌ في اللقاء ، ولعل اللَّه يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة اللَّه ، فأشرق وجه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وسُرَّ بما سمع ، ونشطه ذلك ، ثم قال : (( سيروا وأبشروا ، فإن اللَّه قد وعدني إحدى الطائفتين ، ولكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم )) [ انظر : سيرة ابن هشام ، 2/253، وفتح الباري، 7/287 ] ، مواقف أخرى من عزوة أحد تدل على التفاني في العمل لدين الله : خلص المشركون إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فجرحوا وجهه ، وكسروا رباعيته اليمنى ، وكانت السفلى ، وهشموا البيضة على رأسه ، وقاتل الصحابة دفاعاً عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  وكان حول النبي صلى الله عليه وسلم سبعة من الأنصار ، فقال صلى الله عليه وسلم لما رهقوه ، وقربوا منه : (( من يردهم عنا وله الجنة ، أو هو رفيقي في الجنة )) ، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ، ثم رهقوه أيضاً فقال : (( من يردهم عنا وله الجنة )) ، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة ، [ والحديث أخرجه مسلم ( رقم 1789 ) ] ، وموقف آخر من عزوة حنين يدل على التفاني في العمل لدين الله :: قال تعالى : { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ،  كانت هوازن قد جعلت جيوشها  على شكل كمائن في مداخل ومضايق وشعب وادي حنين ، ووضعت خطتها على مفاجأة المسلمين بالسهام القاتلة ، وعند السحر دخل المسلمون وادي حنين وهم لا يدرون بوجود كمائن العدو، وفجأة انهالت السهام عليهم من كل مكان والعدو يهجم عليهم هجمة رجل واحد، فأصيب المسلمون بالدهشة والإرباك وتراجعوا بدون نظام ، فانحاز النبي صلى الله عليه وسلم إلى جهة اليمين ثم نادى على المسلمين ، وخصص النداء للمهاجرين والأنصار وأهل بيعة الرضوان، حتى اجتمع عنده خاصة أصحابه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن حمي الوطيس» ثم أخذ قبضة من تراب الأرض ورمى بها في وجوه القوم وقال : «شاهت الوجوه» ولم تمر سوى ساعات قلائل حتى انهزم العدو هزيمة منكرة، وفروا إلى عدة أماكن مختلفة ،  هؤلاء هم الذين صدقوا في الدين ما عاهدوا الله عليه ، فصدق فيهم قول الله تعالى : { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا  } ، وهؤلاء الذين صدقوا مع الله فقال الله تعالى فيهم : { وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ } ، وهم الذين أمرنا القرآن باتباعهم فقال سبحانه : {يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ الله وَكُونُواْ مَعَ الصّادِقِينَ} [ التوبة : 119 ] ، لقد وهب الصحابة أرواحهم وأوقاتهم وأنفسهم وأموالهم لدين الله تعالى فأعزهم الله تعالى بالإسلام ، قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه : نحن أمة أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله ، وقد جاء عن بعض الصحابة قولهم : أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم ، ونحن لا اعتزاز لنا إلا بالإسلام ،  اللهم احينا على دين الإسلام وأمتنا عليه واجعل فيه عزنا ومجدنا ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت ، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت ، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، الباحث الشرعي : مجدي محمد على محمد ، حاصل على الشهادة العالمية في العلوم الشرعية الإسلامية ، [ موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com] ،

***

 

 

سلسلة الأخلاق الإسلامية ( 2 ) أخلاق المسلم مع الرسول صلى الله عليه وسلم -  مجدي محمد

موقع : دار الإصلاح والتجديد ،   www.dar-eslah.com

ويشتمل على تلك الدروس :

الدرس الأول : أخلاق المسلم مع الرسول : حقوق الرسول صلى الله عليه وسلم

الدرس الثاني : أخلاق المسلم مع الرسول : الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم

الدرس الثالث : أخلاق المسلم مع الرسول : نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم

الدرس الرابع : أخلاق المسلم مع الرسول : محبة الرسول صلى الله عليه وسلم

***

 

الدرس الأول : أخلاق المسلم مع الرسول : حقوق الرسول صلى الله عليه وسلم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى : كيف تكون أخلاق المسلم مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، أتناول فيها بمشيئة الله تعالى : بيان حقوق الرسول على كل مسلم ، وبيان معاني أخلاق الإيمان بالرسول ، ووجوب نصرة الرسول ، ووجوب محبة الرسول محبة تفوق محبة النفس والوالدين والأهل والولد ، أقول وبالله التوفيق :  من معاني شهادة أن محمداً رسول الله : أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه محمداً صلى الله عليه وسلم هو الرسول الصادق الأمين المبلغ عن الله تعالى شرعه ودينه فنصدقه فيما أخبر ونطيعه فيما أمر ولا نعبد الله تعالى إلا بما شرع فطاعته من طاعة الله واتباعه هو الطريق الصحيح الأوحد إلى عبادة الله ونيل رضاه ،  قال ابن عباس رضي الله عنهما : ما خلق الله تعالى ، وما ذرأ ، وما برأ نفساً ـ أكرم عليه من محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وما سمعت الله تعالى أقسم بحياة أحد غيره ، قال تعالى : {  وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ  } [ آل عمران : 81 ] ،

من أهم حقوق الرسول صلى الله عليه وسلم على كل مسلم : الإيمان الصادق به - صلى الله عليه وسلم -  قال تعالى : { فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } [ التغابن : 8 ] ، وقال تعالى : {  فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  } [ الأعراف : 158 ] ، الإيمان به  صلى الله عليه وسلم رسولاً من عند الله ، وأنه خاتم الأنبياء والرسل وأنه مرسل إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة لا يقبل إسلام المرء إلا بهذا الإيمان وهذا الأمر تضمنته آيات كثيرة في كتاب الله تعالى : منها قوله تعالى { قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً } [ الأعراف : 158 ] ، وقولـه تعـالى { وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيداً } [ النساء : 79 ] ، وقوله تعالى : { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين } [ الأحزاب : 40 ] ، ومن الإيمان الصادق بالنبي صلى الله عليه وسلم ، اعتقاد صدقه  صلى الله عليه وسلم  فيما أخبر : ويدل عليه قوله تعالى : { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } [ النجم : 3- 4 ] ، وما أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو قال كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أريد حفظه فنهتني قريش فقالوا إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ورسول الله يتكلم في الغضب والرضا فأمسكت عن الكتاب حتى ذكرت ذلك لرسول الله – صلى الله عليه وسلم فقال "أكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق" ،

ومن أهم حقوق الرسول صلى الله عليه وسلم على كل مسلم :  طاعته - صلى الله عليه وسلم - وامتثال أمره واتباع هديه : طاعته - صلى الله عليه وسلم - واجبة بكتاب الله عز وجل ، قال تعالى : {  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ  } [ محمد : 33 ] ، وقال تعالى : {  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ  } [ الأنفال : 20 ] ،  قال - صلى الله عليه وسلم - : (( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل يا رسول الله ومن يأبى قال : من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)) [ البخاري ] ، ومما يجب على كل مسلم اتباع هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -  قال تعالى : {  قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ  } [ آل عمران : 31 ] ، فلا بد للمسلم من اتباع هدي نبيه - صلى الله عليه وسلم - واقتفاء آثره والعمل بما جاء به من قول وفعل فللوصول إلى محبة الله ورضوانه ومغفرة الذنوب اتباع ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومن اعتقد أنه يسعه الخروج عن طاعة النبي أو يسعه الوصول إلى الله بغير سلوك طريقه صلى الله عليه وسلم فقد كفر ، قال تعالى : { ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين } [ النساء : 13-14 ] ،

ومن أهم حقوق الرسول صلى الله عليه وسلم على كل مسلم :  الاقتداء به - صلى الله عليه وسلم : قال تعالى : {  أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ  } [ الأنعام : 90 ] ، فلقد أمر الله جل وعلا نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالاقتداء بمن سبقه من الأنبياء والرسل ،  وأمر المسلمين باتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - والاقتداء به فقال تعالى : {  لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا  } [ الأحزاب : 21 ] ،

ومن أهم حقوق الرسول صلى الله عليه وسلم على كل مسلم : توقيره صلى الله عليه وسلم وتعظيم شأنه : فالنبي صلى الله عليه وسلم هو خير خلق الله تعالى وأفضلهم ، وهو أفضل الرسل وخاتم النبيين ، وهو صاحب الوسيلة والفضيلة ، وهو صاحب المقام المحمود مقام الشفاعة للناس يوم القيامة ، أمر الله عز وجل بإجلاله وتوقير واحترامه ، ونهى عن رفع الصوت بحضرته وأنذرهم بإحباط أعمالهم ، وأثنى على الذين يغضون أصواتهم عند حضرته ، فقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون * إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم * إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون * ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم والله غفور رحيـم } [ الحجرات : 3 إلى 5 ] ، ونهى سبحانه أن يدعي الرسول باسمه كما يدعي سائر الناس وإنما يدعي بالنبوة والرسالة فيقال يا رسول الله أو يا نبي الله قـال تعالى : { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكـم كدعاء بعضكم بعضاً }  [ النور : 63 ] ، وأمر سبحانه المسلمين بتوقيره فقال جل شأنه : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا } [ سورة الفتح : 8 ، 9 ] ،  فيجب توقيره صلى الله عليه وسلم وإجلاله وتعظيمه ،  ومن توقيره صلى الله عليه وسلم تعظيم شأنه احتراماً وإكباراً لكل ما يتعلق به من اسمه وحديثه وسنته وشريعته وآل بيته وصحابته رضوان الله عليهم وكل ما اتصل به صلى الله عليه وسلم من قريب أو بعيد ،  فيُرفع من قدره - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يساويه ولا يدانيه أحد من الناس ،  ومن تعظيمه - صلى الله عليه وسلم - تعظيم حديثه فيحترم كلامه صلى الله عليه وسلم فقد روي عن جعفر بن محمد الصادق وكان كثير الدعابة والتبسم أنه إذا ذكر عنده النبي - صلى الله عليه وسلم - اصفر وجهه وما رئى يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا على طهارة ، وكان بن مسعود - رضي الله عنه - إذا حدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علاه كرب وتحدر العرق من جبينه - رضي الله عنه – وأرضاه ، 

ومن أهم حقوق الرسول صلى الله عليه وسلم على كل مسلم :  أَنْ يَتَحَاكَمُ إِلَى سُنَّتِهِ - صلى الله عليه وسلم – وأن يرِّضَى بِحُكْمِهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وأن لا يتقدم على قوله بقول ولا على حكمه بحكم ولا على سنته وهديه برأي ، قال تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليمـاً } [ النساء : 65 ] ، وقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم }  [ الحجرات : 1 ] ، وقال تعالى : { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً } [ الأحزاب : 36 ] ، وقال تعالى : { ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون ، إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائـزون } [ النور : 47 إلى 52 ] ،  [  وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين ] : ليس هذا بالإيمان إن كان الحق بجانبهم جاءوا إلى رسول الله طائعين منقادين ، لعلمهم أنه عليه السلام يحكم بالحق ، [ أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا ] أي هل في قلوبهم نفاق ؟ أم شكوا في نبوته عليه السلام ؟ [ أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ] أي أم يخافون أن يظلمهم رسول الله في الحكم ، [ بل أولئك هم الظالمون ] أي بل هم الكاملون في الظلم والعناد لإعراضهم عن حكم رسول الله ، [ إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ] [ وأولئك هم المفلحون ] ، هم الفائزون بسعادة الدارين ، [ ومن يطع الله ورسوله ] أي ومن يطع أمر الله وأمر رسوله في كل فعل وعمل ، [ ويخش الله ويتقه ] أي ويخاف الله تعالى لما فرط منه من الذنوب ، ويمتثل أوامره ويجتنب زواجره ، [ فأولئك هم الفائزون ] أي هم السعداء الناجون من عذاب الله ، الفائزون برضوانه  ،

ومن أهم حقوق الرسول صلى الله عليه وسلم على كل مسلم : محبته - صلى الله عليه وسلم - ، إِذْ هِيَ مِنْ مَحَبَّةِ اللهِ - تَعَالَى- ، ولا يكون العبد مؤمناً إلا بوجودها ولا يبلغ كمال الإيمان إلا بكمالها وهو أن تكون محبة النبي – صلى الله عليه وسلم – تفوق محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين ، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ  } [ التوبة : 24 ] فَالآيَةُ نَصٌّ عَلَى أَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ -تَعَالَى- وَمَحَبَّةَ رَسُولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَجِبُ أَنْ تُقَدَّمَ عَلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ مَهْمَا كَانَ ، وَهَذِهِ المَحَبَّةُ العَظِيمَةُ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَازِمُهَا أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوْلَى بِالمُؤْمِنِ مِنْ أَيِّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مَهْمَا كَانَ قُرْبُهُ مِنْهُ وَمَحَبَّتُهُ لَهُ ، بَلْ هُوَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوْلَى بِالمُؤْمِنِ مِنْ نَفْسِهِ الَّتِي يُحِبُّهَا أَعْظَمَ المَحَبَّةِ ، وَيُقَدِّمُهَا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، رَوَى الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ : "مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ؛ اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمُ : "النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ" ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ : "أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ" .  ،   إِنَّ المَحَبَّةَ الكَامِلَةَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الَّتِي يَنْجُو بِهَا العَبْدُ مِنَ العَذَابِ ، وَيَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا النَّعِيمَ ؛ يَجِبُ أَنْ تَتَجَاوَزَ مَحَبَّةَ المُؤْمِنِ لِنَفْسِهِ ، وَتَتَخَطَّى مَحَبَّتَهُ لِوَالِدَيْهِ وَأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ وَأَمْوَالِهِ ،  وقد جاء في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم : (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( فو الذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ))  ،   

ومن أهم حقوق الرسول صلى الله عليه وسلم على كل مسلم :  كَثْرَةُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ ؛ كَمَّا صَلَّى عَلَيْهِ رَبُّنَا -عَزَّ وَجَلَّ- وَأَمَرَنَا بِذَلِكَ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- : {  إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا  } [ الأحزاب : 56 ] وَصَلَاةُ اللهِ -تَعَالَى- عَلَيْهِ هِيَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ فِي المَلَأِ الأَعْلَى ، وَصَلَاةُ المَلَائِكَةِ عَلَيْهِ ثَنَاؤُهُمْ عَلَيْهِ بِثَنَاءِ اللهِ -تَعَالَى- ، وَدُعُاؤُهُمْ لَهُ . وَلَيْسَتْ صَلَاتُنَا عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَفَاعَةً لَهُ ؛ فَإِنَّ مِثْلَنَا لَا يَشْفَعُ لِمِثْلِهِ ، وَلَكِنَّ اللهَ -تَعَالَى- أَمَرَنَا بِمُكَافَأَةِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا ، فَإِنْ عَجَزْنَا عَنْهَا كَافَأْنَاهُ بِالدُّعَاءِ ، فَأَرْشَدَنَا اللهُ -لَمَّا عَلِمَ عَجْزَنَا عَنْ مُكَافَأَةِ نَبِيِّنَا- إِلَى الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ ؛ ذَلِكَ أَنَّ أَعْظَمَ خَيْرٍ حُزْنَاهُ وَهُوَ الإِيمَانُ ، وَأَعْظَمُ شَرٍّ حَذِرْنَاهُ وَهُوَ الكُفْرُ كَانَ بِسَبَبِ بَلَاغِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -  ، وَمَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم ، وَاجِبٌ على كل مسلم ؛ فَإِنَّ اللهَ -تَعَالَى- رَتَّبَ عَلَى هَذِهِ العِبَادَةِ العَظِيمَةِ أُجُورًا جَزِيلَةً ، جَاءَتْ بِهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ : فَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَبَبٌ لِمُضَاعَفَةِ صَلَاةِ اللهِ - تَعَالَى- عَلَى العَبْدِ ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ : "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ" ، وَكَانَ مِنْ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ مَنْ يَرَى أَنَّ هَذِهِ العِبَادَةَ أَفْضَلُ العِبَادَاتِ ، قَالَ سَهْلُ بنُ عَبْدِ اللهِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- : "الصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَفْضَلُ العِبَادَاتِ ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَعَالَى- تَوَلَّاهَا هُوَ وَمَلَائِكَتُهُ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا المُؤْمِنِينَ ، وَسَائِرُ العِبَادَاتِ لَيْسَ كَذَلِكَ" . وَكَانَ ابنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَيَقُولُ : "اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ شَفَاعَةَ مُحَمَّدٍ الكُبْرَى وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ العُلْيَا وَآتِهِ سُؤْلَهُ فِي الآخِرَةِ وَالأُولَى كَمَا آتَيْتَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى" . وَمِنْ فَضْلِ اللهِ -تَعَالَى- عَلَى عِبَادِهِ : أَنَّ صَلَاةَ أَحَدِنَا عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَبْلُغُهُ حَيْثُ كَانَ ، فَيَعْلَمُ أَنَّ فُلَانًا صَلَّى عَلَيْهِ ؛ كَمَا قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : "لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا ، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا ، وَصَلُّوا عَلَيَّ ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ . وَيُبَلِّغُهُ صَلَاتَنَا عَلَيْهِ مَلَائِكَةٌ اخْتُصُّوا بِذَلِكَ ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ ابنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : "إِنَّ للهِ مَلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ سَيَّاحِينَ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ" رَوَاهُ أحمد ،  وَلِلصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَوَاطِنُ كَثِيرَةٌ ، مِنْهَا الصَّلاَةُ عَلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ ، وَعِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْهُ ، وَبَعْدَ إِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ ، وَعِنْدَ الدُّعَاءِ ، وَفِي التَّشَهُّدِ فِي الصَّلاَةِ ، وَفِي صَلاَةِ الْجَنَازَةِ ، وَفِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ ، وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتِهَا ، وَفِي الْخُطَبِ : كَخُطْبَتَيْ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ ، وَعِنْدَ كِتَابَةِ اسْمِهِ ، وعند ذكره صلى الله عليه وسلم ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( الْبَخِيلُ الَّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ  )) [ رواه الترمذي وأحمد وصححه الألباني ] ،

ومن أهم حقوق الرسول صلى الله عليه وسلم على كل مسلم : النصح لدينه - صلى الله عليه وسلم : وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الدين النصيحة ، له لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ الدِّينُ النَّصِيحَةُ ] قُلْنَا لِمَنْ قَالَ : [ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ] رواه مسلم . والنصيحة لرسوله صلّى الله عليه وسلّم تكون بنصرته وحمايته حياً وميتاً , وإحياء سنته والعمل بها وتعلمها, وتعليمها والذب عنها, ونشرها, والتخلق بأخلاقه الكريمة, وآدابه الجميلة ، قال بن رجب : ( وأما النصيحة للرسول - صلى الله عليه وسلم - في حياته فبذل المجهود في طاعته ونصرته ومعاونته وبذل المال إذا أراده والمسارعة إلى محبته ، وأما بعد موته ، فالعناية بطلب سنته والبحث عن أخلاقه وآدابه وتعظيم أمره ولزوم القيام به وشدة الغضب والإعراض عمن يدين بخلاف سنته والإيمان به وبما جاء به ، ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه ) انتهى  ،

ومن أهم حقوق الرسول صلى الله عليه وسلم على كل مسلم :  محبة أهل بيته وصحابته - صلى الله عليه وسلم ، محبَّتُهم , وموالاتهم ، وَبَرُّهمْ, وَمَعْرِفةُ حَقِّهِمْ , وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِم, وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ, وَالاسْتِغْفَارُ لَهمْ ، وَالإِمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُم , وَالذَبُّ عَنْهُمْ ، قال صلى الله عليه وسلم ( لا تسبوا أصحابي )  متفق عليه ، وقال : صلى الله عليه وسلم ( إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا الحوض ) متفق عليه ) ،  إن محبة أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومحبة أصحابه رضي الله عنهم ، كل ذلك من محبته - صلى الله عليه وسلم - وهي محبة واجبة ، فمن أبغض أحداً من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أحداً من صحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم ، فقد أبغض النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن محبته مقرونة بمحبتهم ، ومودته مقرونه بمودتهم ، قال تعالى – في حق آل البيت - : { قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } [ الشورى : 23 ] ، وقال - صلى الله عليه وسلم في حق آل البيت - : (( أنشدكم الله أهل بيتي )) [ الشفا بأحوال المصطفى للقاضي عياض ، قال تعالى – في حق الصحابة - : { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [ الفتح : 29 ] ، وقال  صلى الله عليه وسلم - في حق الصحابة - : (( الله الله في أصحابي الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه )) [ أخرجه الترمذي والإمام أحمد في مسنده وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان ] ، 

ومن أهم حقوق الرسول صلى الله عليه وسلم على كل مسلم : أن نوالي أولياءه ، ونعادي أعداءه ، فمن والاه فهو ولينا ، ومن عاداه فهو عدونا ، قال تعالى : {  إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ  } [ المائدة : 55 ، 56 ] ، وقَالَ تَعَالَى : { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ } [ المجادلة : 22 ] ، وَمِنْ ذَلِكَ مَحَبَّةُ عُلَمَاءِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَمُوَالَاتُهُمْ وَتَرْكُ انْتِقَاصِهِمْ وَالْخَوْضِ فِي أَعْرَاضِهم ،

لقد ضرب الصحابة الكرام أروع الأمثلة في أخلاقهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، أخرج البخاري عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هِشَامٍ قال : ( كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآنَ يَا عُمَرُ ) [أخرجه البخاري ح (6142) ]  ،   

لقد بلغ حب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلوب الصحابة مبلغاً عظيماً، إلى درجة أنه شق عليهم أن يتصوروا عدم رؤيتهم له يوم القيامة في الجنة، لما سيبوء به من مقام رفيع وعال وهم دون ذلك ، أخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والضياء المقدسي في صفة الجنة عن عائشة قالت : (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إنك لأحب إلي من نفسي وإنك لأحب إلى من ولدي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك وإذا ذكرت موتي وموتك وعرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل جبريل بهذه الآية { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } ،  وفي زاد المسير: إن لنزول الآية ثلاثة أسباب: أحدها: أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فرآه رسول الله يوماً فعرف الحزن في وجهه، فقال: يا ثوبان ما غير وجهك؟ قال: ما بي من وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك، فأذكر الآخرة فأخاف أن لا أراك هناك، فنزلت هذه الآية ، والثاني: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له ما ينبغي أن نفارقك في الدنيا فانك إذا فارقتنا رفعت فوقنا فنزلت هذه الآية ، والثالث: أن رجلاً من الأنصار جاء إلى النبي وهو محزون، فقال: مالي أراك محزوناً؟ فقال: يا رسول الله غداً ترفع مع الأنبياء، فلا نصل إليك، فنزلت هذه الآية ) أهــ [  زاد المسير 2/125 ] ، وعَنْ رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ قَالَ: (كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: سَلْ فَقُلْتُ أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ قَالَ: أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ قُلْتُ هُوَ ذَاكَ قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ )) [ أخرجه مسلم ح (754) ] ، وأخرج البخاري عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ السَّاعَةِ فَقَال:َ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ قَالَ أَنَسٌ فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ )) [  أخرجه البخاري ح (3412) ] ، وأخرج مسلم عَنْ أَنَسٍ قَالَ: (لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحَلَّاقُ يَحْلِقُهُ وَأَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ إِلَّا فِي يَدِ رَجُلٍ) [  أخرجه مسلم ح (4292) ] ، وأخرج البخاري عَنْ أَبي جُحَيْفَةَ قَالَ: (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ ) [  أخرجه البخاري ح (181) ] ،  لقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم زيداً بن الدثنة في سرية عاصم بن ثابت وخبيب بن عدي، ليفقهوا من أسلم من عضل والقارة في الدين ويقرئوهم القرآن، حتى إذا كانوا بالرجيع أتتهم هذيل فقاتلوهم، ووقع بعضهم في الأسر، ومنهم زيد بن الدثنة  فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه فأمر به مولى له يقال له: نسطاس فخرج به إلى التنعيم فضرب عنقه ولما أرادوا قتله قال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: نشدتك الله يا زيد أتحب أن محمداً عندنا الآن مكانك فنضرب عنقه وإنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي، فقال أبو سفيان: ما رأيت أحداً من الناس يحب أحداً كحب أصحاب