جديد الموقع

شهادة علم ويقين في بيان حال ابن تيمية وبيان مجمل أخطائه في باب العقيدة وأصول الدين

جمــع وإعـداد : مجــدي محمــد علـي

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، فإنّ هذه الرسالة تتناول تقييم علم الإمام ابن تيمية في باب العقيدة وأصول الدين ، وأسأل الله عز وجل أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم إنه ولي ذلك والقادر عليه ،

خطوط عريضة لأهم موضوعات الرسالة :

[ أولا ]  مدخل : في بيان مجمل أخطاء ابن تيمية

[ ثانيا ]  الرد المفصل على أخطاء ابن تيمية في باب العقيدة ، وقد اشتمل على تلك المباحث :

( 1 ) ذهول ابن تيمية عن علم التقديس وجهله العميق بعلم توحيد الذات ،

( 2 ) تجرؤ ابن تيمية في إسناد المكان والجهة إلى الله تعالى وفي نسبة الفوقية الحسية إلى الله  

( 3 ) تورط ابن تيمية في نسبة الحد إلى الله ،

( 4 ) تورط ابن تيمية في مسألة الجسم  والتجسيم  ،

( 5 ) تورط ابن تيمية في قوله بحوادث لا أوّل لها لم تزل مع الله ،

( 6 ) بدعة ابن تيمية الشنيعة وقوله بقيام الحوادث بذات الله تعالى ،

( 7 ) تورط ابن تيمية وزعمه أن الله يتكلم بحرفٍ وصوتٍ وأنه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء ،

( 8 ) عجز ابن تيمية عن تحديد دائرة المتشابه بسبب ذهوله عن علم التقديس الذي لم يدرسه على يد متخصص ،

( 9 ) خطأ ابن تيمية في نسبة اثبات المعنى الظاهر للمتشابهات إلى مذهب السلف وقد كان مذهبهم فيه تفويض المعنى لهذه المتشابهات ،

( 10 ) تجاسر ابن تيمية في نسبته إلى السلف اثبات المعنى الظاهر لمتشابهات الصفات ،

( 11 ) ابن تيمية يشنّ حرباً على التأويل مع أنّه لا مناص منه عند التعارض ،

( 12 ) نصرة ابن تيمية لأقوال شاذة تضر بالعقيدة   ، مثال : ( أ  ) إنكاره المجاز ، ( ب ) زعمه بأنّ خبر الآحاد يفيد اليقين  

( 13 ) ابن تيمية يفني عمره في الرد على أهل الحق الأشاعرة ،

( 14 ) ابن تيمية يفني عمره في نصرة أقوال أهل الحشو التشبيه ،

 

***

 

مدخل ببيان مجمل لأخطاء ابن تيمية

 

ابن تيمية رحمه الله تعالى : كان موسوعة واسعة في كثير من ابواب العلم الإسلامي  ، ولكنه لم يكن متخصصاً تخصصاً دقيقاً في أحد علوم الإسلام بحيث يُشار إليه فيه بالبنان  ، وهو مع عدم تخصصه كان جسورا لم يدع علماً من علوم الإسلام إلا تكلم فيه وخالف أهله بما يراه هو حقاً  ، وكانت تنقصه - في المسائل التي خالف فيها المتخصصين - دقة المتخصصين في ذلك العلم  ، كما أنّه ذهل ذهولاً  شديداً عن علم التقديس  ، ولم يستطع هضمه  ، ولا معرفة قواعده ، ولم يدرسه على يد متخصص فما استطاع هضمه ولا فهمه ، فآل به ذلك إلى عداوة قلبية للسادة الأشاعرة حماة العقيدة والمؤصلين بحق لكل أبوابها على منهاج أهل السنّة والجماعة  ، وأدت تلك العداوة إلى الانتقاص من قدرهم بمناسبة وغير مناسبة  ، كما أنّها سببت خللاً عميقاً عنده عند الحديث عن اهل السنّة والجماعة وأهم صفاتهم وأهم أعلامهم  ، فأدخل الحشوية  في إطار أهل السنّة  ، وأثنى على مؤلفاتهم  ، وفي المقابل صال وجال على علماء أهل السنّة والجماعة من السادة الأشاعرة المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة دون أن يفهم منطلقاتهم التي استقوها من الكتاب والسنّة  ، والتي أجبرتهم على تبني مذهبهم في شتى أبواب علم العقيدة  ، كما أنّه ذهل عن حمل المتشابه على المحكم في أبواب الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والسنّة والبدعة  ، كما يفعل المتخصصون  ، فصال وجال في باب الاسماء والاحكام   بأخطاء آلت بمتبعيه إلى الغلو في جميع تلك الأبواب  ،

[ ففي مجال علوم العقيدة ] : وقع في أخطاء أبرزها :  (  أ  ) أنّه لم يستطع تحديد دائرة المتشابه الصحيحة بدقه بسبب ذهوله عن قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه التي لم يدرسها على يد متخصص ولم يستطع أن يفهمها بمفرده حتى سببت له جفاء وانحراف عن المتخصصين في علم اصول الدين  ،  (  ب  ) نسب إلى السلف مذهب إثبات المعنى عموماً  ، وقد كان هذا مذهبهم حقاً إلا في المتشابهات فقد كان مذهبهم تفويض المعنى  ، وليس اثباته لأنّ المتشابه ليس له معنى فيدرك  ، ولو كان له معنى لما كان متشابها  ، ثم لم يكتف بذلك حتى جعل مذهب التفويض - وهو لا يدرك أنه مذهب السلف الحقيقي - من شر مذاهب الفرق الضالة   ،  (  ت  ) نسب إلى السلف اثبات المعنى الظاهر مع أنّه متعذر في كل الصفات   (  ث  ) شنّ حرباً على التأويل مع أنّه لا مناص منه عند التعارض  ،  (  ج  ) جهله العميق بقواعد التقديس والتنزيه المستفادة من الكتاب والسنّة  ، فسبب خللا في استيعابه لمذهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة  ،  (  ح  ) بسبب عدم تخصصه في العقيدة مال إلى مذاهب المجسمة والحشوية وأثنى على أهلها ومؤلفاتهم ونسبهم إلى السنّة والسنّة منهم براء   ،  (  خ  ) تورط في نسبة الحد والجهة والمكان والحركة والانتقال إلى الله  ، مع أنها من المحال عند المتخصصين في علم العقيدة  ،  (  د  ) نسب علم  (  التقديس وقواعد التنزيه  المستمدة من الكتاب والسنّة  ) إلى علوم اليونان وفلسفتهم  ، مع أنّه مستنبط من أدله الكتاب والسنًة  ، وسار عليه أعلام الأئمة من علماء أهل السنّة والجماعة على مر عصور الإسلام  ، قال تعالى : { لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 84 ]  ، ولأنهم متخصصون علموه  ، وهو لمّا لم يكن متخصصا لم يعلمه  ، فأضر كثيرا بمن تأثر بكلامه فحرمه من أعظم علوم الإسلام الفقه الأكبر في الدين  ،  (  ذ  ) شنّ حملته الشعواء على علماء أهل السنّة والجماعة المتخصصين في العقيدة جميعا  ، ودمّر تخصصاتهم  ، فوصف الأثرية أتباع الإمام أحمد رحمه الله الحقيقيون بأنهم أهل التجهيل  ، وأنهم شر فرق الإسلام لأنّهم مفوضة لعلم المتشابه  ، ونسب أعلام الأشاعرة والماتريدية إلى البدعة في العقيدة وإلى التوبة المزعومة عند الموت  ، وهي توبة مكذوبة موهومة إذ كيف يتوبوا مما يعد أفضل حسناتهم في الرد على المجسمة والمشبهة والحشوية والمعتزلة وسائر الفرق الضالة  ،  ونقل أقوال الحشوية فيهم بأنّهم الجهمية الإناث وأنّهم مخانيث المعتزلة  ، مع أنهم حصون الإسلام في علم العقيدة  ،  (  ر  )  لم يضبط مسائل الإيمان والكفر على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول  ، وكتب فيه على طريقة الحشوية دون ضبط لأصل الإيمان وأهم عناصره  ، ودون تفريق واضح للأصل عن الواجب  ، وأدخل عمل الجارحة في أصل الإيمان فاقترب من مذهب المعتزلة  ، وسبب لدى تلامذته غلواً في التكفير  ،  (  ز  )  لم يضبط مسائل التوحيد والشرك على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في اتهام المسلمين بالشرك  ،  (  س  ) لم يضبط مسائل البدعة والسنّة على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في التبديع  ، كما انفرد عن جمهور علماء أهل السنّة والجماعة بأقوال شاذة وأطال في تقريرها مع أنّها مهما أطال في الكلام عنها لا يمكن أن تكون صحيحة  ، ومن ذلك :  (  أ  ) إنكاره المجاز في القرآن  ، مع أنّه ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال  ، ولما كانت البلاغة هي ذروة البيان العربي  ، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم  ، والقرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز  ، وهذا ما دعا عبد القاهر أن يقول :  (  ومن قدح في المجاز  ، وهم أن يصفه بغير الصدق  ، فقد خبط خبطا عظيما  ) أهـ [ أسرار البلاغة : صـ ٣٦١ ]  ، وقال الزركشي :  (  ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد والحذف وتثنية القصص وغيره  ، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن  ) [ البرهان في علوم القرآن : ٢/٢٥٥ ]  ، وقال السيوطي :  ( ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة ولو وجب خلو القرآن من المجاز وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتثنية القصص وغيرها  ) أهـ [ الإتقان ج : 2 ص : 97 ]  ، وقال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط :  (  والمجاز في كلام العرب أكثر من رمل يبرين ونهر فلسطين  ) أهـ  [ تفسير البحر المحيط  ، سورة البقرة  ، آية 115 ]  ، وقال الشوكاني :  (  وكما أن المجاز واقع في لغة العرب فهو أيضا واقع في الكتاب العزيز عند الجماهير وقوعا كثيرا بحيث لا يخفى إلا على من لا يفرق بين الحقيقة والمجاز وقد روي عن الظاهرية نفيه في الكتاب العزيز وما هذا بأول مسائلهم التي جمدوا فيها جمودا يأباه الإنصاف وينكره الفهم ويجحده العقل وأما ما استدل به لهم من أن المجاز كذب لأنه ينفي فيصدق نفيه وهو باطل لأن الصادق إنما هو نفي الحقيقة فلا ينافي صدق إثبات المجاز وليس في المقام من الخلاف ما يقتضي ذكر بعض المجازات الواقعة في القرآن والأمر أوضح من ذلك وكما أن المجاز واقع في الكتاب العزيز وقوعا كثيرا فهو أيضا واقع في السنة وقوعا كثيرا والإنكار لهذا الوقوع مباهتة لا يستحق المجاوبة  ) [ إرشاد الفحول : 50  ، 51 ]  ، والقرآن الكريم يمتلئ بالمجاز الذي هو ذروة اللغة وسنام بلاغتها  ، ولولا أنّ مجال الحديث هنا لا يتناسب مع الإطالة في باب المجاز لسردت ستمائة آية تدل على المجاز  ، ومن ذلك : التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات  ، كما في قوله تعالى : { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة : 257 ]  ، والتعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة  ، كما في قوله تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ]  ، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية  ، كما في قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ الشورى : 52 ]  ، والتعبير عن المؤمن بالحي الذي يسمع ويبصر فيستفيد بما يسمع ويبصر  ، وعن الكافر بالميت الذي لا يسمع ولا يبصر لأنّه لا يستفيد بهما  ، وهذا كما في قوله تعالى : { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ } [ النمل : 80  ، 81 ]  ، والتعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح  ، كما في قوله تعالى : { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء : 24 ]  ، وقوله تعالى : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 215 ]  ، ومعلوم أنّه ليس للمؤمن جناح يخفضه عند والديه  ، ولا للرسول صلى الله عليه وسلم جناح يخفضه للمؤمنين  ، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب  ، كما يعبر عن التواضع باللين  ، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } [ آل عمران : 159 ]  ، والتعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ  ( 67 } [ التوبة : 67 ]  ، والتعبير بالبسط عن غاية الكرم والسخاء كما في قوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } [ المائدة : 64 ]  ، فاليهود قصدوا بالغل وصف الله تعالى بالبخل { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أي غاية السخاء والكرم { يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ }  ، والتعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين  ، كما في قوله تعالى : { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ } [ هود : 37 ]  ، وقوله تعالى : { وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } [ القمر : 13  ، 14 ]  ، والسفينة لا تجري في أعين الله  ، تعالى الله  ، وإنما هو تعبير مجازي عن رعاية الله تعالى وحفظه لأهل السفينة  ، وقوله تعالى : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } [ طه : 39 ]  ، وقوله تعالى : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } [ الطور : 48 ]  ، ومعلوم أنّ موسى عليه السلام لم يصنع على عين الله تعالى  ، { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي }  ، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في عين الله  ، { فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا  }  ، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة   ، والحاصل أنّه تكلف نفيه ولم يكن صوابا  ،  (  ب  ) ومخالفته لجمهور الأصوليين والفقهاء في زعمه بأنّ خبر الآحاد يفيد اليقين  ، وليس يفيده بحال  ، لأنّ خبر الآحاد العدل وإن كان الراوي حافظاً ضابطاً فإنه غير معصوم من الخطأ في اللفظ أو السهو أو الوهم أو النسيان أو الرواية بالمعنى أو وضع لفظ مكان آخر - وهذا في السنّة كثير -  ، ومع هذا الاحتمال  ، فلا يبلغ بحال ما يفيد المتواتر من مرتبة اليقين  ، لاشك أنّه يوجب العمل  ، ولكنّه لا يفيد اليقين ما كان في مرتبة الآحاد  ،  (  ت  ) دندن حول قدم بعض المخلوقات ووجودها مع الله كالعرش  ، وهذا يضاهي الفلاسفة بقدم العالم  ، وأجاز التسلسل إلى ما لا بداية  ، كما أجاز العقلاء التسلسل إلى ما لا نهاية  ، مع أنّ الفرق بينهما عظيم  ، والاول مستحيل لأنّه يؤول إلى قدم العالم  ، والثاني جائز كبقاء اهل الجنّة واهل النار إلى ما لا نهاية  ،  (  ث  ) وقال بحدوث القرآن  ، وحدوث صفة الكلام  ، ووصف الله تعالى بالسكوت قياساً على صفة الكلام عند البشر  ،  (  ج  ) وصرح بقيام الحوادث بذات الله تعالى  ، حتى قال في منهاج السنّة النبوية  ( 1/ 224 ) :  (  فإن قلتم لنا : فقد قلتم بقيام الحوادث بالربّ ، قلنا لكـم : نعم  ، وهذا قولنا الذي دلّ عليه الشرع والعقل  )  ،  (  ح  ) ودندن حول فعل الأسباب بقوة جعلها الله تعالى في طبعها  ، وهو قول يجرح توحيد الأفعال عند من يفهم أبعاده  ،  (  خ  ) ودندن حول الصلاح والعدل من مبادئ المعتزلة  ، وهي أقوالٌ لا يرضى بها المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة  ،  (  د  ) كما حام حول عدم عصمة الانبياء من الذنوب  ، واقتراف بعضهم للذنوب والتوبة منها  ، ينقل في ذلك الخلاف بما لا ينبغي حفظا لمقام الأنبياء  ،  (  ذ  ) كما دندن حول فناء عذاب اهل النار هو وتلميذه ابن القيم مع ورود الخلود فيها في قريب من أربعين آية من آيات الذكر الحكيم منها قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } [ النساء : 168  ، 169 ]  ، وقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا  } [ الأحزاب : 64  ، 65 ]  ، وقوله تعالى : { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } [ الجن : 23 ]  ،

[ وفي مجال الفقه ] : كان يشن بين الحين والآخر حروبا على أهله المتخصصين فيه بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم  ، وخالف الأئمة المجتهدين في مسائل عديدة  ، وأكثر المسائل التي خالفهم فيها كان الصواب معهم باتفاق الفقهاء  ، وكانت مخالفاته عبئا على المسلمين تزيد من فرقتهم بدلا من وفاقهم  ، مع أن أئمة هذه المذاهب الفقهية المعتمدة بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع  ، واتباع الكتاب والسنّة  ، أضف إلى ذلك قيام أصحابهم على ضبط أقوالهم  ، وكان من بركاتهم أن صقلت مدارسهم الفقهية - على مر عصور الإسلام -  كل ما يتعلق بالفقه ومسائله  ، هذا علاوة على خرقه الإجماع في كثير من مسائل الفروع  ، حتى قال الإمام المجتهد الورع تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي الأنصاري الشافعي  (  683 – 756 هـ  )   في مقدمة كتابه الدرة المضية في الرد على ابن تيمية :  (  أما بعد : فإنه لما أحدثَ ابنُ تيمية ما أحدثَ في أصول العقائد  ، ونقضَ من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد  ، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة ، مظهراً أنه داعٍ إلى الحق هادٍ إلى الجنة ، فخرج عن الاتِّباع إلى الابتداع ، وشذَّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع ، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدسة ، وأن الافتقار إلى الجزء ليس بمحال ، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى ، وأنَّ القرآن محدَثٌ تكلَّم اللهُ به بعد أن لم يكن ، وأنه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات ، وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم والتزامه بالقول بأنه لا أول للمخلوقات  ، فقال بحوادث لا أول لها فأثبت الصفة القديمة حادثة  ، والمخلوق الحادث قديماً  ، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملّةٍ من الملل ، ولا نحلة من النحل ، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاثة والسبعين التي افترقت عليها الأمة ، ولا وقفت به مع أمة من الأمم همة  ، وكلُّ ذلك وإن كان كفراً شنيعاً مما تَقِلُّ جملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع  ، فإن متلقي الأصول عنه وفَاهِمَ ذلك منه هم الأقلُّون  ، والداعي إليه من أصحابه هم الأرذلون  ، وإذا حُوققوا في ذلك أنكروه وفروا منه كما يفرون من المكروه  ، ونبهاء أصحابه ومتدينوهم لا يظهر لهم إلا مجرَّد التبعية للكتاب والسنة والوقوف عند ما دلت عليه من غير زيادة ولا تشبيه ولا تمثيل  ، وأما ما أحدثه في الفروع فأمرٌ قد عمَّت به البلوى ، وهو الإفتاء في تعليق الطلاق على وجه اليمين بالكفارة عند الحنث  ، وقد استروحَ العامَّة إلى قوله وتسارعوا إليه وخَفَّت عليهم أحكام الطلاق ، وتعدى إلى القول بأن الثلاثَ لا تقع مجموعة إذا أرسلها الزوج على الزوجة ، وكتب في المسألتين كراريسَ مطوَّلة ومختصرة ، أتى فيها بالعجب العجاب ، وفتح من الباطل كلَّ باب  ، وكان الله تعالى قد وفَّقَ لبيان خطئه وتهافت قوله ومخالفته لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة  ، وقد عرف ذلك خواصُّ العلماء ومن يفهم من عوام الفقهاء  ، ثم بلغني أنه بثَّ دعاته في أقطار الأرض لنشر دعوته الخبيثة  ، وأضلَّ بذلك جماعة من العوام  ) أهـ [ مقدمة الدرة المضية ]  ،

[ وفي مجال التزكية والتصوف ] : أفنى قسطا كبيرا من عمره في شن الحروب على مدارس التصوف  ، مع أنّ الاولى كان ترشيدها بالنصح والإرشاد واللين والرفق لا محاربتها  ، وتجريح أكابرها السادة الذين جعل الله تعالى لهم لسان صدق عند المسلمين ، فهم الاولياء أهل الاقتداء والوراثة للنبي صلى الله عليه وسلم في  أحوال ومنازل ومعارف الإحسان ، ابن تيمية لأنه لم يكن متخصصا في التزكية فلم يفهم حقائق التصوف ذلك العلم والسلوك القائم على شرح وتطبيق مرتبة الإحسان ، لقد عُرفت مدارس التزكية والإحسان بمدارس التصوف ، والتصوف يحمل في معانيه التزكية والتربية والأخلاق والسوك والإحسان ، ولا مشاحة في الاصطلاح ، وإذا كانت مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان ، وعلوم الدين ثلاثة اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها ، وهي : ( الفقه ) ويتناول مرتبة الإسلام ، و ( العقيدة ) وتتناول مرتبة الإيمان ، و ( التصوف ) ويتناول مرتبة الإحسان ، وأهل العلم بالدين اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة ، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [ الشمس : 9-10 ] ، وقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } [ الْأَعلى : 14 ] ، وهو القائم على مرتبة الإحسان ، المشار إليها في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه : (( قَالَ : فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ : "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" )) [ أخرجه مسلم ] ، لقد اشتمل القرآن الكريم على أصول وقواعد العلوم جميعا ومنها : ( علم الفقه وعلم العقيدة وعلم التزكية ) وكان الصحابة والتابعون على دراية بهذه العلوم ينقلونها للناس يعلمونها لهم دون فصل بينها ، وبعد انقضاء عهد الصحابة والتابعين ، ودخول الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى ، اتسعت دائرة العلوم ، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص؛ فقام كل فريق من أهل الاختصاص بتدوين العلم الذي يحتاج الناس إليه ، وعندما اتسعت الدنيا على المسلمين وأخذ الناس يتناسون الزهد في الدنيا ، وضرورة الإقبال على الله والسير إليه ، دعا هذا الأمر أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التصوف ، وإثبات شرفه وجلاله وفضله ، ومن باب استكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية ، لقد كان من ثمرة التخصص في علم التزكية ظهور أقطاب التصوف الصديقين العارفين الذين رزقهم الله تعالى لسان الصدق في الأمة على مر العصور  ، لقد أكرم الله تعالى الأمة بأهل التصوف والزهد والمعرفة الذين قاموا على علم بتزكية الباطن ، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته ، وبيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين ، إنّ احترام التخصص التزكوي والرد في علم التزكية إلى تلك المدارس الصوفية المتخصصة ، ضرورة علمية وأخلاقية وتربوية ، وذلك لقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 83 ] ، قال حجة الإسلام الإمام الغزالي : ( الدخول مع الصوفية فرض عين، إذ لا يخلو أحد من عيب ، إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ) اهـ ، وقال الإمام الجنيد : ( إذا وفق الله المريدَ ألقاهُ إلى الصُّوفيَّة ) اهـ ، وقال الإمام أبو الحسن الشاذلي : ( من لم يغلغل في علمنا هذا ، مات مُصراً على الكبائر وهو لا يشعر ) اهـ ، وهذا حق لأنهم هم الذين جمعوا علوم الإحسان ووسائل التزكية ، وورثوا عن النبي صلى الله عليه وسلم القيام بمهمة التزكية في الامة ، تلك التزكية التي كانت أحد أهم مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما في قوله تعالى : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [ آل عمران : 164 ] ،  و ( التصوف ) هو القائم على علوم مرتبة الإحسان الواردة في حديث جبريل عليه السلام وفيه : (( قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: "أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك")) [ أخرجه مسلم ] ، وقد أقر أكثر علماء أهل السنة والجماعة على جعل ( التصوف ) علماً مستقلاً مرادفا للتزكية والإحسان ، وذلك كشأن بقية العلوم الأساسية ، وهو علم عظيم واسع من علوم أهل السنة والجماعة يقوم على تزكية النفس ، وتخليتها من دسائس الأخلاق وتحليتها بالأخلاق العظيمة والمبادئ السامية ، مع وجود منهاج عملي يقوم على الذكر والفكر والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة ، من أجل الوصول إلى مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين وأعظمها ،  والشيخ ابن تيمية يشن حربا بلا هوادة على أهل التصوف  بسبب المعلومات المغلوطة والمفاهيم الخاطئة التي تسربت إليه من اهل الحشو ، ألا يخشى من حديث النبي صلى الله عليه وسلم : (( من عادي لي وليا فقد آذنته بالحرب ) [ والحديث اخرجه البخاري ] ، ألا يخشى من معاداة الاولياء والربانيين ، ألا يخشى من حرب الله تعالى ،  فكان الأولى به نصح الاتباع وكشف الادعياء ولكن مع الادب مع جناب السادة الذين جعل الله تعالى لهم لسان صدق عند المسلمين ، فهم الاولياء أهل الاقتداء والوراثة للنبي صلى الله عليه وسلم في  أحوال ومنازل ومعارف الإحسان

[ وفي مجال تعلق المسلمين بالرسول صلى الله عليه وسلم ] : أفتى بحرمة شد الرحال إلى زيارته صلى الله عليه وسلم  ، مع أنّه لا علاقة لحديث شد الرحال بزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم  ، وزيارة المقابر كلها مسنونة  ، فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم  ، أمّا حديث  ((  لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى )) [ متفق عليه ] فالمعنى المقصود منه فهو بتقدير محذوف معناه : لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه بسبب فضلها فيه على غيره من المساجد إلا إلى ثلاثة مساجد فقد فضل الله تعالى الصلاة فيها على سائر المساجد  ، وهي المذكورة  في الحديث المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف والمسجد الأقصى  ،  أما سوء الفهم في بيان المراد من الحديث هو ظن أن المراد من الحديث هو النهي عن زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم  ، بحجة أنه شد للرحال لذلك  ، ولا علاقة بين الحديث وبين زيارة القبر الشريف  ، إذ النهي متعلق بالمساجد فقط  ، ومتعلق بالصلاة فيها بسبب أفضلية الصلاة فيها  ، وإلا فشد الرحال إلى مساجد يتواجد فيها علماء لأجل طلب العلم  ، لا شيء فيها  ، بل جميع اهل العلم على مر عصور الإسلام  ، ما جمعوا العلم الشريف إلا بشد الرحال إلى المساجد لتلقي العلم من علمائها حيث لم توجد جامعات ولا مدارس يطلبون فيها العلم سوى المساجد  ،  كما أن شد الرحال للتجارة جائز  ، وشد الرحال للسفر والاستمتاع جائز  ، وشد الرحال لزيارة الإخوان في الله تعالى جائز  ، فهل كل ذلك جائز  ، وشد الرحال لزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم غير جائز  ،  على أنّ زيارة القبر النبوي فلم يذهب أحد من الأئمة وعلماء الملة إلى عصر بن تيمية إلى عدم شرعيته بل اتفقوا على أنها من أفضل العبادات وأرفع الطاعات  ، والجمهور على ندبها  ، وقال بعض المالكية : إنها واجبة وقال أكثر الحنفية أنها قريبة من الواجب  ، وقريب الواجب عندهم في حكم الواجب  ، وأول من خرق الإجماع فيه وأتى بشيء لم يسبق إليه عالم قبله في هذه المسألة هو ابن تيمية  ، وقد تقدم أنّ عمدة ابن تيمية على هذا المنع حديث :  (  لا تشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد  )  ، مع أنّه لا علاقة له أصلاً بزيارة القبر الشريف  ،

[ وفي مجال الموقف من آل البيت  رضوان الله تعالى عليهم ] : أدى رده على الشيعة الضالة إلى الانحراف قليلاً عن آل البيت  ، فخانته ألفاظه عند الحديث عن أمير  المؤمنين خليفة المسلمين الرابع علي رضي الله عنه  ، وضعّف في فضائله أحاديثاً ليست بضعيفة  ، وحكم على أخرى بالوضع  ، ولا تبلغ هذا الحد  ، حتى قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان  (  6 : 319  ) عند ترجمة والد الحلي الذي ألف ابن تيمية كتابه منهاج السنة النبوية في الرد عليه :   (  وكم من مبالغة له لتوهين كلام الحلي أدت به أحيانا إلى تنقيص علي رضي الله عنه  ) أهـ  ،  وقال في الدرر الكامنة : أن ابن تيمية خطأ أمير المؤمنين عليًا كرم الله  وجهه في سبعة عشر موضعا خالف فيها نص الكتاب ، وأن العلماء نسبوه إلى النفاق لقوله هذا في علي كرم الله وجهه ، ولقوله أيضا فيه :  أنه كان مخذولا ، وأنه قاتل للرئاسة لا للديانة  ) أهـ  ، [ الدرر الكامنة : 1 : 114 ]  ، كما خانته ألفاظه عند الحديث عن سيد شباب أهل الجنّة الحسين رضي الله عنه  ، وموقفه من أوضاع الأمة زمان يزيد  ،

[ وفي مجال المعاملة مع أكابر علماء عصره  ] : هاجم الأكابر ولم يتحر الأدب الواجب مع أكابرهم كحجة الإسلام الغزالي والإمام الرازي وغيرهما من الأكابر  ، وصال علي خيرة علماء عصره  ونال منهم  ، واحتاطوا في تأديبه فلم يأمروا بقتله وإنما امروا بسجنه حتى يحفظون الناس من أخطائه  ،

[ ابن تيمية يفني عمره في الرد على أهل الحق الأشاعرة ] : ابن تيمية يفني عمره في الرد على أهل الحق الأشاعرة   ، وهو لم يستوعب علمهم ولم يصل إلى شيء من رسوخهم في علم العقيدة والأصول  ، ومن ذلك كتابه  (  العقيدة الحموية  ) :  وهي جواب لسؤال ورد من حماه حول آيات الصفات كالاستواء وأحاديث الصفات كالأصابع والقدم  ، فتتطاول على مذهب أهل السنّة والجماعة من الأشاعرة بما لم يفهمه ولم يفرق بين المحكمات والمتشابهات من الصفات ومال إلى مذهب الحشو والتجسيم  ، واستطال به على اهل التخصص  ، وتطاول على الأشاعرة بأنّهم يقولون : مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم  ، وهم لم يُطلقوا القول بذلك  ، وحاشاهم وهم أهل الرسوخ في العلم والحق  ، ولكنّهم خصوه بما يتعلق بالرد على أهل البدع كالمعتزلة والحشوية وبما يتعلق بتقرير مذهب الفرقة الناجية  ، والانتصار لمذهب التسبيح والتقديس مذهب أهل الحق على مذاهب أهل الباطل والفرق الضالة  ، وإلا فهم يقولون بالتفويض كما هو حال السلف  ، وهل كان يسع السلف السكوت على بدع الحشو التشبيه  ، وهم أرقى الناس تنزيها وتقديسا لله  ، ومن ذلك أيضا كتابه :  (   نقض أساس التقديس  ) : ويسمونه أحيانا  (  كتاب تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية  ) وأحياناً :  (  نقض تأسيس الجهمية  )  ، والكتاب من أسوأ  كتب ابن تيمية لأنه جعله خاصا بالرد على كتاب من أعظم كتب التنزيه والتقديس وبيان مذهب أهل الحق تجاه المعتزلة والحشوية الذين مال إليهم ابن تيمية وهو لا يعلم ما عند الرازي من العلم الراسخ  ، ويا ويله منه ومن أهل السنّة جميعا يوم القيامة  ، الأشاعرة  ، ومن ذلك أيضا : كتاب  (   درء تعارض العقل والنقل  )  ، ألفه وهو لا يعلم ما هو العقل الصريح ولا ما هو النقل الصحيح ومعناه المقصود في الشرع والذي فهمه أهل التخصص من الأشاعرة والأثرية والماتريدية  ، فما كان أغناه عن الحديث عن علم لا يعلم أسسه ولا قواعده  ، ومن أفتى بغير علم لازمه الخطأ وفتن الناس عن الصواب  ، ومن ذلك ايضاً :  (   القاعدة المراكشية  ) ألفها لإثبات العلو الحسي  ، والرد على أهل الحق فيما أصلوه من قواعد التقديس التي تعصم من الحشو في مسائل :  ( العلو ) و  (  الاستواء على العرش  )  ، ومن ذلك ايضاً :  (   الرسالة التدمرية   ) دندن فيها حول المتشابه من الصفات بقصد إثباتها على ظاهرها  ، وخاض في القدر بما لا يعلم من عواقب ولوازم الفساد في قوله  ، وأقله نصرة مذاهب المعتزلة والاقتراب منها  ، وما ألجأه إلى الخوض في ذلك كله إلا الجدال والخصومة مع أهل السنّة الأشاعرة  ، ومن ذلك ايضاً :  (  شرح الأصفهانية   )  ، والاصفهانية متن في العقيدة مختصر لشمس الدين محمد بن محمود بن عباد الاصبهاني  ، على منهاج الأشاعرة  ، وهو لم يشرحها وإنما ألف شرح الأصفهانية بقصد الرد عليها  ، كما ألف تلميذه ابن أبي العز الطحاوية للرد على ما فيها من التقديس  والتنزيه كقوله - أي الطحاوي - رحمه الله :  (  ومن لم يتوقَ النفيَ والتشبيهَ زلَّ ولم يصبِ التنزيهَ ، فإنَّ ربّنا جلَّ وعلا موصوفٌ بصفات الوَحدانية  ، منعوتٌ بنُعُوتِ الفَرْدانية  ، ليس في معناهُ أحدٌ من البَرِيَّة  ،  وتعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات ، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات  )  أهـ  ، وها هنا رد ابن تيمية على الأصفهاني في كل مسائل التنزيه من كلامه في الصفات والإيمان والنبوات  ، وكأنّه لا يرضى عن الحشو بديلا  ، ومن ذلك ايضاً :  (  المناظرة حول الواسطية  )  ، وهي تسجيل لما جرى حول كتابه  ( الواسطية ) من مجالس ناقشه فيها الأشاعرة وبينوا له الصواب فلم يفهمه  ، ثم حشا مناظرته بالحشو في مسائل التأويل ، والحرف والصوت  ، والاستواء  ، ومن ذلك ايضاً :  (  الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز في الصفات  ) نفى فيها المجاز وهو شطر اللغة الحسن وكابر الجمهور في إثباتهم للمجاز  ، وآل به نفي المجاز إلى الحشو في باب المتشابهات  ، وإثبات ظاهر المتشابهات بما يؤول إلى الفتنة والبدعة والتجسيم  ، ووصف الله تعالى بما يُفيد العلو الحسي على العرش ، وبالغ في رد التاويل مع أنّه لا مناص منه  ، فإن أثبت العلو الحسي أول القرب والمعية لا محالة  ، وإن فهم المجاز في كليهما استراح وأراح  ، ومن ذلك ايضاً :  (  التسعينية  ) خصصها للحديث عن أنّ كلام الله تعالى لابد ان يكون بحرف وصوت  ، وأن الكلام إن لم يكن بصوت فلا يسمى كلاما  ، وخصصها للرد على أهل الحق  (  الأشاعرة  ) في مسألة الكلام النفسي التي جاء بها أولاً القرآن الكريم في قوله تعالى : { وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [ المجادلة : 8 ]  ، فقد نسب الله تعالى إليهم القول : { وَيَقُولُونَ }  ، ولم يكن بصوت  ، { فِي أَنْفُسِهِمْ }  ، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد  ، ولكن سمعهم الله السميع العليم  ، فإذا جاز أن يُنسب إليهم قول النفس بلا صوت  ، أفلا نقدس كلام الله تعالى عن أن يشبه كلام البشر  ،  ولو تدبر قوله تعالى : { وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [ الملك : 13 ]  ، لعلم أنّ القول منه ما هو بصوت يُسمع  ، ومنه ما هو ليس بصوت فلا يُسمع  ، فقول النفس : { وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ }  ، قول ليس بصوت ولا يُسمع  ،  وقول الجهر بصوت يُسمع : { أَوِ اجْهَرُوا بِهِ }  ، فلماذا المكابرة والجهل ومعاداة أهل القرآن وأهل التخصص العلمي في العقيدة  ، والمكابرة بزعم أن القول لا يكون إلا بصوت وأنّ القول لابد وأن يُسمع وإلا لم يكن قولا  ، وهذا القرآن ينطق بذلك  ، ولو تدبر قوله تعالى : { فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ } [ يوسف : 77 ]  ، لعلم أنّ من القول قول السر : { فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ }  ، { قَالَ : أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا }  ، فالقول قول النفس لأنّ يوسف عليه السلام لم يقل لهم هذا القول وإنما قاله في نفسه فقد  ، وعبر عنه القرآن الكريم بقوله : { قَالَ }  ، ومثله تماماً قوله تعالى : { يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا } [ آل عمران : 154 ]  ، فالقول هاهنا هو القول النفسي بغير صوت  ، ولو تدبر قوله تعالى : { أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ } [ الزخرف : 80 ]  ، فالله تعالى يسمع السر وأخفى  ، والسمع هاهنا لا يُشترط له الصوت  ، فلماذا التشنيع على أهل الأصول والتخصص  ،  ولكنّه بالغ في الرد على أهل الحق من تسعين وجها من حشو الكلام وهرطقته مما لا يفهم هو المقصود منه  ، ومما يُضحك المتخصصين على سوء فهمه ورداءة تصوره في كل ما يتعلق بالتقديس فإن قلبه أُشرب بالتشبيه  ، وهو لا يدرك أبعاد ذلكم التشبيه والذي لا يدركه إلا اهل التخصص الراسخين في علم التقديس  ، ومن ذلك ايضاً :  (  النبوات  ) :  ما أتى فيه بشيء مفيد فالصواب فيه ما قاله المتخصصون من الأشاعرة وكل ما خالفهم فيه نصر فيه قول الحشوية ممن لا خلاق لهم ولا عقل ولا خلق  ، وبدلا من أن يشكر الأشاعرة على تقرير الحق في مسائل النبوات  ،  (  ومن لا يشكر الناس على المعروف لا يشكر الله  ) أخذ ينشر الزلات التي افتراها المغرضون على الباقلاني والغزالي مما يبرؤون من الفهم السقيم لها  ،  ومن ذلك ايضاً : كتابه  (  الإيمان  ) :   غالى فيه بما يُقربه من مذهب المعتزلة وهرف فيه بما يردده الحشوية  ، وهاجم فيه الأشاعرة وصنفهم فيه ضمن المرجئة والجهمية  ، وهو والله لا يعرف أصول الإيمان ولا حده الادنى ولا أصله الفاصل بين الإيمان والكفر  ، ولا يفهم مراد الأشاعرة ولا حتى الماتريدية من قولهم في الإيمان مع أنّه الجمع العدل بين الآيات المتعددة  ، وهو الحمل المتقن للمتشابهات على محكماتها في باب الإيمان  ،  ، ولقد كلفت من جهة شرعية بتلخيص كتاب الإيمان له  ، فوجده - إحقاقا للحق - يتكلم في علم لم يضبط لأصوله وقواعده  ، وهي عنده مشوشة غير منضبطة  ، يصنف فيه الطوائف على خلفية أهل الحشو لا أهل الأصول  ، بما لا يعرف عقباه من الانحراف نحو الغلو في التكفير  ، وكان يكفيه أن يقرأ قراءة فهم دقائق معدودة لما كتبه علماء الغقيدة الحقيقيون المتخصصون من الأشاعرة والماتريدية  ، ويفهمه على يد مبتدئ من تلامذتهم ليستريح وليريح الامة من اللجاج والفرقة والغلو في كل أبواب الإيمان  ، ومن ذلك ايضاً : كلامه في  (  شرح حديث النزول  ) فسود الصفحات تلو الصفحات بالنزول الحسي وأنّه على حقيقته نزولا من العرش إلى السماء الدّنيا  ، وكأنّه يتكلم على ملك مجسم محدود ينزل ويصعد  ، وإن لم يكن كلامه في  (  شرح حديث النزول  ) من الحشو المرذول فليس في الدُنيا حشو ولا تحسيم  ، وما الفائدة من اثبات النزول على حقيقته  ، وحقيقته الهبوط من علو إلى سفل  ، فبالله هل تلك عقائد اهل السنّة المنزهين لله تعالى عن الشبيه والمثيل  ، أم عقائد المشبهين الذين يشبهون الله تعالى بخلقه في حركاتهم وسكناتهم ونزولهم وصعودهم  ، بالله عليك يا رجل إنّ الخالق لا يُشبه المخلوق في شيء  ، فالمخلوق محدود بالمكان يتحرك فيه ويصعد وينزل فيه  ، والله تعالى أن يحده حد او يوفيه مقدار مهما كبر  ، فالله اكبر وأعظم واجل أن تحده الحدود  ، قال الطحاوي في عقيدة المسلمين :  ( فإنَّ ربّنا جلَّ وعلا موصوفٌ بصفات الوَحدانية  ، منعوتٌ بنُعُوتِ الفَرْدانية  ، ليس في معناهُ أحدٌ من البَرِيَّة  ،  وتعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات ، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات  )  أهـ  ، تنزه عن كل ما يخطر بأذهان البشر  ، ومنه النزول الحسي الذي يتوهمه أهل الحشو  ، وهل حديث النزول كان مراده تخيل النزول ومن ثم الصعود  ، أم مراده بيان فضيلة ثلث الليل والاستغفار فيه والتهجد فيه  ، لأنّ عبادة الليل أبعد ما تكون عن الرياء والنفاق  ،  ولأنّ ثلث الليل يتوزع على انحاء الأرض كل لحظة  ، فلنا أن نتخيل النزول والصعود على مدار لحظات الليل والنهار  ، لأنّ الليل في الأمريكتين هو النهار في بلاد العرب  ، وثلث الليل في حق مسلمي امريكا كما هو في حق مسلمي البلاد العربية  ،  فهل هذا هو ما يرمي إليه الحشو في شرح حديث النزول  ، وهل هذا هو الطريق الأمثل لشرح المتشابهات  ، التي كان السلف الصالح حقاً ينهون عن مجرد السؤال عنها  ، أن نشرح الحديث في قريب من مجلد نحشوه بالتشبيه والتجسيم  ، 

[ ابن تيمية يفني عمره في نصرة أقوال أهل الحشو التشبيه ] : لقد اهتم ابن تيمية بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي ظنه صحيحا  ، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وإلى أهل الحديث  ،  ، وبسبب عدم قدرته على فهم علم التنزيه وعدم مقدرته على هضم مفرداته  ، فهجم عليها دون فهم حقيقي لمغزاها  ، وبسبب جهله العارم بقواعد التقديس ومباحث علم أصول الدين لاسيما في باب الإلهيات   ،  لذلك أصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف  ، بل ودعا إلى حملها على ظاهرها المحال على الله  ، وهو لا يدرك أسباب استحالتها  ، ثم لم يكتف بذلك حتى هاجم التأويلات التي ذكرها الأصوليون في كتبهم لمنع التشبيه  ، والتوجيه لحمل الآيات والأحاديث على المعنى والذي لأجله سيقت تلك الآيات والاحاديث  ، فإن حديث النزول ليس الهدف منه الحركة والنزول من علو إلى سفل  ، ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء  ، ثم لم يهدأ حتى رفض تفويض معاني الآيات المتشابهات في الذات والصفات  ، والذي هو مذهب السلف الصحيح  ، والذي ليس لهم مذهب سواه  ، وهاجم الأثرية أتباع السلف وذلك بزعم أنّه مذهب التجهيل وأنّه من شر أقوال أهل البدع   ، ثم أوجب حمل الآيات والاحاديث المتشابهات في الذات والصفات الواردة في القرآن والسنة على ظاهرها الحقيقي في اللغة أي المعنى المادي الحسي ، ويرفض حملها على المجاز ، لأنه لا مجاز في القرآن والحديث!  ، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم  ، والعالم المخلوق تحته  ،  وهو موجود على عرشه  ، وأنه متناه من جهة تحت  ، أما من جهة فوق فليس فوقه شيء   ، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته  ، فقد قال  (  وتفسير النزول بفعل يقوم بذاته  )  ،  وعلى هذا المذهب فإنّه سبحانه يبقى نازلاً أبداً  ، لأنّ ثلث الليل لا ينقطع عن الارض لحظه واحدة بل يدور في أجزاء الأرض بدورانها  ، كما دلت الدراسات الجغرافية  ، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل إلى العوام أنّها أجزاء من الذات  ، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية  ، كما دندن حول الجسمية والتجسيم  ، وأنه لا يوجد شرعاً أو عقلاً ما يمنع من أن يكون الله جسماً !!  ، فقال في كتابه بيان تلبيس الجهمية :  (  وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف ‏الأمة وأئمتها أنه ليس بجسم ، وأن صفاته ليست أجسامًا وأعراضًا ، فنفي المعاني الثابتة بالشرع والعقل بنفي ألفاظ لم ‏ينف معناها شرع ولا عقل جهل وضلال  ) أهـ [ بيان تلبيس الجهمية : 1 : 101 ) ]  ، وقال في الموافقة :  (  كذلك قوله  - تعالى - { لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ }   ، ‏وقوله { هَل تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا }  ، ونحو ذلك فإنه لا يدل على نفي الصفات بوجه من الوجوه بل ولا ‏على نفي ما يسميه أهل الاصطلاح جسماً بوجه من الوجوه  ) أهـ [  موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول : 1 : 62 ]  ، وعلى ذلك فهو لا يرى في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا في قول أحد من السلف ما يمنع أن يكون الله جسماً  ، مع أنّ إجماع أهل الأصول ممن يؤخذ بقولهم في العقيدة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية ومعاني الجسمية  ، ومن ذلك قولا الإمام أحمد  ، فقد نقل أبو الفضل التميمي رئيس الحنابلة ببغداد وابن رئيسها عن الإمام أحمد قال ‏‏ :   (  وأنكر أحمد على من يقول بالجسم وقال : إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة ، وأهل اللغة وضعوا هذا ‏الاسم على ذي طولٍ وعرضٍ وسمكٍ وتركيبٍ وصورةٍ وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله ، فلم يجز أن يسمى ‏جسمًا لخروجه عن معنى الجسمية ، ولم يجىء في الشريعة ذلك فبطل ، ) اهـ [ اعتقاد الإمام أحمد  ( ص 7- 8  )  ، ونقله الحافظ البيهقي عنه في مناقب الإمام ‏أحمد ]  ، ودندن حول حديث خلق آدم على صورته  ، بما يُشعر أنّ آدم على صورة الرحمن  ، وأنّ كل ذلك على الظاهر الذي يليق بذات الله تعالى  ، ويظن بعد هذا الحشو والتجسيم أنّه قد اصاب السنّة التي يعلم صغار طلبة العلم من الأصوليين أنّه محال على الله لأنّ فيه تجسيم  وتمثيل بالحسيات وتكييف للذي تقدس ليس كمثله شيء  ، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث  ، وهل بعد تلك العقائد يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد  ، ومن العجيب الذي تدمى له القلوب  ، أنّه لم يقنع بمفردات العقيدة الحشوية حتى أضاف إليها أُموراً تزيد الطين بلة   ، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً  ، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة  ، ومن أجل ذلك عادى وخالف أكابر أهل العلم في زمانه وما سبقه من أزمان  ، ولم يسلم من قلمه ولسانه الكثير من الهداة المهديين من علماء أهل السنّة والجماعة  ، نصحوه فلم يرعوى  ، ولم يتعظ من قوة ناصحه المشفق حتى أدركته المنية في سجن دمشق  ، وقد تأثر به عدد قليل من تلامذته  ، ولكن لكثرة مؤلفاتهم ودندنتهم حول ما تسرب إليهم من مفردات الحشوية  ، سحبوا أهل السنّة والجماعة نحو بعض مفردات الحشو والخلاف  ، ومن رؤوس المسائل الّتي طرحها ابن تيمية وأصرّ عليها وخالف الرأي العام لجمهور علماء المسلمين  ، ولأجلها اعتقل مرات عديدة ونفي إلى مصر وسجن ومات بسجنه :  (  أ  ) وجوب وصفه سبحانه بالصفات الخبرية المتشابهة كالوجه واليد والعين والمجيء والنزول والاستواء بنفس المعاني اللغوية الظاهرة المعروفة من اللغة من دون تصرّف  ، مع أنّها أمور متشابهة لابد من ردها إلى أمهاتها من المحكم  ، وقد قام بذلك علماء الأصول مفاخر الإسلام ومعاقد الإيمان  ، فضبطوا علمها وابن تيمية لا يعلم عن هذا العلم شيئاً  ،  (  ب  ) تحريم  التوسّل بالأولياء والصالحين  ، وتحريم الاستغاثة بالأولياء ودعوتهم لأنّها شرك بالله  ، مع أنّ الشرك ضد التوحيد  ، والتوحيد هو افراد الله تعالى بالعبادة  ، وللعبادة جانب أهم وهو اعتقاد الإلهية والربوبية في المعبود  ، وجانب آخر هو العمل العبادي كالسجود والدعاء وغيرهما من مفردات العبادة  ، فمن صرفها باعتقادها كان عابدا  ، ومن صرفها بغير اعتقاد  ، فهي أبعد ما تكون عن العبادة ومنه سجود الملائكة لآدم  ، فأين كل هذا من التوسل بالصالحين إلى الله تعالى لنيل الشفاعة عند الله  ، ومع ذلك وعلى سبيل التنزل فقصاراها مسائل خلافية لا يجوز الاحتساب فيها  ، ولا الأمر والنهي فيما ومع ذلك أفنى ابن تيمية حياته في نصرتها في أوقات كانت الأمة تنزف دماءها بسبب ضعفها أمام التتار  ، فهل كان صوابا أن يشغب على الأمة بمفردات حشوية لا تمت إلى الأصول بنسب ولا صلة  ،   (  ت  ) تحريم شدّ الرحال إلى زيارة النبي وتعظيمه بحجّة أنّها تؤدّي إلى الشرك  ، وهذا أطم الطامات  ، حيث انفرد به عن علماء الإسلام  ، وحمل حديث  (  (  لا تشد الرحال  ) ) على غير محامله  ، فقد سيق في بيان فضل المساجد الثلاث على غيرها  ، فادخل فيها زيارة النبي صلى الله عليه وسلم  ، ولا علاقة للزيارة بالحديث  ، بل علاقته أقرب إلى زيارة القبور  ، وهي جائزة باتفاق  ، وأولاها قبر سيد الأولين والآخرين الذي به صلى الله عليه وسلم أخرجنا الله تعالى من الظلمات إلى النور  ، وما المانع أن يأتي بعده من يحرم شد الرحال للعمل أو طلب العلم  ، لأنّ مآخذها ومآخذ الزيارة سواء  ، وجميعها أجنبي عن فتوى تحريم شد الرحال  ، إنّ المسلمين - على مر عصور الإسلام -  كانوا يحترمون قبر النبي ويزورونه  ، ولم تك الزيارة في تلك العصور أبداً ذريعة إلى الشرك  ، بل كان الهدف منها توقير النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم قدره  ، وهو مطلب قرآني  ، قال تعالى : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ } الآية  ،  ولكن ابن تيمية  ، يُخالف ذلك كله  ،  ويحرّم شدّ الرحال إلى زيارته صلى الله عليه وسلم  تمسكاً بحديث غير دال على ما ذهب إليه   ، فما ذنب الإسلام إن كانت بعض الأفكار الحشوية والخاطئة قد تسربت إلى عقل ابن تيمية ومن ثم إلى أتباعه  ، والحقيقة المؤسفة أنّ ابن تيمية لم يكن سلفياً واعيا  ، بل تسربت إليه العديد من مفردات المذهب الحشوي  ، تسربت إليه من مؤلفات الحشو التي سماها أصحابها بكتب السنّة والشريعة والتوحيد  ، وظن هو أنّ لها من اسمها نصيب  ، مع أنّ فيها من الحشو ومحاربة الأصول وهدم الصروح العلمية والقواعد التقديسية والأصول التنزيهية الكثير والكثير مما أضر به  ، وبأتباعه من بعده  ، إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية  ، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف  ، ومجدد السلفية  ، ولكنّه للأسف جدد معها بناء المدرسة الحشوية ببعض مفرداتها  ، وأخص صفاتها من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد  ،  هاجم الأصول والفروع والوسائل  ، وأخذ يهوش على المتخصصين  ، فنصحوه ووعظوه  ، فلما خافوا من فتنته للعامة والجهلاء سجنوه وخافوا الله تعالى فيه فلم يقتلوه  ، ثم لم يهدأ حتى دخل في دهاليز مظلمة من الحديث عن علم الكلام والمعقول والمنقول  ، وهو لا يدرك المعقول ولم تتهيأ له الفرصة في تعلمه على يد المتخصصين  ، فجال وصال وقطع الطريق على العلماء والفقهاء والعارفين ثم لم يهدأ حتى نال من منزلة سيد الأنام بأن حرّم التبرك والتوسل به إلى الله تعالى  ، مع أنّه أفضل الوسائل وأقصر الطرق إلى رضا الله  ، ثم أضحك الثكلى بتحريم التبرك وقصد زيارته عليه الصلاة والسلام  ، في زمان كانت الأمة جميعا على جواز تلك الأعمال وأنّها من فضائل  الأعمال  ، فهل كانت الأمة في زمانه على ضلال مبين  ، حتى انتشلها من الظلام  ، ثم دخل هو في دهاليز الألغام بان تحدث عن ليث بني غالب وباب العلوم والمعارف أمير المؤمنين على ابن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه  ، بما لا ينبغي  ، إذ لكل مقام مقال  ، وهل الرد على الروافض يُجيز له رفع الحشمة والادب مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه   ، ثم تكلم عن الطاهر المطهر سيدنا الحسين  ، بكلام لا ينبغي   ، وهل التمحل في الدفاع عن يزيد يُجير سوء الأدب مع السادة الكرام  ، فهذه كلها من مفردات الحشو التي لم يتنبه إليها ابن تيمية  ، فتعجل بتبنيها ونشرها  ، وهي لا تمت إلى السلفية بنسب ولا صلة  ، فهل من السلفية اتهام المسلمين بالشرك بدعوى التوسل  ، والتوسل مسالة فقهية على مر عصور الإسلام  ، ولم يجعلها من أبواب العقيدة والتوحيد والشرك  ، أحد قبل ابن تيمية  ، فهل كان السلف قبله على ضلالة عندما اوردوها في أبواب الفقه  ،  وكيف تكون سلفية في مسالة نُخالف فيها السلف  ، إنّ السلف الصالح في حياة النبي وبعده كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم  ، لما له من كرامة عند اللّه  ، ولم يخطر ببال أحد أن التوسل إلى الله تعالى بالنبي  صلى الله عليه وسلم  شرك أو ذريعة إلى الشرك  ، وكان هذا ديدن السلف في جميع العصور  ، فهل لمنكر التوسل أن يصف نفسه بالسلفية  ، ثم يتطاول على بقية المسلمين باللقب  ، فيرميهم بالشرك والضلالة والبدعة والكفران  ، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية  ، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم   ، ويمتحن الناس باعتقادها  ، هل هذه سلفية  ، أم حشوية  ، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية  ، خوفا من تتبع المتشابهات  ، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها  ، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم  ، ثم ينسب ذلك إلى السلف  ، ما أشد حاجة السلفية المعاصرة من تنقيتها من أدران الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتشريك والتبديع  ، والله الهادي إلى سواء السبيل  ،

لا يصح بعد تلك المخالفات والمجازفات أن يعتبر مذهب هو الممثل والمتحدث الرسمي الصحيح عن الدين واهله  ، وعن السلفية والسلف  ، وعن العقيدة المنجية وأصولها  ، وعن الفقه وأدلته  ، وعن التزكية وأسرارها : نعم نقدر له مكانته  ، ولكنّه ليس بالمعصوم  ، ولا بالمتخصص في علم معين يُقتدى به فيه  ، نحترم علمه ونذكر أخطاءه  ، ونضيف علمه إلى تراث علم أهل السنّة والجماعة  ، بعد غربلته على أيدي المتخصصين  ، ونستدل بأقواله  ، ولا مانع عند الخطأ أن نقول : أخطأ في تقرير تلك المسألة  ، ولا زلت أقول وأوقن أنّ ابن تيمية لو فهم علم التقديس وقواعد التنزيه على يد متخصص  ، لكان آية في العلم  ، ولتغيرت الكثير من موازين التقييم عنده  ، ولا يغرنّك رده على الأكابر في علم التقديس والتنزيه كالرازي وفحول الأشاعرة  ، فردوده خواء عن معرفة مقصود تنزيههم لأنّه ولج علما لا يتقن أصوله  ، فأخذ يحشو في الردود حشواً  ، وما أسوأ ردّه على كتاب تقديس الرازي  ، يرد الصواب بالخطأ ويجول ويصول ويجادل في اثبات خطأ الصواب وصواب الخطأ  ، ولا يغرنك محاولة اثباته عدم التعارض بين النقل والعقل  ، بجر ما توهمه معقولاً  ، إلى فهمه القاصر الذي فهمه بالخطأ من المنقول  ، فلا هو - يرحمه الله - يدرك المعقول على وجهه لأنّه غير متخصص فيه  ، وهل أقل المعقول إلا معرفة ما يجوز وما يجب وما يستحيل في حق الخالق سبحانه  ، وهل أقل المعقول إلا التفريق الأصولي بين القديم والمحدث وهو لا يدركه  ، وهل أقل المعقول إلا معرفة قواعد التنزيه التي تمنع التمثيل والتشبيه والتجسيم والحشو عند الحديث عن ما يتعلق بالله تعالى  ، وهو يرحمه الله لا يدرك ذلك البته  ، وأنا لا أتجنى عليه  ، يرحمه الله فقد أمضيت ثلاثين سنة في دراسة كتبه ومعرفة مداركها ووجه المخالفة فيها لأكابر المتخصصين من علماء أهل السنّة والجماعة  ، وأعلم علم اليقين أنّه لو درس المعقول على وجهه لما كان هذا حاله في التنزيه والتقديس  ، وإنما كان يجعل المحسوس مكان المعقول وهو يتحدث عن المعقول   ، ولا يتبين الفارق بينهما مع أنّه فارق عظيم عند أهلا التخصص والعرفان  ، ثم ما يفهمه من المنقول ليس هو بفهم الاكابر الذين ضبطوا الأصول في العقيدة  ، لأنّه لا يمتلك أدواتهم ولا حواجزهم في منع الولوج في الفهم الممنوع  ، ولذلك وقع في بعض المخالفات التي حاول فيها سحب الأمة بعيدا عن وسطيتها بين المعتزلة والمجسمة  ، إلى ناحية المجسمة  ، - وهو لا يدرك ذلك - بحسن ظن أنّه يريد سحبها إلى السلفية التي فهمها وعاش حياته من أجلها  ، وهل كان السلف إلا أكابر المقدسين والمنزهين والمسبحين  ، ولكن أبى الله تعالى العصمة إلا لرسوله  ، وأبى الصحة والكمال إلا للمتخصصين من أهل العلم كلٌ في علمه الذي تخصص فيه  ، وأتمنى أن تتكامل اللحمة بين طوائف أهل السنّة والجماعة  ، فنأخذ بأحسن ما خط قلم الإمام أحمد بن تيمية ونتجنب غرائبه وأخطاءه  ، ونقول أصاب في كذا  ، وأخطأ في كذا  ، وخالف الجمهور في كذا  ، ونأخذ بقوله في كذا  ، ونخالفه في كذا  ، فتتقارب الصفوف بدلاً من شقها وتنازعها ليس على مدى القرب والبعد عن أصول الإسلام  ، وإنما على أساس الولاء والبراء لدعوة ابن تيمية  ، أما انتصارا لها وإما انتصارا لرافضيها ومحاربيها  ،  (  تنبيه  ) : الفرق الجوهري بين مدارس المتخصصين في علوم الإسلام  ، وبين مدرسة الإمام ابن تيمية العلمية  ، أنّ مدارس المتخصصين في علوم الإسلام   ، سواء في العقيدة أو الفقه أو التزكية   ، أنّ كل واحدة منها تخصص في علم معين  ، ثم كان التمحيص والتأصيل والتهذيب في النور على أيدي مئات إن لم يكن آلاف المتخصصين المنتسبين إلى تلك المدارس  ، فصنعت في النور  ، وهذبت في النور  ، وانتشرت في النور  ، فكانت في مأمن من الخطأ الكبير والخلل الجسيم  ، وها هي مدارس العقيدة : الأثرية والأشعرية والماتريدية ملئت الأرض نوراً وانتسب إليها على مر العصور أكابر العلماء  ، وأساطين أهل العلم  ، وها هي مدارس الفقه عمت أرجاء الأرض وانتسب إليها سواد أهل السنّة والجماعة  ، وهكذا مدارس التربية والتزكية التي نشرت الإسلام شمالا وجنوبا وشرقا وغربا  ، أمّا مدرسة ابن تيمية فبسبب مخالفة ابن تيمية لعلماء أهل عصره من شتى الطوائف  ، ولا يعقل فسادهم جميعا وصلاحه قد صُنعت في السجون والخفاء  ، ولم يطلع عليها سوى فئة قليلة من اتباعه  ، ولم تُؤصل في النور  ، ولم تهذب كما كان يفعل علماء المذاهب في تخصصهم  ، ثم اختفت كتبه ومعارفه حتى تبناها ونشرها الشيخ محمد ابن عبد الوهاب بقوة السيف والسنان  ، وفي ظل هذا الجو الملبد بغيوم الارهاب الفكري بالتكفير والتبديع لمن يخالف هذه المنظومة الفكرية والعقدية  ، استكان من استكان ونشأ جيل لا يعرف إلا ما رأى  ، فلم تُؤصل الأفكار في أجواء حرية الفكر ودقة التخصص  ، كما حدث مع سائر مدارس التخصص الفكري الإسلامي  ، وقد أشار الإمام الحافظ تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي في مقدمة رسالته الدرة المضية  إلى أخطاء ابن تيمية وشذوذاته فقال :  (  أما بعد ، فإنه لمّا أحدث ابن تيمية ما أحدث في أصول العقائد ، ونقض من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد ، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة ، مظهراً أنه داع إلى الحق هادٍ إلى الجنة ، فخرج عن الإتباع إلى الابتداع ، وشذّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع ، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدّس ، وأن الافتقار إلى الجزء -أي افتقار الله إلى الجزء- ليس بمحال ,وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى  ، وأن القرءان محدَث تكلم الله به بعد أن لم يكن ، وأنه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات ، وتعدّى في ذلك إلى استلزام قدم العالم ، والتزامه بالقول بأنه لا أوّل للمخلوقات فقال بحوادث لا أول لها‍ ، فأثبت الصفة القديمة حادثة والمخلوق الحادث قديماً ، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملّة من الملل ولا نِحلة من النحل ، لم يدخل في فرقة من الثلاث والسبعين التي افترقت عليها الأمة ، ولا وقفت به مع أمة من الأمم هِمة ، وكل ذلك وإن كان كفراً شنيعاً مما تَقِل جملته بالنسبة لما أَحدث في الفروع  ) اهـ ، وهي كما سماها درة مضية فلله دره من أمام  ،

***

 

 

[ ثانيا ] الرد على أخطاء وطامات وقعت للشيخ ابن تيمية في العقيدة

 

 

( 1 ) ذهول ابن تيمية عن علم التقديس وجهله العميق بعلم توحيد الذات

( 2 ) إسناده  المكان والجهة إلى الله تعالى ونسبة الفوقية الحسية إلى الله  

( 3 ) تورط في نسبة الحد إلى الله 

( 4 ) كلامه في مسألة الجسم وقوله بالجسمية

( 5 ) قوله بحوادث لا أوّل لها لم تزل مع الله

( 6 ) قوله بقيام الحوادث بذات الله تعالى

( 7 ) زعمه أن الله يتكلم بحرفٍ وصوتٍ وأنه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء

( 8 ) عدم قدرته على تحديد دائرة المتشابه بسبب ذهوله عن علم التقديس الذي لم يدرسه على يد متخصص

( 9 ) الخطأ في نسبة اثبات المعنى الظاهر للمتشابهات إلى مذهب السلف وقد كان مذهبهم فيه تفويض المعنى

( 10 ) نسب إلى السلف اثبات المعنى الظاهر للصفات مع أنّه متعذر في كل الصفات

( 11 ) شنّ حرباً على التأويل مع أنّه لا مناص منه عند التعارض

( 12 ) نصرته لأقوال شاذة تضر بالعقيدة  ، ومن ذلك : ( أ  ) إنكاره المجاز في القرآن ، ( ب ) ومخالفته لجمهور الأصوليين والفقهاء في زعمه بأنّ خبر الآحاد يفيد اليقين وليس يفيده بحال

( 13 ) ابن تيمية يفني عمره في الرد على أهل الحق الأشاعرة

( 14 ) ابن تيمية يفني عمره في نصرة أقوال أهل الحشو التشبيه

*** 

 

 

( 1  )

ذهول ابن تيمية عن علم التقديس وجهله العميق بعلم توحيد الذات

 

علم التقديس هو قسم توحيد جناب الذات هو ذروة سنام التقديس والتسبيح والتنزيه الاعتقادي الذي هو أعلى واجل من مجرد تسبيح اللسان ،  وقسم توحيد الذات هو أساس التوحيد ، إذ جميع أقسام التوحيد إنما تؤول إليه ، فتوحيد الأسماء المقصود به توحيد أسماء ذات الله تعالى إذ الاسم للمسمى ، والمسمى هو ذات الله ، والأسماء الحسنى إنما تدل على صفات الذات وأفعال الذات ، وتوحيد الصفات المقصود منه توحيد صفات الذات إذ تعود جميع الصفات إلى الذات الذي يتصف بهذه الصفات ، كما أنّ توحيد الأفعال المقصود به بيان قدرة الذات على الأفعال ، وأنه لا يكون في ملك الله تعالى سوى أفعال الله تعالى ، فالأفعال تعود بالضرورة إلى أفعال الذات ، وتوحيد الربوبية ما هو إلا توحيد الذات المستحقة للربوبية على العالمين ، وتوحيد الألوهية ما هو إلا اعتقاد استحقاق ذات الله تعالى للعبادة وحده ، وصرف العبادات جميعها لذات الله وحده لا شريك له ، وعلى ذلك فتوحيد الذات أصل لكل أقسام التوحيد ، وجميع أقسام التوحيد إنما يعود في نهاية المطاف إلى توحيد الذات ، ومن هنا كان توحيد الذات هو أساس التوحيد الذي هو حق الله تعالى على العبيد ، كما أنّ توحيد الذات هو أهم قسم من أقسام التوحيد ، وهو علم التقديس والتنزيه ، وهو حجر الزاوية في تجديد التوحيد ووحدة أهل التوحيد ، والمقصود من ( توحيد الذات )  هو اعتقاد الكمال لله في ذاته ، والتنزيه لذاته عن كل نقص ، وهذا يستلزم تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة ذوات الخلائق لأنها موصوفة بالنقص من كل جهة ، ولما كانت العبادة لا تصحّ إلاّ بعد معرفة المعبود ، ومعرفة المعبود سبحانه تستلزم أول ما تستلزم توحيد ذات المعبود سبحانه ، لذا فإنّ أهم أقسام التوحيد توحيد ذات الله تعالى ،  ولابد من الإشارة إلى خطورة الذهول عن توحيد الذات : لأن ذلك سيؤدي ولا شك إلى خلل في فهم التوحيد والإحاطة بكل جوانبه ، كما سيؤدي إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، وحتما سيؤول بأصحاب ذلك الخلل إلى الحشو على حساب التقديس ، وإلى اعتقاد بدعة التجسيم وإن لم يشعروا بذلك ،  وقد اخترت عشرة قواعد من أهم قواعد هذا العلم الجليل أجعلها مثلا يحتذى به في علم التقديس :  اتناولها باختصار شديد لتكون إشارة إلى ذلك العلم الجليل :

[ ( القاعدة الأولى ) ] :  تنزيه ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ] :  (  أ  ) الله عز وجل لا يشبهه شيء من المخلوقات ، ولا هو يشبه شيئاً منها ، لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً ، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً ، وكلا الحالين على الله محال ، كما أن ذات المخلق تتصف بالنقص والعجز لأنها مخلوقة من عدم محدثة لم تكن ثم كانت ، وهي إلى الفناء سائرة كما قال تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ، 27 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 } ، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي ، ولا المخلوق للخالق الباري ، من الأدلة القرآنية على تنزيه الله تعالى عن المثيل والكفء والشبيه والسمي : قوله تعالى : { ليس كمثلِه شيء }  [سورة الشورى/11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه ، وقوله تعالى : { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل/60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين ، ، وقوله تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال } [سورة النحل/74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقوله تعالى : {هل تعلمُ لهُ سميًّا) [سورة مريم/65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقوله تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [سورة الأنعام/100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ، وقوله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه/110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ،  وسورة الإخلاص تقديس لله تعالى عن مشابهة خلقه ، قال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } ، الله تعالى هو ( الأحد ) له تعالى : ( الأحدية المطلقة ) ، وهي تعني التنزه عن الانقسام ، فهو سبحانه [ أحد ] لا جزء له منزه عن الأجزاء والأبعاض ، وبالتالي منزه عن التركيب والجوارح وبالتالي منزه عن الجسمية ، إذ الجسمية أقلها يتركب من جزئين ، وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أجسم ، وكل الخلائق أجسام وأجزاء وأبعاض ، فلا يتصف بالأحدية المطلقة إلا الله ، [ الله الصمد ]  أي الغني الذي يحتاج إليه كل خلقه وهو الغني عن كل خلقه ، و ( الصمدية المطلقة ) تمنع من التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء ،محتاج في وجوده إليها ، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل ، لا يوصف بالصمدية المطلقة ، إذن الله تعالى [ أحد ] لا جزء له منزه عن التركيب والأجزاء والأبعاض والجوارح ، [ صمد ] غني حميد اكتمل غناه تنزه عن الحاجة والنقص والعيب ، { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } ، لا ينفصل منه شيء ، ولم ينفصل من شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ } ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق { وَلَمْ يُولَدْ } ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، ومنه نعلم مخالفة ذات الله تعالى لجميع المخلوقات والموجودات والمحدثات ، ولما كانت جميع المخلوقات تتصف بالحدود والنهايات والمقادير ، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه ، منزه عن الحد والنهاية والمقدار والغاية ، ولما كانت جميع المخلوقات تحتاج في وجودها إلى مكان يحويها ويحيط بها ، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه ، فلا يحويه مكان ولا يحيط به مكان كيف وهو بكل شيء محيط ، ولما كانت جميع المخلوقات يقهرها زمان يجري عليها زمان يقهرها بقوانينه ، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه ، فلا يجري عليه زمان ولا تقهره قوانين الزمان كيف وهو الواحد القهار ،  ولما كانت جميع المخلوقات عبارة عن أجسام تتصف بالطول والعرض والحجم ، والصور والأشكال ، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه ، منزه عن الأطوال والاحجام والصور والأشكال ، ولهذا قال أئمة التخصص في العقيدة على منهاج أهل السنّة : يجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه ، فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فهو ضال مبتدع ، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء  ، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال ،  ومن الأدلة من السنة النبوية على تقديس الله تعالى عن مشابهة خلقه ، قوله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)  [ أخرجه مسلم] وإذا لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن له شبيه ولا مثيل  ، (  ب  ) وعلى ذلك : فذات الله تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما ، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم ، منزه في وجوده عن المكان فلا يحويه مكان ، ومنزه في وجوده عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، ومنزه في جناب ذاته عن الحد والنهاية ، فلا حد ولا تناهي ، كيف وهو القاهر لمخلوقاته بالحدود والنهايات ، ومنزه في جناب ذاته عن الصور والأشكال والألوان ، كيف وهو المصور لخلقه  والواهب لها الصور والأشكال ، جل المصور أن يكون مصورا ، وجل الخالق أن يكون مخلوقا ، وجل القديم أن يكون محدثا ، له كمال الذات والأسماء والصفات  ، وكل ما خطر ببال المخلوق فهو باطل لأنه مخلوق ، والمخلوق لا يحيط علما بالخالق ، والمحدث لا يحيط علما بالقديم ،  فسبحان الله عما يصفون ، { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } ،  

[ ( القاعدة الثانية ) :  تنزيه جناب الذات تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق ] :  لا شك في أنّ أي شيء محدود له نهاية تحده ، والحد معناه التناهي ، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به ، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ، والله تعالى أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، وهو الكبير المتعال على الحدود ، القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود ، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته ، وكتب النهايات على كل محدود ، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها ، وكل محدود مخلوق ، والخالق متعالي عن الحد والنهاية ،  لأنّ صفات الله تعالى لا تتناهى ولا حد لها ، فلا حد لعلمه ، ولا حد لقدرته ، ولا حد لرحمته ، ولا حد لعزته ، ومن كانت تلك صفاته ، فلا حد لذاته ، ( أ ) قال تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ،  والقاعدة تقول : كل ما يقبل الحد  فهو محدود ، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات ، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق ،  ( ث ) ثم  كيف نصف الله تعالى بالحد والمقدار ، ونحن نقول في كل صلاة وعند كل حركة وانتقال ، وفي الاذكار عقب الصلوات وفي الصباح والمساء (( الله أكبر )) ومعناها : الله أكبر من كل تصور ، والله أكبر من كل خيال ، والله أكبر من كل حد ، والله أكبر من كل مقدار ،  ( ج ) كل متناه مٌحدَث لأن تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص ،  وجل الخالق تعالى عن ذلك أن يكون لذاته مخصص ، لأنه الخالق  ، والخالق هو المقدر لجميع المقدرات بمقاديرها المخصوصة فيستحيل أن تكون ذاته سبحانه مقَدَرة بمقدار مخصوص وإلا لزم كونه مقدراً لنفسه حادا لها بحد ونهاية وكمية ومقدار وذلك محال ، لان التقدير يوجب الخلق والحد يوجب الحدوث لحاجة الحد إلى حادّ يحده والله تعالى قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء ،لم يزل منزه عن الحدوث هو الأول فليس قبله شيء ، ( خ )  الحد نقص والنهاية عجز والله تعالى منزه عن النقص والعجز ، فكل موجود له نهاية وهذه النهاية علامة نقصه لأن الموجود مهما كان كبيرا وعظيما إذا كانت له نهاية ينتهي إليها فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر منه والقاعدة عند الرياضيين أن كل ما يقبل النهاية يقبل الزيادة والنقصان ، والله تعالى له الكمال المطلق _ ومعنى الكمال المطلق أن ذاته لا حد لها ولا نهاية ولا تقبل الزيادة لأنه بذلك يكون قبل قبول الزيادة نقصا ولا تقبل النقصان لأنه ضد الكمال _ فإن كان لذاته نهاية ( سبحانه وحاشاه ) فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر من ذاته  ، ( تنبيه ) : ذات الله تعالى منزه عن الحد والحصر والنهاية وهو كذلك منزه عن الحجم والكمية والمقدار لكونها صفات الأجسام والأجسام مخلوقه والله تعالى خالقها ليس كمثله شيء وليس له سمي ومثيل ولا نحيط به علما وإنما ننزهه عن مماثلة المخلوق وعن كل نقص وعجز اتصف به المخلوق وتنزه عنه الخالق ،  ( ذ ) وليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار ، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له ، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات ، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين ، كمالات الذات لا تتناهى ليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات ، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق ، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود ، فالله تعالى أكبر من كل تصور ، وأعظم من أن نحيط به علما ، {  يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، فالذات لا يُدرك ، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل ، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح  ،  فالله تعالى { ليس كمثله شيء } وكل شيء سواه مخلوق مقدر محدود ، ( ر ) قد يأتي بعض من حرم نور التنزيه - أسأل الله تعالى لهم بقلب صادق هذه البصيرة وهذا النور - فيقول : إن الله عز وجل وصف نفسه بأنه سميع بصير { وكان الله سميعا بصيرا }  ووصف بعض خلقه بأنه سميع بصير { فجعلناه سميعا بصيرا } ، فما المانع أن يكون للمخلوق حد وينتهي إليه وكذلك يكون للخالق حد ينتهي إليه ولا يعلمه إلا هو ، والجواب عن تلك الشبهة : أن السمع والبصر والعلم صفات مدح من كل وجه ولله تعالى كمال الصفات من العلم والسمع والبصر ، وقد أكرم بعض خلقه بالسمع والبصر والعلم تفضلا منه سبحانه ، ولكن الحد والنهاية والحصر صفات عجز ونقص وقصور فهي سمة المخلوق الفقير إلى ربه والتنزه عن الحد والنهاية والحصر صفة الكمال اللازمة للقدوس الكبير المتعال ، وشتان بين الخالق والمخلوق وبين الغني المطلق والفقير المطلق ،  وإنما العلم بالتعلم ، قال تعالى : { فاسالوا } ، فلا مناص لمن تكلم في العقيدة أن يتواضع للعلم ويطلبه من أهله ، ولا ينبئك مثل خبير ،

[  القاعدة الثالثة : تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان ] : ( أ ) عند تدبر قول الله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 } ، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء))  [ أخرجه مسلم] ، نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه ، كمال منزه عن أن تحكمه قوانين المكان ولا الزمان ، { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ  } دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان ، { وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ } تنزيه عن المكان ، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، خالق المكان ، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط ، وعلى ذلك : فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، ( ب ) كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث ، كان قبل خلقه عدما  ثم خلقه الله بقدرته ومشيئته ، وكل مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان ، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما ، ( ت ) أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود قال تعالى : { الله خالق كل شيء} ، ومن جملة خلقه المكان والزمان ، فهل يحل الخالق في المخلوق  أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق ، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان ، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق ، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق  كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان ، (  ر  ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله ، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه ، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء  ،  (  ز  ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان ، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء ، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد ،  (  س ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل ، الثاني: حادث، والحادث محدود، ولكنّه تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود ، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان ،   (  ظ  ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن الزمان أنّ الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان ، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان ، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان ، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان ، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ، وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون ،  وهنا يتعلق أهل الحشو بالمتشابهات ، ومن ذلك الاستواء وفهمهم السقيم المبتدع أنه استواء الذات على العرش ، وإذا قلت لهم هناك آيات تدل على القرب ، كقوله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } ، فلم لا تحمل على قرب الذات ، قالوا : القرب قرب الصفات من العلم والسمع والبصر والقدرة ، وإذا قلت لهم هناك آيات تدل على الاحاطة ، كقوله تعالى : { وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } فلم لا تحمل على إحاطة الذات ، قالوا : الاحاطة : إحاطة الصفات من العلم والسمع والبصر والقدرة ، قلنا : فما الاشكال أن نحمل الاستواء على استواء الصفات من صفات التدبير والتسخير والملك والقهر والهيمنة والربوبية للعالم ، إذن الجميع متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر ، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر ، ولكن عند الاستواء اختلفوا ، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم ،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، وحملها أهل الحشو التجسيم على معاني الجلوس والاستقرار ، وقالوا : مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )  ، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة  ،  وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم }  ، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث  ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً  ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن ، قال تعالى  : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } [ يونس 3 ] ، والمفتاح : الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم ، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير للمملكة التي تشمل السموات والأرض لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية  ، فقوله تعالى : ( يدبر الأمر ) جرى مجرى التفسير لقوله: ( استوى على العرش ) على أنه استواء تدبير وربوبية ، على أن المدح لا يكون بمجرد الجلوس إذ المخلوق موصوف بالجلوس والإتكاء ولكن المدح والثناء يكون بذكر الربوبية والقهر والهيمنة والتدبير ، وقال تعالى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [الحديد: 2 إلى 5 ] ، والمفتاح : الاستواء هاهنا استواء ملك وربوبية وتدبير لقرينة الخلق في قوله تعالى { خلق السموات والأرض } ،  ثانيا : جمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى ( المعية ) ، وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء ، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر ، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف ، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع ، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي ، فلا القرب قرب الذات ، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق ، أو التفويض في الجميع ، قرب ليس كمثله شيء ، واستواء ليس كمثله شيء ، لأنّ الله تعالى ليس كمثله شيء ، ولم يكن له كفوا أحد ،  وقد يتمسك الحشوية بالمتشابهات ، في اثبات الفوقية الحسية من فهمهم السقيم لقوله تعالى : { يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [ النحل : 50 ] ، وفي الآية  مجاز حذف والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم ، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم ، والدليل على ذلك قوله تعالى : { قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } [ الأعراف : 127 ] ، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان ، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل ،  أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [ فاطر : 10 ] ، وهو مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، فهو يقبل الكلم الطيب ، أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ } [ الأعراف : 206 ] , المراد من العندية هو عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن ، القرب في الآيات عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان ، أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } [ الملك : 16 ] ، الآية لها معني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم ، فقد يكون المعنى : أأمنتم من في السماء ، أي في العلو إشارة إلى المكانة والصفات لا الحيز والمكان ،  , لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على معنى العلو ، والعرب تقول : فلان في السماء ، أي في أعلى المراتب ، وليس معنى أأمنتم من في السماء  أي في السماء مكانه ، لما تقدم من محدودية السماء ، والله تعالى لا حد له ، والسماء خلق من خلق الله تعالى ، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه ، وقد اجمع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى من المكان ،  لو أريد معنى على السماء ، لكان اللفظ  أفخم وأعظم فإن قوله من على السماء أفخم وأعظم من قوله : {من في السماء } لو اريد علو المكان ، ولذا قال القاضي عياض : (  لا خلاف بين المسلمين قاطبة محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونظارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله ( ءأمنتم في السماء ) أنها ليست على ظاهرها وأنها متأوله عند جميهم ) أهـ [ إكمال المعلم : ج2ص465] ، ولكن ماذا نفعل وقد ابتليت الأمة بأهل الحشو الذين يدعون المحكم ويلهثون خلف المتشابه الذي حذرنا كتاب الله من تتبعه بقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، وقد علمنا حبر الأمة الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله (( اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل )) ، أن حمل المتشابهات وان نردها إلى أمهاتها من المحكمات ، ولذا كان يقول رضي الله عنه أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون المتشابه ، ولما سئل عن قوله تعالى : { يوم يكشف عن ساق } ، كان من قوله :  يكشف عن شدة وكرب ، تقول العرب : كشفت الحرب عن ساقها ، ولا ساق لها وإنما هو الكرب والشدة ،   وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بحديث ((  أين الله )) في صحيح مسلم ، وحديث الجارية له روايات عديدة مضطربة ، فيها من الاختلاف الكثير ، فقد جاءت روايات الحديث بثلاثة ألفاظ مختلفة صحيحة ، الأولى بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) والثانية بلفظ ( من ربك ) واللفظ الثالث مختلف عنهما يسأل عن المكان بلفظ ( أين الله ) لإثبات الإيمان ، وقد أشار إلى اختلاف ألفاظ الحديث الكثير من الحفاظ منهم : الامام الحافظ البيهقي في كتابه  الأسماء والصفات للبيهقي ص ( 422 ) ، والحافظ ابن حجر العسقلاني : قال " وفي اللفظ مخالفة كثيرة " اه‍ [ التلخيص الحبير  3  :  223 ] ، وخلاصة الأمر : أن الحديث جاء صحيحا بلفظ ( أتشهدين ان لا إله إلا الله ) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح وهو أكثر الروايات موافقة لأصول الشريعة في إثبات الإيمان بالشهادتين ،  وجاء بلفظ ( من ربك ) وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان ،  أخرجه أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان ، والرواية الثالثة بلفظ ( أين الله ) ، أخرجها الإمام مسلم ،  والروايات السابقة جميعها تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها ، إذن قد يكون اللفظ ( أين الله ) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة ، وبالتالي يوجد هناك احتمال قائم بأنه ليس لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما أنّ لفظ ( أين الله ) مخـالف لما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه ، وكذلك فهو مخالف لما ثبـت عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن المكان ،  كما أنّ لفظ ( أين الله والجواب بأنه في السماء ) لا يثبت توحيـداً ولا ينفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله وكذا النصارى واليهود ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره ، كما أنّ  لفظ ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) هو الموافق للأصول المتفق عليها بين المسلمين بأن من نطق بالشهادتيـن وصدق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وأله وسلم فقد دخل الإسلام فإذا صحت رواية ( أتشهدين أن لا إله إلا الله ) وهي صحيحة لا غبار عليها وجب ترجيحها على سائر الروايات والله أعلم ، ( تنبيه ) من قال بصحة حديث الجارية بلفظ ( أين الله ) وكان على مذهب أهل السنة والجماعة في التقديس والتنزيه فإنّه حمل لفظ ( أين الله ) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة ، فحديث الجارية بلفظ ( أين الله ) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما : أحدهما : الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات ، والثاني : حمله على محكمات الشريعة التي تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان والحد والمقدار ،  فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان ، وهذا معروف في اللغة : نقول اين أنت من علم فلان ، واين الثرى من الثريا ،  والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم ، 

[  القاعدة الرابعة  :  تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء ، وتنزيه ذات الله تعالى عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق ] :  ( أ  ) الله تعالى هو الأول الآخر القديم الباقي ، لا يقبل الحدوث أو التغير أو الأفول ، وكل ذلك نقص يتنزه عنه جناب القديم بذاته وأسمائه وصفاته ، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء ، ولو قبل الحدوث لكان جزء منه حادث ، والحادث مخلوق ، والخالق منزه عن أن يكون شيء منه مخلوق ، والقديم منزه عن أن يكون شيء منه حادث ، وهو الأحد الذي لا تتجزأ ذاته ، كما أن الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات والأسماء والصفات ، فهو سبحانه الأزلي القديم بجناب ذاته ، منزه عن الحدوث إذ ليس لوجوده ابتداء ، وهو سبحانه الأبدي الباقي بجناب ذاته إذ ليس لوجوده انتهاء ، هو الأول فليس قبله شيء ، متصف سبحانه بالأولية في ذاته وصفاته ، ومعنى الأولية أنه سبحانه أزلي لا يقبل ذاته تغيرا أو حدوثا ويستحيل عليه قبول الحوادث لأن التغير والحدوث وحلول الحوادث نقص يتنزه عنه كمال الذات ،  ويوجد في الحديث الصحيح ما يدل على اسمه القديم ، ففي سنن أبي داود من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ قَالَ : (( أَعُوذُ بِاللَّهِ العَظِيمِ ، وَبِوَجْهِهِ الكَرِيمِ ، وَسُلطَانِهِ القَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ )) [ أخرجه أبو داود ح  (466) ،  وصححه الالباني في صحيح أبي داود وقال : وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات ] ، والسلطان القديم لا يكون إلا لمن كان قديم الذات والأسماء والصفات ، هو الحي الذي لا يموت ، له سبحانه كمال الحياة ، فهي حياة أزلية ذاتية ليس لها ابتداء (( الاول فليس قبلك شيء )) ، وهي حياة أبدية ذاتية باقية ليس لها انتهاء (( الآخر فليس بعدك شيء )) ، (  ت  ) تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ، قال في حق الكوكب : { فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76] ، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها ، ثم قال في حق القمر : { فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } ، ، ثم قال في حق الشمس : { فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } ،  فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } قال المفسرون :قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال ، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول ، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث ، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث ، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام : { يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 78 ، 79 ] ، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث ، وانه ليس في ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الأول الخالق سبحانه ، كما أنّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى ، وينافي كمال الذات والصفات ، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات ، (  د   ) كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه ، ومحاذير قولهم عظيمة ، منها : أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله ( أحد صمد )  لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك ، فهل يقبلون  بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالإتحاد والحلول للمخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون ، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله ( سبحانه ) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق ، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل ، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث ، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث ، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة ، سبحانك هذا بهتان عظيم ،  وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بحديث (( النزول )) في صحيح البخاري ]  ، وللرد عليهم نقول : للنزول في القرآن معان متعددة لابد من فقهها : منها قوله تعالى : { وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } [ سورة الزمر ] ، ولم نر جملا نازلا من السماء ، وقوله تعالى : { وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } [ سورة الحديد ] ، والحديد يستخرج من باطن الأرض ولم نر معدن الحديد ينزل على هيئة سبائك من السماء ، وللنزول الحقيقي الذي يتبناه أهل الحشو  لوازم فاسدة : من تلك اللوازم : ( اللازم الأول ) الحلول في السماء ، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول ، ( اللازم الثاني ) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد ، وهو محال على العلي العظيم ، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال ، ( اللازم الثالث ) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا ، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين ، ( اللازم الرابع ) النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس ، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند اهل الأصول المتخصصين في العقيدة ، ( خ ) حل إشكالية حديث النزول : أخرج النسائي حديث النزول بلفظ : (( إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى )) ، وهذا اللفظ هو المحكم ، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه ، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم ، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى ، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي ، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك إلى السماء الدنيا فينادي بأمر الله ، وإما أنه مجاز بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه ، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من الخشوع والتدبر ، وقد قال الشافعي حدثت أهل مصر فلم يفهموا كلامي فنزلت ثم نزلت ثم نزلت حتى يفهموا كلامي ، وليس معنى ذلك أنه نزل من مكان عال إلى مكان أسفل ولكنها البلاغة ،

[ القاعدة الخامسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ] :   (  أ  ) ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء ، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره ، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم } ، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم  ، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها ، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم ، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها ، (   ب  ) الجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه ، والجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث  ، ( ث  ) الجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ،  (  ج  ) الجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ، 

[ القاعدة السادسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق ] :  (  أ  ) ذات الله سبحانه منزه عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ( ب  ) الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، (  ت  ) الصورة تقتضي الكيفية ، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ، وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث ،  وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بحديث الصورة : ((  خلق الله آدم على صورته )) ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث : ( المفتاح الأول ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا )) معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم ، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو ، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا ، وهذا يدل يقيناً على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  (( على صورته  )) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المسبقة كما يحدث لبني آدم ، ( المفتاح الثاني ) : قوله صلى الله عليه وسلم :  ((  إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته )) معناه عدم اهانة الوجه ، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم ، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه ، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام ، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته ، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم  ((على صورته  )) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام ، وهذا قول الحافظين : ابن حجر وابن خزيمة  ، ( المفتاح الثالث ) : إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى : { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ ص : 71 ، 72 ] ، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه ، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف ، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف ، ( المفتاح الرابع والأكيد بعد المفاتيح السابقة ) : وهو حمل المتشابه على المحكم ، وهذا ما أمرنا الله تعالى به في قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ } [ آل عمران : 7 ، 8 ] ، في آية آل عمران السابقة وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وطريقة أهل السنة في المتشابه :  رد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم ، وحمل الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة ، والمحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً  وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة ، ولأنّ الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص ، والمخصص هو الله تعالى المصور ، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء ، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو ( المصور ) خالق الصور ( ليس كمثله شيء ) ، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، تنزه عن الصور والأشكال ،  ، فكيف نتوهم أنّه على صورة آدم ، تنزه الخالق عن مشابهة المخلوق ، وأما حديث القيامة الطويل في جمع الله الناس إلى قوله : (( فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا )) الحديث إلى قوله : (( فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا )) الحديث ، فهم لا يعرفون صورة مسبقة ، والأدلة العقلية والنقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى فوجب صرفها إلى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة يقال كيف صورة هذه الواقعة وكيف صورة هذه المسألة وفلان من العلم على صورة كذا وكذا فالمراد بجميع ذلك الصفة لا الصورة التي هي التخطيط ، فعلى هذا الصورة هنا بمعنى الصفة ، وتكون في الصورة التي أنكروها أولا أنه أظهر لهم شدة البطش والبأس والعظمة والأهوال والجبروت وكان وعدهم في الدنيا يلقاهم في القيامة بصفة الأمن من المخاوف والبشرى والعفو والإحسان واللطف فلما أظهر لهم غير الصفة التي هي مستقرة في نفوسهم أنكروها واستعاذوا منها ، وقوله فإذا أتانا ربنا عرفناه أي بما وعده من صفة اللطف والرحمة والإحسان ولذلك قال : فيكشف عن ساق أي ويتجلى عليهم الرحمن بصفات الرحمة والرأفة فيسجدون شكرا له ، 

[ القاعدة السابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ] :  ( أ  ) أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، قال تعالى: {قل هو الله أحد} (الإخلاص: 1) ، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد: 38) ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال ، ومن أبرز الادلة على تنزيه الله تعالى عن الأعضاء والأجزاء ، قوله تعالى ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) قوله تعالى ( أحد) ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض ، والأحدية تدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء  لم يكن أحدا ، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة فى ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله ، وقوله تعالى ( الله الصمد ) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل : أن كل جسم فهو مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا ( إليه ) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك  لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج ، وقوله تعالى ( ولم يكن له كفوا أحد ) نفي للمثلية كقوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح ، وقوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح  لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ، وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بآيات ذكر فيها الوجه واليد والعين في القرآن الكريم ] ،  وللرد على جهل هؤلاء ، أقول : أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله ، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال ، والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها : قوله تعالى { وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران : 72] ، فهل للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار ، كما أن العرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة ، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم ، ومنه قوله تعالى ( وكان عند الله وجيها )  أي ذا منزلة عند الله ، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده ، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين  ،  وكذلك قوله تعالى : {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا }[ المائدة  : 108] ، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه ، وكذلك قوله تعالى : { اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } [يوسف : 9] ، وعلى نفس منوال الآيات السابقات هل يقصد أخوة يوسف خلو وجه أبيهم عليه السلام ، وكيف يخلو هذا الوجه ؟ ومن أي شيءٍ يخلو ؟ اللهم إلا أن يراد بسياق الكلام معنى آخر وهو فراغ أبيهم لهم وإقباله عليهم وتوجهه بكليته إليهم ولا يلتفت عنهم إلى غيرهم ، وقوله تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) [الحج  : 11] ، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة )خسر الدنيا والآخرة ، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة ، وكذلك قوله تعالى { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }[ البقرة  : 112]‏ ، فهل المقصود إسلام الوجه ، أم الذات كله ، لا شك أن المقصود الذات ،  لان إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات ، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله ، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله ، ( قلت ) : وهكذا نجد تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد ، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه } وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام } على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح ، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم ، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة ،   [ مجاز اليد في القرآن ] : والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها ، قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } ، فهل للقرية يدين ؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها  ،  وقوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } ، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟ ، وقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }‏ ، هل للرحمة يدين ؟ ، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه ، وقوله تعالى  { إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } ، هل للعذاب يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب  ، وقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً } ، هل للنجوى يدين ؟ ، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } ، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } ، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل ،  وقوله تعالى : { وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ،  وقوله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } ،  وقوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }‏ ، ( قلت ) : توضح الآيات الكريمات السابقات أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم ، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كسب يسبب العذاب كالأرجل والأعين والآذان ، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد ( بما كسبتم وكسبت أنفسكم )  ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة ، وإنما المقصد من تحت حكمكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم ، ومثاله (وما ملكت أيمانكم ) وسيأتي إن شاء الله عند ذكر اليمين ،  وقوله تعالى : { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ }‏ ، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر ، فهذا لا يقوله عاقل ، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين ، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى ،  وقوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، ويستحيل أن يكون المراد من الآية المعنى الظاهر للقبض وهو ضم أصابع اليد ، ولكن المعنى المفهوم من القبض هاهنا البخل بالنفقة في الطاعة وفي سبيل الله ، وكني عن البخل بالقبض على طريقة بلاغة العرب في التوسع في استعمال المجاز والكناية لتأكيد معنى البخل عند المنافقين ، وقوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }  ، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل ، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق ، وهكذا هاهنا ، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط ، ومعنى الآيات : أن  اليهود لعنهم الله عز وجل  قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان ) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام ، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان }  ؟ قلت : ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه ، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم ، فالآية من باب البلاغة ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا ، وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ]  ، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله ، وقوله تعالى : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ } الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه ، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه ، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى ، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام ،    من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات ، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني ( لما خلقت بيدي ) وبين قوله تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما ) و قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأيد ) ، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد ، فإن قالوا : القدرة لا تثن ، وقد قال { بيدي } قلنا بلي قال العربي : ليس لي بهذا الأمر يدان ، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك ، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة ، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد } وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة } وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه ، فإن أصروا وجادلوا قلنا :  قال الله تعالي في محكم التنزيل { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى { ثم قال له كن فيكون } ، فهذا هو صريح القرآن فهل ندعه لفهم خاطئ لحديث لم يصح أو حديث مختلف في صحته ،   وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية  { لما خلقت بيدي }  أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين ، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه ،  على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها ، وهذا الوجه مقبول ضمناً ، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه ، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم ، قال تعالى { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ،  وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه { وما يعلم تأويله إلا الله } { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا }  ،  فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (( الجارحة )) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل ،   [  وأما مجاز العين في القرآن ] : فإنّ المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة ، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية والرؤية هي التى تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب ، فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة ، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة ، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل ، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك ، فقوله تعالى { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } معناه بمرأى منا أو بحفظنا ، وقوله تعالى { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } ،  أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية ، وقوله تعالى { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك ، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته ، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، صفات تليق بالذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات ، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ،

[ القاعدة الثامنة :  تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ] : (  أ  ) المقصود بالأعراض مثل الألوان والأحجام والأشكال والطعوم والروائح التي تتصف به ذات المخلوق ، والمقصود بالكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق كالجلوس والاستقرار والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته ، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته ، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته ، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته ، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته ، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة ، (  ب  ) الله تعالى منزه عن تلك الأعراض والكيفيات الحسية ، ومنزه وأي معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل أو يكيفه الحس لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث ،  (  ت  ) ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى ، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله ، صفات تليق بالذات ، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء ، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات ، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان ، لا نتقول على الله بغير علم ، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن ،

[ القاعدة التاسعة : تنزيه جناب ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول ، وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ] :  وبيان ذلك : ما ثم إلا خالق أو مخلوق فهل يتحد الخالق القديم الأزلي الباقي الذي ليس كمثله شيء بالمخلوق المحدث الفاني ، أم هل يحل الذي تنزه عن الحد والمقدار في المخلوق المحدود المقدر ،  والله منزه عن الحلول في المواضع والأماكن لأن الحلول عرض يفنى وهو حادث والحادث لا يليق بالله ، والاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية كما مر بنا  ، (  ب  ) أجمع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد بخلقه أو الحلول في شيء منها وعن الاتصال بها أو الانفصال عنها ونقل الإجماع كل من تكلم عن فرق المسلمين ،  

[ القاعدة العاشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق ] : (  أ  ) الله تعالى منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك ، وكل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب ، ليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء أخر ولا بأصعب عليه منه لأن له كمال القدرة ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار وأن يكون في ملكه ما لا يريد ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال السمع كالصمم واختلاط الأصوات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال البصر كالعمى واختلاط المبصرات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الكلام كالبكم والعي وتناهي الكلمات ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الغنى كالحاجة والشهوة والآفة والعلة والأكل والشرب واجترار المنافع واحتراز المضار ، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الحكمة والعدل كالظلم وخلف الوعد ، ومنزه عن كل ما يضاد الكمال ويدل على النقص كالحد والمقدار والكون في مكان وان يجري عليه زمان ، وعن التغير والحدوث وقبول الحدث ، وبعد فتلك بعض قواعد التقديس المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس ، أخترتها من بين ثلاثين قاعدة ذكرتها في كتابي : التجديد في علم التقديس ، وأنبه إلى عدة أمور : ( الأول ) دراسة بلاغة القرآن فقه عظيم وفتح مبين لعلم التقديس والتنزيه : لأن القرآن الكريم  نزل بلسان عربي مبين ، قال تعالى : { وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [ الشعراء : 192 إلى  195] ،  ما كان من استعمالات العربية من أساليب البلاغة والبيان ، فهو لاشك يسري على القرآن لأنه نزل بلسان عربي مبين ، ولما كانت البلاغة هو ذروة البيان العربي ، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم ، ولما كان المجاز هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال ، كان القرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز ، والقرآن الكريم يمتلئ بالمجاز الذي هو ذروة اللغة وسنام بلاغتها ، ومن ذلك :  التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات ، كما في قوله تعالى : { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة : 257 ] ، والتعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة ، كما في قوله تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] ، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية ، كما في قوله تعالى : { وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ الشورى : 52 ] ، والتعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح ، كما في قوله تعالى : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 215 ] ، ومعلوم أنّه ليس للرسول صلى الله عليه وسلم جناح يخفضه للمؤمنين ، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب ، كما يعبر عن التواضع باللين ، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } [ آل عمران : 159 ] ، والتعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67 } [ التوبة : 67 ] ، والتعبير بالبسط عن غاية الكرم والسخاء ببسط اليد كما في قوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } [ المائدة : 64 ] ، والتعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين ، كما في قوله تعالى : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } [ الطور : 48 ] ، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في عين الله ، { فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا  } ، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة  ،  والتعبير عن الذات بالوجه ، كما في قوله تعالى : { إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ‘ 27 ] ، ولا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه ، سبحان الله وتعالى عما يصفون ، تنزه عن الأجزاء والأبعاض والجوارح ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ،  فهذا ما يتعلق بالأمر الأول : ألا وهو : ان دراسة بلاغة القرآن فقه عظيم وفتح مبين لعلم التقديس والتنزيه ، و ( الامر الثاني ) : خطأ اعتماد ظواهر النصوص في فهم علم التقديس والتنزيه ] :  ( أ ) قال القرطبي رحمه الله - في درة من كلامه - : " اعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته  (( المجسمة  ))  الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك " أهـ [ تفسير القرطبي ج:4 ص:14 ] ،   ( ب ) هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله ، منها قوله تعالى : { وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } ، وقوله تعالى : { وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ *  وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ  } واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ علم الله تعالى قديم ، لا يعزب عن علمه شيء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل ، قال تعالى ، { وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا } " أهـ  ، ( ت ) وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى ، منها قوله : { نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ التوبة : 67 ] واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى ، ( ث ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء ، منها قوله تعالى : { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ } [ الرحمن : 31 ] ،واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء ، وسع علمه كل شيء ووسعت قدرته كل شيء ، والمعنى : { سنفرغ لكم } أي سنحاسبكم ونأخذ في أمركم أيها الإنس والجن فنعاقب أهل المعاصي ونثيب أهل الطاعة  ، ( ج ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته ، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم : 27 ] ، وقوله تعالى : { قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا } [ مريم : 9 ] ، واعتقاد هذا الظاهر كفر ، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء ، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء ، ولا شيء أثقل عليه من شيء ، والمعنى : أن هذا مثل ضربه الله تعالى لعباده يقول  إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم أهون عليه من الإنشاء ، ( ح ) ( خ ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته ، ومن هذه الآيات قوله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } [ البقرة : ] ، واعتقاد هذا الظاهر ضلال ، لأنّ الله تعالى منزه عن الاتحاد أو الحلول بخلقه ، ومنزه عن القرب الحسي الذي تتصف به المخلوقات ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب الصفات من العلم والسمع والبصر والقدرة ، ( د ) وهناك آيات ظاهرها - لمن جهل قواعد التقديس - أنّ الله تعالى استوى على عرشه بذاته ، وأنّ العرش مكان الرحمن واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال ، لأنّ العرش خلق من خلق الله ، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه ، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار ، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن ، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء ، وأنه الواحد القهار ، وأنّه الكبير المتعال ، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره ، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله ،  وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها كما ذكرناها في الحلقة السابقة  : بأن الاستواء المقصود هو استواء الصفات ، صفات الربوبية والملك والتدبير والقهر والتسخير والهيمنة وربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث  ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً  ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن ، ( والأمر الثالث الذي أنبه إليه ) بيان طرق الراسخين في العلم ، فيما يتعلق بالصفات الخبرية كالوجه واليد والعين والاستواء ثلاث طرق لا رابع لها ، ( الطريق الأول ) اثبات الوجه على سبيل الصفة لا سبيل الجزء والجارحة ، ( والطريق الثاني )  حمل الآية على المجاز المراد من الوجه وهو الذات ، ( والطريق الثالث )  تفويض علمها إلى الله مع المنع من تفسيرها على ظاهرها ( الذي هو الجزء من الذات ) مع تنزيه الله تعالى عن النقص ، ولا شك أنه يجب تدريس وفهم قواعد التنزيه والتقديس المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس  : لأن أهم العلم وأعظمه العلم الراسخ بالله في جناب ذاته وتقديس الله وتسبيحه  وتنزيهه عن العيب والنقص ،  ودراسة قواعد التقديس تؤدي بصاحبها إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى ، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى ، وتؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحانه ، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى : {  وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا  } [ طه : 110 ] ، وقوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) } [ الأنعام : 103 ] ، ولله در العالم الرباني أبو عثمان المغربي ، حيث جاء في [طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 42] :  (وقال أبو عثمان المغربي كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة ، فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبت إلى أصحابي بمكة أني أسلمت جديدا  ) ، فهذا هو الأثر المرجو من تعلم قواعد علم التقديس ( علم توحيد الذات ) الذي هو أشرف العلوم ، وهذا العلم العظيم هو من جملة العلوم الغائبة عن هذا الزمان والتي ادى غيابها إلى وقوع طوائف من الأمة في بدعة الحشو والتجسيم ، وأرى أنه لا مناص للأمة من تجديد الطلب لهذا العلم الجليل ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بالتقديس والتنزيه والتسبيح لجناب ذات الله تعالى تقدست ذاته وتعالت صفاته ولا إله إلا هو ، وأنه العلم المتعلق بالعلم بالله تعالى ، وما يجب له من صفات التقديس والتعظيم والتنزيه ، وما يجب له من صفات الكمال والجلال والإكرام ، وما يستحيل في حقه سبحانه من صفات النقص والعيب والحدوث والتشبيه والتجسيم ، وتحدثا بنعمة الله الكريم أني ما إن استوعبت علم التنزيه وقواعده الرصينة حتى أحسست أنه العلم اللازم لتحقيق الوحدة الإسلامية المنشودة والتجديد الإسلامي المنشود ، وأنّ الإحاطة بعلم التقديس والتنزيه له أعظم الدور في تصحيح مفاهيم علم التوحيد ، وأعظم الأثر في تحقيق التقارب والتكامل والوحدة العقائدية والعلمية والعملية بين المسلمين عامة ، وبين طوائف أهل السنّة والجماعة خاصة ، ( خ ) إنّ الذهول عن هذا العلم يؤدي إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ، ويؤدي إلى الوقوع في بدعة الحشو على حساب التقديس ، بل واعتقاد التجسيم ،  ( د  ) إن من أعظم الخطر أن يتصدى أحد للحديث عن الله تعالى وعن صفاته وأفعاله ، دون أن يكون له إلمام بهذا العلم الذي يضبط مسائل وأحكام هذا الباب ، وأشد من ذلك خطرا أن يتصدى للحديث عن أهل السنّة والجماعة وإطارها العقائدي والفرق الضالة عنها في العقيدة ، من لا يعرف هذا العلم الراسخ ، والطامة المهلكة عندما يتصدر أحدهم لإصدار أحكام التبديع والتضليل للطوائف والفرق الإسلامية وهو يجهل هذا العلم ، فيفتي ويبدع ويضلل بغير علم ولا فقه ولا هدى وهو يحسب أنه من المهتدين ، فحرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للتبديع والتضليل في باب العقيدة ، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة ، والفقه في التوحيد والتقديس ، وهذا هو الفقه الذي لا يصح لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به ، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بالفهم الصحيح للمتشابهات من الآيات والاحاديث دون الوقوع في محاذير الخلل في العقيدة بسبب سوء الفهم لتلك المتشابهات ، وأنه العلم المتعلق بتأصيل مسائل وأحكام التقديس والتنزيه على طريقة أهل العلم والفقه بالكتاب والسنّة ، والقيام على تدريس هذا العلم الجليل ثغرٌ عظيم يحتاجُ اليومَ إلى من يسده عن المسلمين ، لأنه العلم الأهم المؤهل لجمع المسلمين وتوحيد كلمتهم على التوحيد والتقديس ، بعيدا عن الحشو والاعتزال ، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ، نسأل الله عز وجل أن يلهمنا الصواب وأن يجنبنا الخطأ والزيغ وأن يهدينا صراط علماء أهل السنّة المحققين إنه وليّ ذلك وهو سبحانه نعم المجيب ،  

***  

 

( 2  )

 

تجاسر ابن تيمية في إسناد المكان وفي نسبة الجهة إلى الله تعالى

وفي نسبة الفوقية الحسية إلى الله تعالى

 

[  1  ] : مقدمة عن تنزيه الله تعالى عن المكان والجهة : من قواعد علم التقديس أنّ الله تعالى منزه عن الكون في مكان أو ان يحويه مكان ، كيف وهو الخالق للمكان ، كان قبل المكان ، وهو بعد خلقه للمكان مستغن عنه ، كما كان قبل خلقه مستغن عنه ، والمكان عند أهل اللغة بالعربية هو الموضع الحاوي للشيء ، وهو الفراغ الذي يشغله الجسم ، وهو الفراغ الذي يحُلُّ فيه الجسم ، ، ومن الحركة الحادثة في المكان يحدث الزمان ، والله تعالى خالق كل شيء ، وهو سبحانه الغني الحميد ، غني عن خلقه ، غير محتاج إليهم ، ومن خلقه المكان والزمان ، كان سبحانه قبل خلق المكان ، ثم خلق المكان ، ثم خلق من مخلوقاته ما تحرك في المكان  فنشأ بذلك الزمان ، إذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ، والزمان متعلق بالحركة والسكون لأنها لبنات الزمان ووحداته التي تقدره والله تعالى منزه عن الحدث والتغير وعن الحركة والسكون فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون ، وقد يقول غير الدارس لعلم الأصول لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون ، فهذا نقول له رويدك فهذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره ،ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده فكل موجود إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره ، أما خالق المكان والزمان ، فهو المنزه عن المكان والزمان ، وهو الذي لا يحويه مكان لأن المكان محدود والله لا حد له فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو الذي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس كمثله في قربه شيء منزه عن الحلول والتحيز وعن الأفول والتغير ، والحاصل عند أهل الأصول : أن القسمة ثلاثية ساكن ومتحرك لهما أمثال كثيرة ومنزه عن السكون والحركة ليس كمثله شيء ، أمّا الحشوي الذي لا يفهم الأصول ولا يحترم المتخصص فيها فهو يهجم على العلم بلا ورع ويبدع أهله وهم سواد العلماء الأعظم ثم هو أبعد الناس عن التنزيه والتسبيح الاعتقادي الذي عليه أهل الأصول فيحد الله تعالى بحد ثم يجعل له مكانا ثم يجري عليه زمانا تعالى الله تعالى عن جهلهم وقولهم علوا كبيرا ،  

[  2  ] : الأدلة على تنزيه الله تعالى عن المكان والزمان ، أدلة تفوق الشمس في ظهورها ، ولكن لا يبصرها إلا أهل العلم بالله تعالى المقدسين له ، ومن تلك الأدلة ما يلي : ( أ ) الله تعالى خالق كل شيء ، وكل ما في الوجود خلقه ، ولهذا تكرر في القرآن الكريم ذكر تلك الحقيقة ، كما في قوله تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، قوله تعالى : { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } [ الزمر : 16 ] ، وعلى ذلك فكل ما في الوجود خلق الله تعالى ومن ذلك الليل والنهار والظلمات والنور والمكان والزمان ، والعرش والكرسي والسموات والأرض كل ذلك من خلق الله تعالى ، ولا ينكر ذلك مسلم موحد لله تعالى ، والله تعالى هو الأول بلا ابتداء الآخر بلا انتهاء الظاهر ليس فوقه شيء الباطن ليس دونه شيء ، ( ب ) مع تدبر قوله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 } ، مع قوله صلى الله عليه وسلم : ( ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء ) )  [ أخرجه مسلم] ، نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه ، كمالٌ فوق الوجود الزماني لأنه موجود قبل بدء الزمان ( ( أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء ) )  ، فوجوده سبحانه قبل الزمان ، إذ هو خالق الزمان ، كما أنه سبحانه موجود بعد فناء الزمان لأن الزمان مخلوق فانٍ ( ( وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء  ) )  ، ، إذ هو الأول بلا ابتداء ، وهو الآخر بلا انتهاء ، ، فلا يجري عليه زمان ، والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا ( أي له بداية ) فهو أبدي ( أي لا نهاية له ) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا هو أنّ ( الأول والآخر ) دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة ،  وكذلك فإن له كمال الوجود الأعلى من المكان  ، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، فوجوده قبل المكان ، إذ هو خالق المكان ، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط ، وعلى ذلك : فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان ، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، ( ت ) الله تعالى هو الواحد القهار ، قال تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وقال تعالى : {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر : 4 ] ،  سبحانه هو الواحد القهار قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته ، حدّ لهم الحدود وقدّر لهم المقادير ، وقهرها جميعها بالحد والمقدار ، فما من مخلوق إلاّ وله حد ومقدار ، وكل مخلوق - مهما كبر حجمه وعظم مقداره - محدود متناهي مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه ، والدليل على ذلك : قوله تعالى : { وخلق كل شيء فقدره تقديراً } ، وقوله تعالى :{ جعل الله لكل شيء قدرا } ، وقوله تعالى : { قد جعل الله لكل شيء قدرا } ، وقوله تعالى : { وكل شيء عنده بمقدار } ، ومعنى هذه الآيات  أن الله عز وجل خص كل مخلوق ( بحد ومقدار ) لا يجاوزهما ولا يقصر عنهما  ، والحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق وبيان أن هناك خالق مقدِر خصصه على هذا الحد وهذا المقدار ، فكل موجود له حد ونهاية يكون الحد والنهاية دليل على انه مخلوق حادث ،   وأن موجده ومخصصه على هذه الحال هو الله تعالى ،  أَمّا الله تعالى فهو الواحد القهار ، فإنه لما  كان قاهراً لجميع مخلوقاته ، لم تتحكّم فيه الحدود لأنّ الحدود من خلقه ، وهو خالق الحدود والمقادير ، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء، منزه عن المقدار ، لأنه سبحانه الواحد القهار لا يشوبه نقص ، ولا يحده حد ، ولا يقدره مقدار ، كيف وهو الذي خلق الحدود والمقادير وهو الواحد القهار ، والله سبحانه هو الذي قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته بأن خلق لهم المكان يحيط بهم من كل جانب ، فلا يستطيعون الفكاك منه وهم مقهورون به فلا يكونون إلا في مكان ، وخلق لهم الزمان لتجري عليهم قوانينه ، فلا يستطيعون الحياة إلا بقوانين الزمان ، أما الله تعالى خالق الزمان والمكان ، وهو القاهر والقهار فوق جميع خلقه ، فهو القاهر للمكان ، فلا يحويه مكان ، ولو حواه المكان كان المكان له قاهراً ، وعليه حاكما ، ولكنه سبحانه القاهر فوق المكان والمحيط بكل شيء ومنه المكان ، وهو سبحانه القاهر على الزمان ، فلا يجري عليه زمان ، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا ، وعليه حاكما ، ولكنه سبحانه خالق المكان والزمان ، وقاهر المكان الزمان ، فلا يحويه مكان ، ولا يجري عليه زمان ، تنزه عن الكون في مكان فلا يحيط به مكان ، كيف يحيط به المكان سبحانه وهو القائل : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } [ النساء : 126 ] ، وهو سبحانه القائل : { أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ فصلت : 54 ] ، - [ تنبيه ] : احاطة الله تعالى منزهة عمّا نتصوره في أذهاننا من احاطة الجسم بالجسم لأنه تعالى المنزه عن الجسمية وكل لوازم الجسمية من الحد والمقدار والكتلة والطول والعرض والعمق ، وعقول العباد قاصرة عن تصور مدى التقديس والتنزيه في حق الله تعالى ، { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا  } - ، كما أنه سبحانه تنزه عن أن يجري عليه زمان ، وتحكمه قوانين الزمان ، فالماضي عنده حاضر والمستقبل عنده حاضر ، والجميع خلقه ، والجميع تقديره ، لا يغيب عن علمه وسمعه وبصره شيء من ماضٍ أو حاضرٍ أو غيبٍ مستقبل ، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما وما قدرناه سبحانه حق قدره وهو الواحد القهار ، ولو كان الزمان يحكمه سبحانه ، لكان مثل مخلوقاته تجري عليهم قوانين الزمان ، جل عن ذلك وتعالى علواً كبيرا ، ( ث ) والله تعالى هو الغني الحميد : قال تعالى : { لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } [ الحج : 64 ] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } [ فاطر : 15 ] ، دلت الآية على كونه تعالى غني حميد ، له كمال الغنى ، وله كمال الحمد ، ومن كمال غناه استغناؤه عن كافة خلقه ، ولو كان محتاجا للمكان لما كان له كمال الغنى ، ولما كان حميدا ، ( ج ) والله تعالى هو العلي الكبير ، وهو الكبير المتعال ، قال تعالى : { فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ } [ غافر : 12 ] ، وقال تعالى : { عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ } [ الرعد : 9 ] ، وهو سبحانه أكبر من كل تصور ، ومتعال على كل تصور : ولقد آتى الله تعالى خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام حجته في حوار المشركين ، واوضح لنا درراً من فقه اثبات التوحيد ووحدانية الله تعالى ، لقد استدل على اختيار الرب بأنه الاكبر المنزه عن التغير والافول ، قال تعالى : { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } [ الانعام : 78 ] ، فاستدل أولا على أن الشمس أكبر من القمر والكواكب ، فهي أحق بالربوبية ، ولكن شرط الإله أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم ، فلم تكن الشمس تصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً ، ومنه نعلم أن من أخص صفات الإله الحق أن يكون أكبر من كل شيء ، وأكبر من كل تصور ، ومنه نستفيد تنزيه الله تعالى عن الحدود والمقادير لأنه أكبر من كل حد وأكبر من كل مقدار  ، ونعلم أنه سبحانه أكبر من المكان ، إذ المكان مهما اتسع محدود لأنّه مخلوق ، والله تعالى هو الخالق الذي لا حد له ، والكبير الذي لا ند له ، ومنه نعلم الخطأ الجسيم الذي وقع فيه من ظن أن العرش هو مكان الرحمن ، وأنّه اكبر من الرحمن ، سبحانه وتعالى عما يدور بأوهامهم ، فالعرش مهما كان عظيما فهو محدود ، والله تعالى هو الذي حد حدود العرش ، وحد كافة الحدود فلا تجري عليه الحدود ، والعرش مهما كان عظيماً ، فإن له مقدار ، والله تعالى هو الذي قدره بالمقدار ، ومنه نعلم الفائدة في قول المسلم عند كل صلاة ( ( الله أكبر ) )  أي أكبر من كل تصور أو خيال ، ، لأن الله تعالى له الكمال الذي لا نهاية له ، وهو الكبير الذي لا نهاية لعظمته ، تعالى عن صفات الاجسام ، فليس كبره امتداد في الآفاق ، ولا كبره بالحجم والطول والعرض ، تعالى عن ذلك علواً كبيرا ، بل هو المتعالي على صفات الأجسام ، ولهذا قرن القرآن الكبير اسمه تعالى [ الكبير ] باسمه تعالى [ العلي ] ، واسمه تعالى [ المتعال ] لأنه في كبره متعالٍ عن صفات الأجسام ؟، عالٍ عن كل تصور لا يليق بالكبير المتعال ، وقال تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [ الانبياء : 62 ] ، وقال تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [ لقمان : 30 ] ، وقال تعالى : { حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [ سبأ : 23 ] ، تعالى العلي الكبير المتعال عن كل حد ومقدار ، وعن أن يقهره زمان أو ان يحيط به مكان ، والله أكبر من أن نتصور له حد أو مقدار أو زمان او مكان ، تنزه عن كل ما يخطر بالبال ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلاف ذلك ، ( ح ) قوله تعالى { قل لمن ما في السماوات والأرض * قل لله } مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملكاً لله تعالى وقوله تعالى : { وله ما سكن في الليل والنهار } يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى ومجموع الآيتين يدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات  كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنزيهه عن المكان والمكان  ،  ( خ ) وجود الله تعالى قبل خلق المكان ووجوده سبحانه بعد فناء المكان فلا يحويه مكان ، تنزه عن المكان وتعالى عن الجهات والأركان كان قديم السلطان قبل خلق المكان ثم خلق المكان وهو على ما عليه كان قبل خلق المكان ، ووجود الله تعالى قبل خلق الزمان ووجود الله تعالى منزه عن الزمان لا يجري عليه زمان ولا تحكمه قوانين الزمان إذ هو الخالق والحاكم المهيمن على كل مخلوق ليس كمثله شيء وليس كوجوده وجود تنزه عن الزمان والمكان تنزه الخالق على المخلوق وتنزه القاهر على المقهور ( وهو القاهر فوق عباده ) ، ( د ) من الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن المكان والزمان أن المكان يحيط بالكون من كل جانب والله تعالى بكل شيء محيط وأن المكان أكبر من المتمكن فيه والله اكبر من كل كبير وأن المكان أعلاه الظاهر وأدناه الباطن أما الله تعالى فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء وليس شيء من خلقه أقرب إليه بالمسافة من شيء فهو من كل شيء قريب وهو بكل شيء محيط وهو على كل شيء قدير سبحانه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، ومن الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن الوجود في جهة معينة من جهات الكون : أن جهات الكون محدودة لأنها مخلوقة مقدَرة ( بضم الميم وفتح الراء مع تشديدها ) والله تعالى خالق مقدِر ( بضم الميم وكسر الراء مع تشديدها ) تنزه سبحانه عن الحيز والحد والمقدار لأنها علامات المخلوق الناقص ، لأن ما له حد ينتهي إليه يجوز تصور الأكبر منه والله تعالى أكبر من كل شيء وهو الكبير المتعال له الكمال المطلق الذي ليس بعده كمال ، فيستحيل وجود المنزه عن الحد والمقدار في الحيز المحدود [ سياتي الحديث عن تنزيه الله تعالى عن الحيز والحد والمقدار في الباب التالي ( تنزيه الله تعالى في ذاته ليس كمثله شيء ) ] وحاصل الأمر أن الله تعالى لا تحويه جهة من جهات الكون ولا سائر الجهات ورحم الله الطحاوي حيث يقول " تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات " أهــ ، ( ذ  ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن المكان : أنّ الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء وليس كوجوده وجود فليس وجوده كوجود الأجسام التي تتحيز في مكان كيف وهو الذي كان قبل خلق المكان ثم خلق المكان ، وإذا كانت القاعدة تقول أن كل متحيز فهو محدود يحتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به والله تعالى منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر والله تعالى هو الخالق المقدر لها، ومنزه عن أن يحيط به شيء لأنه بكل شيء محيط ، فتحتم من ذلك تنزيهه عن أن يحيزه شيء من خلقه وكل ما في الوجود سواه فهو خلقه الفقير إليه وهو الغني عنهم ، ( ر  ) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله ، والمكان الذي يحيز أي شيء  لاشك أنه أكبر منه ، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء ، وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان ، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء ، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد ، وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين : الأوّل : قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل ، الثاني : حادث، والحادث محدود، ولكنّه تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود ، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان ، ( ز  ) قوله تعالى ( الله الصمد ) فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس في مكان ، وأما بيان دلالته على أنه تعالى منزه عن المكان ، أنه سبحانه وتعالى لو كان مختصاً بالحيز والمكان لكان ذاته تعالى مفتقراً في الوجود والتحقق الى ذلك الحيز المعين وذلك الحيز المعين يكون غنياً عن ذاته المخصوص لأن لو فرضنا عدم حصول ذات الله تعالى في ذلك الحيز المعين لم يبطل ذلك الحيز أصلاً وعلى هذا التقدير يكون تعالى محتاجاً إلى ذلك الحيز فلا يكون صمداً على الإطلاق ،  ( س  ) قوله تعالى ( والله الغنى وأنتم الفقراء ) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان في مكان لكان محتاجا إلى ذلك المكان وذلك يقدح في كونه غنياً على الإطلاق ، ( ش  ) قوله تعالى ( لا إله إلا هو الحى القيوم ) والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه ، وكونه مقوماً لغيره : عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه ، فلو كان في مكان لكان هو مفتقراً الى ذلك المكان فلن يكن قيوماً على الإطلاق ، ( ص ) قوله تعالى ( هل تعلم له سمياً ) قال ابن عباس رضى الله عنه هل تعلم له مثلاً ولو كان متحيزاً في مكان لكان كل واحد من الأجسام مثلاً له في احتياجه إلى المكان وغيره ، ( ض  ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن الزمان أنّ الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان ، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان ، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان ، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان ، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ، كما أنّ الزمان متعلق بالتغير والحدوث والحركة والسكون والله تعالى منزه عن ذلك كله فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون ، ( ط ) قد يقول غير الدارس لعلم الأصول لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون ، فهذا نقول له رويدك فهذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره ،ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده فكل موجود إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره ، أما المنزه عن المكان والذي لا يحويه مكان لأن المكان محدود والله لا حد له فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو الذي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس كمثله في قربه شيء منزه عن الحلول والتحيز وعن الأفول والتغير ،والحاصل أن القسمة ثلاثية ساكن ومتحرك لهما أمثال كثيرة ومنزه عن السكون والحركة ليس كمثله شيء ، ( ظ ) الله تعالى كان ولا مكان ولا زمان ثم خلق المكان والزمان ، وهذا معتقد أهل التنزيه وهو موافق للمكتشفات العلمية عن حقيقة الكون، وأن الزمان هو مقياس للحركة ومن صفات الأجسام ، والنظرية النسبية الحديثة تقول أن الزمان نسبي تبعا لسرعة الحركة وعلاقتها بسرعة الضوء وأثبتت تلك النظرية أن مرور الزمان نسبي وليس بمطلق فثبت بذلك أن الزمان من خصائص الأجسام وصفاتها وأن قول أهل التنزيه أن المكان والزمان مخلوقان لله هو القول الصحيح الذي يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام ( كان الله ولم يكن معه غيره ) أخرجه البخاري ، ( ع ) الجاهل بأصول علم التقديس لا يفهم الأصول ولا يحترم المتخصص فيها فهو يهجم على العلم بلا ورع ويبدع أهله وهم سواد العلماء الأعظم ثم هو أبعد الناس عن التنزيه والتسبيح الاعتقادي الذي عليه أهل الأصول فيحد الله تعالى بحد ثم يجعل له مكانا ثم يجري عليه زمانا تعالى الله تعالى عن جهلهم وقولهم علوا كبيرا ، ( غ ) أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق ، ولما لم يروا مخلوقا إلا في مكان لا مناص له منه قالوا لا نعلم موجودا إلا في مكان وأن العدم وحده هو الذي يستغني عن المكان ، ونسوا إن الله ليس كمثله شيء وليس له مثيل وليس كوجوده وجود ، فهو الموجود بذاته وصفاته وافعاله ولكنه في وجوده منزه عن المكان والزمان المخلوقين تنزيه الخالق عن المخلوق وتنزيه المنزه عن الحد عن الكون في المحدود ، ( ف ) وأخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما أيضاً : عندما قاسوا الخالق على المخلوق _ وتناسوا قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه وانه ليس كمثله شيء وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد _ فتخيلوا الخالق المعبود في جهة واحدة من جهات الكون هي جهة العلو الحسي المقاس بالأبعاد وتخلوه جالسا على عرش عظيم سبحانه وتعالى عما يصفون واختلفوا - بفهم سقيم بعيد عن التقديس  - هل هو  ( سبحانه ) بقدر العرش أم أكبر أم أصغر بمقدار أربعة أصابع وهل إذا نزل في الثلث الأخير من الليل يخلوا منه العرش أم لا ، كل ذلك بما قاسته أوهامهم للخالق على المخلوق وبموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون ، وهم يدعون التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الكرام وأكرم بذلك من طريق ، وأعظم به من منهاج ، ولكن لم يكن لهم توسع في دراسة أدلة تنزيه الذات من الكتاب والسنة ، ولهذا نرى بعضهم يجيز على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار ويجوزون عليه التغير والانتقال وهم لا يعلمون أن هذا كله من سمات الخلق والنقصان ، ولو تواضعوا للعلم ودرسوا  ( علم توحيد الذات ) وقواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا  أدنى مرتبة من العوام ، لا يحترمون تخصصات أهل العلم بخاصة أهل الأصول ، بل صاروا قطاعا للطريق إلى الله وقفوا على طريق المسلمين يكفرون ويبدعون ويفسقون من حيث لا يعلمون ، نسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية ، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين ، وهم مع ذلك متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل ، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى ( والله بكل شيء محيط ) وقوله تعالى ( وكان الله بكل شيء محيطا ) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى ( فإني قريب ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ) وقوله تعالى ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته ( سبحانه ) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه ( بذاته )  ، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة  ،  وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ) ،  [ تنبيه ] : تنزيه الخالق سبحانه عن المكان ليس معناه أن الله في كل مكان إذ المكان مهما كبر فهو محدود والله تنزه عن الحدود ، والإحاطة في قوله تعالى { والله بكل شيء محيط } ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله ( سبحانه ) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، نعجز عن ادراك ذاته ، ولا نستطيع ان نقدره قدره ، لا نحصي ثناءً عليه ، هو كما أثنى على نفسه ،

[  3  ] : من أقوال علماء أهل السنّة والجماعة في تنزيه الله تعالى عن المكان :  ( 1 ) قول الإمام الطحاوي - وهو من كبار أئمة السلف وهو أعلم بأقوالهم ومذاهبهم - قال : ( هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة والدين أبي حنيفة النعمان وصاحبيه أبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن الشيباني ... وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات )   أهــ   [ متن العقيدة الطحاوية ]  ، ( 2 ) وقال الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي الإسفراييني : ( وأجمعوا- أي أهل السنة- على أنه -  أي الله تعالى - لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان  ) أهـ [ الفرق بين الفرق صـ 333 ] ، ( 3 ) وقال الإمام أبو المظفر الإسفراييني : ( الباب الخامس عشر في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة : وأن تعلم أن كل ما دل على حدوث شيء من الحد، والنهاية، والمكان، والجهة، والسكون، والحركة، فهو مستحيل عليه سبحانه وتعالى، لأن ما لا يكون محدثا لا يجوز عليه ما هو دليل على الحدوث " أهـ [  التبصير في الدين ص161 ] ، ( 4 ) وقال الإمام الشهرستاني الشافعي : ( فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [ سورة الشورى : 11 ] ، فليس البارئ سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان ) أهــ [ الملل والنحل للشهرستاني ] ، ( 5 ) وقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره  : ( انعقد الإجماع على أنه سبحانه ليس معنا بالمكان والجهة والحيز ) أهــ [ تفسير الرازي 29 :216 ] ، ( 6 ) وقال إمام أهل السنة أبو منصور الماتريدي  ( 333 هـ )  : ( إن الله سبحانه كان ولا مكان، وجائز ارتفاع الأمكنة وبقاؤه على ما كان، فهو على ما كان، وكان على ما عليه الان، جل عن التغير والزوال والاستحالة )  اهـ. [كتاب التوحيد  ( ص : 69 ) .] ، ( 7 ) وقال القاضي أبو بكر محمد الباقلاني المالكي : ( ولا نقول إن العرش له- أي الله- قرار ولا مكان، لأن الله تعالى كان ولا مكان، فلما خلق المكان لم يتغير عما كان )  اهـ.[ الانصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به  ( ص :65 ) .] ، ( 8 ) وقال الإمام أبو بكر ابن فورك  : ( لا يجوز على الله تعالى الحلول في الأماكن لاستحالة كونه محدودا ومتناهيا وذلك لاستحالة كونه محدثا ) أهـ.[  مشكل الحديث  ( ص : 57 )  ] ، ( 9 ) وقال الإمام ابن بطال المالكي  ( 449 هـ )  أحد شراح صحيح البخاري : ( غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر، وقد تقرر أن الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان، وإنما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف، ومعنى الارتفاع إليه اعتلاؤه- أي تعاليه- مع تنزيهه عن المكان ) اهـ. [ فتح الباري  ( 13 : 416 )  ] ، وقال أيضا : ( لا تعلق للمجسمة في إثبات المكان، لما ثبت من استحالة أن يكون سبحانه جسما أو حالا في مكان " اهـ [  فتح الباري  ( 13 : 433 )  ] ، ( 10 ) وقال الحافظ محمد بن حبان  ( 453هـ )  صاحب الصحيح المشهور بصحيح ابن حبان : ( الحمد لله الذي ليس له حد محدود فيحتوى، ولا له أجل معدود فيفنى، ولا يحيط به جوامع المكان، ولا يشتمل عليه تواتر الزمان )   اهـ. [ الثقات  ( 1 : 1 )  ] ، ( 11 ) وقال الإمام ابن حزم الأندلسي  ( 456 هـ )  : ( وأنه تعالى لا في مكان ولا في زمان، بل هو تعالى خالق الأزمنة والأمكنة، قال تعالى : {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } ، وقال { الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } ، والزمان والمكان هما مخلوقان، قد كان تعالى دونهما، والمكان إنما هو للأجسام اهـ. [ أنظر كتابه علم الكلام : مسألة في نفي المكان عن الله تعالى  ( ص : 65 )  ] ، ( 12 ) وقال الحافظ البيهقي  ( 458هـ )  :  ( والذي روي في ءاخر هذا الحديث إشارة إلى نفي المكان عن الله تعالى، وأن العبد أينما كان فهو في القرب والبعد من الله تعالى سواء، وأنه الظاهر فيصح إدراكه بالأدلة، الباطن فلا يصح إدراكه بالكون في مكان. واستدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ( أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء )  ) ، وإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان )   اهـ. [ الأسماء والصفات  ( ص : 400 )  ] ، ( 13 ) وقال الإمام أبو إسحاق الشيرازي  ( 476 هـ )  : ( وأن استواءه ليس باستقرار ولا ملاصقة لأن الاستقرار والملاصقة صفة الأجسام المخلوقة، والرب عز وجل قديم أزلي، فدل على أنه كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو على ما عليه كان " اهـ.[ شرح اللمع : ج 1 : 101 ] ، ( 14 ) وقال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني  ( 478 هـ )  : ( البارئ سبحانه وتعالى قائم بنفسه ، متعال عن الافتقار إلى محل يحله أو مكان يقله ) اهـ. [ الإرشاد إلى قواطع الأدلة  ( ص : 53 )  ] ، وقال أيضا : ( مذهب أهل الحق قاطبة أن الله سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيز والتخصص بالجهات ) أهـ [الإرشاد  ( ص : 58 )  ] ، وقال أيضا : ( واعلموا أن مذهب أهل الحق : أن الرب سبحانه وتعالى يتقدس عن شغل حيز، وبتنزه عن الاختصاص بجهة ، وذهبت المشبهة إلى أنه مختص بجهة فوق، ثم افترقت ءاراؤهم بعد الاتفاق منهم على إثبات الجهة، فصار غلاة المشبهة إلى أن الرب تعالى مماس للصفحة العليا من العرش وهو مماسه ، وجوزوا عليه التحول والانتقال وتبدل الجهات والحركات والسكنات، وقد حكينا جملا من فضائح مذهبهم فيما تقدم" اهـ [الشامل في أصول الدين : ص :  511 ] ، ( 15 ) وقال الإمام أبو حامد الغزالي  ( 505 هـ )  : ( تعالى [ الله ] عن أن يحويه مكان، كما تقدس عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الان على ما عليه كان )  اهـ.[  إحياء علوم الدين : كتاب قواعد العقائد،  ( 1 : 108 )  ] ، وقال أيضا : ( الأصل السابع : العلم بأن الله تعالى منزه الذات عن الاختصاص بالجهات، فإن الجهة إما فوق وإما أسفل وإما يمين وإما شمال أو قدّام أو خلف، وهذه الجهات هو الذي خلقها وأحدثها بواسطة خلق الإنسان إذ خلق له طرفين أحدهما يعتمد على الأرض ويسمى رجلا، والاخر يقابله ويسمى رأسا، فحدث اسم الفوق لما يلي جهة الرأس واسم السفل لما يلي جهة الرِّجل، حتى إن النملة التي تدب منكسة تحت السقف تنقلب جهة الفوق في حقها تحت وإن كان في حقنا فوقًا. وخلق للإنسان اليدين وإحداهما أقوى من الأخرى في الغالب، فحدث اسم اليمين للأقوى واسم الشمال لما يقابله وتسمى الجهة التي تلي اليمين يمينا والأخرى شمالا، وخلق له جانبين يبصر من أحدهما ويتحرّك إليه فحدث اسم القدّام للجهة التي يتقدم إليها بالحركة واسم الخلف لما يقابلها، فالجهات حادثة بحدوث الإنسان. ثم قال : "فكيف كان في الأزل مختصًا بجهة والجهة حادثة؟ أو كيف صار مختصا بجهة بعد أن لم يكن له؟ أبأن خلق العالم فوقه، ويتعالى عن أن يكون له فوق إذ تعالى أن يكون له رأس، والفوق عبارة عما يكون جهة الرأس، أو خلق العالم تحته، فتعالى عن أن يكون له تحت إذ تعالى عن أن يكون له رجل والتحت عبارة عما يلي جهة الرّجل : وكل ذلك مما يستحيل في العقل ولأن المعقول من كونه مختصّا بجهة أنه مختص بحيز اختصاص الجواهر أو مختص بالجواهر اختصاص العرض، وقد ظهر استحالة كونه جوهرا أو عرضا فاستحال كونه مختصًا بالجهة : وإن اريد بالجهة غير هذين المعنيين كان غلطا في الاسم مع المساعدة على المعنى ولأنه لو كان فوق العالم لكان محاذيا له، وكل محاذ لجسم فإما أن يكون مثله أو أصغر منه أو أكبر وكل ذلك تقدير محوج بالضرورة إلى مقدّر ويتعالى عنه الخالق الواحد المدبّر، فأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنها قبلة الدعاء، وفيه أيضا اشاره إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال و الكبرياء تنبيها بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء" اهـ [إحياء علوم الدين :  ( 1 : 128 )  ] ، ( 16 ) وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي الأندلسي  ( 543 هـ )  : ( البارئ تعالى يتقدس عن أن يُحَدّ بالجهات أو تكتنفه الأقطار )  اهـ. [ القبس في شرح الموطأ : ج 1 : 395 ] ، وقال أيضا : ( إن الله سبحانه منزه عن الحركـة والانتقال لأنه لا يحويه مكان كما لا يشتمل عليه زمان، ولا يشغل حيزا كما لا يدنو إلى مسافة بشيء، متقدس الذات عن الآفات منزه عن التغيير، وهذه عقيدة مستقرة في القلوب ثابتة بواضح الدليل ) اهـ. [ القبس في شرح الموطأ : ج 1 : 289 ] ، وقال أيضا : ( الله تعالى يتقدس عن أن يحد بالجهات ) أهـ [ القبس في شرح الموطأ : ج 1 : 395 ] ، وقال أيضا : ( وان علم الله لا يحل في مكان ولا ينتسب إلى جهة، كما أنه سبحانه كذلك، لكنه يعلم كل شيء في كل موضع وعلى  كل حال، فما كان فهو بعلم الله لا يشذ عنه شيء ولا يعزب عن علمه موجود ولا معدوم، والمقصود من الخبر أن نسبة البارئ من الجهات إلى فوق كنسبته إلى تحت، إذ لا ينسب إلى الكون في واحدة منهما بذاته " اهـ. [ عارضة الأحوذي بشرح سنن الترمذي : ج 12 : 184 ] ، ( 17 ) وقال القاضي عياض المالكي  ( 544 ) : ( اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب هنا من الله او إلى الله فليس بدنو مكان ولا قُرب مدى، بل كما ذكرنا عن جعفر بن محمد الصادق : ليس بدُنو حد، صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء ) اهـ [ الشفا : ج1 : 205 ] ، ( 18 ) وقال الإمام الشهرستاني  ( 548هـ )  : ( فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }  ، فليس البارئ سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان )  اهـ.[ نهاية الأقدام ص : 103] ، وقال الإمام الحافظ ابن الجوزي الحنبلي  ( 597هـ )  : ( الواجب علينا أن نعتقد أن ذات الله تعالى لا يحويه مكان ولا يوصف بالتغيّر والانتقال )   اهـ. [ دفع شبه التشبيه  ( ص :58 )  ] ، وقال في صيد الخاطر : ( فترى أقوامًا يسمعون أخبار الصفات فيحملونها على ما يقتضيه الحس، كقول قائلهم : ينزل بذاته إلى السماء وينتقل، وهذا فهم رديء، لأن المنتقل يكون من مكان إلى مكان، ويوجب ذلك كون المكان أكبر منه، ويلزم منه الحركة، وكل ذلك محال على الحق عز وجل )  اهـ [ صيد الخاطر : ص : 476 ] ، وقال في الباز الأشهب : ( كل من هو في جهة يكون مقدَّرًا محدودًا وهو يتعالى عن ذلك، وإنما الجهات للجواهر والأجسام لأنها أجرام تحتاج إلى جهة، وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان" اهـ.[ الباز الأشهب ص 57] ، ( 19 ) وقال الحافظ ابن عساكر  ( 620 هـ )  – في درة من تنزيهات العلماء – ( موجود قبل الخلق ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كل ولا بعض، ولا يقال متى كان، ولا أين كـان ولا كيف، كان ولا مكان، كون الأكوان، ودبر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان ) اهـ [ طبقات الشافعية  ( 8 : 186 )  ] ، وقال سلطان العلماء  عبد العزيز بن عبد السلام  ( 660 ه )  : ( ليس [ الله تعالى ] بجسم مصوَّر، ولا جوهر محدود مُقدَّر، ولا يشبه شيئا، ولا يُشبهه شيء، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات، كان قبل أن كوَّن المكان ودبَّر الزمان، وهو الآن على ما عليه كان )  أهـ [طبقات الشافعية :  ( 8 : 219 )  ] ، ( 20 ) وقال الإمام المفسّر محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المالكي  ( 671هـ )  : ( و"العليّ" يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان، لأنَّ الله منزه عن التحيز )   أهـ [ الجامع لأحكام القرءان :  ( 3 : 278 ) ] ، وقال أيضًا ( والقاعدة تنزيهه سبحانه وتعالى عن الحركة والانتقال وشغل الأمكنة )  اهـ. [ المصدر السابق :  ( 6 : 390 )  ] ، وقال أيضًا : ( ومعنى :{فوق عباده} [سورة الأنعام :18] فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم، أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان" اهـ. [ المصدر السابق :  ( 6 : 399 )  ] ، وقال أيضًا عند تفسير ءاية :{أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءايَاتِ رَبِّكَ} [سورة الأنعام :158] :  ( وليس مجيئه تعالى حركةً ولا انتقالاً ولا زوالاً لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسمًا أو جوهرًا ) اهـ. [  المصدر السابق :  ( 7 : 145 )  ] ، وقال أيضًا : في تفسير آية {وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا} : ( والله جل ثناؤه لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنَّى له التحول والانتقال ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان، لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز" اهـ. [  المصدر السابق :  ( 20 :55 ) ] ، وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى :{ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} [سورة المُلك :16] : ( والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلوِّ والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام. وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القُدس ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله الكعبة قِبلةً للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان ) اهـ [ المصدر السابق : ( 18 :216 )  ] ، ( 21 ) وقال الإمام الحافظ أبو زكريا محيي الدين النووي  ( 676هـ )  :  ( إن الله تعالى ليس كمثله شيء، وإنه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق ) اهـ. [ شرح صحيح مسلم 3 :19] ، ( 22 ) وقال الإمام البيضاوي  ( 685 هـ )  : ( ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه ) أهـ [ فتح الباري  ( 3 : 31 ) ] ، وقال الإمام المفسر النسفي  ( 710 هـ ) :   ( إنه تعالى كان ولا مكان فهو على ما كان قبل خلق المكان، لم يتغير عما كان ) اهـ. [ تفسير النسفي :  ( ج2 :2،48 )  ] ، وقال العلامة ابن منظور  ( 711 هـ )  : ( وفي الحديث : ( ( من تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعًا ) )    المراد بقرب العبد من الله عز وجل : القرب بالذكر والعمل الصالح لا قرب الذات والمكان لأن ذلك من صفات الأجسام، والله يتعالى عن ذلك ويتقدس )  [  لسان العرب ، مادة : ق رب  ( 1 : 663- 664 )  ] ، ( 23 ) وقال الإمام القاضي بدر الدين ابن جماعة  ( 733 ه ) : ( كان الله ولا زمان ولا مكان، وهو الان على ما عليه كان )   اهـ. [ إيضاح الدليل  ( ص : 103- 4. 1 ) ] ، وقال أيضا : ( فإن قيل : نفي الجهة عن الموجود يوجب نفيه لاستحالة موجود في غير جهة. " قلنا : الموجود قسمان : موجود لا يتصرف فيه الوهم والحس والخيال والانفصال، وموجود يتصرف ذلك فيه ويقبله. فالأول ممنوع لاستحالته، والرب لا يتصرف فيه ذلك، إذ ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر، فصح وجوده عقلا من غير جهة ولا حيز كما دل الدليل العقلي فيه، فوجب تصديقه عقلا، وكما دل الدليل العقلي على وجوده مع نفي الجسمية والعرضية مع بُعد الفهم الحسي له، فكذلك دلّ على نفي الجهة والحيز مع بُعد فهم الحسّ له ) اهـ [ إيضاح الدليل  ( ص : 104- 105 )  ] ، ( 24 ) وقال المفسِّر النحوي محمد بن يوسف المعروف بأبي حيان الأندلسي  ( 745 هـ )  عند تفسير قوله تعالى :{ وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِه } : ( وعند هنا لا يراد بها ظرف المكان لأنه تعالى منزه عن المكان، بل المعنى شرف المكانة وعلو المنزلة ) اهـ [ البحر المحيط  ( 6 : 302 ) ] ، وقال أيضا : ( قام البرهان العقلي على أنه تعالى ليس بمتحيز في جهة ) اهـ. [البحر المحيط : 16- 8 : 302 )  ] ، ( 25 ) وقال الإمام الحافظ المحدث ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي  ( 826 هـ )  : ( "وقوله أي النبي- "فهو عنده فوق العرش "لا بد من تأويل ظاهر لفظة "عنده " لأن معناها حضرة الشيء والله تعالى منزه عن الاستقرار والتحيز والجهة، فالعندية ليست من حضرة المكان بل من حضرة الشرف، أي وضع ذلك الكتاب في محل مُعظّم عنده ) اهـ [ طرح التثريب  ( 8 :،84 )  ] ، ( 26 ) وقال إمام الدنيا في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني  ( 852 هـ )   : ( ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محالا على الله أن لا يوصف بالعلو، لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس، ولذلك ورد في صفته العالي والعلي والمتعالي، ولم يرد ضد ذلك وإن كان قد أحاط بكل شيء علما جلّ وعز ) أهـ  [ فتح الباري ( 6 : 136 )  ] ، ( 27 ) وقال الإمام العَيْني أحد شراح صحيح البخاري  ( 855 هـ )  : ( ولا يدل قوله تعالى :{ وكان عرشه على الماء }  على أنه - تعالى- حالّ عليه، وإنما أخبر عن العرش خاصة بأنه على الماء، ولم يخبر عن نفسه بأنه حال عليه، تعالى الله عن ذلك، لأنه لم يكن له حاجة إليه " اهـ. [ عمدة القاري  ( مجلد 12 : 25 : 111 )  ] ، وقال أيضا : ( تقرر أن الله ليس بجسم، فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان ) أ ه [ عمدة القاري  ( مجلد 12 : 25 : 117 )  ] ، ( 28 ) وقال الحافظ السخاوي  ( 902 هـ ) : ( قال شيخنا- يعني الحافظ ابن حجر- : إن علم الله يشمل جميع الأقطار، والله سبحانه وتعالى منزه عن الحلول في الأماكن، فإنه سبحانه وتعالى كان قبل أن تحدث الأماكن ) أهـ. [ المقاصد الحسنة  ( رقم 886، ص : 342 )  ] ، ( 29 ) وقال الحافظ جلال الدين السيوطي  ( 911 هـ )  عند شرح حديث :  ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد )  : ( قال القرطبي : هذا أقرب بالرتبة والكرامة لا بالمسافة، لأنه منزه عن المكان والمساحة والزمان. وقال البدر بن الصاحب في تذكرته : في الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى ) أهـ. [شرح السيوطي لسنن النساني  ( 1 : 576 )  ] ، ( 30 ) وقال الإمام القسطلاني   ( 933هـ )  في شرحه على صحيح البخاري : ( ذات الله منزه عن المكان والجهة ) أهـ. [ إرشاد الساري  ( 15 : 451 )  ] ، ( 31 ) وقال الإمام القاضي أبو زكريا الأنصاري  ( 926 هـ )  : ( إن الله ليس بجسم ولا عَرَض ولا في مكان ولا زمان )  أهـ [ حاشية الرسالة القشيرية  ( ص : 2 )  ] ، وقال أيضا : ( لا مكان له  - سبحانه - كما لا زمان له لأنه الخالق لكل مكان وزمان )  أهـ [ المصدر السابق :  ( ص : 5 )  ] ،

 

*** 

 

( 3  )

تورط ابن تيمية  في نسبة الحد إلى الله تعالى

 

قول ابن تيمية بنسبة الحد إلى الله تعالى : جاء في  كتابه  ( الموافقة ) : ( وقد اتفقتِ الكلمةُ من المسلمينَ والكافرينَ على أنَّ الله في السماء وحَدُّوهُ بذلك ) أهــ [ ( موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول ) : ج2 : ص29 : ص30] ،  وجاء في كتابهِ  ( الموافقة ) أيضًا : ( فهذا كُلُّه وما أشبهَه شواهدُ ودلائلُ على الحَدِّ  ، ومَنْ لم يعترفْ بهِ فقد كَفَرَ بتنـزيلِ الله وجَحَدَ ءاياتِ الله ) أهـ [ ( موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول ) : ج2 : ص29] ،  وجاء في كتابهِ  ( بيان تلبيس الجهميَّة ) :  ( فقد دَلَّ الكتابُ والسُّـنَّةُ على معنى ذلك  ، كما تَقَدَّمَ احتجاجُ الإمامِ أحمدَ لذلكَ بما في القرءانِ ممَّا يَدُلُّ على أنَّ الله تعالى له حَدٌّ يتميَّز به عن المخلوقات ) أهــ [ ( بيان تلبيس الجهميَّة ) : ج1 : ص445] ، وقال فيه أيضًا : ( وذلكَ لا ينافي ما تَقَدَّمَ مِنْ إثباتِ أنه في نَفْسهِ له حَدٌّ يَعْلَمُهُ هو ولا يَعْلَمُهُ غيرُه ) أهــ [ ( بيان تلبيس الجهميَّة ) : ج1 : ص433] ،  وجاء في كتابه  ( الموافقة ) : ( وقد اتفقتِ الكلمةُ من المسلمينَ والكافرينَ على أنَّ الله في السماء وحَدُّوهُ بذلك  ) [ ( موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول ) : ج2 : ص29 : ص30] ، وقوله مخالف لقول أهل السنّة والجماعة أنّ الله تعالي منزه عن الحدود ، وذلك لأنّ الحد عجز ونقص ودلالة على المحدودية والخلق إذ كل محدود دال على من حده ، والله تعالى منزه عن الحدود والغايات ، قال الطحاوي رحمه الله : ( تعالى - الله - عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاء والأدوات ، لا تَحْويهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كسائرِ المبتدَعات ) ، وروى أبو نعيم عن الإمام على رضي الله عنه : ( مَنْ زَعَمَ أنَّ إلـٰـهَنا محدود فقد جَهِلَ الخالقَ المعبود ) [ رواه الإمامُ أبو نُعَيْمٍ في الحِلْية  ج 1 : ص73  ] ،

 [ الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الحد ] : لا شك في أنّ أي شيء محدود له نهاية تحده ، والحد معناه التناهي ، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به ، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه ، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه ، والله تعالى أكبر من كل تصور ، وأكبر من كل حد ، وأكبر من كل مقدار ، وأكبر من كل نهاية ، وهو الكبير المتعال على الحدود ، القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود ، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته ، وكتب النهايات على كل محدود ، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها ، وكل محدود مخلوق ، والخالق متعالي عن الحد والنهاية ،  لأنّ صفات الله تعالى لا تتناهى ولا حد لها ، فلا حد لعلمه ، ولا حد لقدرته ، ولا حد لرحمته ، ولا حد لعزته ، ومن كانت تلك صفاته ، فلا حد لذاته ، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الحد والنهاية والمقدار ما يلي : ( أ ) الله تعالى هو { الواحد القهار }  ، وقد تكرر ذكر { الواحد القهار } في القرآن الكريم في ستة مواضع ، هي  قوله تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [ إِبراهيم : 48 ] ، وقوله تعالى : { وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ ص : 65 ] ، وقوله تعالى : {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الزمر : 4 ] ،  وقوله تعالى : { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ  } [ غافر : 16 ] ،  وقوله تعالى : { أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ يوسف : 39 ] ، والله تعالى هو القاهر فوق عباده ، قال تعالى : { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } [ الأنعام 18 ] ، فالله تعالى هو الواحد القهار  ، وهو سبحانه القاهر فوق عباده ، قهر الخلق أجمعين بالحدود والمقادير ، فليس مخلوق إلا مقهور بقدر معلوم وحد مخصوص ، لا يستطيع أن يتجاوز تلك الحدود ، لأنّه مقهور عليها ، والقاهر له هو خالقه الواحد القهار ، أما الخالق الواحد القهار فقد جل عن أن يقهره حدٌ أو يحده مقدار ، لأنّه قاهر الخلق بتلك الحدود والمقادير ، تنزه عن الحد والمقدار ، ( تنبيه ) :  كل مخلوق مهما كبر حجمه أو جل مقداره ، إلا أنّه محدود متناهي مقدر بمقدار ، مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه ، أما الله تعالى الواحد القهار فإنه لما  كان قاهراً من كلّ الجهات لم تتحكّم فيه الحدود ، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء، فهو الواحد القهار لا يشوبه نقص ، ولا يحده حد ، ولا يقدره مقدار ، كيف وهو الذي خلق الحدود والمقادير وهو الواحد القهار ، ( ب  ) بين الله تعالى في كتابه الكريم أنه تعالى خلق الأشياء وخصصها بما هي عليه من قدر معين قال تعالى : { وخلق كل شيء فقدره تقديراً } ، وقال تعالى :{ جعل الله لكل شيء قدرا } ، وقال تعالى :{وإن من شيء إلاّ عندنا خزآئنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } ،  وقال تعالى : { إنا كل شيء خلقناه بقدر } ،  وقال تعالى : { قد جعل الله لكل شيء قدرا } ، وقال تعالى : { وكل شيء عنده بمقدار } ، ومعنى هذه الآيات  أن الله عز وجل خص كل مخلوق ( بحد ومقدار ) لا يجاوزهما ولا يقصر عنهما  ، والحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق وبيان أن هناك خالق مقدِر خصصه على هذا الحد وهذا المقدار ، فكل موجود له حد ونهاية يكون الحد والنهاية دليل على انه مخلوق حادث ،   وأن موجده ومخصصه على هذه الحال هو الله تعالى فمحال أن يكون الوصف الذي يحتج به على الحدوث والمخلوقية وصفا لله تعالى في ذاته أو صفاته فلا حد لذات الله تعالى وتقدس ولا حد لصفات الله عز وجل ، ( ت ) القاعدة تقول :كل ما يقبل الحد  فهو محدود ، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات ، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا  لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق ، ( ث ) كيف نصف الله تعالى بالحد والمقدار ، ونحن نقول في كل صلاة وعند كل حركة وانتقال ، وفي الاذكار عقب الصلوات وفي الصباح والمساء ( ( الله أكبر ) )  ومعناها : الله أكبر من كل تصور ، والله أكبر من كل خيال ، والله أكبر من كل حد ، والله أكبر من كل مقدار ، ( ج ) المخلوقات جميعها محدودة وإن اختلفت حدودها  فمنها ما هو ضخم بالغ الضخامة كالعرش ومنها ما هو ضئيل بالغ الضآلة كالبعوضة إلا أنها جميعا تشترك في صفة الحد  والمحدودية لأنها جميعا مخلوقة والمخلوق محدود الذات والصفات  والله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته فليس له فيها حد وإلا شابه المخلوق وليس كمثله شيء في صفاته فليس له فيها حد ، ( ح )  كل متناه مٌحدَث لأن تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص ،  وجل الخالق تعالى عن ذلك أن يكون لذاته مخصص ، لأنه الخالق  ، والخالق هو المقدر لجميع المقدرات بمقاديرها المخصوصة فيستحيل أن تكون ذاته سبحانه مقَدَرة بمقدار مخصوص وإلا لزم كونه مقدراً لنفسه حادا لها بحد ونهاية وكمية ومقدار وذلك محال ، لان التقدير يوجب الخلق والحد يوجب الحدوث لحاجة الحد إلى حادّ يحده والله تعالى قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء ،لم يزل منزه عن الحدوث هو الأول فليس قبله شيء ،  ( خ )  الحد نقص والنهاية عجز والله تعالى منزه عن النقص والعجز ، فكل موجود له نهاية وهذه النهاية علامة نقصه لأن الموجود مهما كان كبيرا وعظيما إذا كانت له نهاية ينتهي إليها فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر منه والقاعدة عند الرياضيين أن كل ما يقبل النهاية يقبل الزيادة والنقصان ، والله تعالى له الكمال المطلق _ ومعنى الكمال المطلق أن ذاته لا حد لها ولا نهاية ولا تقبل الزيادة لأنه بذلك يكون قبل قبول الزيادة نقصا ولا تقبل النقصان لأنه ضد الكمال _ فإن كان لذاته نهاية ( سبحانه وحاشاه ) فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر من ذاته  ، كما تصور البعض بأذهانهم السقيمة أن العرش أكبر من ذات الله ويفضله بأربعة أصابع وهم يقولون عند كل صلاة ( الله أكبر ) فكيف جاز لهم أن يجعلوا ذات العرش اكبر من ذات الله سبحانه تعالى الله عما يصفون ،  [ تنبيه ] : ذات الله تعالى منزه عن الحد والحصر والنهاية وهو كذلك منزه عن الحجم والكمية والمقدار لكونها صفات الأجسام والأجسام مخلوقه والله تعالى خالقها ليس كمثله شيء وليس له سمي ومثيل ولا نحيط به علما وإنما ننزهه عن مماثلة المخلوق وعن كل نقص وعجز اتصف به المخلوق وتنزه عنه الخالق ،  ( د ) الحدود مخلوقة والله عز وجل هو خالق الحدود فلا تجري الحدود على ذاته ، والنهايات علامات المخلوقات أنهاها الخالق بعلمه الذي ليس له حد {وسع كل شيء علما} وبقدرته التي ليس لها فيها حد {وكان الله على كل شيء مقتدرا }، لا انتهاء لقدرته ولا حد لعلمه فكذلك ذاته المقدسة تنزهت عن الحد والحصر والمقدار ، لأن الحد نقص والحصر عجز والمقدار خلق و ( الله اكبر ) من كل حد ( وأعظم ) من كل حصر ( ومتعال )  على كل نهاية ومقدار ، حد الحدود وقدر المقادير على خلقه لا على ذاته سبحانه هو الواحد القهار ،  ( ذ ) وليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار ، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له ، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات ، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين ، كمالات الذات لا تتناهى ، فلا حد حسي ولا معنوي لذاته تنتهي إليه ، ولا مقدار لها يحدد قدرها ، لأنّ الحد مهما اتسع ، ولأنّ المقدار مهما عظم وكبر فإنّه صفة المخلوق ، ويُحتمل وجود ما هو أكبر واعظم منه ، والخالق - سبحانه - لا تسري عليه قوانين المواد والأجسام لأنّه خالق كل ذلك ، ولا يُحتمل وجود ما هو أكبر ، أو اعظم منه ، لأنّ من أسمائه الحسنى : الكبير  المتعال ، والعلي العظيم ، ليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات ، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق ، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود ، فالله تعالى أكبر من كل تصور ، وأعظم من أن نحيط به علما ، {  يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، فالذات لا يُدرك ، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل ، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح  ،  فالله تعالى { ليس كمثله شيء } وكل شيء سواه مخلوق مقدر محدود ، وكما ذكرت فإنّ من أراد التنزيه والتقديس فليذهب بعقله إلى ما فوق المادة والاجسام ، وليصف ذهنه عن مماثلة ذات الله تعالى بذوات خلقه ، وليذهب إلى التسبيح القلبي والتنزيه العقلي والتقديس العقائدي حيث الاقرار بالعجز عن الإدراك ، واليقين في وجود الواحد الأحد الذي ليس كمثل وجوده وجود ، ولا كمثل ذاته ذات ، ولا كمثل صفاته صفات ، تنزهت ذاته وصفاته عن كل حد ومقدار ، فإن لم يستطع ان يخرج من اطار المادة والاجسام وجميع المخلوقات المحدودة المقدرة ، فليوقن أنّه عامي ناقص العلم في باب توحيد الذات والصفات والافعال ، فلا يحل له القول على الله تعالى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، وقد جزم أهل التخصص في باب الإلهيات - اهم وأصعب أقسام العقيدة - أنّ شرط التكلم في الله تعالى وصفاته وأفعاله تصفية الذهن عن شوائب المحسوسات وعوالق المرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه ، ونحن لا نُطالب كل مسلم بالولوج في علم التقديس ، ولكن لا يحل لأحد ان يدعي التخصص في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة أو أن يقيّم أقوال المتخصصين دونما خلفية عن هذا العلم تمنعه من الولوج في التشبيه او التجسيم او الحشو فيما يتعلق بتوحيد الذات ، ( ر ) قد يأتي بعض من حرم نور التنزيه - أسأل الله تعالى لهم بقلب صادق هذه البصيرة وهذا النور - فيقول : إن الله عز وجل وصف نفسه بأنه سميع بصير { وكان الله سميعا بصيرا }  ووصف بعض خلقه بأنه سميع بصير { فجعلناه سميعا بصيرا } ، فما المانع أن يكون للمخلوق حد وينتهي إليه وكذلك يكون للخالق حد ينتهي إليه ولا يعلمه إلا هو ، والجواب عن تلك الشبهة من وجهين : الوجه الأول : أن السمع والبصر والعلم صفات مدح من كل وجه ولله تعالى كمال الصفات من العلم والسمع والبصر ، وقد أكرم بعض خلقه بالسمع والبصر والعلم تفضلا منه سبحانه ، ولكن الحد والنهاية والحصر صفات عجز ونقص وقصور فهي سمة المخلوق الفقير إلى ربه والتنزه عن الحد والنهاية والحصر صفة الكمال اللازمة للقدوس الكبير المتعال ، وشتان بين الخالق والمخلوق وبين الغني عن الخلق والفقير إلى الله ( أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ) والوجه الثاني للجواب : أن صفات السمع والبصر والعلم عند المخلوق محدودة مقدرة أما عند الله تعالى فهي صفات لا حد لها ولا نهاية وسع علمه جميع المعلومات ( ومعلومات الله ليس لها حد لأنه يعلم بكافة أحوال أهل الجنة من نعيم دائم لا ينقطع وهم فيها خالدون أبدا وكذلك بحال أهل النار وعذابهم الأبدي ) فلا حد لعلمه وكذلك لا حد لسمعه وسع سمعه جميع المسموعات ووسع سمعه أصوات أهل الجنة والنار وكذلك لا حد لبصره وسع بصره جميع المبصرات حتى يرى أهل الجنة والنار إلى ما لا نهاية له من الزمان المستقبل ، والحاصل أن الحد والحصر حاصل للمخلوق في ذاته وصفاته والتنزيه عن الحد والحصر والمقدار حاصل لله تعالى في ذاته وصفاته ، [ تنبيه ضروري ] : حتى لا يقع المسلم في تكييف ذات الله من حيث لا يدري فليس المقصود من قولنا تنزيه الله عن الحد إثبات مقدار إلى ما لا نهاية فالله تعالى منزه عن الحد والمقدار وهذا التنزيه ضروري لتصفية القلب عن كل شوائب التكييف والتشبيه ويعلم أن الجنس البشري عاجز عن إدراك كنه ذات الله ، والعجز عن درك الإدراك إدراك ،  ( ز ) الكون جميعه من العرش إلى الفرش مهما اتسع محدود ، فالسماوات السبع وما فيها وما بينها والكرسي والعرش وغير ذلك مما لا نعلم من ملك الله على اتساعه العظيم مخلوق محدود سمته النقص والنهاية لأنه محدث مخلوق ، أما الخالق الذي له الكمال المطلق في ذاته المقدسة وأسمائه الحسنى وصفاته العلى فهو المنزه عن كل نهاية وحدود ( والله اكبر ) عن كل تصور محدود جل عن الإحاطة ، إذ كيف يحيط المخلوق المحدود علما بالخالق المنزه عن الحدود ( ولا يحيطون به علما ) و ( ليس كمثله شيء ) و ( لم يكن له كفوا احد ) ف ( لا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ) ،  ( س ) نسبة الغير محدود إلى المحدود هي نفسها نسبة الخالق إلى المخلوق ونسبة الإله الرب إلى العبد المربوب ، ومنه نعلم بعض الحكمة من قولنا عند كل صلاة وقيام وركوع وسجود ( الله أكبر ) أي عن كل تصور وحدود وعن كل عجز وعيب ونقص وقصور ،  ( ش ) الله تعالى منزه عن الحد والمقدار وكل ما يفيد الحصر والنهاية لأن ذلك سمة المخلوق الذي حده خالقه على كمية ومقدار معين ، وعلى تنزيه الله تعالى عن الحد والمقدار إجماع أهل التنزيه من هذه الأمة ، حتى ما نقل عن البعض بإثبات الحد فإنما يقصد بالحد الحاجز بين الخالق والمخلوق لا أكثر ( أي الحد الذي يمنع الاتحاد والحلول ) وإلا فلا يصح أبداً إثبات الحد لله بمعنى المقدار الذي تنتهي إليه ذاته سبحانه فإن ذات الله ليس لها نهاية ، منزه سبحانه عن الحصر لأن الحصر والنهاية نقص يضاد الكمال الذي اتصف به ذات الله ، فإن الحد في اللغة  على معنيين [ انظر مختار الصحاح ج : 1 ص : 53 ] : الأول : الحد بمعنى الحاجز بين الشيئين وهذا لو أضيف إلى الله فالمقصود به حد الإلهية الذي يفصل بين المعبود سبحانه والعباد أو المقصود به حد الربوبية الذي يفصل بين الرب والمربوب فلا اتحاد ولا حلول بينهما ولا مماسة ولا اتصال بينهما بحال فالحد بهذا المعنى صحيح ، والثاني : الحد بمعنى الحصر والنهاية وحد الشيء منتهاه الذي ينتهي إليه ونهايته وهذا الحد هو صفة المخلوق التي يتنزه ويتقدس الخالق عنها ، ( ص ) اتفق المسلمون على تنزيه الله تعالى عن الحدود والغايات والنهايات ولم يخالف في ذلك إلا قلةٌ جاهلون بما يجب لله تعالى من التقديس والتعظيم ، يعتقدون ان إلههم محدود بحد لا يعلمه إلا هو وأكثرهم على أن حده العرش ، فحدوه بمخلوق مربوب مثلهم وقد اشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله تعالى { وهو رب العرش العظيم }  كما أنه رب العالمين جميعا ، فالله تعالى رب العرش ورب العالمين والجميع محفوف بعناية الله ومحفوظ بحفظه ، وهل – أستغفر الله تعالى – الرب عز وجل محمول على عرش او كرسي ، الرب الذي قال عن نفسه سبحانه : { ِإِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } [ فاطر : 41 ] ، هل يحتاج إلى شيء يحمله ، أو شيء يحيط به ويحويه ، مهما بلغ اتساعه وحجمه ، فأنى للمخلوق المربوب أن يحمل الخالق ، وأنى للمحدود ان يحوي الذي تعالى عن الحد والمقدار ، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بأن الله هو الغني الذي تحتاج إليه الخلائق بما فيها العرش ، وهو الغني عنها ، وأنّه سبحانه هو الحي القيوم الذي يقوم على حاجة كل مخلوق وهو مستغنٍ عنها ، سبحانك هذا بهتان عظيم ،  ( ض ) تنزيه الخالق سبحانه عن الحدود والغايات والنهايات ليس معناه أن الله في كل مكان إذ المكان مهما كبر فهو محدود والله تنزه عن الحدود ، وليس معناه أن الكون كله داخل في ذات الله ( سبحانه ) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات  تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، نعجز عن ادراك ذاته ، وما نستطيع ان نقدره قدره ، لا نحصي ثناءً عليه ، هو كما أثنى على نفسه ، ( ط ) يقول علماء الحساب والرياضيات أنه لا نسبة بين المحدود واللامحدود ، ولا تصح المقارنة بين المحدود مهما كان كبيرا أو عظيما وبين اللامحدود ، إذ نسبة المحدود مهما كان كبيرا إلى اللامحدود هي نفسها نسبة الصفر الذي لا يساوي شيئا إلى الذي لا يتناهى من الأشياء ، ولله المثل الاعلى ، إذ كيف تصح المقارنة بين الكون المخلوق المقدر المحدود – مهما بلغ اتساعه وهو عظيم كما قال تعالى : { وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } – وبين الخالق الواحد القهار المنزه عن الحد والمقدار ،  ومن ذلك نفهم وجه المقارنة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما يرويه عن الله تبارك وتعالى أنه قال ( يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم  كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا  ، يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا ،  يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ) [ صحيح مسلم : 2577] ومعلوم أن المخيط لا ينقص من البحر شيئا ولله المثل الأعلى قال تعالى { وما قدروا الله حق قدره } ، وقال تعالى{ سبحان ربك رب العزة عما يصفون } ، سبحانك تقدست أسماؤك وتعالت عظمتك  ،  ( ظ ) من فوائد هذا التنزيه عن الحد والحصر والمقدار على المسلم أن يعظم الله تعالى بقلبه ويفهم العظمة والجلال في جميع الآيات التي تدل على هيمنة الله تعالى على أرجاء الكون كقوله تعالى { الرحمن على العرش استوى } ، مع قوله تعالى { فإني قريب } ، مع قوله تعالى { فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم } ، مع قوله تعالى { والله بكل شيء محيط } ، وقوله تعالى { وكان الله بكل شيء محيطا } ، لأننا نعبد المنزه عن الحد والحصر والمقدار ، ولا نقول كما قالت الحلولية والجهمية : إن الله في كل مكان لا يخلو منه مكان ، ولا نقول كما قالت الحشوية الجهوية : إن الله في مكان دون مكان ألا وهو العرش العظيم ، بل نقول إن الله خالق المكان منزه عن المكان لا يحل في كل مكان ولا في مكان دون مكان وأنه هو رب العرش العظيم ، خلق العرش إظهارا لقدرته ولم يتخذه مكانا لذاته [ هذه المقولة العظيمة نسبها الإمام أبو منصور البغدادي إلى أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه قال  ( كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه  كان ) وقال  ( إن الله تعالى خلق العرش إظهارًا لقدرته لا مكانًا لذاته ) اهـ [الفرق بين الفرق لأبي منصور البغدادي ص 333 ] ، وأنه لا يُقال إن الله داخل الكون _ لأن ذلك يوحي بالحلول والاتحاد  وأنى يحل الخالق المنزه عن الحدود في الكون المحدود _ ولا يُقال إنه خارجه لأنه قريب كما قال تعالى { ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون } وكما قال تعالى :{ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ، وكما قال تعالى { واسجد واقترب } ، وكما قال الرسول الكريم _ وهو يبين قرب الرحمن _ ( ( إذا كَانَ أَحَدُكُم في صَلاَتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي ربَّه فلا يَبْصُقَنَّ في قِبْلَتِهِ وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ ) )  [ أخرجه البخاري ] وقوله صلى الله عليه وسلم ( ( أربعوا على أَنفُسِكُمْ فإنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ ولا غَائِباً ، إنَّكم تَدْعُونَ سميعاً قَرِيباً ، والذي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إلى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ ) )  [ أخرجه البخاري ] ولا يُقال أنه متصل بالكون ولا يُقال أنه منفصل عنه لأنه سبحانه ليس كمثله شيء لا يُقاس قربه بالمسافة ، بل كل خلقه منه قريب تحيرت العقول في ذاته وصفاته والعجز عن درك الإدراك صفة المخلوق القاصر ، وهذا حد البشر نبذ التمثيل والتكييف والتشبيه وتنزيه الله عن الزمان والمكان والحد والمقدار ، ولا تلتفت إلى القاصر عن علم العقيدة والتقديس حين يقول إذا قلنا أنه لا يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه فهذا هو التناقض ، نقول : هو التناقض إذا كان بين شيئين متماثلين في وجه من الوجوه ، فمثلا نقول أن هناك علاقة بين الإنسان وبين العلم فيصح أن يٌقال هذا إنسان عالم أو جاهل ، ولكن إذا لم يكن هناك تماثل في وجه من الوجوه فلا يصح مثلا أن نقول عن الحجر أنه حجر عالم أو جاهل بل الصحيح هو أن يُقال " لا يُقال للحجر أنه عالم ولا يُقال أنه جاهل " لعدم التماثل بين العلم والحجر  ، ولله المثل الأعلى ، فلا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق فالله تعالى موجود بذاته وصفاته وأفعاله ولكن ليس كوجوده وجود وليس كمثل ذاته ذات ، وليس كمثل صفاته صفات ، وليس كمثل أفعاله أفعال ، وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد ، فلا تناقض يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه لأنه لا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق ، ( ع ) من الأدلة الشرعية على تنزيه الله تعالى عن الحد :  قوله تعالى :  ( ليس كمثلِه شيء )  [سورة الشورى : 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، فإذا كانت المخلوقات جميعا لها حد تنتهي إليه وهو علامة نقصها ودليل خلقها علمنا من ذلك أن خالقها منزه عن الحد والحصر والمقدار ، قوله تعالى : ( وللهِ المثَلُ الأعلى )  [سورة النحل : 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الحد والحصر والمقدار ، وقوله تعالى : ( فلا تضربوا للهِ الأمثال )  [سورة النحل : 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، تنزه عن الحد والحصر والمقدار ، وقوله تعالى : ( هل تعلمُ لهُ سميًّا )  [سورة مريم : 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، تنزه عن الحد والحصر والمقدار ، وقوله تعالى : ( هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ )  [سورة الحديد : 3] فإذا كان سبحانه الاول فليس قبله شيء والآخر فليس بعده شيء والظاهر فليس فوقه شيء والباطن فليس دونه شيء ولا شيء أقرب إلى شيء منه فلا يكون كذلك إلا المنزه عن الحدود ، تعالى عن الحد والمقدار ، وقوله تعالى : ( وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ )  [سورة الإخلاص : 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، فإذا فإذا كانت المخلوقات جميعا لها حد تنتهي إليه وهو علامة نقصها ودليل خلقها علمنا من ذلك أن خالقها منزه عن الحد والحصر والمقدار ، وقوله تعالى : ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ )  [سورة البقرة : 115] ولا يكون ذلك إلا لمن هو منزه عن الحد والمقدار  ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء )   [ أخرجه مسلم] وإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن له حد ،  ( غ ) من درر العلماء في تنزيه الله تعالى عن الحد : قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في كتابه [ اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبى حنفية وأبي يوسف ومحمد بن حسن ] " تعالى الله عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات ولا تحوية الجهات الست كسائر المبدعات " أهــ  ،  وجاء في اعتقاد الإمام المبجل ابن حنبل [ج : 1 ص : 307 ] وجاء في كتاب العقيدة [ ج : 1 ص : 127] نص اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل "  وسئل قبل موته بيوم عن احاديث الصفات فقال تمر كما جاءت ويؤمن بها ولا يرد منه شيء إذا كانت بأسانيد صحاح ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية  ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " أهـ  ،  وقال العلامة ابن الجوزي الحنبلي رحمه الله في [الباز الأشهب ص 57] " واعلم أن من يتصور وجود الحق سبحانه وجودا مكانيا طلب له جهة كما أن من تخيل أن وجوده وجودا زمانيا طلب له مده في تقدمه علي العالم بأزمنة وكلا التخيلين باطل. وقد ثبت أن جميع الجهات تتساوي بالإضافة إلي القائل بالجهة فاختصاصه ببعضها ليس بواجب لذاته بل هو جائز فيحتاج إلي مخصص يخصصه ويكون الاختصاص بذلك المعني زائدا علي ذاته وما تطرق الجواز إليه استحال قدمه لأن القديم هو الواجب الوجود من جميع الجهات . ثم إن كل من هو في جهة يكون مقدرا محدودا وهو يتعالي عن ذلك وإنما الجهات للجواهر والأجسام لأنها أجرام تحتاج إلي جهة والجهة ليست في جهة وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان ويوضحه أن المكان إذا كان يحيط بمن فيه والخالق لا يحويه شيء ولا تحدث له صفة " أهــ وقال في [ الباز الأشهب ص100-102] " وقوله : حجابه النور ، ينبغي أن يعلم أن هذا الحجاب للخلق عنه ، لأنه لا يجوز أن يكون محجوبا لأن الحجاب يكون أكبر مما يستره ، ويستحيل أن يكون جسما أو جوهرا أو متناهيا محاذيا إذ جميع ذلك من إمارات الحدث ، وإنما عرف الناس حدوث الأجسام من حيث وجودها متناهية محدودة محـلا للحوادث ، وكما أنه لا يجوز أن يكون لوجوده ابتداء ولا انتهاء لا يصح أن يكون لذاته انتهاء ، وإنمـا المراد : أن الخلق محجوبون عنه كما قال سبحانه وتعالي : " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " أ هــ  ، وقال النووي في [ شرح النووي على صحيح مسلم ج : 7 ص : 80] "  يمين الله ملأى سحاء لا يغيضها شيء قال الامام المازرى هذا مما يتأول لان اليمين اذا كانت بمعنى المناسبة للشمال لا يوصف بها الباري سبحانه وتعالى لأنها تتضمن اثبات الشمال وهذا يتضمن التحديد ويتقدس الله سبحانه عن التجسيم  والحد " أهـ ،  ( ف ) إنّ التخصص في علم التقديس والتنزيه ، يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم ، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تتعامل مع ذات الله تعالى الذي ليس كمثله شيء فلا يتقيد بحس ولا وهم ،  ومن ذلك نفي احتياج الله تعالى للمكان لأنه خالق المكان ، ولأن المكان يحيط بمن فيه ، والله تعالى بكل شيء محيط ، فلا يصح ان يحيط به مكان ، ولأنّ المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة ، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ، ومن ذلك نفي تقيد الله تعالى بالزمان ، لأنه خالق الزمان فلا يجري عليه زمان ، ومن ذلك نفي الحد والمقدار عن ذات الله ، لأنّ الحد نقص يضاد الكمال لأنّه يدل على النهاية ، والكمال يضاد التناهي ، الذي هو صفة المخلوق المحدود ، ولأنّه سبحانه هو الذي حد الحدود على خلقه وقدر عليهم المقادير فكانت دليلا على أنّهم مخلوقون مربوبون لخالقهم الذي قهرهم بالحدود ، أمّا هو سبحانه فهو أكبر من الحدود التي تدل على نهاية الذات ،  وإذا كانت صفاته ليست محدودة فإنّ الذات الموصوفة بتلك الصفات ليست محدودة ، وليس معنى ذلك الاتساع الحسي والكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين ، فلا حد لذاته تنتهي إليه ، ولا مقدار لها يحدد قدرها ، لأنّ الحد مهما اتسع ولأنّ المقدار مهما عظم وكبر فإنّه صفة المخلوق ، والخالق - سبحانه - لا تسري عليه قوانين المواد والأجسام لأنّه خالق كل ذلك ، وليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات ، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق ، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود ، فالله تعالى أكبر من كل تصور ، وأعظم من أن نحيط به علما ، {  يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [ طه : 110 ] ، ومن الآية نعلم انّ الذات لا يُدرك ، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل ، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح  ،  والعقل كذلك يعجز عن معرفة ذات اللّه تعالى ، لأنّ العقل لا يعرف الأشياء إلاّ بحدود وجودها ، والله تعالى منزّه عن الحدّود ، إذ هو الذي حدّ الحدود ، وقدّر المقادير ، فلهذا يستحيل على العقل معرفة كنه ذات الله تعالى ، كما أنّ العقل لا يعرف الأشياء إلاّ عن طريق مقايستها مع سائر الأشياء ، والله تعالى لا يقاس بأحد ، لأنّه لا مثيل له ولا شبيه ، وليس كمثله شيء ، فلهذا يستحيل على العقل معرفة كنه ذات الله تعالى ،  كما أنّ إمكانات العقل محدودة والله تعالى فوق الحد ، لا نهاية لكمالاته ، ولا نهاية لذاته ، ولا نهاية لصفاته ، إذ النهايات دليل على المخلوقات لانّ الله تعالى قهرها بالنهايات ، أما الواحد القهار ، الكبير المتعال تنزه عن الحد والنهاية ، وتعالى على الحدود والنهايات ، ولهذا يعجز العقل المخلوق المحدود عن معرفة كنه ذات الله تعالى ، ولا الإحاطة بصفاته فضلا عن ذاته سبحانه ، لا تحيط به الأفكار، ولا تقدّره العقول، ولا تقع عليه الأوهام، فكلّ ما قدّره عقل فهو محدود ، والله تبارك وتعالى أجلّ وأعظم واكبر من أن تحيط بصفته العقول ،  ( ق ) الله تعالى هو الكبير المتعال ، وهو سبحانه أكبر من كل تصور ، ومتعال على كل تصور : ولقد آتى الله تعالى خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام حجته في حوار المشركين ، واوضح لنا درراً من فقه اثبات التوحيد ووحدانية الله تعالى ، لقد استدل على اختيار الرب بأنه الاكبر المنزه عن التغير والافول ، قال تعالى : { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } [ الانعام : 78 ] ، فاستدل أولا على أن الشمس أكبر من القمر والكواكب ، فهي أحق بالربوبية ، ولكن شرط الإله أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم ، فلم تكن الشمس تصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً ، ومنه نعلم أن من أخص صفات الإله الحق أن يكون أكبر من كل شيء ، وأكبر من كل تصور ، ومنه نستفيد تنزيه الله تعالى عن الحدود والمقادير لأنه أكبر من كل حد وأكبر من كل مقدار  ، ونعلم أنه سبحانه أكبر من المكان ، ومنه نعلم الخطأ الجسيم الذي وقع فيه من ظن أن العرش اكبر من الرحمن ، سبحانه وتعالى عما يدور بأوهامهم ، فالعرش مهما كان عظيما فهو محدود ، والله تعالى هو الذي حد حدود العرش ، وحد كافة الحدود فلا تجري عليه الحدود ، والعرش مهما كان عظيماً ، فإن له مقدار ، والله تعالى هو الذي قدره بالمقدار ، والله تعالى هو الذي خاطبنا بقوله تعالى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } [ النساء : 126 ] ، وقوله تعالى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ فصلت : 54 ] ، فهو المحيط بكل شيء ، احاطة منزهة عمّا نتصوره في أذهاننا من احاطة الجسم بالجسم لأنه تعالى المنزه عن الجسمية وكل لوازم الجسمية من الحد والمقدار والكتلة والطول والعرض والعمق ، { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } ، وعقول العباد قاصرة عن تصور مدى التقديس والتنزيه في حق الله تعالى ، { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا  } ، و { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  }  ، تعالى الرب عن الحد والمقدار ، وتنزه عن الحد والمقدار ، وهو أكبر من كل حد ، ومن كل مقدار ، ومن كل تصور في الوهم أو الخيال أو العقول والاذهان ، ومنه نعلم الفائدة في قول المسلم عند كل صلاة ( ( الله أكبر ) )  أي أكبر من كل تصور أو خيال ، ، لأن الله تعالى له الكمال الذي لا نهاية له ، وهو الكبير الذي لا نهاية لعظمته ، تعالى عن صفات الاجسام ، فليس كبره امتداد في الآفاق ، ولا كبره بالحجم والطول والعرض ، تعالى عن ذلك علواً كبيرا ، بل هو المتعالي على صفات الأجسام ، ولهذا قرن القرآن الكبير اسمه تعالى [ الكبير ] باسمه تعالى [ العلي ] ، واسمه تعالى [ المتعال ] لأنه في كبره متعالٍ عن صفات الأجسام ؟، عالٍ عن كل تصور لا يليق بالكبير المتعال ، قال تعالى : { فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ } [ غافر : 12 ] ، وقال تعالى : { عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ } [ الرعد : 9 ] ، وقال تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [ الانبياء : 62 ] ، وقال تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [ لقمان : 30 ] ، وقال تعالى : { حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [ سبأ : 23 ] ، تعالى العلي الكبير المتعال عن كل حد ومقدار ، وعن أن يقهره زمان أو ان يحيط به مكان ، والله أكبر من أن نتصور له حد أو مقدار أو زمان او مكان ، تنزه عن كل ما يخطر بالبال ، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلاف ذلك ،   ( ك ) هناك طائفة يزعمون انهم يتبعون الكتاب والسنة وأنهم ينتسبون إلى السلف ، ثم هم يكيفون وجود الله تعالى ، وأن له حد ينتهى إليه كما تنتهي الاجسام ، وأن له مقدار ، وان مقداره وحده هو العرش ، وأنه - تعالى - أصغر من العرش بمقدار أصابع ، وانه سبحانه جالس على العرش كما يجلس الملك على كرسي الملك ، وانه يدبر المملكة من هناك ، وأن له الوجه والعينين واليدين والأصابع على معاني الاجزاء وليس الصفات ، فهو يرى بعينه ، ويخلق بيده ، ثم بعد ذلك يلوكون ألسنتهم بقولهم { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } ، وقلوبهم قد كيفت الخالق وجعلت له الحد والمقدار وتوهمت وجوده على سبيل الملك والمملكة في عرف الإنسان ، وإن قلت لهم إن علم التنزيه هو علم المسبحين والمقدسين من علماء المسلمين ، وهو أشرف العلوم لأنه يمنعك من تصور النقص والخطأ في ذات الله تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العلى ، قالوا إنما هو علم الفلاسفة والملاحدة من أهل اليونان ، نقول يا قوم إنما هو علم القرآن والسنة ، وإنما هو الفقه بآيات التنزيه والتقديس ، وكما أن الفقه لا يدرك إلا بإعمال العقل والاجتهاد من جهابذة الفقهاء كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، وهم أهل الكتاب والسنة ، ولكن للفقه شروط عسيرة لا بد وأن يستوفيها العالم حتى يكون فقيها ، ولا يجوز لأحد أن يقول هذا حلال ، وهذا حرام ، حتى يستوفي شروط العلم بالفقه ، وكذلك العقيدة - بل هي أشد - لذا لا يكفي سرد الآيات والأحاديث دون فقه لها ، ثم تبديع الآخرين وأنتم المخطئون ، والله إنا لنحب لكم الهداية ، كما نحبها لأنفسنا ، فلا تكونوا قطاع طريق على أهل العلم بالله ، ولا تكونوا صائلين على السنة بدلا من أن تكونوا صائلين لها ، الله تعالى أكبر من كل تصور ، والله تعالى اعظم من كل وهم أو خيال ،  يا قومنا إن أهم شروط التلقي في علوم الإلهيات هو تصفية العقل عن الاوهام والخيالات ، فنحن في الوهم لا نعقل شيئا في غير مكان ، ولا شيئا لا يجري عليه زمان ، لاننا مخلوقين تحكمنا تلك القوانين التي أوجدها الله تعالى لتقهرنا نحن المخلوقين ، لا أن تكون حاكمة وقاهرة على الله الخالق الواحد القهار الكبير المتعال ، كما اننا لا نعقل شيئا لا تحده الحدود ، ولا تقدره المقادير ، لان أذهاننا لم تتعود سوى على ذلاك ، لان كل ما حولنا مخلوق محدود مقدر ، ولكن الخالق غير ذلك ليس كمثله شيء ، تنتفي عنه البداية كما تنتفي عنه النهاية ، ونحن في الحس لا نتخيل موجود بلا بداية إذ تعودنا أن كل شيء له بداية ، ولذلك ياتينا الرجيم بوسوسة من خلق الله لان الحس يقضي بان كل موجود له بداية ، وطلب علم التنزيه لا يكون إلا بالتجرد عن الحس لأن هذا العلم يتناول ذات الباري الذي ليس كمثله شيء ، وهذا يذكرني بقول بقول الزرقاني رحمه الله في مناهل العرفان [ ج : 2 ص : 209 إلى ص :  212] :  ( لقد أسرف بعض الناس في هذا العصر فخاضوا في متشابه الصفات بغير حق وأتوا في حديثهم عنها وتعليقهم عليها بما لم يأذن به الله ولهم فيها كلمات غامضة تحتمل التشبيه والتنزيه وتحتمل الكفر والإيمان حتى باتت هذه الكلمات نفسها من المتشابهات ومن المؤسف أنهم يواجهون العامة وأشباههم بهذا ومن المحزن أنهم ينسبون ما يقولون إلى سلفنا الصالح ويخيلون إلى الناس أنهم سلفيون من ذلك قولهم إن الله تعالى يشار إليه بالإشارة الحسية وله من الجهات الست جهة الفوق ويقولون إنه استوى على عرشه بذاته استواء حقيقا بمعنى أنه استقر فوقه استقرارا حقيقيا غير أنهم يعودون فيقولون ليس كاستقرارنا وليس على ما نعرف وهكذا يتناولون أمثال هذه الآية وليس لهم مستند فيما نعلم إلا التشبث بالظواهر ولقد تجلى لك مذهب السلف والخلف فلا نطيل بإعادته ولقد علمت أن حمل المتشابهات في الصفات على ظواهرها مع القول بأنها باقية على حقيقتها ليس رأيا لأحد من المسلمين وإنما هو رأي لبعض أصحاب الأديان الأخرى كاليهود والنصارى وأهل النحل الضالة كالمشبهة والمجسمة ، أما نحن المسلمين فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ولا إلى مكان ولا إلى زمان ولا نحو ذلك ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته إذ يقول ليس كمثله شيء ويقول قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له   كفوا أحد   ويقول إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ويقول يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد وغير هذا كثير في الكتاب والسنة فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها كما تبين لك فيما سلف   ، ثم إن هؤلاء المتحمسين في السلف متناقضون لأنهم يثبتون تلك المتشابهات على حقائقها ولا ريب أن حقائقها تستلزم الحدوث وأعراض الحدوث كالجسمية والتجزؤ والحركة والانتقال لكنهم بعد أن يثبتوا تلك المتشابهات على حقائقها ينفون هذه اللوازم مع أن القول بثبوت الملزومات ونفي لوازمها تناقض لا يرضاه لنفسه عاقل فضلا عن طالب أو عالم فقولهم في مسألة الاستواء الآنفة إن الاستواء باق على حقيقته يفيد أنه الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز وقولهم بعد ذلك ليس هذا الاستواء على ما نعرف يفيد أنه ليس الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز فكأنهم يقولون إنه مستو غير مستو ومستقر فوق العرش غير مستقر أو متحيز غير متحيز وجسم غير جسم أو أن الاستواء على العرش ليس هو الاستواء على العرش والاستقرار فوقه ليس هو الاستقرار فوقه إلى غير ذلك من الإسفاف والتهافت فإن أرادوا بقولهم الاستواء على حقيقته أنه على حقيقته التي يعلمها الله ولا نعلمها نحن فقد اتفقنا لكن بقي أن تعبيرهم هذا موهم لا يجوز أن يصدر من مؤمن خصوصا في مقام التعليم والإرشاد وفي موقف النقاش والحجاج لأن القول بأن اللفظ حقيقة أو مجاز لا ينظر فيه إلى علم الله وما هو عنده ولكن ينظر فيه إلى المعنى الذي وضع له اللفظ في عرف اللغة والاستواء في اللغة العربية يدل على ما هو مستحيل على الله في ظاهره فلا بد إذن من صرفه عن هذا الظاهر واللفظ إذا صرف عما وضع له واستعمل في غير ما وضع له خرج عن الحقيقة إلى المجاز لا محالة ما دامت هناك قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي ثم إن كلامهم بهذه الصورة فيه تلبيس على العامة وفتنة لهم فكيف يواجهونهم به ويحملونهم عليه وفي ذلك ما فيه من الإضلال وتمزيق وحدة الأمة الأمر الذي نهانا القرآن عنه والذي جعل عمر يفعل ما يفعل بصبغ أو بابن صبيغ وجعل مالكا يقول ما يقول ويفعل ما يفعل بالذي سأله عن الاستواء وقد مر بك هذا وذاك  لو أنصف هؤلاء لسكتوا عن الآيات والأخبار المتشابهة واكتفوا بتنزيه الله تعالى عما توهمه ظواهرها من الحدوث ولوازمه ثم فوضوا الأمر في تعيين معانيها إلى الله وحده وبذلك يكونوه سلفيين حقا لكنها شبهات عرضت لهم في هذا المقام فشوشت حالهم وبلبلت أفكارهم فلنعرضها عليك مع ما أشبهها والله يتولى هدانا وهداهم ويجمعنا جميعا على ما يحبه ويرضاه آمين ) أهـ [ مناهل العرفان : ج : 2 ص : 209 إلى ص :  212 ]

 

*** 

 

( 4  )

تورط ابن تيمية في مسألة الجسم  والتجسيم 

 

[ تورط  ابن تيمية في القول بالجسمية ولوازم الجسمية ]  : ذكر ذلك في كتابه شرح حديث النزول : ( وأما الشرع فمعلوم أنه لم ينقل عن أحد من الأنبياء ولا الصحابة ولا التابعين ولا سلف الأمة أن الله جسم أو أن الله ليس بجسم ، بل النفي والإثبات بدعة في الشرع )  اهـ ، [  شرح حديث النزول  ( ص :  80 ) ] ، وقال في الموافقة : ( وكذلك قوله  ( لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ )  ( سورة الشورى : 11 ) , وقوله  ( هَل تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا )  ( سورة مريم : 65 ) ، ونحو ذلك فإنه لا يدل على نفي الصفات بوجه من الوجوه بل ولا على نفي ما يسميه أهل الاصطلاح جسما بوجه من الوجوه )  اهـ [ الموافقة ( 1 :  62 ) ] ، وقال فيه أيضا : ( وأما ذكر التجسيم وذم المجسمة فهذا لا يعرف في كلام أحد من السلف والأئمة كما لا يعرف في كلامهم أيضا القول بأن الله جسم أو ليس بجسم ، بل ذكروا في كلامهم الذي أنكروه على الجهمية نفي الجسم كما ذكره أحمد في كتاب الرد على الجهمية ) أهـ [ الموافقة  ( 1 :  148 )  ] ، وقال في المنهاج : ( أما ما ذكره من لفظ الجسم وما يتبع ذلك فإن هذا اللفظ لم ينطق به في صفات الله لا كتاب ولا سنة لا نفيًا ولا إثباتًا ، ولا تكلم به أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم لا أهل البيت ولا غيرهم )  اهـ [  المنهاج  ( 1 :  197 ) ] ، وقال في المنهاج أيضاً : ( وقد يراد بالجسم ما يشار إليه أو ما يُرى أو ما تقوم به الصفات ، والله تعالى يُرى في الآخرة وتقوم به الصفات ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم وقلوبهم ووجوههم وأعينهم ، فن أراد بقوله : ليس بجسم هذا المعنى قيل له : هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ معنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول ، وأنت لم تقم دليلا على نفيه )  اهـ [ المنهاج : ( 1 :  180 ) ] ، وقال في فتاويه : "  ثم لفظ التجسيم لا يوجد في كلام أحد من السلف لا نفيًا ولا إثباتًا ، فكيف يحل أن يقال : مذهب السلف نفي التجسيم أو إثباته "  اهـ [ مجموع الفتاوى  ( 4 :  152 ) ] ، وقال في كتابه بيان تلبيس الجهمية : " وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها أنه ليس بجسم ، وأن صفاته ليست أجسامًا وأعراضًا ، فنفي المعاني الثابتة بالشرع والعقل بنفي ألفاظ لم ينف معناها شرع ولا عقل جهل وضلال "  اهـ [ بيان تلبيس الجهمية  ( 1 : 101 ) ] ، 

[ الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية ] : ( أ  ) ( الجسم  ) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء ، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره ، قال تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم } ، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم  ، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها ، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم ، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها ، (   ب  ) ( الجسمية ) تعني صفات وخصائص يستحيل نسبتها إلى الله منها : الحد والمقدار ، وهذا _ كما سبق بيانه _ مما تنزه الله تعالى عنه لان الحد نقص عن الكمال والله سبحانه منزه عن النقص ، ومنها التحيز والكون في المكان ، وهذا _ كما سبق بيانه _ مما تنزه الله تعالى عنه لأن خالق المكان منزه عنه مستغن عنه ، كما أنّ المكان يحيط بمن داخله ، والله تعالى لا يحيط به شيء ،  ألا إنه بكل شيء محيط ،   (  ت ) الجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه ، والجسمية تعني قابلية الانقسام  والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث ،   ( ث  ) الجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة ،   (  ج  ) الجسم مادة ، وذات الله تعالى لا تسري عليه قوانين المادة ، لأنّ المادة مقهورة بقوانين الحد والمقدار والكون في مكان وأن يجري عليها زمان وأن يكون لها حجم وكتلة ولون وشكل وصورة وغير ذلك مما هي مقهورة عليه لا انفكاك لها منه ، وأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بتلك القوانين ، ولكنّه هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء ،  فلا تسري عليه مفاهيم الأجسام ، ولا الصور والأشكال ، لأنّه ليس كمثله شيء ، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه ،  ( ح  ) الجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد  ، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى :11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ، وقوله تعالى {هل تعلمُ لهُ سميًّا} [سورة مريم : 65] قال المفسرون هل تعلم له سميا أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل له مثلا سبحانه وتعالى عما يصفون ، وقوله تعالى {وللهِ المثَلُ الأعلى}  [سورة النحل :60]  قال المفسرون  أي له سبحانه الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، ومعنى ذلك أنه لا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الجسمية ولوازم الجسمية ، وقوله تعالى { فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل :74]، قال المفسرون أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى منزه عن الشبيه و المثيل ، فلا ذاتُه يشبه الذوات ولا صفاتُه تشبه الصفات ، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل ذاته تشبه الذوات سبحانه وتعالى عما يصفون ، وقوله تعالى { فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } [سورة البقرة : 22] ، والند هو المثيل والشبيه ولو كان جسما لكان له أنداد والعياذ بالله من التشبيه والتمثيل ،  (  خ ) قوله تعالى {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد } من أعظم الدلائل على تنزيه الله تعالى عن الجسمية فقوله تعالى ( أحد )  يدل على نفى الجسمية لأن الجسم أقله أنه يكون مركباً من جوهرين وذلك ينافى الوحدة ولما كان قوله { أحد} مبالغة في الواحدية كان قوله { أحد } منافي للجسمية وقوله تعالى { الله الصمد } فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس بجسم لأن كل جسم مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمداً و لو كان مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً فعلم من ذلك تنزهه سبحانه عن الجسمية ولوازمها ، وأما قوله تعالى { ولم يكن له كفواً أحد } فهذا أيضاً يدل على أنه ليس بجسم لأن الأجسام متماثلة فلو كان تعالى جسما لكان مثلاُ لجميع الأجسام فكان كل واحد من الأجسام كفؤاً له فثبت أن هذه السورة من أظهر الدلائل على أنه تعالى منزه عن الجسمية  ،   ( د  ) ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى { والله الغنى وأنتم الفقراء }دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان جسماً لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ، وقوله تعالى { لا إله إلا هو الحى القيوم ؤ والقيوم مبالغة فى كونه غنياً عن كل ما سواه ، وكونه مقوماً لغيره ، فلو كان جسماً لكان هو مفتقراً الى أجزائه ،  وحينئذ لا يكون قيوماً بإطلاق ، وقوله تعالى { القدوس السلام } والقدوس عز وجل هو المنزه عن كل ما ينافي كماله سبحانه في ذاته وصفاته وأفعاله والقدوس هو المنزه عن النقائص والعيوب والقدوس هو المنزه عن أن يكون له مثيل أو شبيه  ، والجسمية على المعنى المراد منها من كونها تتآلف من أجزاء وصف بالنقص والعيب المنزه عنه القدوس سبحانه ، وهي ( الجسمية ) ضد الكمال الذي يتصف به ذات القدوس ، ولو كان جسما لكان له مثل من الأجسام والقدوس هو المنزه عن أن يكون له مثيل أو شبيه  ، والسلام عز وجل هو الذي سلم من جميع النقائص والعيوب والجسمية على المعنى المراد منها من كونها تتآلف من أجزاء وصف بالنقص والعيب المنزه عنه السلام سبحانه ،والسلام عز وجل هو الذي سلم ذاته عن المثل والسمي والشبيه ، ولو كان جسما لكان له مثل من الأجسام والسلام  هو الذي سلم ذاته عن أن يكون له مثيل أو شبيه  ، (  ذ  ) ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى { هو الله الخالق البارئ المصور} والخالق هو المقدِرُ المنزه في ذاته عن الحد والنهاية والمقدار  ، ولو كان تعالى جسماً سبحانه لكان مقدَراً متناهياً محدوداً ولو كان متناهياً محدوداً لكان مخلوقا وليس خالقا ، سبحانه هو وحده الخالق البارئ المصور سبحانه وتعالى عما يشركون ، وقوله تعالى { هو الأول والأخر والظاهر والباطن } ، ( هو الأول والأخر ) فهو يقتضى أن يكون منزها عن الجسمية لأن الجسم حادث مؤلف من أجزاء تسبق وجوده فلا يكون الجسم أولا أبدا ،  ( والظاهر والباطن ) معنى الباطن الذي لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال ، ولو كان جسماً لما أمكن وصفه بأنه لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال ، وقوله تعالى ( ولا يحيطون به علماً ) وذلك يدل على كونه تعالى منزهاً عن الجسمية وإلا لكان العلم محيطاً به فإن قيل : لما لا يجوز أن يقال أنه وإن كان جسماً لكنه جسماً كبيراً فلهذا المعنى لا يحيط به العلم ؟ قلنا : لو كان الأمر كذلك لصح أن يقال بأن علوم الخلق وأبصارهم لا تحيط بالسماوات ولا بالجبال ولا بالبحار ولا بالمفاوز فإن هذه الأشياء أجسام كبيرة والأبصار لا تحيط بأطرافها والعلو لا تصل الى تمام أجزائها ولو كان الأمر كذلك لما كان فى تخصيص ذات الله تعالى بهذا الوصف فائدة ، وقوله تعالى ( لا تدركه الأبصار ) وذلك يدل على كونه تعالى منزهاً عن الجسمية وإلا لكان الإدراك بالأبصار محيطاً به حتى لو كان جسما كبيرا  ،  ( ر ) ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى { وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب } ولو كان تعالى جسما لكان قربه حلولا واتحادا بمخلوقاته من سائر الأجسام حاشاه سبحانه من هذا الكفر ولا يبقى لنا سوى تنزيهه سبحانه عن الجسمية وهو الصحيح الذي لا مناص من اعتقاده ، وقوله تعالى  { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [سورة ق : 16] ولو كان تعالى جسما لما صح القول بأنه تعالى أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد إلا على سبيل الاتحاد والحلول بين الأجسام أو التنزيه عن الجسمية ولوازمها من التحيز والاتحاد والحلول ،  (  ز  ) أقوال العلماء على تنزيه الله تعالى عن الجسمية أكثر من أن تحصر ، منها على سبيل المثال : جاء في عقيدة الإمام أحمد بن حنبل : " بسم الله الرحمن الرحيم  ،  نص اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل :  أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ أبو محمد المبارك بن علي بن الحسين بن عبد الله بن محمد المعروف بابن الطباخ البغدادي رحمه الله في الدنيا والآخرة إجازة قال حدثنا شيخنا الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن الناصر بن محمد بن محمد بن علي البغدادي بها قال أخبرنا الإمام جمال الإسلام أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي قال أخبرنا عمي أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي بجميع هذا الاعتقاد وقال جملة اعتقاد أحمد بن حنبل رضي الله عنه والذي كان يذهب إليه   مجمل الاعتقاد  ...لا يجوز أن يسمى جسما ،    وأنكر على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الأسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجىء في الشريعة ذلك فبطل " [العقيدة ج : 1 ص : 111] ، وقال الإمام البيهقي في كتابه مناقب الإمام أحمد : " عن رئيس الحنابلة وابن رئيسها أبي الفضل أبي الفضل التميمي أنه قال :أنكر أحمد على من قال بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة ,وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف ,والله تعالى خارج عن ذلك كله ,فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية , ولم يجئ في الشريعة ذاك فبطل ." أهـ [مناقب الإمام أحمد للبيهقي ص42] ،  وقال عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر : " فصل  :  ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر ، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال " أهـ[العين والأثر في عقائد أهل الأثر ج : 1 ص :34- 36 ] ،  وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه لحديث الرؤية : " اعلم أن لأهل العلم في أحاديث الصفات وآيات الصفات قولين :  أحدهما وهو مذهب معظم السلف أو كلهم أنه لا يتكلم في معناه بل يقولون يجب علينا أن نؤمن بها ونعقتد لها معنى يليق بجلال الله تعالى وعظمته مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى    ليس كمثله شيء    وأنه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائرصفات المخلوق " أهـ [شرح صحيح مسلم للنووى ج 3ص 19-20 ] ،  قال الحافظ بن عبد البر رحمه الله : " قد قال الله عز وجل وجاء ربك والملك صفا صفا وليس مجيئه حركة ولا زوالا ولا انتقالا لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسما أو جوهرا فلما ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئه حركة ولا نقلة ولو اعتبرت ذلك بقولهم جاءت فلانا قيامته وجاءه الموت وجاءه المرض وشبه ذلك مما هو موجود نازل به ولا مجيء لبان لك وبالله العصمة والتوفيق " أهـ[التمهيد لابن عبد البر ج : 7 ص : 137] ،  وقال بن الجوزي الحنبلي في زاد المسير : " ليس كما يخطر بالبال من قرب الأجسام وقطع المسافة لأن ذلك يختص بالأجسام والله منزه عن ذلك   "أهـ [زاد المسير ج : 8 ص : 65 ] ،  وقال القرطبي رحمه الله : " اعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته   المجسمة   الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك " أهـ[تفسير القرطبي ج :4 ص :14 ]  ،  وقال القاضي بن جماعة في إيضاح الدليل " " واتفق السلف وأهل التأويل على أن ما لا يليق من ذلك بجلال الرب تعالى غير مراد كالقعود والاعتدال واختلفوا في تعيين ما يليق بجلاله من المعاني المحتملة كالقصد والاستيلاء فسكت السلف عنه وأوله المؤولون على الاستيلاء والقهر لتعالي الرب عن سمات الأجسام من الحاجة إلى الحيز والمكان وكذلك لا يوصف بحركة أو سكون أو اجتماع وافتراق لأن ذلك كله من سمات المحدثات وعروض الأعراض والرب تعالى مقدس عنه " أهـ [إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج : 1 ص : 103] ، وقال حافظ الدنيا ابن حجر رحمه الله :  " " قال البيهقي صعود الكلام الطيب والصدقة الطيبة عبارة عن القبول وعروج الملائكة هو الى منازلهم في السماء وأما ما وقع من التعبير في ذلك بقوله الى الله فهو على ما تقدم عن السلف في التفويض وعن الأئمة بعدهم في التأويل وقال بن بطال غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر وقد تقرر ان الله ليس بجسم فلا يحتاج الى مكان يستقر فيه فقد كان ولا مكان وانما أضاف المعارج اليه إضافة تشريف ومعنى الارتفاع اليه اعتلاؤه مع تنزيهه عن المكان انتهى "   أهـ [فتح الباري ج : 13 ص : 416] ، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في [ تمهيد الأوائل  ( ص :  222 ) ] : " فإن قالوا : ولم أنكرتم أن يكون البارئ سبحانه جسمًا لا كالأجسام كما أنه عندكـم شيء لا كالأشياء ؟ قيل لهم : لأن قولنا : " شيء"  لم يبن لجنس دون جنس ولا لإفادة التأليف ، فجاز وجود شيء ليس بجنس من أجناس الحوادث وليس بمؤلَّف ، ولم يكن ذلك نقضًا لمعنى تسميته بأنه شيء ، وقولنا : " جسمٌ"  موضوع في اللغة للمؤلَّف دون ما ليس بمؤلَّف ، كما أن قولنا : " إنسان "  و" محدَث"  اسم لما وُجدَ عن عدم ولما له هذه الصورة دون غيرها ، فكما لم يجز أن نثبت القديم سبحانه محدَثا لا كالمحدَثات وإنسانًا لا كالناس قياسًا على أنه شيء لا كالأشياء لم يجز أن نُثبته جسمًا لا كالأجسام لأنه نقض لمعنى الكلام وإخراج له عن موضوعه وفائدته ، فإن قالوا : فما أنكرتم من جواز تسميته جسمًا وان لم يكن بحقيقة ما وُضِعَ له هذا الاسم في اللغة ؟ قيل لهم : أنكرنا ذلك لأن هذه التسمية لو ثبتت لم تثبت له إلا شرعًا لأن العقل لا يقتضيها إذ لم يكن القديم سبحانه مؤلفًا ، وليس في شيء من دلائل السمع من الكتاب والسنة وإجماع الأمة وما يُستخرج من ذلك ما يدل على وجوب هذه التسمية ولا على جوازها أيضًا فبطل ما قلتموه"  اهـ ،  وقال سيف الدين الآمدي في كتابه [ غاية المرام في علم الكلام  ( ص :  185- 186 ) ] : "  فإن قيل ما نشاهده من الموجودات ليس إلا أجسامًا وأعراضًا ، فإثبات قسم ثالث مما لا نعقله, وإذا كانت الموجودات منحصرة فيما ذكرناه فلا جائز أن يكون البارئ عرضًا ، لأن العرض مفتقر إلى الجسم والبارئ لا يفتقر إلى شيء ، وإلا كان المفتقَر إليه أشرف منه وهو محال ، وإذا بطل أن يكون عرضًا بقي أن يكون جسمًا ، قلنا : منشأ الخبط ههنا إنما هو من الوهم بإعطاء الغائب حكم الشاهد والحكم على غير المحسوس بما حكم به على المحسوس ، وهو كاذب غير صادق فإن الوهم قد يرتمي إلى أنه لا جسم إلا في مكان بناءً على الشاهد ، وان شهد العقل بأن العالم لا في مكان لكون البرهان قد دلَّ على نهايته ، بل وقد يشتد وهم بعض الناس بحيث يقضي به على العقل ، وذلك كمن ينفر عن المبيت في بيت فيه ميت لتوهمه أنه يتحرك أو يقوم وإن كان عقله يقضي بانتفاء ذلك ، فإذًا اللبيب من ترك الوهم جانبًا ولم يتخذ غير البرهان والدليل صاحبًا ، واذا عرف أن مستند ذلك ليس إلا مجرد الوهم فطريق كشف الخيال إنما هو بالنظر في البرهان ، فإنَّا قد بَيّنا أنه لا بد من موجود هو مُبْدِأُ الكائنات ، وبيَّنا أنه لا جائز أن يكون له مثل من الموجودات شاهدًا ولا غائبًا ، ومع تسليم هاتين القاعدتين يتبيَّن أن ما يقضي به الوهم لا حاصل له ؟ ثم لو لزم أن يكون جسمًا كما في الشاهد للزم أن يكون حادثًا كما في الشاهد وهو ممتنع لما سبق "  اهـ ،وقال الزرقاني في مناهل العرفان : " فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ولا إلى مكان ولا إلى زمان ولا نحو ذلك أهــ [ مناهل العرفان ج : 2 ص : 210] ،

 

*** 

 

( 5  )

تورط ابن تيمية في قوله بحوادث لا أوّل لها لم تزل مع الله 

 

[ من ضلالات ابن تيمية في العقيدة : قوله بحوادث لا أوّل لها لم تزل مع الله ] : أي لم يتقدم الله جنس الحوادث ، وإنما تقدم أفراده المعينة أي أن كل فردٍ من أفرادِ الحوادث بعينه حادث مخلوق ، وأما جنس الحوادث فهو أزلي كما أن الله أزلي ، أي لم يسبقه الله تعالى بالوجود ، ومعنى ذلك - على سبيل المثال - أن جنس العرش قديم وأفراده حادثة ، وبالتالي فإنّ أول عرش كان مع الله في الأزل فأفناه الله وخلق غيره ، ولازم ذلك أنّ هناك عرش قديم لم يخلقه الله وإنما كان مع الله له صفة الأولية ، وبالتالي فهذا العرش القديم ليس بمخلوق كان مع الله تعالى ، وبالتالي جعله ندا لله تعالى في صفة الأولية ، ولا أدري كيف يتأتى ذلك مع قوله تعالى : { وهو رب العرش العظيم } ، فالرب هو الخالق ، وهذا العرش لم يخلقه الله ، وهو قول بتعدد القدماء ، وهو كفر لمن يدرك عواقبه ، ولكنّها البلادة التي تمنع صاحبها من إدراك لوازم هذا القول ، وهو قول سخيف بليد لا يصدر من عاقل يدرك ما يخرج من فيه ، ولله در الإمام الكوثري حيث يقول في تعليقه على السيف الصقيل : " وأين قدم النوع مع حدوث أفراده ؟ وهذا لا يصدر إلا ممن به مس ، بخلاف المستقبل ، وقال أبو يعلى الحنبلي في " المعتمد"  : والحوادث لها أول ابتدأت منه خلافا للملحدة ، اهـ ، وهو من أئمة الناظم ، يعني ابن القيّم ، فيكون هو وشيخه من الملاحدة على رأي أبي يعلى هذا فيكونان أسوَأ حالا منه في الزيغ ، ونسأل الله السلامة"  أهــ [  أنظر السيف الصقيل  ( ص :  74 ) ] ،   وهذه المسألة من أبشع المسائل الاعتقادية التي خرج ابن تيمية بها عن صحيح العقل وصريح النقل وإجماع علماء الأصول المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة  ، ذكر هذه العقيدة في العديد من مؤلفاته ، ومن ذلك : موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول ، ومنهاج السنّة النبوية ، وكتاب شرح حديث النزول ، وكتاب شرح حديث عمران بن حصين ، وكتاب نقد مراتب الإجماع ، وكتاب مجموع الفتاوى ، وكل هذه الكتب مطبوعة ، قال في كتاب الموافقة - وهو ينسب اعتقاده إلى أهل الحديث وكأنّه هو المتحدث الرسمي عنهم - : " وأما أكثر أهل الحديث ومن وافقهم فإنهم لا يجعلون النوع حادثا بل قديمًا ، ويفرقون بين حدوث النوع وحدوث الفرد من أفراده كما يفرق جمهور العقلاء بين دوام النوع ودوام الواحد من أعيانه "  أهــ [  أنظر الموافقة  ( 2 :  75 ) ]  ، وقال أيضاً : " فمن أين في القرءان ما يدل دلالة ظاهرة على أن كل متحرك محدث أو ممكن ، وأن الحركة لا تقوم إلا بحادث أو ممكن ، وأن ما قامت به الحوادث لم يخل منها ، وأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث ، وأين في القرءان امتناع حوادث لا أول لها "  أهــ [  أنظر الموافقة  ( 1 :  64 ) ]  ، قلت : أليس في القرآن قوله تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 ] أليس من معاني الأولية أنه تعالى هو الأول الذي ليس قبله شيء ، وأنّه هو الأزلي الذي لا أزلي سواه أي أن الأولية المطلقة لا تكون إلا لله وحده ، وأليس في القرآن قوله تعالى : { قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } [ يونس : 34 ] ، وقوله تعالى : { أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [ النمل : 64 ] ، وقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [ الروم : 27 ] ، أليس بدء الخلق معناه أن لا قديم إلا الله وأنه وحده هو الأول الذي ليس قبله ولا معه شيء ، أليس في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم : ( ( كان الله ولم يكن شيء غيره ) )  [أخرجه البخاري في صحيحه : كتاب بدء الخلق : باب ما جاء في قول الله تعالى  ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ) ] ،   الذي توافقه الرواية الأخرى رواية أبي معاوية :  ( كان الله قبل كُلِّ شيء )  , ورواية :  ( كان الله ولم يكن معه شيء ) [ انظر فتح الباري  ( 13 :  410 ) ] ، ولذلك أشار الحافظ ابن حجر في شرح البخاري  [فتح الباري  ( 13 :  410 ) ] عند ذكر حديث : " كان الله ولم يكن شيء قبله "  " وهذه - أي مسألة حوادث لا أول لها لم تزل مع الله - من أشنع المسائل المنسوبة له - أي ابن تيمية - " أهــ ، ومما يدل على معتقده هذا ، قوله في منهاج السنّة النبوية : " فإن قلتم لنا : فقد قلتم بقيام الحوادث بالربّ ، قلنا لكـم : نعم ، وهذا قولنا الذي دلّ عليه الشرع والعقل " [ منهاج السنّة  النبوية : ( 1 :  224 ) ] ، وقال فيه أيضاً : " وحينئذٍ فيمتنع كون شيء من العالم أزليًا وان جاز أن يكون نوع الحوادث دائمًا لم يزل ، فإن الأزل ليس هو عبارة عن شيء محدد بل ما من وقت يقدر إلا وقبله وقت آخر ، فلا يلزم من دوام النوع قدم شيء بعينه " أهـ  [  منهاج السنّة  النبوية  ( 1 :  109 ) ] ،  وقال في منهاج السنّة  النبوية ( 1 :  224 ) : " ومنهم من يقول بمشيئته وقدرته- أي أن فعل الله بمشيئته وقدرته- شيئا فشيئا ، لكنه لم يزل متصفا به فهو حادث الآحاد قديم النوع كما يقول ذلك من يقوله من أئمة أصحاب الحديث وغيرهم من أصحاب الشافعي وأحمد وسائر الطوائف أهـ ، ينسب معتقده الضال إلى أهل السنّة وهم منه برآء ، وقال في نقد مراتب الإجماع : - وهو يرد على ابن حزم لنقله الإجماع على أن الله لـم يزل وحده ولا شيء غيره معه ، وأن المخالف بذلك كافر باتفاق المسلمين ، فقال : " وأعجب من ذلك حكايته الإجماع على كفر من نازع أنه سبحانه لم يزل وحده ولا شيء غيره معه " أهــ [  نقد مراتب الإجماع  ( ص :  168 ) ] ، وقال في شرح حديث عمران بن الحصين  ( ص :  193 ) : " فهي وإن قدّر أن نوعها- أي الحوادث- لم يزل معه فهذه المعية لم ينفها شرع ولا عقل ، بل هي من كماله ، قال تعالى :  ( أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ )  ( سورة النحل : 17 ) ، وقال : " والخلق لا يزالون معه "  إلى أن قال ، : " لكن يشتبه على كثير من الناس النوع بالعين " أهـ ، وقال في شرح حديث النزول  ( ص :  161 ) - في الرد على من قال : ما لا يخلو من الحوادث حادث - : " إذ لم يفرقوا بين نوع الحوادث وبين الحادث المعين"  أهــ  ، وقال في كتابه الفتاوى - وهو ينصر قول الفلاسفة الملاحدة منكري الرب - : " ومن هنا يظهر أيضا أن ما عند المتفلسفة من الأدلة الصحيحة العقلية فإنما يدل على مذهب السلف أيضا ، فأن عمدتهم في " قدم العالم "  على أن الرب لم يزل فاعلاً ، وأنه يمتنع أن يصير فاعلاً بعد أن لم يكن ، وأن يصير الفعل ممكنًا له بعد أن لم يكن ، وهذا وجميع ما احتجوا به إنما يدل على قدم نوع الفعل "  اهـ  [  الفتاوى  ( 6 :  300 ) ] ،

[ الأدلة على أنّ الله وحده هو الأول وأنّ ما عداه محدث مخلوق ] : قال تعالى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3 ] ، ومن معاني الأولية أنه تعالى هو الأول الذي ليس قبله شيء ، وأنّه هو الأزلي الذي لا أزلي سواه أي أن الأولية المطلقة لا تكون إلا لله وحده ، ويؤيده قوله تعالى : { قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } [ يونس : 34 ] ، وقوله تعالى : { أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [ النمل : 64 ] ، وقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [ الروم : 27 ] ، أليس بدء الخلق معناه أن لا قديم إلا الله وأنه وحده هو الأول الذي ليس قبله ولا معه شيء ، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم : ( ( كان الله ولم يكن شيء غيره ) )  [ أخرجه البخاري في صحيحه : كتاب بدء الخلق : باب ما جاء في قول الله تعالى  ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ) ] ، وعقيدة أهل السنّة والجماعة أنّ الله تعالى هو وحده الخالق لكل شيء ، وكل ما في الوجود خلقه ، ولهذا تكرر في القرآن الكريم ذكر تلك الحقيقة ، كما في قوله تعالى : { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ  } [ الأنعام : 102 ] ، وقوله تعالى : { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [ الرعد : 16 ] ، قوله تعالى : { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } [ الزمر : 16 ] ، وقوله تعالى : { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } [ غافر : 62 ] ، ، وقوله تعالى : { هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [ لقمان : 11 ] ، وعلى ذلك فكل ما في الوجود خلق الله تعالى ومن ذلك الليل والنهار والظلمات والنور والمكان والزمان ، والعرش والكرسي والسموات والأرض كل ذلك من خلق الله تعالى ، ولا ينكر ذلك مسلم موحد لله تعالى ، فالله تعالى هو القديم ومن سواه محدث مخلوق لم يكن ثم كان بقدر الله تعالى وخلقه ،  قال القاضي عياض في الشفا  : " وكذلك نقطع على كفر من قال بقدم العالـم أو بقائه أو شك في ذلك على مذهب بعض الفلاسفة والدهرية "  اهـ [الشفا  ( 606 : 2 )  ] ، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري : " قال شيخنا- يعني العراقي- في شرح الترمذي : الصحيح في تكفير منكر الإجماع تقييده بإنكار ما يعلم وجوبه من الدين بالضرورة كالصلوات الخمس ، ومنهم من عبر بإنكار ما علم وجوبه بالتواتر ، ومنه القول بحدوث العالم ، وقد حكى القاضي عياض وغيره الإجماع على تكفير من يقول بقدم العالم ، وقال ابن دقيق العيد : وقع هنا من يدّعي الحذق في المعقولات ويميل إلى الفلسفة فظن أن المخالف في حدوث العالم لا يكفر لأنه من قبيل مخالفة الإجماع ، وتمسك بقولنا : إن منكر الإجماع لا يكفر على الإطلاق حتى يثبت النقل بذلك متواترًا عن صاحب الشرع ، قال : وهو تمسك ساقط إما عن عمى في البصيرة أو تعام ، لأن حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع والتواتر بالنقل "  اهـ [فتح الباري  ( 12 :  252 )  ] ، وقال الحافظ محمد مرتضى الزبيدي في شرح الإحياء - عند الكلام على تكفير الفلاسفة -  " ومن ذلك قولهم بقدم العالم وأزليته ، فلم يذهب أحد من المسلمين إلى شيء من ذلك " اهـ  [  إتحاف السادة المتقين  ( 1 :  184 ) ] ، وقال أيضاً : " وقال السبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب : اعلم أن حكم الجواهر والأعراض كلها الحدوث ، فإذًا العالم كله حادث ، وعلى هذا إجماع المسلمين بل وكل الملل ، ومن خالف في ذلك فهو كافر لمخالفة الإجماع القطعي " أهــ [ إتحاف السادة المتقين  ( 2 :  94 ) ] ، وعلى ذلك : فقول ابن تيمية بأزلية نوع العالم مخالف للقرآن والسنّة وإجماع أهل العلم المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة ، كلهم مجمعون على أنّ الله تعالى هو الأول الأولية المطلقة وأنه لا يشاركه بها غيره ، وأنّ من جعل مع الله تعالى قديما غيره فقد أشرك مع الله ، والله تعالى يقول : { أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ( 64 )  } [ النمل : 64 ] ، أما القائل  " بحوادث لا أول لها لم تزل مع الله " قد أشرك بالله نوع العالم أي جنسه ، وما أبعد هذا القول عن التوحيد ( توحيد الربوبية ) الذي كم تشدق بالقول به دون أن يفهم أبعاده ، ومن ذلك افراد الله تعالى بالأولية المطلقة ، الأول الذي أوجد الخلائق من العدم فهو وحده الخالق وجميع الخلائق محدثون بخلقه ، ومربوبون بربوبيته ، قال ملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر  ( ص :  154- 155 )  : " ثم اعلم أن المراد بأهل القبلة الذين اتفقوا على ما هو من ضروريات الدين ، كحدوث العالم وحشر الأجساد وعلم الله بالكليات والجزئيات وما أشبه ذلك من المسائل ، فمن واظب طول عمره على الطاعات والعبادات مع اعتقاد قدم العالم ، أو نفي الشر ، أو نفي علمه سبحانه بالجزئيات لا يكون من أهل القبلة "  اهـ 

 

*** 

 

( 6  )

بدعة ابن تيمية الشنيعة وقوله بقيام الحوادث بذات الله تعالى

 

 

[ من ضلالات ابن تيمية في العقيدة : قوله بقيام الحوادث بذات الله تعالى ] :  قال في كتابه الموافقة : "  فمن أين في القرءان ما يدل دلالة ظاهرة على أن كل متحرك محدَث أو ممكن ، وأن الحركة لا تقوم إلا بحادث أو ممكن ، وأن ما قامت به الحوادث لم يخل منها ، وأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث "  أهــ [  أنظر الموافقة  ( 1 :  64 )  ] ،  وقال فيه أيضاً :  "  أما الشرع فليس فيه ذكر هذه الأسماء في حق الله لا بنفي ولا إثبات ، ولم ينطق أحد من سلف الأمة وأئمتها في حق الله تعالى بذلك لا نفيًا ولا إثباتًا ، بل قول القائل : إن الله جسم أو ليس بجسم ، أو جوهر أو ليس بجوهر ، أو متحيز أو ليس بمتحيز ، أو في جهة أو ليس في جهة ، أو تقوم به الأعراض والحوادث أو لا تقوم به ونحو ذلك كل هذه الأقوال محدثة بين أهل الكلام المحدث لم يتكلم السلف والأئمة فيها لا بإطلاق النفي ولا بإطلاق ا لإثبات "  أهــ  [  أنظر الموافقة  ( 1 :  142 )  ] ، وقال في المنهاج : "  فإنا نقول إنه يتحرك وتقوم به الحوادث والأعراض فما الدليل على بطلان قولنا ؟ أهــ  [  أنظر المنهاج  ( 1 :  210 )  ] ، وقال في المنهاج :  ( فإن قلتم لنا : فقد قلتم بقيام الحرادث بالرب ، قلنا لكم : نعم وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع العقل" أهــ [  أنظر الكتاب  ( 1 :  224 ) ] ، ثم قال :  ( وقد أخذنا بما في قول كل من الطائفتين من الصواب وعدلنا عما يرده الشرع والعقل من قول كل منهما ، فإذا قالوا لنا : فهذا يلزم منه أن تكون الحوادث قامت به قلنا : ومن أنكر هذا قبلكم  ، السلف الأئمة ، ونصوص القرءان والسنة تتضمن ذلك مع صريح العقل وهو قول لازم لجميع الطوائف ، ومن أنكره فلم يعرف لوازمه ، ولفظ الحوادث مجمل فقد يراد به الأعراض والنقائص والله منزه عن ذلك ، ولكن يقوم به ما شاءه ويقدر عليه من كلامه وأفعاله ونحو ذلك مما دل عليه الكتاب والسنة"  أهــ [  أنظر المنهاج  ( 1 :  224 )  ] ، قال أيضا : "  ومن قال : إن الخلق حادث كالهشامية والكرّامية قال : نحن نقول بقيام الحوادث به ، ولا دليل على بطلان ذلك ، بل العقل والنقل والكتاب والسنة واجماع السلف يدل على تحقيق ذلك ، كما قد بسط في موضعه ، ولا يمكن القول بأن الله يدير هذا العالم إلا بذلك ، كما اعترف بذلك أقرب الفلاسفة إلى الحق كأبي البركات صاحب "  المعتبر"  وغيره"  أهــ [  مجموعة التفسير  ( ص : 309 ) ] ، وقال أيضا  : "  بخلاف ما إذا قيل : كان قبل هذا الكلام كلام وقبل هذا الفعل فعل جائز عند أكثر العقلاء أئمة السنة ، أئمة الفلاسفة وغيرهم"  أهــ [  مجموعة التفسير  ( ص : 312-313 )  ] ، ثم قال  : "  وأما إذا قيل : قال " كن"  وقبل " كن"  " كن"  ، وقبل " كن"  " كن"  ، فهذا ليس بممتنع ، فإن هذا تسلسل في آحاد التأثير لا في جنسه ، كما أنه في المستقبل يقول " كن"  بعد " كن"  ، ويخلق شيئا بعد شيء إلى غير نهاية"  أهــ [  مجموعة التفسير  ( ص : 313- 314 ) ] ، وقال أيضا : "  وأما قولهم : وجود ما لا يتناهى من الحوادث محال ، فهذا بناء على دليلهم الذي استدلوا به على حدوث العالم وحدوث الأجسام ، وهو أنها لا تخلو من الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ، وهذا الدليل باطل عقلاً وشرعًا ، وهو أصل الكلام الذي ذمه السلف والأئمة ، وهو أصل قول الجهمية نفاة الصفات ، وقد تبين فساده في مواضع "  أهــ [  مجموع فتاوى  ( 6 :  299 )  ] ،  ومعنى قوله قيام الحوادث بذات الله فهو أنه يعتقد أن الله تعالى تقوم به الحركة والسكون أي أنه متصف بالحركة والسكون الحادثين وشبه ذلك مما يقوم بذوات المخلوقين ، ومن هنا يتضح قول الحافظ تقي الدين السبكي وغيره كما قدمنا أنه- أي ابن تيمية- جعل الحادث قديمًا والقديمُ حادثًا ، ولم يوافق في قوله هذا أحدًا من أئمة الحديث إلا المجسمة ، ومن العجب افتراء ابن تيمية هذا معرضا عن حجة إبراهيم المذكورة في القرءان من احتجاجه بقيام الحوادث بالقمر والكوكب والشمس على عدم ألوهيتهم ، وبقيام دلاثل الحدوث بهم وهو التحول من حال إلى حال ، وقد اتبع ابن تيمية في عقيدته هذه الكرّامية المجسمة شبرًا بشبر ، وقد ذكر ابن التلمساني شيئًا من معتقداتهم الفاسدة التي تبنّاها ابن تيمية ، فقال الشيخ شرف الدين بن التلمساني في شرح لمع الأدلة للجويني ما نصه  : "  وخالف إجماع الأمة طائفة نبغوا من سِجستان لقبوا بالكرامية نسبة إلى محمد بن كرّام ، وزعموا أن الحوادث تطرأ يعني تتجدد على ذات الله ، تعالى عن قولهم ، وهذا المذهب نظير مذهب المجوس ، ووجه مضاهاته لمذهب المجوس أن طائفة منهم تقول بقدم النور وحدوث الظلمة ، وأن سبب حدوثها أن يَزْدَان فكَّر فكرة فَحَدَثَ منها شخص من أشخاص الظلمة فأبعده وأقصاه وهو هُرمز ، وجميع الشر ينسب إليه ، وكذلك الكرّامية تزعم أن الله تعالى إذا أراد إحداث محدَث أوجد في ذاته كافًا ونونًا وإرادة حادثة ، وعن ذلك تصدر سائر المخلوقات المباينة لذاته "  أهــ [  شرح لمع الأدلة  ( ص :  80- 81 )  ] ، وقال الإمام أبو المظفر الإسفراييني ما نصه  : "  ومما ابتدعوه- أي الكرَّامية- من الضلالات مما لم يتجاسر على إطلاقه قبلهم واحد من الأمم لعلمهم بافتضاحه هو قولهم : بأن معبودهم محل الحوادث تحدث في ذاته أقواله وإرادته وإدراكه للمسموعات والمبصرات ، وسموا ذلك سمعًا وتبصرًا ، وكذلك قالوا : تحدث في ذاته ملاقاته للصفحة العليا من العرش ، زعموا أن هذه أعراض تحدث في ذاته ، تعالى الله عن قولهم "  أهــ [  التبصير في الدين  ( ص :  66- 67 )  ] ، فتبين مما أوردناه أن ابن تيمية ليس له سلف إلا الكرامية ونحوهم ، وليس كما يدعي أنه يتبع السلف الصالح ، ومن المصيبة أن يأخذ مثل ابن تيمية بمثل هذه الفضيحة ، فمذهبه خليط من مذهب ابن كرّام واليهود والمجسمة ، نعوذ بالله من ذلك ،  وقد أجاب الإمام الحجة الإسفراييني في دحض هذه الفرية بقوله  : "  هو أن تعلم أن الحوادث لا يجوز حلولها في ذاته وصفاته لأن ما كان محلاً للحوادث لم يخل منها ، وإذا لم يخل منها كان محدثًا مثلها ، ولهذا قال الخليل عليه الصلاة والسلام : ( لاَ أُحِبُّ الآَفِلينَ )  ( سورة الأنعام : 76 ) ، بيَّن به أن من حلّ به من المعاني ما يغيره من حال إلى حال كان محدَثا لا يصح أن يكون إلهًا"  أهــ [  التبصير في الدين  ( ص : 97- 98 )  ] ،  فيكون بهذا ما توسع به ابن تيمية في كتبه من تجويز قيام الحوادث به تعالى وحلولها فيه خارجًا عن معتقد أهل السنة والجماعة ، أهل الحق ، ( فائدة ) : قال سيف الدين الآمدي في كتاب غاية المرام  في علم الكلام ما نصه : "  فالرأي الحق والسبيل الصدق والأقرب إلى التحقيق أن يقال : لو جاز قيام الحوادث به لم يخل عند اتصافه بها إما أن توجب له نقصًا أو كمالا أو لا نقص ولا كمال ، لا جائر أن يقال بكونها غيرَ موجبة للكمال ولا النقصان فان وجود الشىء بالتسبة إلى نفسه أشرف له من عدمه ، فما اتصف بوجود الشىء له وهو مما لا يوجب فوات الموصوف ولا فوات كمال له ، وبالجملة لا يوجب له نقصًا فلا محالة أن اتصافه بوجود ذلك الوصف له أولى من اتصافه بعدمه لضرورة كون العدم في نفسه مشروفا بالنسبة إلى مقابله من الوجود ، والوجود أشرف منه ، وما اتصف بأشرف الأمرين من غير أن يوجب له في ذاته نقصًا تكون نسبة الوجود إليه مما يرجع إلى النقص والكمال على نحو نسبة مقابله من العدم ، ولا محالة من كانت نسبته إلى ذلك وجود ذلك الوصف أشرف منه بالنسبة إلى عدمه ، ولا جائز أن يقال : إنها موجبة لكماله ، وإلا لوجب قدمها لضرورة أن لا يكون البارىء ناقصًا محتاجًا إلى ناحية كمال في حال عدمها ، فبقي أن يكون اتصافه بها مما يوجب القول بنقصه بالنسبة إلى حاله قبل أن يتصف بها ، وبالنسبة إلى ما لم يتصف بها من الموجودات ، ومحال أن يكون الخالق مشروفًا أو ناقضا بالنسبة إلى المخلوق ، ولا من جهة ما كما مضى"  أهــ [  غاية المرام في علم الكلام  ( ص : 191 ، 192 ) ] ،

[ الأدلة على تنزيه الله تعالى عن قبول الحوادث ] : من الأدلة القرآنية على تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى : قوله تعالى { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى : 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، ومنها أنه يستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق ، وقوله تعالى : { وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل :60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من التغير والحدوث وقبول الحوادث ، وقوله تعالى : { فلا تضربوا للهِ الأمثال }  [سورة النحل : 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ، ويستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق ، وقوله تعالى :  { هل تعلمُ لهُ سميًّا }  [سورة مريم : 65 ] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ويستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق ، وقوله تعالى : { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص : 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من التغير والحدوث وقبول الحوادث ، وسورة الإخلاص { قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد } ، هذه السورة يجب أن تكون من المحكمات ، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن وهي تشتمل على خمسة أصول : وصف الله تعالى بالأحدية ( الله أحد ) ، والصمدية ( الله الصمد ) ، وتنزيهه سبحانه عن حلول الحوادث ( لم يلد ) ، وعن الحدوث ( ولم يولد ) ، وعن مماثلة الخلائق ( ولم يكن له كفوا أحد ) ، فقوله تعالى ( الله أحد ) يدل على الأحدية واستحالة تقدير الانقسام في ذاته تقدس وتنزه ، ويدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء  لم يكن أحدا ، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة فى ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله ، وقوله تعالى : { الله الصمد } الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل : أن كل جسم فهو مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا ( إليه ) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك  لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج ، { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } أنه تعالى خالق كل موجود ، أحد صمد ، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ } ، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق { وَلَمْ يُولَدْ } ، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء ، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق ،  أحد لا نظير له ، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، لأنّه منزه عن أن تحل به الحوادث ، والنصارى لأنّهم من أضل الناس وأجهلهم بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى ، أجازوا حلول الحوادث بذات الرحمن ، فزعموا له الولد سبحانه ، وهذا يستحيل نسبته إلى الله الاحد الصمد ، لأن الولد جزء من أبيه ، فالوالد لا يخلق ولده ، وإنما هو جزء منه ، والله تعالى أحد صمد منزه عن التغير والحدوث وعن أن يحل به حادث ، فلا يكون منه الولد ، ولو كان منه الولد - سبحانه - لكان الولد قديماً ، مثل أبيه ، وكيف يكون قديماً وهو حادث ، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً ، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد ، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى - آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ  } [ الزخرف : 81 ، 82 ] ، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته ، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل في حق الأحد الصمد ، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى : { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } ، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى وتقدس ، قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [ مريم : 88 إلى 95 ] ، ومن فقه الآية { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } استنبط علماء أهل السنة والجماعة المتخصصون في العقائد - ومن غيرها من الآيات كما سيأتي - تنزيه لله تعالى عن أن يكون محلاً للمخلوقات الحوادث ، وتنزيه الله تعالى أن يكون منه شيء محدَثٌ مخلوق لأنه القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق كما في قوله تعالى {لَمْ يَلِدْ } :  ،  كما أنه منزه عن التغير والحدوث كما في قوله تعالى : { وَلَمْ يُولَدْ } ، وسياتي تفصيل ذلك عند شرح قوله تعالى : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ } [ الانعام : 76 ] ، أي أن المتغير عن حاله الآفل الذي يقبل الحدوث والتغير من حال إلى حال ، لا يصلح أن يكون رباً خالقاً ، وإلهاً معبوداً ، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  } أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ولا مثيل ، ولو كان قابلا للتغير والحدوث ، أو كان محلاً للحوادث - سبحانه -  لكان مثلاً لسائر المخلوقات المحدثة المخلوقة ،

وتنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ، قال تعالى : { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }  [ الأنعام : 76 ] ، قال المفسرون :قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن القمر لتغير حاله لا يصلح للإلهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال ، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول ، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن ( الآفلين ) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية ، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث ، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث ، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام ، قال تعالى : { قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 78 ، 79 ] ،  ومعناه  إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهة وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ، قال البيضاوي في تفسيره : ( وقوله : هذا ربي ، على سبيل الوضع فإن المستدل على فساد قول يحكيه على ما يقوله الخصم ثم يكر عليه بالإفساد أو على وجه النظر والاستدلال .. فلما أفل أي غاب قال لا أحب لآفلين فضلا عن عبادتهم فإن الانتقال والاحتجاب بالأستار يقتضي الأمام والحدوث وينافي الألوهية ) [ تفسير البيضاوي ج : 2 ص : 423 ] ، وقال الغزالي : (  فلما رأى القمر بازغا مبتدئا في الطلوع قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهديني ربي لأكونن من القوم الظالمين استعجز نفسه واستعان بربه في درك الحق فإنه لا يهتدي إليه إلا بتوفيقه ارشادا لقومه وتنبيها لهم على أن القمر أيضا لتغير حاله لا يصلح للألوهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ذكر اسم الإشارة لتذكير الخبر وصيانة للرب عن شبهة التأنيث هذا أكبر كبره استدلالا أو إظهارا لشبهة الخصم فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهة وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين وإنما احتج بالأفول دون البزوغ مع أنه أيضا انتقال لتعدد دلالته ولأنه رأى الكوكب الذي يعبدونه في وسط السماء حين حاول الاستدلال وحاجه قومه وخاصموه في التوحيد قال أتحاجوني في الله في وحدانيته سبحانه وتعالى ) أهـ [ جواهر القرآن ج : 2 ص : 424 ] ،  وجاء في تفسير ابن كثير : ( قال لا أحب   الآفلين ،  قال قتادة علم أن ربه دائم لا يزول فلما رأى القمر بازغا أي طالعا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي أي هذا المنير الطالع ربي هذا أكبر أي جرما من النجم ومن القمر وأكثر إضاءة فلما أفلت أي غابت قال يا قوم إني برئ مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين أي أخلصت ديني وأفردت عبادتي للذي فطر السموات والأرض أي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق حنيفا أي في حال كوني حنيفا أي مائلا عن الشرك إلى التوحيد ولهذا قال وما أنا من المشركين ) [  تفسير ابن كثير ج : 2 ص : 152 ] ، وقال الزركشي في البرهان : ( قوله فلما أفل قال لا أحب الآفلين :  أي القمر أفل وربي فليس بآفل فالقمر ليس بربي أثبته بقياس اقتراني جلى من الشكل الثاني واحتج بالتعبير على الحدوث والحدوث على المحدث ) [  البرهان في علوم القرآن ج : 3 ص : 470 ] ، وجاء في تفسير أبي السعود : ( فماذا صنع عليه السلام حين رأى الكوكب فقيل قال على سبيل الوضع والفرض هذا ربي مجاراة مع أبيه وقومه الذين كانوا يعبدون الأصنام والكواكب فإن المستدل على فساد قول يحكيه على رأي خصمه ثم يكر عليه بالإبطال ولعل سلوك هذه الطريقة في بيان استحالة ربوبية الكواكب دون بيان استحالة إلهية الأصنام لما أن هذا أخفى بطلانا واستحالة من الأول فلو صدع بالحق من أول الأمر كما فعله في حق عبادة الأصنام لتمادوا في المكابرة والعناد ولجوا في طغيانهم يعمهون وقيل قال عليه السلام على وجه النظر والاستدلال وكان ذلك في زمان مراهقته وأول أوان بلوغه وهو مبني على تفسير الملكوت بآياتهما وعطف قوله تعالى لكون على ما ذكر من العلة المقدرة وجعل قوله تعالى فلما جن الخ تفصيلا لما ذكر من الإراءة وبيانا لكيفية الاستدلال وأنت خبير بأن كل ذلك مما يخل بجزالة النظم الجليل وجلالة منصب الخليل عليه الصلاة والسلام فلما أفل أي غرب قال لا أحب الآفلين أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغير من حال إلى حال المحتجبين بالأستار فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية ) [ تفسير أبي السعود ج : 3 ص : 153 ] ،  وجاء في تفسير الواحدي : ( فلما جن أي ستر وأظلم عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي أي في زعمكم أيها القائلون بحكم النجم وذلك أنهم كانوا أصحاب نجوم يرون التدبير في الخليقة لها فلما أفل أي غاب قال لا أحب الآفلين ، عرفهم جهلهم وخطأهم في تعظيم النجوم ودل على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب   ) [  تفسير الواحدي ج : 1 ص : 361 ] ،  وجاء في فتح القدير : ( قال إبراهيم لا أحب الآفلين : أي الآلهة التي تغرب فإن الغروب تغير من حال إلى حال وهو دليل الحدوث ) أهـ [  فتح القدير ج : 2 ص : 133 ] ، وجاء في تفسير الجلالين : ( فلما افل غاب قال لا أحب الآفلين : أن أتخذهم أربابا لأن الرب لا يجوز عليه التغير والانتقال لأنهما في شأن الحوادث ) أهـ  [  تفسير الجلالين ج : 1 ص : 174 ] ، وجاء في أحكام القرآن : ( فلما أفل قال لا أحب الآفلين ، وكان ذلك في ليلة يجتمعون فيها في هياكلهم وعند أصنامهم عيدا لهم فقررهم ليلا على أمر الكواكب عند ظهوره وأفوله وحركته وانتقاله ، وأنه لا يجوز أن يكون مثله إلها لما ظهرت فيه من آيات الحدث ) أهـ  [  أحكام القرآن 2 ج : 2 ص : 171 ] ، وجاء في تفسير النسفي : (   قال ( لا أحب الآفلين )  أي لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين عن حال إلى حال لأن ذلك من صفات الأجسام .. إني وجهت وجهى للذي فطر السموات و الأرض أي للذي دلت هذه المحدثات على أنه منشئها حنيفا حال أي مائلا عن الأديان كلها إلا هذا الإسلام وما انا من المشركين بالله شيئا من خلقه ) أهـ [ تفسير النسفي ج : 1 ص : 331 ] ،  وجاء في أحكام القرآن : ( أولئك الذين هدى الله بهداهم اقتده فأمرنا الله تعالى بالاقتداء به في الاستدلال على التوحيد والاحتجاج به على الكفار ومن حيث دلت أحوال هذه الكواكب على أنها مخلوقة غير خالقة ومربوبة غير رب فهي دالة أيضا على أن من كان في مثل حالها في الانتقال والزوال والمجيء والذهاب لا يجوز أن يكون ربا خالقا وأنه يكون مربوبا فدل على أن الله تعالى لا يجوز عليه الانتقال ولا الزوال ولا المجيء ولا الذهاب لقضية استدلال إبراهيم عليه السلام بأن من كان بهذه الصفة فهو محدث وثبت بذلك أن من عبد ما هذه صفته فهو غير عالم بالله تعالى وأنه بمنزلة من عبد كوكبا أو بعض الأشياء المخلوقة ) أهـ   [ أحكام القرآن 2 ج : 4 ص : 168 ] ، وقال الإمام الرازي رحمه الله في تفسير قوله تعالى { لا أحب الآفلين } : [ المسألة السابعة ] : دل قوله : {لا أحب الآفلين} على أحكام : الحكم الأول : هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس بجسم إذ لو كان جسماً  لكان غائباً عنا أبداً فكان آفلاً أبداً، وأيضاً يمتنع أن يكون تعالى ينزل من العرش إلى السماء تارة ويصعد من السماء إلى العرش  أخرى، وإلا لحصل معنى الأفول ،  الحكم الثاني : هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس محلاً للصفات المحدثة كما تقوله الكرامية، وإلا لكان متغيراً، وحينئذ يحصل معنى الأفول، وذلك محال ) [تفسير الرازي سورة الأنعام :  79 ]]  ، وقال العلامة ابن الجوزي في زاد المسير : ( وأفل بمعنى غاب يقال أفل النجم يأفل ويأفل أفولا  ، قوله تعالى ( لا أحب الآفلين ) ..  لأن ما ظهر وأفل كان حادثا مدبرا ) أهـ [ زاد المسير ج : 3 ص : 75 ]  ، وجاء في روح المعاني : ( هذا وقد ذكر الامام في هذه الآيات الإبراهيمية عدة أحكام : ( الأول ) : أن قوله سبحانه  { لا أحب الآفلين } يدل على أنه عز وجل ليس بجسم إذ لو كان جسما لكان غائبا عنا فيكون آفلا والأفول ينافي الربوبية ولا يخفى أن عد تلك الغيبة المفروضة أفولا لا يخلوا عن شيء لأن الافول احتجاب مع انتقال وتلك الغيبة المفروضة لم تكن كذلك بل هي مجرد احتجاب فيما يظهر نعم أنه ينافي الربوبية أيضا لكن الكلام في كونه أفولا ليتم الاحتجاج بالآية لا يقال قد جاء في حديث الاسراء ذكر الحجاب فكيف يصح القول بأن الاحتجاب مناف للربوبية لأنا نقول  الحجاب الوارد كما قال القاضي عياض إنما هو في حق العباد لا في حقه تعالى فهم المحجوبون والباري جل اسمه منزه عما يحجبه إذ الحجاب إنما يحيط بمقدر محسوس ونص واحد أن ذكر الحجاب له تعالى تمثيل لمنعه سبحانه الخلق عن رؤيته وقال السيد النقيب في الدرر والغرر  العرب تستعمل الحجاب بمعنى الخفاء وعدم الظهور فيقول أحدهم لغيره إذا استبعد فهمه  بيني وبينك حجاب ويقولون لما يستعب طريقه  بيني وبينه كذا حجب وموانع وساتر وما جرى ذلك والظاهر على هذا أن فيما ذكر مجاز في المفرد فتدبر ، ( الثاني ) : أن هذه الآية تدل على أنه يمتنع أن يكون تعالى بحيث ينزل من العرش إلى السماء تارة ويصعد من السماء إلى العرش أخرى والا لحصل معنى الأفول وأنت تعلم أن الواصفين ربهم عز شأنه بصفة النزول حيث سمعوا حديثه الصحيح عن رسولهم صلى الله تعالى عليه وسلم لا يقولون  إنه حركة وانتقال كما هو كذلك في الأجسام بل يفوضون تعيين المراد منه الى الله تعالى بعد تنزيهه سبحانه عن مشابهة المخلوقين ) ، ( الثالث ) : أنها تدل على أنه جل شأنه ليس محلا للصفات المحدثة كما تقول الكرامية والا لكان متغيرا وحينئذ يحصل معنى الافول وهو ظاهر ) [  روح المعاني ج : 7 ص : 209 إلى 210] ، وبعد فتلك بعض تنزيهات العلماء في تقديس الله تعالى وتنزيهه عن كل صور التغير والحدوث وقبول الحوادث ، ومن لم يجعل الله تعالى له نوراً فما له من نور ، [ ومن أقوال علماء أهل السنّة والجماعة في تنزيه الله تعالى عن الحدث وقبول الحوادث ] : ( 1 ) قال النووي : ( اختلفوا في آيات الصفات وأخبارها هل يخاض فيها بالتأويل أم لا؟ فقال قائلون تتأول على ما يليق بها، وهذا أشهر المذهبين للمتكلمين، وقال آخرون : لا تتأول بل يمسك عن الكلام في معناها ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى وانتفاء صفات الحوادث عنه، فيقال مثلاً : نؤمن بأن الرحمن على العرش استوى، ولا نعلم حقيقة معنى ذلك والمراد به، مع أنا نعتقد أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وأنه منزه عن الحلول وسمات الحدوث ، وهذه طريقة السلف أو جماهيرهم وهي أسلم ) اهـ [ المجموع 1  :  25 ] ، ( 2 ) وقال عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر : " فصل : ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر ، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال ) أهـ [ العين والأثر في عقائد أهل الأثر ج : 1 ص : 34 - 36 ] ،  ( 3 ) وقال العلامة ابن الجوزي في كتابه دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه : " الحديث الثلاثون : روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم . دخل عليها وعندها امرأة سعيدة . فقال : من هذه ..؟ قالت : فلانة تذكر من صلاتها ، فقال : ( ( مه عليكم ما تطيقون فو الله لا يمل الله حتي تملوا ) )  ، وفي رواية : ( ( لا يسأم الله حتي تسأموا ) )  ، .. والمعني . لا يترك الثواب ما لم يتركوا العمل ، وأما الملل الذي هو كراهة الشيء والاستثقال له ، ونفور الشيء عنه والسآمة منه ، فمحال في حقه تعالى ، لأنه يقتضي تفسيره ، لأنه تغير وحلول الحوادث في حقه " أهـ   ، ( 4 ) وجاء في متن أم البراهين المسمى بالعقيدة السنوسية الصغرى : " وَمِمَّا يسْتَحِيلُ فِي حَقَّهِ تَعَالى عِشْرُونَ صِفَةً، وَهِيَ أَضْدَادُ الْعِشْرِينَ اْلأُولَى، وَهِيَ :  الْعَدَمُ وَالحُدُوثُ وَطُرُؤُ الْعَدَمِ  وَالمُمَاثَلَةُ لِلْحَوَادِثِ : بِأَنْ يَكُونَ جِرْمًا : أَيْ تَأخُذَ ذَاتُهُ الْعَلِيةُ قَدْراً مِنَ الْفَرَاغِ. أَوْ يَكُونَ عَرَضًا يَقُومُ بِالْجِرْم، أَوْ يَكُونَ فِي جِهَةٍ للْجْرمِ، أَوْلهُ هُوَ جِهَةٌ، أَوْ يَتَقَيَّد بِمَكَانٍ، أَوْ زَمَانٍ، أَوْ تَتَّصِفَ ذَاتُهُ الْعِلِيةُ بِالحَوَادِثِ، أَوْ يَتَّصِفَ بِالصِّغَرِ، أَوْ الْكِبَرِ، أَوْ يَتَصَّفَ بَاْلأَغْرَاض فِي اْلأَفْعَالِ أَوْ اْلأَحْكامِ ، وَكَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى : أَنْ لاَ يَكُونَ قائِمًا بِنَفْسِهِ، بِأَنْ يَكُونَ صِفَةً يَقُومُ بِمَحلٍ، أَوْ يَحْتَاجُ إِلَى مُخَصَّصٍ ، وَكَذَا يَسْتَحيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى : أَنْ لاَ يَكُوُنَ وَاحِداً بِأَنْ يَكُونَ مُرَكبًا فِي ذَاتِهِ، أَوْ يَكُونَ لَهُ مُمَاثِلٌ فِي ذَاتِهِ، أَوْ صِفَاتِهِ، أَوْ يَكُونَ مَعَهُ فِي الْوُجُودِ مُؤَثَّرٌ فِي فِعْلٍ مِنَ اْلأَفْعَالِ ، وَكَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى :الْعَجْزُ عَنْ مَمْكِنٍ مَّا، وَإِيجَادُ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ مَعَ كَرَاهَتِهِ لِوُجُودِهِ. أَيْ عَدَمِ إِرَادَتِهِ لَهُ تَعَالَى أَوْ مَعَ الذُهُولِ، أَوْ الْغَفْلَةِ، أّوْ بِالتَّعْلِيلِ، أَوْ بِالطَّبْعِ ، وَكَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى : الجَهْلُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ بَمعْلُومٍ مَّا، وَالمَوْتُ، وَالصَّمَمُ، وَالْعَمى وَالْبَكَمُ  ، وَأَضْدَادُ الصِّفَاتٍ المَعْنَوِيَّةِ وَاضِحَةٌ مِنْ هَذِهِ " أهــ ،  ( 5 ) وجاء في ترجمة عقيدة أهل السنة في كلمتي الشهادة التي هي أحد مباني الإسلام للإمام أَبي حامدٍ الغَزَّالي : " الحمد للّه المبدئ المعيد ، الفعال لما يريد ، ذي العرش المجيد ، والبطش الشديد ، الهادي صفوة العبيد ، إلى المنهج الرشيد ، والمسلك السديد ، المنعم عليهم بعد شهادة التوحيد ، بحراسة عقائدهم عن ظلمات التشكيك والترديد ، السالك بهم إلى اتباع رسوله المصطفى واقتفاء آثار صحبه الأكرمين المكرمين بالتأييد والتسديد ، المتجلي لهم في ذاته وأفعاله بمحاسن أوصافه التي لا يدركها إلا من ألقى السمع وهو شهيد ، المعرف إياهم أنه في ذاته واحد لا شريك له ، فرد لا مثيل له ، صمد لا ضد له ، منفرد لا ند له وأنه واحد قديم لا أول له ، أزلي لا بداية له ، مستمر الوجود لا آخر له ، أبدي لا نهاية له ، قيوم لا انقطاع له ، دائم لا انصرام له ، لم يزل ولا يزال موصوفاً بنعوت الجلال ، لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال ، بتصرم الآباد وانقراض الآجال ، بل { هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم } ، وأنه ليس بجسم مصور ، ولا جوهر محدود مقدر ، وأنه لا يماثل الأجسام ، لا في التقدير ولا في قبول الانقسام ، وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر ، ولا بعرض ولا تحله الأعراض ، بل لا يماثل موجوداً ، ولا يماثله موجود {ليس كمثله شيء} ولا هو مثل شيء ، وأنه لا يحده المقدار ، ولا تحويه الأقطار ، ولا تحيط به الجهات ، ولا تكتنفه الأرضون ولا السماوات ، وأنه مستو على العرش ، على الوجه الذي قاله ، وبالمعنى الذي أراده ، استواء منـزهاً عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال ، لا يحمله العرش ، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ، ومقهورون في قبضته ، وهو فوق العرش والسماء ، وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى ، فوقية لا تزيده قرباً إلى العرش والسماء ، كما لا تزيده بعداً عن الأرض والثرى ، بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء ، كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى ، وهو مع ذلك قريب من كل موجود ، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد {وهو على كل شيء شهيد} إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام ، كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام ، وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء ، تعالى عن أن يحويه مكان ، كما تقدس عن أن يحده زمان ، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان ، وهو الآن على ما عليه كان ، وأنه بائن عن خلقه بصفاته ، ليس في ذاته سواه ، ولا في سواه ذاته ، وأنه مقدس عن التغير والانتقال ، لا تحله الحوادث ، ولا تعتريه العوارض ، بل لا يزال في نعوت جلاله منـزهاً عن الزوال ، وفي صفات كماله مستغنياً عن زيادة الاستكمال ، وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول ، مرئي الذات بالأبصار نعمة منه ولطفاً بالأبرار في دار القرار ، وإتماماً منه للنعيم بالنظر إلى وجهه الكريم ، وأنه تعالى حي قادر ، جبار قاهر ، لا يعتريه قصور ولا عجز ، ولا تأخذه سنة ولا نوم ، ولا يعارضه فناء ولا موت ، وأنه ذو الملك والملكوت ، والعزة والجبروت ، له السلطان والقهر ، والخلق والأمر ، والسماوات مطويات بيمينه ، والخلائق مقهورون في قبضته ، وأنه المنفرد بالخلق والاختراع ، المتوحد بالإيجاد والإبداع ...خلق الخلق وأعمالهم ، وقدر أرزاقهم وآجالهم ، لا يشذ عن قبضته مقدور ، ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور ، لا تحصى مقدوراته ، ولا تتناهى معلوماته ، وأنه عالم بجميع المعلومات ، محيط بما يجري من تخوم الأرضين إلى أعلى السماوات ، وأنه عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ، ويدرك حركة الذر في جو الهواء ويعلم السر وأخفى ، ويطلع على هواجس الضمائر ، وحركات الخواطر ، وخفيات السرائر ، بعلم قديم أزلي لم يزل موصوفاً به في أزل الآزال ، لا بعلم متجدد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال ، وأنه تعالى مريد للكائنات ، مدبر للحادثات ، فلا يجري في الملك والملكوت قليل أو كثير ، صغير أو كبير ، خير أو شر ، نفع أو ضر ، إيمان أو كفر عرفان أو نكر ، فوز أو خسران ، زيادة أو نقصان ، طاعة أو عصيان ، إلا بقضائه وقدره ، وحكمته ومشيئته ، فما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، لا يخرج عن مشيئته لفتة ناظر ولا فلتة خاطر ، بل هو المبدئ المعيد ، الفعال لما يريد ، لا راد لأمره ، ولا معقب لقضائه ، ولا مهرب لعبد عن معصيته ، إلا بتوفيقه ورحمته ، ولا قوة له على طاعته ، إلا بمشيئته وإرادته ، فلو اجتمع الإنس والجن والملائكة والشياطين على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها دون إرادته ومشيئته لعجزوا عن ذلك ، وأن إرادته قائمة بذاته في جملة صفاته ، لم يزل كذلك موصوفاً بها ، مريداً في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها فوجدت في أوقاتها كما أراده في أزله ، من غير تقدم ولا تأخر ، بل وقعت على وفق علمه وإرادته ، من غير تبدل ولا تغير ، دبر الأمور لا بترتيب الأفكار ولا تربص زمان ، فلذلك لم يشغله شأن عن شأن ، ‏وأنه تعالى سميع بصير ، يسمع ويرى ولا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفي ، ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دق ، ولا يحجب سمعه بُعد ولا يدفع رؤيته ظلام ، يرى من غير حدقة وأجفان ، ويسمع من غير أصمخة وآذان ، كما يعلم بغير قلب ، ويبطش بغير جارحة ، ويخلق بغير آلة ، إذ لا تشبه صفاته صفات الخلق ، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق ، وأنه تعالى متكلم آمر ناه ، واعد متوعد بكلام أزلي قديم قائم بذاته ، لا يشبه كلام الخلق ، فليس بصوت يحدث من انسلال هواء أو اصطكاك أجرام ، ولا بحرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان ، وأن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كتبه المنـزلة على رسله عليهم السلام ، وأن القرآن مقروء بالألسنة ، مكتوب في المصاحف ، محفوظ في القلوب ، وأنه مع ذلك قديم ، قائم بذات اللّه تعالى ، لا يقبل الانفصال والافتراق ، بالانتقال إلى القلوب والأوراق ، وأن موسى صلى اللّه عليه وسلم سمع كلام اللّه بغير صوت ولا حرف ، كما يرى الأبرار ذات اللّه تعالى في الآخرة من غير جوهر ولا عرض ......وأنه سبحانه وتعالى لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعله وفائض من عدله ، على أحسن الوجوه وأكملها ، وأتمها وأعدلها ، وأنه حكيم في أفعاله عادل في أقضيته ، لا يقاس عدله بعدل العباد ، إذ العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ملك غيره ولا يتصور الظلم من اللّه تعالى ، فإنه لا يصادف لغيره ملكاً حتى يكون تصرفه فيه ظلماً ، فكل ما سواه من إنسٍ وجن ومَلَكٍ وشيطان وسماءٍ وأرض وحيوانٍ ونبات وجماد وجوهرٍ وعَرَض ومدركٍ ومحسوس حادثٌ اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعا ، وأنشأه إنشاء بعد أن لم يكن شيئا ، إذ كان موجوداً وحده ولم يكن معه غيره ، فأحدث الخلق بعد ذلك إظهاراً لقدرته ، وتحقيقاً لما سبق من إرادته ، ولِمَا حق في الأزل من كلمته ، لا لافتقاره إليه وحاجته ، وأنه متفضل بالخلق والاختراع والتكليف لا عن وجوب ، ومتطول بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم ، فله الفضل والإحسان والنعمة والامتنان ، إذ كان قادراً على أن يصب على عباده أنواع العذاب ، ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب ، ولو فعل ذلك لكان منه عدلاً ولم يكن منه قبيحاً ولا ظلماً ، وأنه عز وجل يُثَبّت عبادَهُ المؤمنين على الطاعات بحكم الكرم والوعد ، لا بحكم الاستحقاق واللزوم ، إذ لا يجب عليه لأحد فعل ، ولا يتصور منه ظلم ، ولا يجب لأحد عليه حق ،  ( 6 ) وجاء في لوامع الأدلة للعقيدة للإمام أَبي حامدٍ الغَزَّالي وهو الفصل الثالث من كتاب قواعد العقائد  : ( وأما قولنا العالم حادث فبرهانه إن أجسام العالم لا تخلو عن الحركة والسكون وهما حادثان وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ففي هذا البرهان ثلاث دعاوي : ( الأولى ) : قولنا إن الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون وهذه مدركة بالبديهة والاضطرار فلا يحتاج فيها إلى تأمل وافتكار فإن من عقل جسما لا ساكنا ولا متحركا كان لمتن الجهل راكبا وعن نهج العقل ناكبا ، ( الثانية ) : قولنا إنهما حادثان ويدل على ذلك تعاقبهما ووجود البعض منهما بعد البعض وذلك مشاهد في جميع الأجسام ما شوهد منها وما لم يشاهد فما من ساكن إلا والعقل قاض بجواز حركته وما من متحرك إلا والعقل قاض بجواز حركته وما من متحرك إلا والعقل قاض بجواز سكونه فالطاريء منهما حادث لطريانه والسابق حادث لعدمه لأنه لو ثبت قدمه لاستحال عدمه على ما سيأتي بيانه وبرهانه في إثبات بقاء الصانع تعالى وتقدس ، ( الثالثة ) : قولنا ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وبرهانه أنه لو لم يكن كذلك لكان قبل كل حادث حوادث لا أول لها ولو لم تنقض تلك الحوادث بجملتها لا تنتهي النوبة إلى وجود الحادث الحاضر في الحال وانقضاء ما لا نهاية له محال ولأنه لو كان للفلك دورات لا نهاية لها لكان يخلو عددها عن أن تكون شفعا أو وترا أو شفعا ووترا جميعا أو لا شفعا ولا وترا ومحال أن تكون شفعا ووترا جميعا أو لا شفعا ولا وترا فإن ذلك جمع بين النفي والإثبات إذ في إثبات أحدهما نفي الآخر وفي نفي أحدهما إثبات الآخر ومحال أن يكون شفعا لأن الشفع يصير وترا بزيادة واحد وكيف يعوز ما لا نهاية له واحد ، ومحال أن يكون وترا إذ الوتر يصير شفعا بواحد فكيف يعوزها واحد مع أنه لا نهاية لأعدادها ومحال أن يكون لا شفعا ولا وترا إذ له نهاية فتحصل من هذا أن العالم لا يخلو عن الحوادث وما لا يخلو من الحوادث فهو إذا حادث وإذا ثبت حدوثه كان إفتقاره إلى المحدث من المدركات بالضرورة ... الأصل الرابع التنزه عن كونه جوهرا : العلم بأنه تعالى ليس بجوهر يتحيز بل يتعالى وبتقدس عن مناسبة الحيز  وبرهانه أن كل جوهر متحيز فهو مختص بحيزه ولا يخلو من أن يكون ساكنا فيه أو متحركا عنه فلا يخلو عن الحركة أو السكون وهما حادثان وما يخلو عن الحوادث فهو حادث ولو تصور جوهر متحيز قديم لكان يعقل قدم جواهر العالم فإن سماه مسم جوهرا ولم يرد به المتحيز كان مخطئا من حيث اللفظ لا من حيث المعنى ، ....  الأصل السابع قدم الكلام والصفات والتنزه عن حلول الحوادث : أعلم أن الكلام القائم بنفسه قديم وكذا جميع صفاته إذ يستحيل أن يكون محلا للحوادث داخلا تحت التغير بل يجب للصفات من نعوت القدم ما يجب للذات فلا تعتريه التغيرات ولا تحله الحادثات بل لم يزل في قدمه موصوفا بمحامد الصفات ولا يزال في أبده كذلك منزها عن تغير الحالات لأن ما كان محل الحوادث لا يخلو عنها وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وإنما ثبت نعت الحدوث للأجسام من حيث تعرضها للتغير وتقلب الأوصاف فكيف يكون خالقها مشاركا لها في قبول التغير وينبني على هذا أن كلامه قائم بذاته وإنما الحادث هي الأصوات الدالة عليه " أهــ  ، ( 7 ) وجاء في عقيدة الإمام ابن الحاجب رحمه الله  ( ت 646 هـ )  : "  بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ شَرْعًا أَنْ يَكُونَ عَلَى عَقْدٍ صَحِيحٍ فِي التَّوْحِيدِ، وَفِي صِفَاتِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَفِي تَصْدِيقِ رُسُلِهِ، فَيُؤْمِنَ بِأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ، وَلاَ نَظِيرَ لَهُ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، وَلاَ قَسِيمَ لَهُ فِي فِعْلِهِ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلُهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ، وَأَنَّ كُلَّ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَعَنْهُ صِدْقٌ. وَأَنَّ الإِيمَانَ هُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ التَّابِعُ لِلْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ عَلَى الأَصَحِّ، خِلاَفًا لِمَنْ قَالَ هُوَ المَعْرِفَةُ فقط ، وَلاَ يَكْفِي التَّقْلِيدُ فِي ذَلِكَ عَلَى الأَصَحِّ، فَلاَ بُدَّ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ التَّابِعِ لِلْمَعْرِفَةِ عَنْ مُسْتَنَدٍ جُمْلِيٍّ بِثُبُوتِ الصَّانِعِ وَوُجُودِهِ، وَوُجُوبِ وُجُودِهِ، وَثُبُوتِ قِدَمِهِ، وَعَدَمِ تَرْكِيبِهِ، وَعَدَمِ تَجْزِئَتِهِ، وَعَدَمِ حُلُولِهِ فِي المُتَحَيِّزِ، وَعَدَمِ اتِّحَادِهِ بِغَيْرِهِ، وَعَدَمِ حُلُولِهِ فِيهِ، وَاسْتِحَالَةِ كَوْنِهِ فِي جِهةٍ، وَاسْتِحَالَةِ قِيَامِ الحَوَادِثِ بِهِ، وَاسْتِحَالَةِ الآلاَمِ وَاللَّذَّاتِ عَلَيْهِ " أهــ ، ( 8 ) وجاء في كتاب الغنية في أصول الدين لأبي سعيد عبدالرحمن بن محمد النيسابوري ( ت : 478 هـ ) : " مسألة : لا يجوز قيام حادث بذات الباري تعالى : وزعمت الكرامية أنه يقوم بذات الباري تعالى قول حادث، وهو قوله للأشياء كن موجودًا أو عرضاً أو جوهراً فيحصل في الوجود ، فيحدث في نفسه أولاً هذا القول، ثم يحدث ذلك الشيء بعد حدوث هذا القول لا محالة حتى لو أراد أن لا يحدث ذلك كان مستحيلا ، ثم زعموا انه لا يتصف بهذا القول ولا يسمى به قائلا ، وإنما هو قائل بقائليةٍ قديمة، والقائلية عندهم القدرة على القول ، والدليل على بطلان قولهم، أنه لو قبٍل ذاته الحوادث لم يخل منها كما أن الجواهر لما قبلت الحوادث لم يتصور خلوها من الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، لأنهم قالوا يقوم بذاته قول حادث ثم لا يتصف به، ولو جاز قيام حادث بمحل من غير أن يتصف به المحل، لجاز في الشاهد أن يقوم بمحلٍّ قول وإرادة ،ثم لا يتصف بكونه قائلا ومريدا  ، ولأنه لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث لجاز أن يقوم بذاته لون حادث، لأن الحق تعالى جسم على قولهم وهو متحيز ومختص بجهة، ولا يتقرر في العقول جسم متحيز يخلو عن الألوان، ولجاز أن يقوم بذاته قدرة حادثة وعلم حادث ، فإن استدلوا بقوله تعالى : ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) فدل على أنه يحدث قولا عند إرادته خلق الأشياء ، فالجواب ، أن في الآية دلالة على أن قوله ليس بحادث، لأنه لو كان حادثاً لما جاز حدوثه إلا بقول آخر يسبقه، ثم القول الآخر أيضا لا يجوز حدوثه إلا بآخر يسبقه، لأنه حادث يريد وجوده وذلك يؤدي إلى التسلسل وإلى ما لا يتناهى وهو محال " أهــ ،   ( 9 ) وقال الإسفرائيني في كتابه التبصير  :  " وإذا تقرر هذه الجملة أن صفات الأجسام مخلوقة ثبت أن الأجسام مخلوقة لأن ما لا يخلو من الحوادث لا يستحق أن يكون محدثا بالكسر وما لا يستحق أن يكون محدثا كان محدثا بالفتح مثلها وقد نبه الله تعالى في كتابه على تحقيق هذه الدلالة وأثنى عليها وسماها حجة ومن علي الخليل إبراهيم عليه السلام بإلهام هذه الدلالة إياه وجعلها سببا لرفع درجته حيث قال : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين } إلى قوله  { نرفع درجات من نشاء إن ربك عليم حكيم } ،  استدل بالتغير على حدوث الكواكب والشمس والقمر ) [ التبصير في الدين ج : 1 ص : 154] ، وقال رحمه الله : " وأن تعلم أن الحوادث لا يجوز حلولها في ذاته وصفاته لأن ما كان محلا للحوادث لم يخل منها وإذا لم يخل كان محدثا مثلها ولهذا قال الخليل عليه الصلاة والسلام ( لا أحب الآفلين )    بين به أن من حل به من المعاني ما يغيره من حال إلى حال كان محدثا لا يصح أن يكون إلها      وأن تعلم أن كل ما دل على حدوث شيء من الحد والنهاية والمكان والجهة والسكون والحركة فهو مستحيل عليه سبحانه وتعالى لأن ما لا يكون محدثا لا يجوز عليه ما هو دليل على الحدوث وعليه يدل ما ذكرناها قبل في قصة الخليل عليه السلام " أهـ [ التبصير في الدين ج : 1 ص : 160 ، 161] ،  ( 10 ) وجاء في لمع الأدلة في قواعد أهل السنة والجماعة : " فصل : الرب سبحانه وتعالى يتقدس عن قبول الحوادث      وانفق على ذلك أهل الملل والنحل ، وخالف إجماع الأمة طائفة نبغوا من سجستان لقبوا بالكرامية  ، فزعموا أن الحوادث تطرأ على ذات الباري تعالى عن قولهم وهذا نص مذهب المجوس ، والدليل على استحالة قيام الحوادث بذات الباري تعالى أنها لو قامت به لم يخل عنها ، وما لم يخل عن الحوادث حادث " أهــ [  لمع الأدلة في قواعد أهل السنة والجماعة ج : 1 ص : 109 ] ، ( 11 ) وجاء في كتاب تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل : " باب في أنه لا يجوز أن يكون فاعل المحدثات محدثا ، ولا يجوز أن يكون فاعل المحدثات محدثا بل يجب أن يكون قديما والدليل على ذلك أنه لو كان محدثا لاحتاج إلى محدث لأن غيره من الحوادث إنما احتاج إلى محدث من حيث كان محدثا وكذلك القول في محدثه إن كان محدثا في وجوب حاجته إلى محدث آخر وذلك محال لأنه كان يستحيل وجود شيء من الحوادث إذا كان وجوده مشروطا بوجود ما لا غاية له من الحوادث شيئا قبل شيء وهذا هو الدليل على إبطال قول من زعم من أهل الدهر أن الحوادث لا أول لوجودها " أهــ [ تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل ج : 1 ص : 45 ] ، ( 12 ) وجاء في كتاب التبصير في الدين : " الباب الحادي عشر في تفصيل مقالات الكرامية وبيان فضائحهم : .. ومما ابتدعوه من الضلالات مما لم يتجاسر على اطلاقه قبلهم واحد من الأمم لعلمهم بافتضاحه هو قولهم بأن معبودهم محل الحوادث تحدث في ذاته أقواله وإرادته وإدراكه للمسموعات والمبصرات وسموا ذلك سمعا وتبصرا وكذلك قالوا تحدث في ذاته ملاقاته للصفحة العليا من العرش زعموا أن هذه أعراض تحدث في ذاته تعالى الله عن قولهم قالوا إن هذه الحوادث هي الخلق والقدرة تتعلق بهذه الحوادث والمخلوق يقع تحت الخلق لا تتعلق به القدرة فالخلق عندهم هو القدرة على التخليق وهو قوله لما يريد أن يخلقه كن جوهرا وهذا يوجب أن يحدث في ذاته كاف ونون وجيم وواو وهاء وراء والف وسمع وإرادة قالوا وإذا أراد إعدام شيء يقول له كن فيصير الشيء فانيا والإفناء والإعدام يكونان في ذاته لا يفنيان وهذا يوجب أن يكون الشيء موجودا معنى لوجود الإعدام والإيجاد في ذاته على زعمهم وإن قالوا إنهما يغنيان عن ذاته حكموا بتعاقب الحوادث وهو أول ما يستدل به على حدوث الأجسام كيف وقولهم يوجب أن الحوادث في ذاته سبحانه أضعاف الحوادث في العالم فإذا دلت حوادث العالم على حدوثه فما هو أضعاف تلك الحوادث أولى أن يدل على حدوث محلها ولم يجد هؤلاء في الأمم من يكون لهم القول بحدوث الحوادث في ذات الصانع غير المجوس فرتبوا مذهبهم على قولهم " [  التبصير في الدين ج : 1 ص : 111 ] ،  

 

***

( 7  )

تورط ابن تيمية في التجسيم والتمثيل عند الحديث عن صفة الكلام

وزعمه أن الله يتكلم بحرفٍ وصوتٍ وأنه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء

 

[  1  ] : من أخطاء ابن تيمية الجسيمة في العقيدة  : قياسه كلام الله تعالى على كلام البشر ، وجعل كلام الله تعالى متعلقا بمشيئته وإرادته فيتكلم متى شاء ويسكت متى شاء ، وجعله من الحوادث التي تحدث في ذات الله تعالى ، فقال في مجموع الفتاوى : ( ونحنُ لا نقولُ إنَّ الله كَلَّمَ موسَى بكلامٍ قديمٍ ولا بكلامٍ مخلوق  ، بلْ هو سبحانَه يتكلَّم إذا شاء ويسكتُ إذا شاء )   [ مجموع الفتاوى : ج1 : ص255 : 256] ، وقال أيضاً :  ( والقولُ الحقُّ الصَّحِيحُ أنَّ الله لم يزلْ مُتَكَلِّمًا بحروفٍ متعاقبةٍ لا مجتمعة ) أهــ [ موافقة صريح المعقول لصحيحِ المنقول : ج2 : ص151]  ، وقال في منهاج السنّة : " قولُنا بقيام الحوادث بالرَّبِّ إنما هو قولٌ له دليلُه من الشَّرْعِ والعقل " [ منهاج السُّـنَّةِ النبويَّة : ج1 : ص24] ، وهذا كله جهل وضلال منشؤه من قياس كلام الله تعالى الذي ليس كمثله شيء بكلام المخلوق الذي يتكلم ثم يسكت  ،  ونسي أنّ كلام الله تعالى من صفاته القديمة ، وأنّ صفات الله تعالى الذاتية لا تعلق للمشيئة والإرادة بها ، ومثال ذلك " صفة العلم " فإنّ الله تعالى بكل شيء عليم ، ولا يُقال أنّه سبحانه يعلم متى شاء ولا يعلم متى شاء ، وكذلك الكلام مثله في ذلك مثل العلم تماماً ، ولذلك قال أهل السنّة - لا أهل الحشو - : الله تعالى يَتَكَلَّمُ بكلامٍ ذاتيٍّ لا كما يخطر للبشر  ، يَتَكَلَّمُ بلا كيفيَّة  ، وكلامُه الذَّاتيُّ هذا ليس بحرفٍ ولا صوتٍ ولا لغة  ، ولا يَتَكَلَّمُ بكلامٍ مُبَعَّضٍ يَسْـبِـقُ بعضُه بعضًا ويتَأَخَّرُ بعضُه عن بعض  ، فلا يُوصَفُ بأنه يتعاقبُ أو يَتَقَطَّعُ أو يحُلُّ في الآذان  ، فما قاله ابن تيمية جهل وضلال وتشبيه وتكييف  ، لأنَّ الذي يَتَكَلَّمُ ثمَّ يسكتُ يستحيلُ في العقلِ أنْ يكونَ إلـٰـهًا  ، أليسَ السُّكُوتُ بعدَ الكلامِ علامةُ التغيُّر  ؟ وكَيْفَ يكونُ مَنْ يطرأ عليه تَغَـيُّـرٌ إلـٰـهًا  ،  واعتقادُ أهل السنّة - لا أهل الحشو - : أنَّ موسى سمعَ كلامَ الله الذَّاتيَّ الأزليَّ القائمَ بذاتهِ الْمُقَدَّسِ الْمُنَـزَّهَ عن الحرفِ والصَّوْتِ والحُلُولِ في الآذان  ، هذا هو اعتقادُ أهلِ السُّـنَّةِ والجماعة 

[  2  ] صفة الكلام عند أهل السنّة والجماعة : صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى واجبة له سبحانه ، وهي صفة محكة دل عليها العقل والنقل ، قال تعالى : { وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } [النساء : 164] ، وقـال تعالى :{ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } [ الكهف : 1، 9 ] ، ومن السُّنَّة : حديث احتجاج آدم وموسى وفيه : ( ( قال له آدم : يا موسى ! اصطفاك الله بكلامه ) ) ، [ أخرجه البخاري  ( 6614 )  ، ومسلم  ( 2652 )  ]  ، ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة الكلام : أنّ نعتقد أنّ كلام الله ليس كمثله كلام ، فهو أزلي أبدي قديم منزه عن الحدوث ، ليس له بداية لأنّه متعلق بذات الأول الذي ليس قبله شيء ، وليس له نهاية لأنّه متعلق بالآخر الذي ليس بعده شيء ، لا يطرأ عليه سكوت ، ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن وكلام الله تعالى أزلي أبدي ليس بمخلوق ولا يقال عنه أنه من صفات الفعل ولا يقال عنه أنه يتعلق بالمشيئة لأن هذا تكييف قياسا على كلام البشر والله عز وجل ليس كمثله شيء سبحانه ولا يعلم الله على حقيقته إلا الله ، ولأنّ صفة الكلام قديمة وكل ما تعلق بالمشيئة محدث مخلوق ، فمن قال يتكلم متى شاء كيفما شاء فقد جعل الكلام مخلوقا محدثا كان بعد أن لم يكن ، يتعلق بالزمان ويجري عليه زمان ، وهذا كله عجز ونقص يتنزه الله تعالى عنه ، ونحن لا نملك إلا أن نقول : العجز عن دَرَك الإدراك إدراكُ والكيف مخلوق ، والكيف يستحيل على الله  ، والله تعالى كما أنّه ليس كمثله شيء وليس كمثل ذاته ذات وليس كمثل صفاته صفات ، وكلامه سبحانه من صفاته ، فليس كمثل كلامه كلام ،  له الكمال المطلق ، والكمال المطلق لا يقبل النقصان وإلا انعدم الكمال ، ولا يقبل الزيادة وإلا كان قبل قبول الزيادة ناقصا عن تلك الزيادة ، وكمال كلام الله تعالى كمال مطلق ككمال ذاته وصفاته ، منزه عن أي نقص ، كمال يستحيل عليه الزيادة ولا النقصان  ، وليس كلامه تعالى وتقدس من جنس كلام البشر بحرف وصوت ، لأنّها أعراض حادثة يستحيل عليها القدم ، ولا يوصف كلام الله تعالى بجهر ولا سر ولا تقديم ولا تأخير ولا وقف ولا سكوت ولا وصل ولا فصل، لأن هـذا كله من صفات الحوادث ، وهى محالة عليه تعالى ، وكلامه أزلي قديم قائم بذاته لا يشبه كلام الخلق ، والقرآن الكريم الموجود بين أيدينا هو كلام الله الأزلي القديم ، أما التلاوة والورق والمداد فلا خلاف أنها مخلوقة لأن الورق مخلوق والطباعة مخلوقة والأحرف مخلوقة والكلمات التي نتكلم بها مخلوقة أما المتلو فهو القرآن الكريم كلام الله الأزلي القديم ، يسره الله تعالى لنا ، قال تعالى : { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } [ سورة القمر : تكرر ذكرها في السورة أربع مرات الآيات : 17 ، 22 ، 32 ، 40 ] ، ولقد أخطأ غير المتخصصين في عقائد المسلمين خطئا جسيماً عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالحس ، والحس لا يصلح في الإلهيات لأنها مبنية على نفي المماثلة ، فقالوا : صفة الكلام من صفات الفعل ، وهي صفة تابعة عندهم للمشيئة والقدرة ، بمعنى أنه يتكلم متى شاء بما شاء ، وهم لا يعلمون محاذير ذلك الخطأ الجسيم في حق صفة الكلام لله تعالى ، فإنهم جعلوا كلام الله تعالى متعلق بالقدرة والمشيئة ، يتكلم متى شاء ويسكت - سبحانه عما يقولون - متى شاء ، وبالتالي فإن صفة الكلام ليست قديمة أزلية ، بل محدثة ، وبالتالي فالقرآن الكريم - على لازم قولهم - مخلوق لأنه كان بعد أن لم يكن ، والصواب أن صفة القدرة لا تعلق لها بصفة الكلام ، تماماً مثل عدم تعلق القدرة بصفة العلم ، وكما أنه لا يصح أن نقول أن الله تعالى متى شاء لم يعلم ، كذلك لا يصح أن نقول أن الله تعالى متى شاء لم يتكلم ، فينفون عنه صفة الكلام في حال السكوت على ظنهم ، بل كما أنه لا حد لعلم الله تعالى ، فلا حد لكلام الله تعالى ، قال تعالى : { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } [ الكهف : 109 ] ، وكلام الله تعالى صفة قديمة أزلية منزهة عن الحدوث ، والقرآن كلام الله تعالى غير محدث ولا مخلوق ، تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا ، إنّ من فوائد علم التقديس وقواعد التنزيه تصفية الاعتقاد بنفي المثل عن الله وعن ذات الله وعن صفات الله ، ولو في دقائق الصفات ، فيصل طالب علم التقديس إلى مرتبة التنزيه العقلي والقلبي مع التنزيه اللساني ، ولسان حاله يقول بالعجز عن تصور الذات لأنه ليس كمثل ذات الله ذات ، وتصور حقائق الصفات لأنّ ليس كمثل صفاته صفات ، ومن فوائد دراسة علم التقديس والتنزيه ، والفهم الصحيح  ولأمثل للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء لله تعالى ، ويؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحانه ، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة ، ولله در العالم الرباني أبو عثمان المغربي ، حيث جاء في [طبقات الشافعية الكبرى ج : 9 ص : 42] :  ( وقال أبو عثمان المغربي كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبت إلى أصحابي بمكة أني أسلمت جديدا  ) أهـ  ، فهذا هو الأثر المرجو من تعلم علم التقديس والتنزيه والتسبيح ، والتقديس يتمثل في تنزيه ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله عن كل مثيل والاعتراف والإقرار بالعجز والقصور عن معرفة الذات وحقائق الصفات ، والإقرار بالعجز عن درك الإدراك ، وتصفية الاعتقاد عن كل شائبة تشبيه أو تمثيل أو تكييف فلا يبق في القلب والعقل إلا التنزيه المحض ، وهذا العلم من أشرف علوم الإسلام وأعلاها قدرا لأنّه يتعلق بالتقديس والتنزيه والتسبيح الذي قامت عليه السموات والأرض ، والملائكة وجميع الخلق ، قال تعالى : { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } [ الإسراء : 44 ] ، وقد تكرر التسبيح في القرآن بصورة تدعو إلى الاهتمام الشديد بمعناه ، ومعناه التنزيه والتقديس ونفي النقائص والعيوب ونفي المماثلة بينه وبين خلقه ، قال تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وقال تعالى : {  ولم يكن له كفوا أحد } ، ومن فوائد دراسة علم التقديس تصفية الاعتقاد من أدران التشبيه والتجسيم والتمثيل والتكييف ، ووضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم ، وكما أنّ لكل علم دقائقه التي تميز علماءه عن سائر العلماء في مجال التخصص ، ففي علم الفقه دقائقه التي تميز الفقهاء ، وفي علم الحديث دقائقه التي تميز المحدثين المتخصصين في علم الحديث ، فكذلك فإن علم التقديس والتنزيه  - على صعوبة هضمه وفهمه - يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال ، لا يدركها العامة من الناس لأنهم لا يستطيعون تصور أي شيء غير محسوس ، لغلبة الحس عليهم ، فيصعب عليهم تصور ذات لا أول لوجوده لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه ، ولهذا دائما ما يوسوس لهم الشيطان بقوله : ( هذا خلق الله ، فمن خلق الله ) ، ولا يتصورون ذاتا لا يحتاج إلى مكان ، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان ، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان ، ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليه زمان ، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان ، وكذلك لا يتصورون ذاتا إلا له حد ينتهي إليه ، ولا يتصورون ذاتاً لا حد له ، لأنّهم لم يروا مثل ذلك ، فينفونه ، ولا يقبلون سوى ما عرفوه بحسهم الغليظ ، ولا يتصورون كلاماً إلا يسبقه سكوت ويعقبه سكوت ، وهو في نفسه حادث له بداية وله نهاية ، وأنّه متعلق بالقدرة والمشيئة ، كما هو حال الإنسان يتكلم متى شاء ويسكت متى شاء ، ولا يتصورون كلاما إلا بحرف وصوت ، كما هو جنس كلام البشر بحروف تقبل التقديم والتأخير واللحن والأعراب ، وأصوات قد تكون عذبة رقيقة رائقة صافية مستطابة  مطربة ، وقد تكون مستقبحة ممجوجة مستوحشة ، تعالى الله تعالى عن تلك الأضداد والأعراض ، فالعامي والجاهل بعلم التقديس لا يتصور كلاما إلا بصوت قد يكون خافتا أو جهورا ، هكذا لأنّه لم ير غير ذلك ، ولا يتصور غير ذلك ، وعقله الباطن يقيس كل ما غاب عنه بما يُشاهده ، فيحكم باستحالة أن يكون الكلام بغير صوت ، ولو تدبر قوله تعالى : { وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [ المجادلة : 8 ] ، فقد نسب الله تعالى إليهم القول : { وَيَقُولُونَ } ، ولم يكن بصوت ، { فِي أَنْفُسِهِمْ } ، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد ، ولكن سمعهم الله السميع العليم ، فإذا جاز أن يُنسب إليهم قول النفس بلا صوت ، أفلا نقدس كلام الله تعالى عن أن يشبه كلام البشر ،  ولو تدبر قوله تعالى : { وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [ الملك : 13 ] ، لعلم أنّ القول منه ما هو بصوت يُسمع ، ومنه ما هو ليس بصوت فلا يُسمع ، فقول النفس : { وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ } ، قول ليس بصوت ولا يُسمع ،  وقول الجهر بصوت يُسمع : { أَوِ اجْهَرُوا بِهِ } ، فلماذا المكابرة والجهل ومعاداة أهل القرآن وأهل التخصص العلمي في العقيدة ، والمكابرة بزعم أن القول لا يكون إلا بصوت وأنّ القول لابد وأن يُسمع وإلا لم يكن قولا ، وهذا القرآن ينطق بذلك ، ولو تدبر قوله تعالى : { فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ } [ يوسف : 77 ] ، لعلم أنّ من القول قول السر : { فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ } ، فالقول قول النفس لأنّ يوسف عليه السلام لم يقل لهم هذا القول وإنما قاله في نفسه فقد ، وعبر عنه القرآن الكريم بقوله : { قَالَ } ، ومثله تماماً قوله تعالى : { يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا } [ آل عمران : 154 ] ، فالقول هاهنا هو القول النفسي بغير صوت ، ولو تدبر قوله تعالى : { أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ } [ الزخرف : 80 ] ، فالله تعالى يسمع السر وأخفى ، والسمع هاهنا لا يُشترط له الصوت ، فلماذا التشنيع على أهل الأصول والتخصص ،

[  3  ] : قال الكوثري عند تحقيق كتاب السيف الصقيل في الرد على أخطاء نونية ابن القيم ] : ( واعتقاد الصوت في كلام الله خطر جداً، وكان الإمام عز الدين بن عبد السلام ابتلي بالمبتدعة الصوتية في عهد الملك الأشرف موسى, ابن الملك العادل الأيوبي، وكان الملك الأشرف هذا يميل إليهم ويعتقد فيهم أنهم على صواب حيث كان يخالطهم منذ صغره حتى منع العز المذكور من الإفتاء بسبب هذه المسألة كما هو مشروح مفصل في مطلب الأديب لأبي بكر بن علي الحسيني السيوطي، وفي طبقات التاج ابن السبكي وطبقات التقي التميمي، وفي خلاصة الكلام في مسألة الكلام للشيخ محمد عبد اللطيف ابن العز المذكور - وقد نقلت الرسالة الأخيرة من خط المؤلف -  واستمر منعه من الإفتاء إلى أن ركب الإمام الكبير جمال الدين الحصيري -  شارح الجامع الكبير، وشيخ الفقهاء في عصره -  وتوجه إلى الملك الأشرف وأفهمه أن الحق مع العز، وقال له : إن ما في فتياه هو اعتقاد المسلمين وكل ما فيها صحيح ومن خالف ذلك فهو حمار ، وكان الجمال الحصيري عظيم المنـزلة عند الملك لجلالة قدره عند جماهير أهل العلم، فأطلق الإفتاء للعز ومنع الصوتية من مزاعم الحرف والصوت في كلام الله سبحانه ، [فتاوى في الرد على القائلين بالحرف والصوت] : وأرى من النصح للمسلمين أن أنقل هنا أجوبة الإمام العز بن عبد السلام والإمام جمال الدين أبي عمرو عثمان بن الحاجب المالكي، والإمام علم الدين أبي الحسن على بن محمد السخاوي, مؤلف "جمال القراء وكمال الإقراء" حينما استفتوا في هذه المسألة، ومكانتهم السامية في العلم معروفة ، ونص السؤال والأجوبة كما هو مدون في "نجم المهتدي ورجم المعتدي" للفخر بن المعلم القرشي كالآتي : ( صورة السؤال ) : ما يقول السادة الفقهاء رضي الله عنهم في كلام الله القديم القائم بذاته ؟ هل يجوز أن يقال إنه عين صوت القارئ وحروفه المقطعة، وعين الأشكال التي يصورها الكاتب في المصحف ؟ وهل يجوز أن يقال إن كلام الله القديم القائم بذاته حروف وأصوات على المعنى الظاهر فيها وإنه عين ما جعله الله معجزة لرسوله صلى الله عليه وسلم  ؟ وما الذي يجب على من اعتقد جميع ذلك وأذاعه وغرّ به ضعفاء المسلمين  ؟ وهل يحل للعلماء المعتبرين إذا علموا أن ذلك قد شاع أن يسكتوا عن بيان الحق في ذلك وإظهاره والرد على من أظهر ذلك واعتقد  ؟ أفتونا مأجورين ، ( صورة جواب الإمام عز الدين بن عبد السلام رحمه الله ) : القرآن كلام الله صفة من صفاته قديم بقدمه، ليس بحروف ولا أصوات ومن زعم أن الوصف القديم هو عين أصوات القارئين وكتابة الكاتبين فقد ألحدَ في الدين وخالف إجماع المسلمين، بل إجماع العقلاء من غير أهل الدين، ولا يحل للعلماء كتمان الحق ولا ترك البدع سارية في المسلمين، ويجب على ولاة الأمر إعانة العلماء المنـزهين الموحدين، وقمع المبتدعة المشبهين المجسمين ، ومن زعم أن المعجزة قديمة فقد جهل حقيقتها ، ولا يحل لولاة الأمر تمكين أمثال هؤلاء من إفساد عقائد المسلمين، ويجب عليهم أن يلزموهم بتصحيح عقائدهم بمباحثة العلماء المعتبرين، فإن لم يفعلوا ألجئوا إلى ذلك بالحبس والضرب والتعزير، والله أعلم ، كتبه عبد العزيز بن عبد السلام ،  و ( صورة جواب الإمام جمال الدين أبي عمرو عثمان بن الحاجب المالكي ) : من زعم أن أصوات القارئ وحروفه المتقطعة والأشكال التي يصورها الكاتب في المصحف هي نفس كلام الله تعالى القديم فقد ارتكب بدعة عظيمة وخالف الضرورة وسقطت مكالمته في المناظرة فيه، ولا يستقيم أن يقال : إن كلام الله تعالى القديم القائم بذاته هو الذي جعله الله معجزة لرسولهصلى الله عليه وسلم، فإن ذلك يعلم بأدنى نظر، وإذا شاع ذلك أو سئل عنه العلماء وجب عليهم بيان الحق في ذلك وإظهاره ويجب على من له الأمر وفقه الله أخذ من يعتقد ذلك ويغر به ضعفاء المسلمين وزجره وتأديبه وحبسه عن مخالطة من يخاف منه إضلاله إلى أن يظهر توبته عن اعتقاد مثل هذه الخرافات التي تأباها العقول السليمة، والله أعلم ، كتب عثمان بن أبي بكر الحاجب ، و ( صورة جواب الإمام علم الدين أبي الحسن علي السخاوي ) : كلام الله عز وجل قديم صفة من صفاته ليس بمخلوق، وأصوات القراء وحروف المصاحف أمر خارج عن ذلك، ولهذا يقال : صوت قبيح وقراءة غير حسنة وخط قبيح غير جيد، ولو كان ذلك كلام الله لم يجز ذمُّه على ما ذكر؛ لأن أصوات القراء به تختلف باختلاف مخارجها والله تعالى منـزه عن ذلك ، والقرآن عندنا مكتوب في المصاحف متلو في المحاريب محفوظ في الصدور غير حال في شيء من ذلك، والمصحف عندنا معظم محترم لا يجوز للمحدث مسه، ومن استخف به أو ازدراه فهو كافر مباح الدم ، والصفة القديمة القائمة بذاته سبحانه وتعالى ليست المعجزة، لأن المعجزة ما تحدى به الرسول صلى الله عليه وسلم وطالب بالإتيان بمثله ومعلوم أنه لم يتحدهم بصفة الباري القديمة، ولا طالبهم بالإتيان بمثلها، ومن اعتقد ذلك وصرح به أو دعا إليه فهو ضال مبتدع، بل خارج عما عليه العقلاء إلى تخليط المجانين، والواجب على علماء المسلمين إذا ظهرت هذه البدعة إخمادها وتبيين الحق والله أعلم ، علي السخاوي ، انظر يا رعاك الله كيف كان العلماء يتكاتفون في قمع البدع وإحقاق الحق على اختلاف مذاهبهم في تلك العصور الزاهرة، بخلاف غالب أهل العلم في زماننا هذا، فإن لهم منازع وراء اختلاف المذاهب لا يهمهم ذيوع الباطل وقد خانوا دينهم الذي ائتمنهم الله عليه، وبه يعيشون، ويوم الخائنين يوم رهيب ، وكانت تلك الفتنة بالشام في النصف الأول من القرن السابع الهجري، وقد وقع مثلها في النصف الأخير من القرن السادس بمصر، وفتنة القاهرة معروفة بفتنة ابن مرزوق وابن الكيزاني وكلاهما من حشوية الحنابلة، وظن التاج ابن السبكي ابن الكيزاني من الشافعية فترجم له في طبقاته تبعاً لابن خلكان، فلا بأس في الإشارة هنا إلى فتاوى علماء ذلك العصر في حقهما ، وصورة الاستفتاء في شأنهما : ما قولكم في الحشوية الذين على مذهب ابن مرزوق وابن الكيزاني اللذين يعتقدان أن الله سبحانه يتكلم بحرف وصوت، تعالى الله عن ذلك، وأن أفعال العباد قديمة، هل تنفذ أحكامهم على أهل التوحيد وعامة المسلمين وهل تقبل شهادتهم على المسلمين أم لا ؟ ( جواب الإمام شهاب الدين أبي الفتح محمد بن محمود الطوسي الشافعي صاحب الوقائع مع ابن نجية الحنبلي ) : تقبل شهادة عدو لهم على أصحابهم ولا تسمع شهاداتهم على أهل الحق من الموحدين ولا ينفذ حكم قاضيهم على الموحدين فإنهم أعداء الحق – والله أعلم. كتبه محمد الطوسي ، و ( جواب الإمام يوسف الأرموي ) : ما نص عليهم أعلاه اقترفوا حوبة عظيمة يجب عليهم القفول عما اعتقدوه، وهم كفار عند أكثر المتكلمين وكيف يسوغ قبول أقوالهم ؟ ويجب على مَنْ إليه الأمر إحضارهم واستتابتهم عمَّا هم عليه، فإن تابوا وإلا قتلوا، وحكمهم في الاستتابة حكم المرتد في إمهاله ثلاثة أيام ولا يقتل في الحال ، كتبه يوسف الأرموي ، و ( جواب الخطيب أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الحموي ) : من اعتقد أن أفعال العباد قديمة فقد قال قولا يلزم منه القول بقدم العالم ومن قال بقدم العالم فهو كافر لا تصح ولايته ولا تقبل شهادته والله أعلم، كتبه محمد بن إبراهيم الحموي ، و ( استفتاء آخر صورته ) : ما قول الفقهاء الأئمة قادة علماء هذه الأمة أدام الله إرشادهم ووفق إصدارهم وإيرادهم في الحشوية الذين على مذهب ابن مرزوق وابن الكيزاني؛ اللذين يعتقدان أن الله سبحانه متكلم بحرف وصوت، وأن أفعال العباد قديمة، هل تقبل شهادتهم على أهل الحق الموحدين الأشعرية، وهل تنفذ أحكام قضائهم على الأشعرية أم لا ؟ ( جواب الإمام أبي المنصور ظافر بن الحسين الأزدي المالكي ) : لا تقبل شهادة من يقول : إن الله تعالى يتكلم بحرف وصوت؛ لأنهم مرتكبون كبيرة هي أعظم من سائر المعاصي كالزنا وشرب الخمر لأنها كبيرة تتعلق بأصل من أصول الدين ، وكتب ظافر بن حين الأزدي ،و ( جواب شارح المذهب أبي إسحاق إبراهيم العراقي ) جوابي كذلك ، كتبه إبراهيم العراقي ، و ( جواب الخطيب محمد بن إبراهيم الحموي ) : من قال إن الله متكلم بحرف وصوت فقد قال قولاً يلزم منه أن الله جسم, ومن قال : إنه جسم فقد قال بحدوثه، ومن قال بحدوثه فقد كفر، والكافر لا تصح ولا تقبل شهادته، والله أعلم ، كتبه محمد بن إبراهيم الحموي ، و ( جواب الشيخ جمال الدين بن رشيق المالكي ) : لا تقبل شهادتهم ولا يجوز أن يولوا الحكم ولا غيره من المناصب الدينية، لأنهم بين جاهل يصر على جهله بما يتعين عليه اعتقاده من صفات الله سبحانه وبين عالم معاند للحق، ومن هذه صفته يتعين تأديبه وزجره عما صار إليه بأبلغ الأدب، ومن جملته رد الشهادة وبالله التوفيق، كتب حسين بن عتيق بن رشيق ، و ( جواب الشيخ محيى الدين محمد بن أبي بكر الفارسي ) : من قال إن الله سبحانه متكلم بالصوت والحرف فقد أثبت الجسمية وصار بقوله مجسماً، والمجسم كافر، ومن قال إن أفعال العباد قديمة فقد كذب الله تعالى في قوله {والله خلقكم وما تعلمون} [الآية : 96 من سورة الصافات] ومكذب الله بصفة الإصرار كافر؛ ولا تثبت عدالتهم ولا تقبل شهادتهم ولا تجوز الصلاة خلفهم، ويجب على الإمام وعلى نوابه في الأقاليم استتابتهم، فإن لم يرجعوا عما هم فيه من الكفر يعاقبهم على كفرهم أو يقبل الجزية منهم أذلاء، لا كاليهود والنصارى بل كفرهم أشنع وأبشع من مقالة النصارى واليهود، أما اليهود فشبهوه بالحادث صفة، وأما النصارى فقالوا إنه جوهر شريف والمجسمة يثبتون الجسم لله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً ، و ( كتب محمد الفارسي ) : وفي تلك الفتاوى ما ينـزجز به من يخاف مقام ربه من تلك البدع الشنيعة، وبها يعلم أيضاً أن أبا عمرو عثمان بن مرزوق الحنبلي وأبا عبد الله الكيزاني الحنبلي مشتركان في إثارة البدع المذكورة بمصر، ولا مانع من أن يكون بينهما بعض اختلاف في فرع من فروع تلك البدع، ومَنْ حاول تبرئة أحدهما منها فلا حجة عنده أصلاً ، وقد تكلف ابن رجب في طبقاته تبرئة ابن مرزوق عن ذلك بدون جدوى بعد أن أقر بذلك الناصح الحنبلي وابن القطيعي الحنبلي، ولو كان ابن رجب رأى تلك النصوص من فتاوى علماء عصر ابن مرزوق وابن الكيزاني المنقولة عن خطوطهم المحفوظة في خزانة الملك الظاهر بيبرس لما سعى في تبرئة ساحته من تلك البدعة الشنيعة ، ونسبة القول بتلك البدعة إلى ابن الكيزاني في مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي لا تبرئ ابن مرزوق منها، على أن ابن رجب قال بعد ذلك : ثم وجدت لأبي عمرو بن مرزوق مصنفاً في أصول الدين، ورأيته يقول فيه إن الإيمان غير مخلوق، أقواله وأفعاله وإن حركات العباد مخلوقة، لكن القديم يظهر فيها كظهور الكلام في ألفاظ العباد اهـ ، هذا طراز آخر في التخريف !! يدل على أنه قائل بالحلول على مذهب السالمية؛ ومثله لا يمكن ترقيع كلامه ، ووقعت بين الفتنتين فتنة عبد الغني المقدسي الحنبلي في الصوت ونحوه كما في ذيل الروضتين لأبي شامة فليراجع هناك ، وما حدث في القرن الخامس ببغداد في عهد أبي نصر بن القشيري من فتنة الحشوية فمشهور جداً. والمحضر الذي رفعه أبو إسحاق الشيرازي والحسين بن محمد الطبري ومحمد بن أحمد الشاشي والحسين بن أحمد البغدادي وعزيزي بن عبد الملك شيذلة، وغيرهم من أئمة العصر عن تلك الفتنة بخطوطهم إلى نظام الملك، مسجل في تبيين كذب المفترى لابن عساكر  ( ص 310 )  فيراجع هناك، ليُعلم مبلغ سعي الحشوية في إثارة الفتن في كل قرن وذلك مما يعرق به جبين الدهر خجلاً من تخريفاتهم التي يتبرأ منها العقلاء كلهم ، وأما ما أحدثوه من الفتن في أوائل القرن الرابع من الدعوة إلى القول بإجلاس محمد صلى الله عليه وسلم على العرش في جنبه تعالى، فمدوَّن في كتب التاريخ ، والمرسوم الذي أصدره الراضي العباسي ضد البربهاري الداعي إلى تلك البدعة مسجل في تاريخ ابن الأثير بنصه وفصه، فليراجع القارئ الكريم هذا وذاك ليعلم نصيب الحشوية من العقل والدين وكلا الكتابين بمتناول الأيدي، فنستغني عن نقل نصوص عنهما ، وفي كل ما تقدم عبر، ويالها من عبر، والله سبحانه هو الهادي إلى سواء السبيل ،  وقال أيضاً : بل من قال إن كلام معبوده حرف وصت قائمان به فهو الذي نحت عجلا جسداً له خوار يحمل أشياعه على تعبده، قال أبو بكر ابن العربي في العارضة : " لا يحل لمسلم أن يعتقد أن كلام الله صوت وحرف لا من طريق العقل ولا من طريق الشرع. فأما طريق العقل فلأنه الصوت والحرف مخلوقان محصوران، وكلام الله يجل عن ذلك كله. وأما من طريق الشرع فلأنه لم يرد في كلام الله صوت وحرف من طريق صحيحة؛ ولهذا لم نجد طريقاً صحيحة لحديث ابن أنيس وابن مسعود اهـ" ، وأنت تعلم مبلغ استبحار ابن العربي في الحديث. و"جزء الصوت" للحافظ أبي الحسن المقدسي لا يدع أي متمسك في الروايات في هذا الصدد لهؤلاء الزائغين. ومن رأى نصوص فتاوى العز بن عبد السلام وابن الحاجب والجمال الحصيري والعلم السخاوي ومن قبلهم ومن بعدهم من أهل الحق كما هو مدون في نجم المهتدي ودفع الشبه وغيرهما يعلم مبلغ الخطورة في دعوى أن كلام الله حرف وصوت قائمان به تعالى. وقد سبق نقل بعض النصوص منها ولا تصح نسبة الصوت إلى الله إلا نسبة ملك وخلق؛ لكنّ هؤلاء السخفاء رغم تضافر البراهين ضدهم ودثور الآثار التي يريدون البناء عليها يعاندون الحق, ويظنون أن كلام الله من قبيل كلام البشر الذي هو كيفية اهتزازية تحصل للهواء من ضغطه باللهاة واللسان؛ تعالى الله عن ذلك. ويدور أمرهم بين التشبيه بالصنم أو التشبيه بابن آدم { أولئك كالأنعام بل هم أضل } [الأعراف : 179] ] ، في عدم الكلام هم أهل تعطيل وتشبيه معاً بالجامدات تسعون وجها يبطل المعنى الذي قلتم هو النفس للقرآن ) ، ولا وجه واحد ،  [  قال المحقق : وقد صح عن أحمد فيما جاوب به المتوكل وغيره كما هو مذكور في كتاب "السنة" و"عيون التواريخ" وغيرهما أنه كان يقول القرآن من علم الله وعلم الله غير مخلوق فالقرآن غير مخلوق. وهذا دليل على أنه كان يريد بالقرآن ما هو قائم بالله، وتابعه ابن حزم في "الفصل"، فقوله تعالى { فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا}[يوسف :77] فقال إما بدل من أسر أو استئناف بياني وعلى التقديرين تدل الآية على أن للنفس كلاما لقوله في نفسه  ( كما حكى القرآن الكريم ) {أنتم شر مكانا}؛ وكذلك قوله تعالى : {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم} [الزخرف  : 80] وفي الحديث "السر ما أسره ابن آدم في نفسه" وقوله تعالى { … يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا } [آل عمران : 154] أي يقولون في أنفسهم بدليل السياق وقوله تعالى { واذكر ربك في نفسك }[الأعراف : 205] ، كل ذلك من أدلة الكلام النفسي؛ وحديث أم سلمة في الطبراني في رجل سأل النبي صلى الله عليه وسلم قائلا :  ( إني لأحدث نفسي بالشيء لو تكلمت به لأحبطت أجري )  فقال صلى الله عليه وسلم  : لا يلقى ذلك الكلام إلا مؤمن. وما في الحديث القدسي  ( فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي )  من أدلة الكلام النفسي أيضاً وقد أقر الذهبي بحجية الأخير في ذلك في كتاب "العلو" له. ومن الدليل على ذلك أيضاً قوله تعالى { ويقولون في أنفسهم } [المجادلة :8] فقوله تعالى { بألسنتهم } و { بأفواههم } في قوله تعالى { يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم}[الفتح : 11] و { يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم}[آل عمران : 167] لم يجعل القول باللسان مجازاً حتى يظن المجازية في القول في النفس تمسكا بلفظ { في أنفسهم} كما توهم بعض أهل الأهواء. وقول عمر الفاروق  ( زورت في نفسي كلاما )  أشهر من نار على علم؛ فمن رد أن يكون كلام في النفس رد على تلك الأدلة الصريحة. والحامل لأهل الحق على القول بالكلام النفسي هو إجماع التابعين على القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق؛ فخرَّجوا إجماعهم هذا على هذا الوجه المعقول وإلا لما صح قولهم. وتسفيه أحلام التابعين جميعاً لا يصدر إلا عن مجازف. فالفرق بين ما هو قائم بالخلق والمعنى القائم بالله سبحانه هو المخلص الوحيد في هذه المسألة؛ فاللفظي حديث والنفسي قديم كما أشار إلى هذا وإلى ذاك إمام الأئمة أبو حنيفة وتابعه أهل الحق. ويتضح بهذا البيان الواضح أن قول بعض زهاد الحشوية في هذا البحث : " نحن نستدل في الحرف والصوت بقوله تعالى { كهيعص }[مريم :1] ونحوه وقول النبي صلى الله عليه وسلم  ( يجمع الله الخلائق يوم القيامة … )  وخصومنا يستدلون بقول الأخطل النصراني  ( إن البيان لفي الفؤاد )  بتحريف البيان إلى الكلام " هراء بعيد عن الحقيقة بعد الأرض عن السماء وهراء لا يصدر إلا من السفهاء. ومثل هذا السفه حمل بعض الشافعية أن يشترط في مدرسة بناها بدمشق أن لا يطأ أرضها يهودي ولا نصراني ولا حشوي حنبلي كما في "الدارس في تاريخ المدارس" وقانا الله شر الغلو ) أهــ

[  4  ] نقلاً عن مبحث الرد على ابن تيمية في قوله أن الله يتكلم بحرف وصوت من موقع أهل السنّة والجماعة ، جاء فيه  : [[ من جملة افتراءات ابن تيمية على أئمة الحديث وأهل السُّنة والجماعة نقله عنهم أن الله متكلم بصوت نوعه قديم أي يحدث في ذات الله شيئا بعد شيء قال في كتابه رسالة في صفة الكلام  [ ( ص :  51 ) ] : " وحينئذٍ فكلامه قديم مع أنه يتكلم بمشيئته وقدرته وإن قيل إنه ينادي ويتكلم بصوت ولا يلزم من ذلك قدم صوت معين ، وإذا كان قد تكلم بالتوراة والقرآن والإنجيل بمشيئته وقدرته لم يمتنع أن يتكلم بالباء قبل السين ، وإن كان نوع الباء والسين قديمًا لم يستلزم أن يكون الباء المعينة والسين المعينة قديمة لما علم من الفرق بين النوع والعين"  أهـ ،  وقال فيه أيضاً [ ( ص :  54 ) ] : " وقال الشيخ الإمام أبو الحسن محمد ابن عبد الملك الكرخي الشافعي في كتابه الذي سمّاه الفصول في الأصول : سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد يقول : سمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن أحمد يقول : سمعت الشيخ أبا حامد الإسفرايني يقول : مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرءان كلام الله غير مخلوق ومن قال إنه مخلوق فهو كافر ، والقرآن حمله جبريل عليه السلام مسموعًا من الله والنبي سمعه من جبريل والصحابة سمعوه من رسول الله  ( صلّى الله عليه وسلّم ) وهو الذى نتلوه نحن مقروء بألسنتنا وفيما بين الدفتين وما في صدورنا مسموعًا ومكتوبًا ومحفوظًا ومقروءًا وكل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" أهـ ، وقال في المنهاج  [ ( 1 :  221 ) ] : " وسابعها قول من يقول إنه لم يزل متكلمًا إذا شاء بكلام يقوم به وهو متكلم بصوت يسمع وإن نوع الكلام قديم وإن لم يجعل نفس الصوت المعين قديمًا وهذا هو المأثور عن أئمة الحديث والسُّنة وبالجملة أهل السُّنة والجماعة أهل الحديث "  ، اهـ ، وقال في الموافقة [ ( 2 :  143 ) ] : " وإذا قال السلف والأئمة إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء فقد أثبتوا أنه لم يتجدد له كونه متكلمًا ، بل نفس تكلمه بمشيئته قديم وإن كان يتكلم شيئا بعد شيء ، فتعاقب الكلام لا يقتضي حدوث نوعه إلا إذا وجب تناهي المقدورات المرادات "  اهـ ، وقال فيه أيضاً [ ( 2 :  151 ) ] : " فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له صف لنا كلام ربك فقال : سبحان الله وهل أستطيع أن أصفه لكم ، قالوا : فشبهه ، قال : هل سمعتم أصوات الصواعق التي ، تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله "  اهـ ، وقال فيه أيضاً [ ( 4 :  107 ) ] : " وحينئذ فيكون الحق هو القول الآخر وهو أنه لم يزل متكلمًا بحروف متعاقبة لا مجتمعة"  اهـ ، وقال في مجموع الفتاوى  [ ( 6 :  160 ) ] : " فعلم أن قدمه عنده أنه لم يزل إذا شاء تكلم وإذا شاء سكت ، لم يتجدد له وصف القدرة على الكلام التي هي صفة كمال ، كما لم يتجدد له وصف القدرة على المغفرة ، وإن كان الكمال هو أن يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء"  اهـ ،  وقال فيه ايضا [ ( 6 :  234 ) ] : " وفي الصحيح : إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات كجر السلسلة على الصفوان "  ، فقوله :"  إذا تكلم الله بالوحي سمع يدل على أنه " يتكلم به حين يسمعونه ، وذلك ينفي كونه أزليًا ، وأيضا فما يكون كجر السلسلة على الصفا ، يكون شيئا بعد شيء والمسبوق بغيره لا يكون أزليًا "  اهـ ، وقال فيه أيضًا [ ( 5 :  556- 557 )  ] : " وجمهور المسلمين يقولون : إن القرءان العربي كلام الله ، وقد تكلـم الله به بحرف وصوت ، فقالوا : إن الحروف والأصوات قديمة الأعيان ، أو الحروف بلا أصوات ، وإن الباء والسين والميم مع تعاقبها في ذاتها فهي أزلية الأعيان لم تزل ولا تزال كـما بسطت الكلام على أقوال الناس في القرءان في موضع آخر"  اهـ ، وقال في [  مجموعة تفسير ست سور  ( ص :  311 ) ] : "  وقولهم ، " إن المحدَث يفتقر إلى إحداث وهلم جرا هذا يستلزم التسلسل في الآثار مثل كونه متكلمًا بكلام بعد كلام ، وكلمات الله لا نهاية لها ، وأن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء ، وهذا قول أئمة السنة ، وهو الحق الذي يدل عليه النقل والعقل "  اهـ ،  أقول : فلا يغتر مطالع كتبه بنسبة هذا  ( الرأي الفاسد إلى أئمة أهل السنة وذلك دأبه أن ينسب رأيه الذي يراه ويهواه إلى أئمة أهل السُّنة ، وليعلم الناظر في مؤلفاته أن هذا تلبيس وتمويه محض يريد أن يروجه على ضعفاء العقول الذين لا يوفقون بين العقل والنقل ، وقد قال الموفقون من أهل الحديث وغيرهم إن ما يحيله العقل فلا يصح أن يكون هو شرع الله كما قال ذلك الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي : إن الشرع لا يأتي إلا بمجوزات العقول ، وبهذا يردّ الخبر الصحيح الإسناد أي إذا لم يقبل التأويل كما قاله علماء المصطلح في بيان ما يعلم به كون الحديث موضوعًا ، وأيّدوا ذلك بأن العقل شاهد الشرع فكيف يرد الشرع بما يكذبه شاهده ، فمن قال : إن الله يتكلم بصوت ، وقال : إنه صوت أزلي أبدي ليس فيه تعاقب الحروف فلا يُكَفَّر إن كان نيته كما يقول ، وإلا فهو كافر كسائر المشبهة ، وأما أحاديث الصوت فليس فيها ما يحتج به في العقائد ، وقد ورد حديث مختلف في بعض رواته وهو عبد الله بن محمد بن عقيل  ، روى حديثه البخاري  بصيغة التمريض ، قال : ويُذكر ، وفيه :  ( فينادى بصوت فيسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ ، أنا الملك أنا الديّان "  ، وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض من أجل راويه هذا [  أخرجه عن ابن عقيل البخاري في الأدب المفرد : باب المعانقة ، وأخرجه البخاري بي صحيحه : كتاب التوحيد : باب قول الله تعالى :  ( وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) الآية ذكره تعليقًا بغير إسناد  ] ، قال الحافظ ابن حجر  [  فتح الباري بثرح صحيح البخاري  ( 1 :  174- 175 ) ] : " ونظر البخاري أدق من أن يعترض عليه بمثل هذا فإنه حيث ذكر الارتحال فقط جزم به لأنّ الإسناد حسن وقد اعتضد ، وحيث ذكر طرفًا من المتن لم يجزم به لأن لفظ الصوت مما يتوقف في إطلاق نسبته إلى الرب ويحتاج إلى تأويل ، فلا يكفي فيه مجيء الحديث من طريق مختلف- فيها ولو اعتضدت "  أهــ ، أي لا يكفي ذلك في مسائل الاعتقاد وإن كان البخاري ذكر أوله في كتاب العلم  بصيغة الجزم لأنه ليس- فيه ذكر الصوت ، إنما فيه ذكر رحيل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أُتَيْس من المدينة إلى مصر [  أخرجه البخاري في صحيحه تعليقًا : كتاب العلم : باب الخروج في طلب العلم ] ،  والحديث الآخر  أخرجه البخاري في صحيحه : كتاب التوحيد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال النبي  ( صلّى الله عليه وسلّم ) : " يقول الله يوم القيامة : يا آدم ، فيقول : لبيّك وسعديك ، فينادى بصوت : إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار"  ، هذا اللفظ رواه رواة البخاري على وجهين ، بعضهم رواه بكسر الدال وبعضهم رواه بفتح الدال ، قال الحافظ ابن حجر  [ فتح الباري  ( 13 :  460 ) ] : " ووقع فينادي مضبوطًا للأكثر بكسر الدال ، وفي رواية أبي ذر بفتحها على البناء للمجهول ، ولا محذور في رواية الجمهور ، فإن قرينة قوله : إن الله يأمرك ، تدل ظاهرًا على أن المنادي ملك يأمره الله بأن ينادي بذلك "  اهـ ، وهذا الحديث رواه البخاري موصولاً مسندًا ، لكنه ليس صريحًا في إثبات الصوت صفة لله فلا حجة فيه لذلك للصوتية ، قال الحافظ ابن حجر  [ فتح الباري  ( 458 : 13 ) ] : " قال البيهقي : اختلف الحفاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيل لسوء حفظه ، ولم يثبت لفظ الصوت في حديث صحيح عن النبي غير حديثه ، فإن كان ثابتا فإنه يرجع إلى غيره في حديث ابن مسعود  [  يعني به قوله : " إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات شيئا ، فإذا فُزّع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحقّ ، ونادوا ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق" - رواه البخاري- وفي حديث أبي هريرة عن النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) أنه قال : "  إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملاتكة بأجنحتها خضعانًا لقوله ، كانه سلسلة على صفوان ، قال علي وقال غيره صفوان ينفذهم ذلك ، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الحقّ وهو العلي الكبير" - رواه البخاري- ] ، وفي حديث أبي هريرة أن الملائكة يسمعون عند حصول الوحي صوتًا ، فيحتمل أن يكون الصوت للسماء أو للملك الآتي بالوحي أو لأجنحة الملائكة ، وإذا احتمل ذلك لم يكن نصًّا في المسألة ، وأشار- يعني البيهقي- في موضع آخر إلى أن الراوي أراد فينادي نداء فعبر عنه بصوت "  أهــ ،  قال الكوثري في مقالاته  [ ص : 33 ] :  " ولم يصح في نسبة الصوت إلى الله حديث "  اهـ ،  وقال البيهقي في الأسماء والصفات  [  ص : 273 ] : " فليس فيها - أي أحاديث الصوت - ما يصح الاحتجاج به لإثبات الصفات " أهــ ، لأن حديث الصفات لا يقبل إلا أن يكون رواته كلهم متفقًا على توثيقهم ، وهذه الروايات المذكورة في فتح الباري في كتاب التوحيد ليست على هذا الشرط الذي لا بدّ من حصوله لأحاديث الصفات كما ذكره صاحب الفتح في كتاب العلم ، لكنه خالف في موضع بما أورده في كتاب التوحيد من قوله : بعد صحة الأحاديث يتعين القول بإثبات الصوت له ويؤول على أنه صوت لا يستلزم المخارج ، ثم قال الكوثري : " وقد أفاض الحافظ أبو الحسن المقدسي شيخ المنذري في رسالة خاصة في تبيين بطلان الروايات في ذلك زيادة على ما يوجبه الدليل العقلي القاضي بتنزيه الله عن حلول الحوادث فيه سبحانه ، وإن أجاز ذلك الشيخ الحراني تبعا لابن ملكا اليهودي الفيلسوف المتمسلم ، حتى اجترأ على أن يزعم أن اللفظ حادث شخصًا قديم نوعًا ، يعني أن اللفظ صادر منه تعالى بالحرف والصوت فيكون حادثا حتمًا ، لكن ما من لفظ إلا وقبله لفظ صدر منه إلى ما لا أول له فيكون قديمًا بالنوع ، ويكون قدمه بهذا الاعتبار في نظر هذا المخرف ، تعالى الله عن إفك الأفّاكين ، ولم يدر المسكين بطلان القول بحلول الحوادث في الله جل شأنه وأن القول بحوادث لا أوّل لها هذيان ، لأن الحركة انتقال من حالة إلى حالة ، فهي تقتضي بحسب ماهيتها كونها مسبوقة بالغير ، والأزل ينافي كونه مسبوقا بالغير ، فوجب أن يكون الجمع بينهما محالا ، ولأنه لا وجود للنوع إلا في ضمن أفراده ، فادعاء قدم النوع مع الاعتراف بحدوث الأفراد يكون ظاهر البطلان ، وقد أجاد الرد عليه العلاّمة قاسم في كلامه على المسايرة "  أهــ ، قلت : وقد ذكر الفقيه المتكلم ابن المعلم القرشي في كتابه نجم المهتدي ورجم المعتدي أثناء ترجمة الحافظ ناصر السنة أبي الحسن علي ابن أبي المكارم المقدسي المالكي ما نصه  [ نجم المهتدي ورجم المعتدي (ص/ 249)، مخطوط ] : "  كان صحيح الاعتقاد مخالفا للطائفة التي تزعم أنها أثرية ، صنف كتابه المعروف بكتاب الأصوات أظهر فيه تضعيف رواة أحاديث الأصوات وأوهاهم ، وحكى الشيخ تقي الدين شرف الحفاظ عن والده مجد الدين قال بأنه بلغ رتبة المجتهدين"  ! اهـ ، فلا يصحُّ حمل ما ورد في النصّ من النداء المضافِ إلى الله تعالى في حديث " يحشر الله العباد فيناديهم بصوت ،"  على الصوتِ على معنى خروجه من الله ، فتمسُّك المشبهة بالظاهر لاعتقاد ذلك تمويه لا يروج إلا عند سُخفاء العقول الذين حُرموا منفعة العقل الذي جعل الشرع له اعتبارًا ، وهل عُرِفت المعجزة أنها دليل على صحة نبوة من أتى بها من الأنبياء إلا بالعقل ؟ وقال- أي الكوثري- في تعليقه على السيف الصقيل ما نصه  [  أنظر الكتاب (ص/52 ) ] : " وحديث جابر المعلق في صحيح البخاري مع ضعفه في سياق ما بعده من حديث أبي سعيد ما يدل على أن المنادي غير الله حيث يقول ( ، فينادى بصوت إن الله يأمرك ،"  فيكون الإسناد مجازيًا ، على أن الناظم يعني ابن زفيل وهو ابن قيم الجوزية ، ساق في " حادي الأرواح "  بطريق الدارقطني حديثا فيه : " يبعث الله يوم القيامة مناديًا بصوت ، ،"  وهذا نص من النبي  ( صلّى الله عليه وسلّم ) على أن الإسناد في الحديث السابق مجازي ، وهكذا يخرب الناظم بيته بيده وبأيدي المسلمين ، وللحافظ أبي الحسن المقدسي جزء في تبيين وجوه الضعف في أحاديث الصوت فليراجع ثمة" اهـ ، وهناك حديث ءاخر  : ( إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات شيئًا"  ، [  أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى (وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)، الآية ] ، ورواه أبو داود [  أخرجه أبو داود في سننه: كتاب السنة: باب في القرءان  ] بلفظ : " سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفوان"  ، وهذا قد يحتج به المشبهة ، وليس لهم فيه حجة لأن الصوت خارجٌ من السماء ، فالحديث فسر الحديث بأن الصوت للسماء ، فتبين أن قول الحافظ ابن حجر في موضع من الشرح : إن إسناد الصوت إلى الله ثبت بهذه الأحاديث الصحيحة فيه نظر فليُتأمل ، قال الشيباني في شرح الطحاوية  [شرح الطحاوية (ص/ 14)، مخطوط ] ما نصه : " والحرف والصوت مخلوق ، خلق الله تعالى ليحصل به التفاهم والتخاطب لحاجة العباد إلى ذلك أي الحروف والأصوات ، والبارئ سبحانه وتعالى وكلامه مستغن عن ذلك أي عن الحروف والأصوات ، وهو معنى قوله : " ومن وصف الله تعالى بمعنى من معاني البشر فقد كفر"  اهـ ،  [ قول ابن تيمية ان الله يتكلم بحرف وصوت والردّ عليه ] :  فإذا قال قائل إن بعض اللغويين قال : النداء الصوت ، قلنا ليس مراد من قال ذلك أن النداء لا يكون في لغة العرب في جميع الموارد إلا بالصوت ، وإنما المراد أنه في غالب الاستعمال يكون بالصوت ، وقد قال ءاخرون من اللغويين : النداء طلب الإقبالِ ، فليعلم المغفلون الآن ما جهلوه من أن قول السلف عند ذكر تلك الآيات وتلك الأحاديث بلا كيف معناه ليس على ما يفهمه الناس من صفات المخلوقين ، ولو كان يصح أن يكون قول الله تعالى :  ( وَجَآءَ رَبُّك ) ( سورة الفجر : 22 ) ، المجيء المعهود من الخلق ما قال الإمام أحمد في هذه الآية :  ( وَجَآءَ رَبُّك  ) إنما جاءت قدرته ، قال القرطبي في التذكرة [  التذكرة في أحوال الموتى وأمرر الاخرة  ( ص :  338- 339 )  ] : فصل : قوله في الحديث : " فيناديهم بصوت"  : استدل به من قال بالحرف والصوت وأن الله يتكلم بذلك ، تعالى عما يقول المجسمون والجاحدون علوًا كبيرًا ، إنما يُحمل النداء المضاف إلى الله تعالى على نداء بعض الملائكة المقربين بإذن الله تعالى وأمره ، ومثل ذلك سائغ في الكلام غير مستنكر أن يقول القائل : نادى الأمير ، وبلغني نداء الأمير ، كما قال تعالى :  ( وَنَادَى فِرْعَونُ فِي قَوْمِهِ )  ( سورة الزخرف : 51 ) ، وإنما المراد نادى المنادي عن أمره ، وأصدر نداءه عن إذنه ، وهو كقولهم أيضًا قتل الأمير فلانًا ، وضرب فلانًا ، وليس المراد توليَه لهذه الأفعال وتصديَهُ لهذه الأعمال ، ولكن المقصود صدورها عن أمره ، وقد ورد في صحيح الأحاديث أن الملائكة ينادون على رؤوس الأشهاد فيخاطبون أهل التقى والرشاد : ألا إن فلان ابن فلان كما تقدم ، ومثله ما جاء في حديث النزول مفسرًا فيما أخرجه النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه وأبي سعيد قالا : قال رسول الله : "  إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديًا ، يقول : هل من داع يستجاب له ، هل من مستغفر يغفر له ، هل من سائل يعطى صححه أبو محمد عبد الحق ، وكل حديث اشتمل على ذكر الصوت أو النداء فهذا التأويل فيه ، وأن ذلك من باب حذف المضاف ، والدليل على ذلك ما ثبت من قِدَم كلام الله تعالى على ما هو مذكور في كتب الديانات ، فإن قال بعض الأغبياء : لا وجه لحمل الحديث على ما ذكرتموه فإن فيه : " أنا الديّان"  ، وليس يصدر هذا الكلام حقًّا وصدقًا إلا من رب العالمين ؟ قيل له : إن الملَكَ إذا كان يقول عن الله تعالى ويُنْبِىءُ عنه فالحكم يرجع إلى الله رب العالمين ، والدليل عليه أن الواحد منا إذا تلا قول الله تعالى :  ( إنًّنِي أَنَا الله )  ( سورة طه : 14 ) ، فليس يرجع إلى القارئ وإنما القارئ ذاكر لكلام الله تعالى ودالُّ عليه بأصواته وهذا بَيّنٌ ) "  اهـ ، قلت : وهذا له أيضًا دليل قوي في الصحيح  [  أخرجه البخاري في صحيحه : كتاب مناقب الأنصار ، باب المعراج ] في حديث المعراج الذي ذكر فيه تخفيف الخمسين صلاة إلى خمس قوله  ( صلّى الله عليه وسلّم ) : "  فلما جاوزت ناداني منادٍ : أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي "  ، فما أراد رسول الله بقوله : " ناداني"  إلا المَلَك ، فإذا ثبت هذا النداء من المَلَك مبلغًا عن الله فلا يمتنع أن ينادي المَلَك بتلك الجمل الثلاث :  ( هل من داع يستجاب له ، هل من مستغفر يغفر له ، هل من سائل يعطى"  ، فبطل استنكار أن يكون هذا اللفظ من المَلَك في حديث النزول ، فأين تذهب المشبهة ، وتبع ابن تيمية الكرامية في ذلك في قوله إن الله تقوم به كلمات تحدث في ذاته من وقت بعده وقت وهكذا على الاستمرار ، يقول : فكلامه تعالى قديم النوع حادث الأفراد كما قالت الكرامية ، وينسب هذا المذهب الرديء الذي أخذه من الكرامية إلى أئمة أهل الحديث ، وأئمة أهل الحديث على خلاف ما يدعيه وما يقول ، فإن معتقدهم أن ذات الله تعالى لا تحدث فيه صفة تتجدد من وقت إلى وقت ، تتجدد في مرور الأوقات ، ويكفي في ذلك ما ذكره الحافظ الطحاوي الشهير ناسبًا ذلك إلى معتقد أبي حنيفة وصاحبيه ومن كان في تلك العصور من الأئمة ، لأنه ألف عقيدته هذه المشهورة لبيان ما عليه أهل السنة وليس لبيان ما هو معتقده الخاص ، وأما ما احتج به ابن تيمية موهمًا أن أئمة الحديث على ذلك فإنما هو قول بعض المشبهة من الحنابلة وغيرهم ، وليس هؤلاء الذين يعتمد عليهم في تلك المنزلة في الحديث لأنه يعتمد على مثل أبي إسماعيل الهروي السجزي وعثمان بن سعيد الدارمي ، وأما ما يذكره عن ابن المبارك فهو- غير ثابت إسنادًا ، وقد نص أبو حنيفة رضي الله عنه على أن الله تعالى متكلم بكلام ليس حرفًا ولا صوتًا ، وكل الحفاظ المنتسبين إلى مذهبه على هذا ، وكذا الحفاظ المشاهير المنتسبون إلى الشافعي على هذا ، وكذلك حفاظ المالكية ومتقدمو الحنابلة ، فكيف يتجرأ ابن تيمية على نسبة هذا إلى أئمة الحديث موهمًا أن هذا مما أجمعوا عليه ، وكثيرًا ما ينقل اتفاق العلماء على أشياء انفرد هو بها ،  ويكفي أهل السنة دليلأ على أن الله تعالى لا يتكلم بالحرف والصوت ما أنزله الله في القرءان وهو قوله تعالى :  ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ )  ( سورة التكوير : 19 ) ، يعني أن القرءان الذي هو اللفظ المنزل مقروء جبريل ليس مقروء الله ، والى هذا أشار الطحاوي في عقيدته بقوله : " وأن القرءان كلام الله منه بدا بلا كيفية قولا"  ، والمراد بقوله : " بلا كيفية قولا ، نفي أن يكون الله تعالى يتكلم بالحرف والصوت كما يتكلم العباد لأنه هو الذي نفاه بقوله " بلا كيفية"  ، وإلا فلو كان الله قرأ القرءان على جبريل بالحرف والصوت لم يقل " بلا كيفية"  لأن الحروف كيفيات ، سبحان الله الذي يقفل قلوب من شاء من عباده عن فهم الحق ، وأما قول الطحاوي : " منه بدا"  ، فليس معناه أن الله أحدثه في ذاته بعد أن لم يكن يتكلم به ، إنما معناه منزل من عنده ، أي نزل به جبريل بأمر الله ، وأما قول الله تعالى :  ( مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ )  ( سورة لقمان : 27 )  ، فالجمع ليس لأن كلام الله حروف متعاقبة ، إنما ذكر بالجمع في الآية للتعظيم أي لتعظيم كلامه كما قال البيهقي في الأسماء والصفات  [  الأسماء والصفات (ص/313 ] : " مع كونه في الخقيقة واحدًا لا تعدد فيه ، شامل لكل متعلقاته من الواجب والجائز والمستحيل ، لأن الكلام معناه الإخبار والذِّكر ، ولا يُقاس صفة من صفات الله بصفات غيره ، فمن قاس كلام الله الأزلي الشامل للواجب العقلي والجائز العقلي والمستحيل العقلي على كلام العباد فقد شبهه بخلقه ، ومنشأ ضلالة المشبهة أنهم قاسوا ذاته الذي ليس حجمًا وجسمًا بذوات الخلق فأثبتوا له الحيز والشكل ، وقاسوا صفاته بصفات خلقه فجعلوها حادثة وهذا يشهد عليهم بأنهم لم يفهموا قول الله :  ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) ، فائدة جليلة : من الدليل على ، أن اللفظ المنزل المتألف من الحروف لا يجوز أن يكون كلام الله الأزلي القائم بذاته ما ثبت أن الله تعالى يكلم كل فرد من أفراد العباد يوم القيامة ، فلو كان الله تبارك وتعالى يكلمهم بصوت وحرف لم يكن حسابه لعباده سريعًا ، والله تبارك وتعالى وصف نفسه بأنه سريع الحساب ، ولو كان كلام الله تعالى بحرف وأصوات لكان أبطأ الحاسبين ، وهذا ضد الآية التي فيها إن الله أسرع ، لحاسبين قال الله تعالى :  ( ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ )  ( الأنـعام : 62 ) ، فـلا يتحقق معنى أسرع الحاسبين إلا على مذهب أهل السنة أن الله متكلم بكلام أزلي بغير حرف ولا صوت ، وذلك لأن عدد الجن والإنس كثير لا يحصيهم إلا الله ، ومن الجن من يعيش آلافا من السنين ، ومن الإنس من عاش ألفي سنة فأكثر ، فقد عاش ذو القرنين في ملكه ألفي عام كما قال الشاعر العربي : " الصّعبُ ذو القرنين أمسى ملكُه ألفيـن عامًـا ثـم صار رميـما " ، ومن الإنس أيضًا يأجوج ومأجوج كما ورد في الحديث أنهم من ولد ءادم ، وورد أنهم أكثر أهل النار كما روى البخاري ، وورد أنه لا يموت أحدهم حتى يلد ألفًا لصلبه كما رواه ابن حبان والنسائي [ أنظر الإحسان (1/ 292)، والسنن الكبرى: كتاب التفسير: تفسير سورة الأنبياء  ] ، وهؤلاء يحاسبهم الله على أقوالهم مع كثرتهم الكثيرة ويكلم كل فرد منهم تكليمًا بلا ترجمان ، ويحاسبهم على عقائدهم ونواياهم وأفعالهم ، فلا بد أن يأخذ حسابهم على موجب قول المشبهة الذين يقولون كلام الله حرف وصوت يتكلم من وقت إلى وقت ثم من وقت إلى وقت مدة واسعة جدًّا ، فعلى موجب كلامهم يستغرق ذلك جملة مدة القيامة التي هي خمسون ألف سنة ، وعلى قولهم هذا لم يكن الله أسرع الحاسبين وهو وصف نفسه بأنه أسرع الحاسبين كما تقدم ، فقول المشبهة يؤدي إلى خلاف القرءان وذلك محال ، وما أدى إلى المحال محال ، وأما قول أهل السنة إن كلام الله ليس متجزئًا فيفهمون من كلامه الذي ليس بحرف وصوت وغير متجزىء في ساعة واحدة  ، فيتحقق على ذلك أنه أسرع الحاسبين ، ( فائدة أخرى ) : قال الشيخ الإمام المتكلم ابن المعلم القرشي في كتابه نجم المهتدي  [  نجم المهتدي ورجم المعتدي (ص/ 559)، مخطوط ] ما نصه :"  قال الشيخ الإمام أبو علي الحسن بن عطاء في أثناء جواب عن سؤال وجه إليه سنة إحدى وثمانين وأربعمائة : الحروف مسبوق بعضها ببعض ، والمسبوق لا يتقرر في العقول أنه قديم ، فإن القديم لا ابتداء لوجوده وما من حرف وصوت إلا وله ابتداء ، وصفات البارىء جلّ جلاله قديمة لا ابتداء لوجودها ، ومن تكلم بالحروف يترتب كلامه ومن ترتب كلامه يشغله كلام عن كلام ، والله تبارك وتعالى لا يشغله كلام عن كلام ، وهو سبحانه يحاسب الخلق يوم القيامة في ساعة واحدة ، فدفعة واحدة يسمع كل واحد من كلامه خطابه إياه ، ولو كان كلامه بحرف ما لم يتفرغ عن يا إبراهيم ولا يقدر أن يقول يا محمد فيكون الخلق محبوسين ينتظرون فراغه من واحد إلى واحد وهذا محال" اهـ ، فالحاصل أنه ليس في إثبات الصوت لثه تعالى حديث مع الصحة المعتبرة في أحاديث الصفات ، لأن أمر الصفات يُحتاط فيه ما لا يحتاط في غيره ، ويدل على ذلك رواية البخاري القدر الذي ليس فيه ذكر الصوت من حديث جابر هذا بصيغة الجزم ، وروايته للقدر الذي فيه ذكر الصوت بصيغة التمريض ، فتحصّلَ أن في أحاديث الصفات مذهبين : أحدهما : اشتراط أن يكون في درجة المشهور ، وهو ما رواه ثلاثة عن ثلاثة فأكثر ، وهو ما عليه أبو حنيفة وأتباعه من الماتريدية ، وقد احتج أبو حنيفة رضي الله عنه في رسائله التي ألفها في الاعتقاد بنحو أربعين حديثا من قبيل المشهور ، والثاني : ما ذهب إليه أهل التنزيه من المحدثين ، وهو اشتراط أن يكون الراوي متففا على ثقته ، فهذان المذهبان لا بأس بكليهما ، وأما الثالث وهو ما نزل عن ذلك فلا يحتج به لإثبات الصفات ، وهناك قاعدةُ تناسب هذا المطْلب وهي ما ذكرها الحافظ الخطيب أبو بكر البغدادي قال : " يُردّ الحديث الصحيح الإسناد لأمور : أن يخالف القرءان أو السنة المتواترة ، أو العقل "  قال : " لأن الشرع لا يأتي إلا بمُجَوَّزات العقول " [  الفقيه والمتفقه (1/ 133- 133 ] ، والخطيب البغدادي  أحد حفاظ الحديث السبعة الذين نوه علماء الحديث في كتب المصطلح بهم ، وهم أصحاب الكتب الخمسة والبيهقي وهذا الخطيب البغدادي ، وهو مذكور في كتاب تدريب الراوي  [  تدريب الراوي  ( 1 :  276 ) ] من كتب مصطلح الحديث وغيره ، وللذهبي عبارة موافقة للمذهب الثاني من المذاهب الثلاثة ، وإن كان يتساهل بإيراد أحاديث غير ثابتة وءاثارٍ من كلام التابعينَ ونحوهم من غير تَبيين لحالها من حيث الإِسناد والمتن في بعض ما يذكره ، وذلك في كتابه العلو للعلي الغفار فليحذر فإن ضرره على مطالعه عظيم ، قال الإمام الإسفراييني ذاكرًا عقيدة أهل السنة والجماعة [  التبصير في الدين  ( ص :  102 ) ] : " وأن تعلم أن كلام الله تعالى ليسى بحرف ولا صوت لأن الحرف والصوت يتضمنان جواز التقدم والتأخر ، وذلك مستحيل على القديم سبحانه "  اهـ ، وقال ملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر [شرح الفقه الأكبر  ( ص : 29- 35 ) ] : " ومبتدعة الحنابلة قالوا : كلامه حروف وأصوات تقوم بذاته وهو قديم ، وبالغ بعضهم جهلاً حتى قال : الجلد والقرطاس قديمان فضلاً عن الصحف ، وهذا قول باطل بالضرورة ومكابرة للحس للإحساس بتقدم الباء على السين في بسم الله ونحوه"  اهـ ، وقال أيضا [شرح الفقه الأكبر  ( ص :  41 ) ] : " وقد ذكر المشايخ رحمهم الله تعالى أنه يقال : القرءان كلام الله غير مخلوق ، ولا يقال القرءان غير مخلوق لئلا يسبق إلى الفهم أن المؤلف من الأصوات والحروف قديم كما ذهب إليه بعض جهلة الحنابلة"  اهـ ،

 

***

( 8  )

عجز ابن تيمية عن تحديد دائرة المتشابه الصحيحة

بسبب ذهوله عن علم التقديس الذي لم يدرسه على يد متخصص

 

( 1 ) الدليل على وجود المحكم والمتشابه : قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [ آل عمران : 7 ، 8 ] ، ( 2 ) خطورة ترك المحكم والاشتغال بالمتشابه : قال تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ } ، وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، قالَتْ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( ( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم ) )  [ البخاري : ح ( 4547 ) ، مسلم : ح ( 2665 ) ] ، ( 3 ) ماهي دائرة المتشابه : في آية آل عمران السابقة وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وفي الحديث السابق والمتفق علي صحته حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ، وعلى ذلك  فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين ، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم ، والأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه : جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية ، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية ( المعتزلة )  في جهة والجبرية في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة ، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى ، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ، وطريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق  في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه ،,ورد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء  أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها ، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده ، قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ، ( 4 ) من الذي يعلم المتشابه : قال تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 ] ، جميع من تكلم في تفسير القرآن نقل اختلاف العلماء في تحديد من الذي يعلم المتشابه ، فمن قال أن الوقف لازم عند لفظ الجلالة { الله } من قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ } ، قال : لا يعلم المتشابه إلا الله وحده ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ( أي المتشابه ) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ( أي المحكم والمتشابه ) فنعمل بالمحكم ونفوض علم المتشابه إلى الله ، وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو قول :عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم من التابعين ، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم من أهل اللغة ، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس رحمه الله ، ومن قال أنّ الوقف عند لفظ الراسخون في العلم من قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } قال : إنّ الله تعالى رزق الراسخين في العلم علم المتشابه ، وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم من التابعين ، [ أنظر تفسير القرطبي والطبري وابن كثير في تفسير الآية ] ، ( 5 ) القول الفصل في تلك المسألة : من المتشابه ما لا يعلمه إلا الله تعالى وهو كل ما يتعلق بحقيقة ذات الله تعالى وحقيقة صفاته وحقيقة أفعاله ومنها سر القضاء والقدر الذي لا يعلم حقيقته إلا الله ، وذلك لأنّ الله تعالى ليس كمثله شيء ، وليس له مثال يُقاس عليه ، وكل ما يحكم البشر والخلق من قوانين ونواميس فهي من خلق الله تعالى ووضعه ، ومحال أن تسري هذه النواميس والقوانين على الله تعالى خالقها وخالق كل شيء ، فلا يكون في مكان ، ولا يحيط به مكان ولا يسري عليه زمان ، ولا ينتقل من مكان إلى آخر ، لأنه محال أن يحل في شيء من مخلوقاته ومن مخلوقاته الزمان والمكان والحركة والسكون ، وهو بكل شيء محيط وهو من كل شيء قريب وهو على كل شيء قدير ، ليس كمثله شيء ، ومهمة العلماء تجاه هذا المتشابه هو الإيمان وتفويض العلم الحقيقي فيه إلى الله وحده ، لأنّه لا قبل لمخلوق في إدراك ذات الخالق وحقائق صفات الخالق ، وللعلماء دور آخر مهم وهو تقليل أثر المتشابه وذلك بعدم تتبعه ، وحمله ما أمكن على محكمه ، وتفويض حقائق علمه إلى الله وحده ، ومن المتشابه ما يمكن أن يعلمه العلماء مع الاجتهاد والاستنباط وإعمال الجهد في فهم النصوص ، وحمل المتشابه على المحكم ،  ومثال ذلك كل ما يتعلق بالدين نفسه في مسائل الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والسنّة والبدعة ، وعموم مسائل الأسماء والأحكام مما لا يتعلق بحقائق ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، ومن هذا التفصيل نعلم أن كلا القولين صحيح بالوقف على : لفظ الجلالة ( الله ) أو بالوقف على : ( الراسخون في العلم ) ، ولكن وفق طبيعة المتشابه ونوعيه ، إذ منه ما لا يعلمه سوى الله وحده ، ومنه ما يعلمه الراسخون في العلم مع الاجتهاد والاستنباط ، ( 6 ) أمثلة ودرر من أقوال العلماء فيما يتعلق بالمحكم والمتشابه في باب الصفات والأخبار :   قال السيوطي في كتابه القيم الجامع " الإتقان في علوم القرآن " :  ( من المتشابه آيات الصفات ولابن اللبان فيها تصنيف مفرد نحو { الرحمن على العرش استوى  } ، { كل شيء هالك إلا وجهه } ، { ويبقى وجه ربك } ، { ولتصنع على عيني } ، { يد الله فوق أيديهم } ، { والسموات مطويات بيمينه } ، وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها ،  أخرج أبو القاسم اللالكائي في السنن عن طريق قرة بن خالد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة في قوله تعالى : { الرحمن على العرش استوى } ، قالت الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإقرار به من الإيمان والجحود به كفر   ،  وأخرج أيضا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سئل عن قوله : { الرحمن على العرش استوى } ، فقال الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ المبين وعلينا التصديق  ،  وأخرج أيضا عن مالك أنه سئل عن الآية فقال :  الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة  ،  وأخرج البيهقي عنه أنه قال : هو كما وصف نفسه ولا يقال كيف وكيف عنه مرفوع   ، وأخرج اللالكائي عن محمد بن الحسن قال إتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه   ،  وقال الترمذي في الكلام على حديث الرؤية المذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم قالوا : نروي هذه الأحاديث كما جاءت ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم   ،  وذهبت طائفة من أهل السنة على أننا نؤولها على ما يليق بجلاله تعالى وهذا مذهب الخلف  ،  وكان إمام الحرمين يذهب إليه ثم رجع عنه فقال في الرسالة النظامية الذي نرتضيه دينا وندين الله به عقدا إتباع سلف الأمة فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعانيها   ، وقال ابن الصلاح على هذه الطريقة مضى صدر الأمة وساداتها وإياها اختار أئمة الفقهاء وقاداتها وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدق عنها ويأباها   ،  واختار ابن برهان مذهب التأويل قال : ومنشأ الخلاف بين الفريقين هل يجوز أن يكون في القرآن شيء لم نعلم معناه أو لا بل يعلمه الراسخون في العلم   ، وتوسط ابن دقيق العيد : فقال إذا كان التأويل قريبا من لسان العرب لم ينكر أو بعيدا توقفنا عنه وآمنا بمعناه على الوجه الذي أريد به مع التنزيه قال وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهرا مفهوما من تخاطب العرب قلنا به من غير توقيف كما في قوله تعالى : { يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله } ، فنحمله على حق الله وما يجب له ) أهـ [ الإتقان ج : 2 ص : 13 ] ، ثم أطال رحمه الله - بعد ذلك - في ذكر تأويلات أهل السنّة للمتشابه من الصفات ، وذكر منها الاستواء والنفس والوجه والعين واليد والمحبة والغضب والعندية والمكان ،  وقال الإمام الزرقاني في كتابه القيم : البرهان في علوم القرآن :  ( النوع السابع والثلاثون  : في حكم الآيات المتشابهات الواردة في الصفات ،  وقد اختلف الناس في الوارد منها في الآيات والأحاديث على ثلاث فرق  ،  أحدها : أنه لا مدخل للتأويل فيها بل تجري على ظاهرها ولا تؤول شيئا منها وهم المشبهة ،  والثاني : أن لها تأويلا ولكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن الشبه والتعطيل ونقول لا يعلمه إلا الله وهو قول السلف ،  والثالث أنها مؤولة وأولوها على ما يليق به ، والأول باطل والأخيران منقولان عن الصحابة فنقل الإمساك عن أم سلمة أنها سئلت عن الاستواء فقالت : الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وكذلك سئل عنه مالك فأجاب بما قالته أم سلمة إلا أنه زاد فيها أن من عاد إلى هذا السؤال عنه أضرب عنقه وكذلك سئل سفيان الثوري فقال : أفهم من قوله : { الرحمن على العرش استوى }  ما أفهم من قوله : {  ثم استوى إلى السماء } ،  وسئل الأوزاعي عن تفسير هذه الآية فقال : الرحمن على العرش استوى  كما قال وإني لأراك ضالا ، وسئل ابن راهويه عن الاستواء أقائم هو أم قاعد فقال لا يمل القيام حتى يقعد ولا يمل القعود حتى يقوم وأنت إلى هذا السؤال أحوج ،  قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وسادتها ، وإياها اختار أئمة الفقهاء وقادتها وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها   وأفصح الغزالي عنهم في غير موضع بتهجين ما سواها حتى ألجم آخرا في إلجامه كل عالم أو عامي عما عداها  ،  قال وهو كتاب إلجام العوام عن علم الكلام ، آخر تصانيف الغزالي مطلقا آخر تصانيفه في أصول الدين حث فيه على مذاهب السلف ومن تبعهم   وممن نقل عنه التأويل علي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم   وقال الغزالي في كتاب التفرقة بين الإسلام والزندقة : إن الإمام أحمد أول في ثلاثة مواضع ، وأنكر ذلك عليه بعض المتأخرين   قلت وقد حكى ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى تأويل أحمد في قوله تعالى : { أو يأتي ربك } ،  قال وهل هو إلا أمره بدليل قوله : { أو يأتي أمر ربك } ،  واختار ابن برهان وغيره من الأشعرية التأويل قال ومنشأ الخلاف بين الفريقين أنه هل يجوز في القرآن شيء لا يعلم معناه فعندهم يجوز فلهذا منعوا التأويل واعتقدوا التنزيه على ما يعلمه الله ،  وعندنا لا يجوز ذلك بل الراسخون يعلمونه  ، قلت : وإنما حملهم على التأويل وجوب حمل الكلام على خلاف المفهوم من حقيقته لقيام الأدلة على استحالة المتشابه والجسمية في حق البارئ تعالى والخوض في مثل هذه الأمور خطره عظيم وليس بين المعقول والمنقول تغاير في الأصول بل التغاير إنما يكون في الألفاظ واستعمال المجاز لغة العرب وإنما قلنا لا تغاير بينهما في الأصول لما علم بالدليل أن العقل لا يكذب ما ورد به الشرع إذ لا يرد الشرع بما لا يفهمه العقل إذ هو دليل الشرع وكونه حقا ولو تصور كذب العقل في شيء لتصور كذبه في صدق الشرع فمن طالت ممارسته العلوم وكثر خوضه في بحورها أمكنه التلفيق بينهما لكنه لا يخلو من أحد أمرين إما تأويل يبعد عن الأفهام أو موضع لا يتبين فيه وجه التأويل لقصور الأفهام عن إدراك الحقيقة والطمع في تلفيق كل ما يرد مستحيل المرام والمرد إلى قوله : { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } )  أهـ [  البرهان في علوم القرآن : ج : 2 ص : 78 ] ، ثم أطال رحمه الله - بعد ذلك - في ذكر تأويلات أهل السنّة للمتشابه من الصفات ، وقال الزرقاني في كتابه مناهل العرفان :  ( الرأي الرشيد في متشابه الصفات : علماؤنا أجزل الله مثوبتهم قد اتفقوا على ثلاثة أمور تتعلق بهذه المتشابهات ثم اختلفوا فيما وراءها ،  فأول ما اتفقوا عليه : صرفها عن ظواهرها المستحيلة واعتقاد أن هذه الظواهر غير مرادة للشارع قطعا كيف وهذه الظواهر باطلة بالأدلة القاطعة وبما هو معروف عن الشارع نفسه في محكماته  ،  ثانيه : أنه إذا توقف الدفاع عن الإسلام على التأويل لهذه المتشابهات وجب تأويلها بما يدفع شبهات المشتبهين ويدر طعن الطاعنين  ، ثالثه : أن المتشابه إن كان له تأويل واحد يفهم منه فهما قريبا وجب القول به إجماعا وذلك كقوله سبحانه : { وهو معكم أين ما كنتم } ،  فإن الكينونة بالذات مع الخلق مستحيلة قطعا وليس لها بعد ذلك إلا تأويل واحد هو الكينونة معهم بالإحاطة علما وسمعا وبصرا وقدرة وإرادة  ، وأما اختلاف العلماء فيما وراء ذلك فقد وقع على ثلاثة مذاهب  : المذهب الأول مذهب السلف : ويسمى مذهب المفوضة بكسر الواو وتشديدها وهو تفويض معاني هذه المتشابهات إلى الله وحده بعد تنزيهه تعالى عن ظواهرها المستحيلة ويستدلون على مذهبهم هذا بدليلين : أحدهما عقلي : وهو أن تعيين المراد من هذه المتشابهات إنما يجري على قوانين اللغة واستعمالات العرب وهي لا تفيد إلا الظن ، مع أن صفات الله من العقائد التي لا يكفي فيها الظن بل لا بد فيها من اليقين ولا سبيل إليه فلنتوقف ولنكل التعيين إلى العليم الخبير  ،  والدليل الثاني نقلي : يعتمدون فيه على عدة أمور منها حديث عائشة السابق وفيه : ( ( فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم ) )  ، ومنها ما رواه الطبراني في الكبير عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله يقول : ( ( لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ) )  الحديث ، ومنها ما أخرجه ابن مردويه عن أبيه عن جده عن رسول الله قال : ( ( إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا وما تشابه فآمنوا به ) ) ، ومنها ما أخرجه الدارمي عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له ابن صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل فقال له من أنت فقال أنا عبد الله بن صبيغ فأخذ عمر عرجونا فضربه حتى دمى رأسه وجاء في رواية أخرى فضربه حتى ترك ظهره دبرة ثم تركه حتى برأ ثم عاد ثم تركه حتى برأ فدعا به ليعود فقال إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبي موسى الأشعري ألا يجالسه أحد من المسلمين ، ورضي الله عن عمر فإن هذا الأثر يدل على أن ابن صبيغ فتح أو حاول أن يفتح باب فتنة بتتبعه متشابهات القرآن يكثر الكلام فيها ويسأل الناس عنها  ، ومنها ما ورد من أن الإمام مالكا رضي الله عنه سأل عن الاستواء في قوله سبحانه : { الرحمن على العرش استوى } ، فقال : الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عن هذا بدعة وأظنك رجل سوء أخرجوه عني ، يريد رحمة الله عليه أن الاستواء معلوم الظاهر بحسب ما تدل عليه الأوضاع اللغوية ولكن هذا الظاهر غير مراد قطعا لأنه يستلزم التشبيه المحال على الله بالدليل القاطع والكيف مجهول أي تعيين مراد الشارع مجهول لنا لا دليل عندنا عليه ولا سلطان لنا به والسؤال عنه بدعة أي الاستفسار عن تعيين هذا المراد اعتقاد أنه مما شرعه الله بدعة لأنه طريقة في الدين مخترعة مخالفة لما أرشدنا إليه الشارع من وجوب تقديم المحكمات وعدم اتباع المتشابهات وما جزاء المبتدع إلا أن يطرد ويبعد عن الناس خوف أن يفتنهم لأنه رجل سوء وذلك سر قوله وأظنك رجل سوء أخرجوه عني أهـ ، قال ابن الصلاح : على هذه الطريقة مضى صدر الأمة وساداتها وإياها اختار أئمة الفقهاء وقادتها وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها ، المذهب الثاني : مذهب الخلف ، ويسمى مذهب المؤولة بتشديد الواو وكسرها وهم فريقان : فريق : يؤولها بصفات سمعية غير معلومة على التعيين ثابتة له تعالى زيادة على صفاته المعلومة لنا بالتعيين وينسب هذا إلى أبي الحسن الأشعري ، وفريق : يؤولها بصفات أو بمعان نعلمها على التعيين فيحمل اللفظ الذي استحال ظاهره من هذه المتشابهات على معنى يسوغ لغة ويليق بالله عقلا وشعرا وينسب هذا الرأي إلى ابن برهان وجماعة من المتأخرين ، قال السيوطي : وكان إمام الحرمين يذهب إليه ثم رجع عنه فقال في الرسالة النظامية الذي نرتضيه دينا وندين الله به عقدا اتباع سلف الأمة فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعانيها اهـ ،  أما حجة أصحاب هذا المذهب فيما ذهبوا إليه فهو أن المطلوب صرف اللفظ عن مقام الإهمال الذي يوجب الحيرة بسبب ترك اللفظ لا مفهوم له وما دام في الإمكان حمل كلام الشارع على معنى سليم فالنظر قاض بوجوبه انتفاعا بما ورد عن الحكيم العليم وتنزيها له عن أن يجري مجرى العجوز العقيم   المذهب الثالث مذهب المتوسطين وقد نقل السيوطي هذا المذهب فقال وتوسط ابن دقيق العيد فقال إذا كان التأويل قريبا من لسان العرب لم ينكر أو بعيدا توقفنا عنه وآمنا بمعناه على الوجه الذي أريد مع التنزيه وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهرها مفهوما من تخاطب العرب قلنا به من غير توقف كما في قوله تعالى يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله فنحمله على حق الله وما يجب له اه  تطبيق وتمثيل  ،  ولنطبق هذه المذاهب على قوله سبحانه : { الرحمن   على العرش استوى } ، فنقول : يتفق الجميع من سلف وخلف على أن ظاهر الاستواء على العرش وهو الجلوس عليه مع التمكن والتحيز مستحيل ، لأن الأدلة القاطعة تنزه الله عن أن يشبه خلقه أو يحتاج إلى شيء منه سواء أكان مكانا يحل فيه أم غيره ، وكذلك اتفق السلف والخلف على أن هذا الظاهر غير مراد لله قطعا لأنه تعالى نفى عن نفسه المماثلة لخلقه وأثبت لنفسه الغنى عنهم فقال : { ليس كمثله شيء } ، وقال : { هو الغني الحميد } ، فلو أراد هذا الظاهر لكان متناقضا ، ثم اختلف السلف والخلف بعد ما تقدم فرأى السلفيون أن يفوضوا تعيين معنى الاستواء إلى الله هو أعلم بما نسبه إلى نفسه وأعلم بما يليق به ولا دليل عندهم على هذا التعيين ورأى الخلف أن يؤولوا لأنه يبعد كل البعد أن يخاطب الله عباده بما لا يفهمون وما دام ميدان اللغة متسعا للتأويل وجب التأويل ، بيد أنهم افترقوا في هذا التأويل فرقتين فطائفة الأشاعرة يؤولون من غير تعيين ويقولون : إن المراد من الآية إثبات أنه تعالى متصف بصفة سمعية لا نعلمها على التعيين تسمى صفة الاستواء وطائفة المتأخرين يعينون فيقولون : إن المراد بالاستواء هنا هو الاستيلاء والقهر من غير معاناة ولا تكلف لأن اللغة تتسع لهذا المعنى ومنه قول الشاعر العربي : قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق   أي استوى وقهر أو دبر وحكم فكذلك يكون معنى النص الكريم : الرحمن استولى على عرش العالم وحكم العالم بقدرته ودبره بمشيئته ، وابن دقيق العيد يقول بهذا التأويل إن رآه قريبا ويتوقف إن رآه بعيدا   ومثل ذلك في نحو : { ويبقى وجه ربك } ، { ولتصنع على عيني } ، { يد الله فوق أيديهم } ، { والسموات مطويات بيمنه } ، { يخافون ربهم من فوقهم } ، { وجاء ربك } ، { وعنده مفاتح الغيب } ، فالسلف يفوضون في معانيها تفويضا مطلقا بعد تنزيه الله عن ظواهرها المستحيلة ، والأشاعرة يفسرونها بصفات سمعية زائدة على الصفات التي نعلمها ، ولكنهم يفوضون الأمر في تعيين هذه الصفات إلى الله فهم مؤولون من وجه مفوضون من وجه ، والمتأخرون يفسرون الوجه بالذات ، ولفظ ولتصنع على عيني بتربية موسى ملحوظا بعناية الله وجميل رعايته ، ولفظ اليد بالقدرة ، ولفظ اليمين بالقوة ، والفوقية بالعلو المعنوي دون الحسي ، والمجيء في قوله { وجاء ربك } ، بمجيء أمره والعندية في قوله { وعنده مفاتح الغيب } ، بالإحاطة والتمكن أو بمثل ذلك في الجميع  ، [ إرشاد وتحذير ] : لقد أسرف بعض الناس في هذا العصر فخاضوا في متشابه الصفات بغير حق وأتوا في حديثهم عنها وتعليقهم عليها بما لم يأذن به الله ولهم فيها كلمات غامضة تحتمل التشبيه والتنزيه وتحتمل الكفر والإيمان حتى باتت هذه الكلمات نفسها من المتشابهات ، ومن المؤسف أنهم يواجهون العامة وأشباههم بهذا ، ومن المحزن أنهم ينسبون ما يقولون إلى سلفنا الصالح ويخيلون إلى الناس أنهم سلفيون من ذلك قولهم : إن الله تعالى يشار إليه بالإشارة الحسية ، وله من الجهات الست جهة الفوق ، ويقولون إنه استوى على عرشه بذاته استواء حقيقا ، بمعنى أنه استقر فوقه استقرارا حقيقيا غير أنهم يعودون فيقولون : ليس كاستقرارنا وليس على ما نعرف وهكذا يتناولون أمثال هذه الآية وليس لهم مستند فيما نعلم إلا التشبث بالظواهر ، ولقد تجلى لك مذهب السلف والخلف فلا نطيل بإعادته ولقد علمت أن حمل المتشابهات في الصفات على ظواهرها مع القول بأنها باقية على حقيقتها ليس رأيا لأحد من المسلمين وإنما هو رأي لبعض أصحاب الأديان الأخرى كاليهود والنصارى وأهل النحل الضالة كالمشبهة والمجسمة ، أما نحن معاشر المسلمين فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ، ولا متحيزا ، ولا متجزئا ، ولا متركبا ، ولا محتاجا لأحد ، ولا إلى مكان ، ولا إلى زمان ولا نحو ذلك ، ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته إذ يقول : { ليس كمثله شيء } ، ويقول : { قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد } ويقول : { إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم } ، ويقول : { يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد } ، وغير هذا كثير في الكتاب والسنة فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها كما تبين لك فيما سلف  ، ثم إن هؤلاء المتحمسين في السلف متناقضون لأنهم يثبتون تلك المتشابهات على حقائقها ولا ريب أن حقائقها تستلزم الحدوث وأعراض الحدوث كالجسمية والتجزؤ والحركة والانتقال لكنهم بعد أن يثبتوا تلك المتشابهات على حقائقها ، ينفون هذه اللوازم مع أن القول بثبوت الملزومات ونفي لوازمها تناقض لا يرضاه لنفسه عاقل ، فضلا عن طالب أو عالم ، فقولهم في مسألة الاستواء الآنفة إن الاستواء باق على حقيقته يفيد أنه الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز وقولهم بعد ذلك : ليس هذا الاستواء على ما نعرف يفيد أنه ليس الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز ، فكأنهم يقولون إنه مستو غير مستو ، ومستقر فوق العرش غير مستقر ، أو متحيز غير متحيز ، وجسم غير جسم ، أو أن الاستواء على العرش ليس هو الاستواء على العرش ، والاستقرار فوقه ليس هو الاستقرار فوقه ، إلى غير ذلك من الإسفاف والتهافت ، فإن أرادوا بقولهم الاستواء على حقيقته أنه على حقيقته التي يعلمها الله ولا نعلمها نحن فقد اتفقنا لكن بقي أن تعبيرهم هذا موهم لا يجوز أن يصدر من مؤمن خصوصا في مقام التعليم والإرشاد وفي موقف النقاش والحجاج لأن القول بأن اللفظ حقيقة أو مجاز لا ينظر فيه إلى علم الله وما هو عنده ولكن ينظر فيه إلى المعنى الذي وضع له اللفظ في عرف اللغة والاستواء في اللغة العربية يدل على ما هو مستحيل على الله في ظاهره فلا بد إذن من صرفه عن هذا الظاهر واللفظ إذا صرف عما وضع له واستعمل في غير ما وضع له خرج عن الحقيقة إلى المجاز لا محالة ما دامت هناك قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي ثم إن كلامهم بهذه الصورة فيه تلبيس على العامة وفتنة لهم فكيف يواجهونهم به ويحملونهم عليه وفي ذلك ما فيه من الإضلال وتمزيق وحدة الأمة الأمر الذي نهانا القرآن عنه والذي جعل عمر يفعل ما يفعل بصبغ أو بابن صبيغ وجعل مالكا يقول ما يقول ويفعل ما يفعل بالذي سأله عن الاستواء وقد مر بك هذا وذاك ، لو أنصف هؤلاء : لسكتوا عن الآيات والأخبار المتشابهة واكتفوا بتنزيه الله تعالى عما توهمه ظواهرها من الحدوث ولوازمه ثم فوضوا الأمر في تعيين معانيها إلى الله وحده وبذلك يكونون سلفيين حقا ، لكنها شبهات عرضت لهم في هذا المقام فشوشت حالهم وبلبلت أفكارهم فلنعرضها عليك مع ما أشبهها والله يتولى هدانا وهداهم ويجمعنا جميعا على ما يحبه ويرضاه آمين ) أهـ [  مناهل العرفان ج : 2 ص : 206 إلى 217 ] ،

 

***

(  9  )

خطأ ابن تيمية في نسبة نسبة المعنى الظاهر للمتشابهات إلى مذهب السلف

وقد كان مذهبهم فيه تفويض المعنى

 

ذكرنا في المبحث السابق المتشابه في باب الصفات ، وهي تلك الصفات التي تدل بظاهرها على الجارحة كالوجه واليد والعين ، أو الحد والمقدار والحركة والحدوث كالاستواء والجهة والكون في المكان ، وفي هذه المقدمة أعرض لحال السلف الصالح وبيان مدى حرصهم الشديد على تحريم الخوض في المتشابهات والمنع من مجرد السؤال عنه على سبيل الزيغ والفتنة ، وسنجد أن مقالاتهم تتركز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله ، فمن ذلك : قولهم : ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم ، وقولهم : ويؤمن بها ولا تفسر ولا يتوهم ولا يقال كيف ، وقولهم : نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها ، وقولهم : نترك التعرض لمعانيها ، وقولهم : نحن نروي هذه الأحاديث ولا نريغ لها المعاني ، وقولهم : كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره ، وقولهم : ما وصف الله تبارك به نفسه في كتابه فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره بالعربية ولا بالفارسية ، وقولهم : فتفسيره قراءته والسكوت عنه ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله ، وقولهم : أمروا الأحاديث كما جاءت ، وقولهم : كانوا لا يفسرون شيئا ، وقولهم : قلنا لا نفسر هذا ولا سمعنا أحدا يفسره ، وقولهم : فتفسيره تلاوته والسكوت عليه ، وقولهم : فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها ، وقولهم  : كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل ، وقولهم : فمن فسر اليوم شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ، وقولهم  : كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له ، وقولهم : نحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها ، وقولهم : إذا سئلنا عن تفسيرها   قلنا : ما أدركنا أحدا يفسر منها شيئا ونحن لا نفسر منها شيئا نصدق بها ونسكت ، وقولهم : أمروها بلا كيف ، وقولهم : أمضها بلا كيف ، وقولهم : وما يعلم تأويله إلا الله ، وقولهم : كان رسوخهم في العلم أن آمنوا بمتشابهه ولا يعلمونه ، وقولهم : نكل علمه إلى الله ، وقولهم : ونفوض علمه إلى الله ، وقولهم : هذا من متشابه القرآن الذي نؤمن به ولا نتعرض لمعناه ، وقولهم :  هذا من المكتوم الذي لا يفسر ، وقولهم : المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى ، وقولهم : المذهب في هذا وأمثاله السكوت عن الخوض في معناه وتفويض علمه إلى الله تعالى ، وقولهم : فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزيه الباري عن صفات المحدثين ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب ، وقولهم : هذه الأحاديث ونحوها تروى كما جاءت ويفوض معناها إلى الله ، وقولهم : حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط ، وقولهم : آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله ، وقولهم : نكل علمه إلى الله تعالى ، وقولهم : والسؤال عنه بدعة ، وقولهم : من تكلم في معناها فقد ابتدع  ، ( قلت ) : وهذه العبارات الممتلئة علماً وورعاً تدل على مدى حذر السلف من الخوض في المتشابه حذراً من قوله تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7] ، وإليك أمثلة لمنهج السلف في متشابه الإضافات إلى الله : [ الأئمة مالك بن أنس وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك ومذهب السلف ] : قال الإمام الترمذي رحمه الله في السنن : " قد قال غير واحد من أهل العلم في هذه الروايات من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، فإنهم قالوا : قد ثبتت الروايات في هذا ونؤمن بها ولا نتوهم، ولا يقال كيف هكذا روي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، أنهم قالوا في هذه الأحاديث أمرُّوها بلا كيف وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة "[ سنن الترمذي – كتاب الزكاة ( 3 : 24  ) ] أهـ  ،  [ الأئمة الأوزاعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد ووكيع واسماعيل بن أبى خالد وسفيان بن عيينة وسليمان ومذهب السلف ] : جاء في كتاب الصفات للإمام علي بن عمر الدارقطني  : " حدثنا محمد بن مخلد حدثنا العباس بن محمد الدوري قال سمعت يحيى بن معين يقول شهدت زكريا بن عدى يسأل وكيعا فقال يا أبا سفيان هذه الأحاديث يعنى مثل الكرسي موضع القدمين ونحو هذا فقال وكيع أدركنا اسماعيل بن أبى خالد وسفيان وسليمان يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون شيئا  .. حدثنا محمد بن مخلد حدثنا عيسى بن اسحاق بن موسى الأنصاري أبو العباس قال سمعت أبى يقول سمعت سفيان بن عيينة يقول كل ما وصف الله به نفسه فى القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل ، حدثنا محمد بن مخلد حدثنا اسحاق بن يعقوب العطار قال سمعت أحمد بن الدورقى يقول سمعت وكيعا يقول نسلم هذه الأحاديث كما جاءت ولا نقول كيف هذا ولم جاء هذا ، حدثنا محمد بن مخلد حدثنا أبو العباس اسحاق ابن يعقوب قال سمعت أحمد بن الدورقى يقول حدثنى أحمد بن نصر رحمه الله قال سمعت سفيان بن عيينة وأنا فى منزله بعد العتمة فجعلت ألح عليه في المسألة فقال دعني أتنفس فقلت له يا أبا محمد إنى أريد أن أسألك عن شىء فقال لا تسأل فقلت لا بد من أن أسألك إذا لم أسألك فمن أسأل فقال هات سل فقلت كيف حديث عبيدة عن عبد الله عن النبي  صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل يحمل السماوات على أصبع والأرضين على أصبع      وحديث إن قلوب بنى آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن      وحديث إن الله عز وجل يعجب ويضحك ممن يذكره فى الآفاق فقال سفيان هى كما جاءت نقر بها ونحدث بها بلا كيف ... حدثنا محمد بن مخلد حدثنا أحمد بن سعد أبو إبراهيم الزبيرى حدثنا الهيثم بن خارجة حدثنا الوليد بن مسلم قال سألت الأوزاعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك فقالوا أمضها بلا كيف "  [الصفات ج : 1 ص :41- 44] أهـ  ،  [  الأئمة محمد بن الحسن و الزهري ومكحول و أحمد بن حنبل ، و أبو عبيد بن سلام و اتفاق الفقهاء كلهم قبل محمد بن الحسن على مذهب السلف ]  : جاء في كتاب اعتقاد أهل السنة للحافظ هبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي  : " أخبرنا أحمد أخبرنا محمد بن أحمد بن سليمان قال ثنا أبو علي الحسن بن يوسف بن يعقوب قال ثنا أبو محمد أحمد بن علي بن زيد الغجدواني قال ثنا أبو عبد الله محمد بن أبي عمرو الطواويسي قال ثنا عمرو بن وهب يقول سمعت شداد بن حكيم     يذكر عن محمد بن الحسن في الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث إن هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها " [اعتقاد أهل السنة ج 3 ص 433] أهـ  ، وجاء فيه أيضا : " أخبرنا أحمد بن عبيد قال أخبرنا محمد بن الحسين قال ثنا أحمد بن زهير قال ثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي قال ثنا بقية قال ثنا الأوزاعي قال كان الزهري ومكحول يقولان أمروا الأحاديث كما جاءت ، أخبرنا محمد بن رزق الله قال أخبرنا بن عثمان قال نا عيسى بن موسى بن إسحاق الأنصاري قال سمعت أبي يقول : سمعت سفيان بن عيينة يقول كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل  ) )  [اعتقاد أهل السنة ج : 3 ص : 431] أهـ  ،  وجاء فيه أيضا : "  قال حنبل بن اسحاق قال سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله ينزل إلى السماء الدنيا ، فقال ابو عبد الله نؤمن بها ونصدق بها ولا نرد شيئا منها إذا كانت اسانيد صحاح ولا نرد على رسول الله قوله ونعلم أن ما جاء به الرسول حق حتى قلت لأبي عبد الله ينزل الله إلى سماء الدنيا قال قلت نزوله بعلمه بماذا ، فقال لي اسكت عن هذا مالك ولهذا امض الحديث على ما روي   بلا كيف  ولاحد  قال الله عز وجل ولا تضربوا لله الأمثال ، ينزل كيف يشاء بعلمه وقدرته وعظمته أحاط بكل شيء علما لا يبلغ قدره واصف ولا ينأى عنه هرب هارب "  [اعتقاد أهل السنة ج 3 ص 453] أهـ  ،  وجاء فيه أيضا : سمعت أبا محمد الحسن بن عثمان بن جابر يقول سمعت أبا نصر أحمد بن يعقوب بن زاذان قال : بلغني أن أحمد بن حنبل قرأ عليه رجل وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه قال ثم أومأ بيده ، فقال له أحمد قطعها الله قطعها الله قطعها الله ثم حرد وقام ، أخبرنا أحمد بن محمد بن حفص قال ثنا محمد بن أحمد بن سلمة قال ثنا أبو محمد سهل بن عثمان بن سعيد بن حكيم السلمي قال سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن المهدي بن يونس يقول سمعت أبا سليمان داود بن طلحة سمعت عبد الله بن أبي حنيفة الدوسي يقول     سمعت محمد بن الحسن يقول : اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تغيير ولا وصف ولا تشبيه ، فمن فسر اليوم شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا ، وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له "[ اعتقاد أهل السنة ج : 3 ص : 432] أهـ  ،  وجاء فيه أيضا : " أخبرنا أحمد أخبرنا محمد بن أحمد بن سليمان قال ثنا أبو علي الحسن بن يوسف بن يعقوب قال ثنا أبو محمد أحمد بن علي بن زيد الغجدواني قال ثنا أبو عبد الله محمد بن أبي عمرو الطواويسي قال ثنا عمرو بن وهب يقول سمعت شداد بن حكيم ، يذكر عن محمد بن الحسن في الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث إن هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها " [اعتقاد أهل السنة ج : 3 ص : 433] أهـ ،  وجاء فيه أيضا : "  أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد القزويني قال ثنا محمد بن أحمد بن منصور القطان قال ثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال ثنا إسماعيل بن أبي الحارث قال ثنا الهيثم بن خارجة قال سمعت الوليد بن مسلم يقول : سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية فقالوا : أمروها   بلا كيف " [اعتقاد أهل السنة ج 3 ص 503] أهـ  ،  وجاء فيه أيضا : " أخبرنا أحمد بن محمد بن الجراح ومحمد بن مخلد قالا ثنا عباس بن محمد الدوري قال      سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام وذكر عنده هذه الأحاديث ضحك ربنا عز وجل من قنوط عباده وقرب غيره ، والكرسي موضع القدمين ، وأن جهنم لتمتلئ فيضع ربك قدمه فيها وأشباه هذه الأحاديث      فقال أبو عبيد هذه الأحاديث عندنا حق يرويها الثقات بعضهم عن بعض إلا أنا إذا سئلنا عن تفسيرها ، قلنا ما أدركنا أحدا يفسر منها شيئا ونحن لا نفسر منها شيئا نصدق بها ونسكت " [اعتقاد أهل السنة ج : 3 ص : 526] أهـ  ، وجاء فيه أيضا : " وسئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله { الرحمن على العرش استوى } ، فقال الاستواء معقول والكيف مجهول والإيمان به واجب قال ابن الجراح والله عز وجل لا يحد ...  أخبرنا أحمد بن عبيد قال أخبرنا محمد بن الحسين قال ثنا أحمد بن أبي خيثمة قال ثنا الهيثم بن خارجة قال ثنا الوليد بن مسلم يقول سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية ، فقالوا أمروها كما جاءت   بلا كيف ) )  [اعتقاد أهل السنة ج 3 ص 527] أهـ  ،  وقال شيخ المحدثين البيهقي رحمه الله : " .. عن إسحاق بن موسى الأنباري قال سمعت سفيان بن عيينة يقول ما وصف الله تبارك وتعالى به نفسه في كتابه فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره بالعربية ولا بالفارسية  " [الأسماء والصفات للبيهقي ص 314] أهـ  ، وقال رحمه الله : " أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال هذه نسخة الكتاب الذي أملاه الشيخ أبو بكر أحمد بن اسحاق بن أيوب في مذهب أهل السنة فيما جرى بين محمد بن إسحاق بن خزيمة وبين أصحابه فذكرها وذكر فيها     الرحمن على العرش استوى     بلا كيف والآثار عن السلف في هذا كثيرة وعلى هذه الطريقة يدل مذهب الشافعي رحمه الله تعالى وإليها ذهب أحمد بن حنبل والحسين بن الفضل البجلي ومن المتأخرين أبو سليمان الخطابي " [الأسماء والصفات ص 408] أهـ  ،  وجاء في طبقات الشافعية الكبرى للإمام السبكي : " وسئل الشافعي رضي الله عنه عن صفات الله فقال : حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط إلا ما وصف به نفسه على لسان نبيه   ومن تقصى وفتش وبحث وجد أن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين والصدر الأول لم يكن دأبهم غير الإمساك عن الخوض في هذه الأمور وترك ذكرها في المشاهد ولم يكونوا يدسونها إلى العوام ولا يتكلمون بها على المنابر ولا يوقعون في قلوب الناس منها هواجس كالحريق المشعل وهذا معلوم بالضرورة من سيرهم"  أهــ [ طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 40] أهـ ، وجاء في كتاب عقيدة الإمام أحمد بن حنبل : ( ( نص اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل      أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ أبو محمد المبارك بن علي بن الحسين بن عبد الله بن محمد المعروف بابن الطباخ البغدادي رحمه الله في الدنيا والآخرة إجازة قال حدثنا شيخنا الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن الناصر بن محمد بن محمد بن علي البغدادي بها قال أخبرنا الإمام جمال الإسلام أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي قال أخبرنا عمي أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي بجميع هذا الاعتقاد وقال جملة اعتقاد أحمد بن حنبل رضي الله عنه والذي كان يذهب إليه   مجمل الاعتقاد [العقيدة ج : 1 ص : 101 ]... وسئل قبل موته بيوم عن أحاديث الصفات فقال تمر كما جاءت ويؤمن بها ولا يرد منها شيء إذا كانت بأسانيد صحاح ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية     ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " [العقيدة ج : 1 ص : 127] أهـ ، ونفس النص السابق جاء في كتاب اعتقاد الإمام المبجل ابن حنبل ، "  وسئل قبل موته بيوم عن احاديث الصفات فقال تمر كما جاءت ويؤمن بها ولا يرد منه شيء إذا كانت بأسانيد صحاح ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا   حد   ولا غاية ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ومن تكلم في معناها ابتدع " [اعتقاد الإمام المبجل ابن حنبل ج 1 ص 307]  أهـ   ، وقال الزركشي في البرهان : " فصل في حكم الآيات المتشابهات الواردة في الصفات   وقد اختلف الناس في الوارد منها في الآيات والأحاديث على ثلاث فرق   أحدها أنه لا مدخل للتأويل فيها بل تجري على ظاهرها ولا تؤول شيئا منها وهم المشبهة   والثاني أن لها تأويلا ولكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن الشبه والتعطيل ونقول لا يعلمه إلا الله وهو قول السلف   والثالث أنها مؤولة وأولوها على ما يليق به   والأول باطل والأخيران منقولان عن الصحابة فنقل الإمساك عن أم سلمة أنها سئلت عن الاستواء فقالت الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وكذلك سئل عنه مالك فأجاب بما قالته أم سلمة إلا أنه زاد فيها أن من عاد إلى هذا السؤال عنه أضرب عنقه وكذلك سئل سفيان الثوري فقال أفهم من قوله ( الرحمن على العرش استوى ) ما أفهم من قوله ( ثم استوى إلى السماء ) وسئل الأوزاعي عن تفسير هذه الآية فقال ( الرحمن على العرش استوى  ) كما قال وإني لأراك ضالا وسئل ابن راهويه عن الاستواء أقائم هو أم قاعد فقال لا يمل القيام حتى يقعد ولا يمل القعود حتى يقوم وأنت إلى هذا السؤال أحوج   قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح : وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وسادتها " [البرهان في علوم القرآن ج : 2 ص : 78] أهـ   ،  وقال الحافظ ابن حجر في الفتح : "  وأسند البيهقي بسند صحيح عن احمد بن أبي الحواري عن سفيان بن عيينة قال كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه "  [فتح الباري ج13 ص 407] أهـ  ،  وقال القرطبي في تفسيره :  " قال بعضهم  نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها وذهب إليه كثير من الأئمة وهذا كما روي عن مالك رحمه الله أن رجلا سأله عن قوله تعالى  الرحمن على العرش أستوى قال مالك  الأستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب   والسؤال عنه بدعة" [تفسير القرطبي ج 1 ص254] أهـ  ،  وقال الزرقاني في شرحه على موطأ مالك : "  وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري عن أبي هريرة أن رسول الله قال : ( ينزل ربنا ) اختلف فيه فالراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا على طريق الإجمال منزهين لله تعالى عن الكيفية والتشبيه      ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين والحمادين والليث والأوزاعي وغيرهم قال البيهقي وهو أسلم ويدل عليه اتفاقهم على أن التأويل المعين لا يجب فحينئذ التفويض أسلم " [شرح الزرقاني ج 2 ص49] أهـ  ، و قال الإمام السيوطي في الإتقان : " فصل : من المتشابه آيات الصفات ولابن اللبان فيها تصنيف مفرد نحو الرحمن على العرش استوى كل شيء هالك إلا وجهه ويبقى وجه ربك ولتصنع على عيني يد الله فوق أيديهم والسموات مطويات بيمينه  ، وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها " أهــ [الإتقان ج : 2 ص : 12 ]  أهـ ، 

[ لماذا كان التفويض هو مذهب السلف الصحيح ، وما هي محاذير مذهب اثبات المتشابهات ] : هناك نصوص توهم الجارحة كالعين واليد ، ونصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول ، ونصوص توهم النقص والحد ، ومذهب السلف فيها أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل ، قال الإمام التـرمذي رحمه الله - مبيناً مذهب السلف الصالح في المتشابهات - : ( والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا تروى هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يقال كيف، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تروى هذه الأشياء كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه )  اهـ [سنن الترمذي 4  :  492 ] ، وروى الخلال بسند صحيح عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه قال في مثل هذه النصوص :  ( نؤمن بها ونصدق ولا كيف ولا معنى )  اهـ ، وروى الإمـام الحـافظ البيهقي بسنده عن الإمام الأوزاعي قال :  ( كل ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه )  اهـ. [ الاعتقاد ص  :  93] ، وقال النووي :  ( اختلفوا في آيات الصفات وأخبارها هل يخاض فيها بالتأويل أم لا؟ فقال قائلون تتأول على ما يليق بها، وهذا أشهر المذهبين للمتكلمين، وقال آخرون : لا تتأول بل يمسك عن الكلام في معناها ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى وانتفاء صفات الحوادث عنه، فيقال مثلاً : نؤمن بأن الرحمن على العرش استوى، ولا نعلم حقيقة معنى ذلك والمراد به، مع أنا نعتقد أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وأنه منزه عن الحلول وسمات الحدوث، وهذه طريقة السلف أو جماهيرهم وهي أسلم )  اهـ. [ المجموع 1  :  25 ] ، وقال السيوطي :  ( من المتشابه آيات الصفات... وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى، ولا نفسرها مع تنزيهنا له - تعالى - عن حقيقتها )  اهـ.[ الإتقان في علوم القرآن 2  :  10 ] ، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة ، - حاش لله من هذا الظن السيئ بهم - بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله ، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه ، وهم أعلم الناس بمعنى قوله تعالى : { ولم يكن له كفوا أحد } ، وقوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وقوله تعالى : {  هل تعلم له سميا } ، وقوله تعالى : { ولا يحيطون به علما } ، وما فيها من التنزيه ونفي الكفء والمثيل والسمي ، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس ، ومثال على هذا قوله تعالى ( بل يداه مبسوطتان ) يفهم منه على سبيل الإجمال معنى الكرم والجود المطلق والعطاء الذي لا ينقطع اللائق بصفة الرب تعالى، أما لفظ اليدين المضاف لله تعالى في الآية ، فيدل ظاهره على إثبات الجارحة والجزء - حاش لله تعالى من ذلك - والله تعالى منزه عن الجارحة والجزء لأمور كثيرة يجمعها علم التقديس ، منها أنه سبحانه ( الأحد ) وصفة الأحدية تمنع من التركيب ، ومنع التركيب يمنع وجود الأجزاء ، كما أنه سبحانه ( الغني ) وكمال الغنى يمنع من الاحتياج للجوارح في تصريف الأمور ، ومنها نفي المثلية في قوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وجميع الخلق تتكون أجسامهم من أجزاء والله تعالى ليس كمثله ، ولهذه الأسباب وغيرها - مما حواه علم التقديس -  توقف السلف عن الخوض في المتشابه ، واكتفوا بالمعنى الإجمالي المفهوم من الآيات ، هذا هو اللائق بمقامات السلف في العلم ، إذ لا يعقل أنهم كانوا يسمعون مثلاً قول الله تعالـى ( يد الله فوق أيديهم )  أو ( بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء )  أو ( الرحمن على العرش استوى )  أو ( ثم استوى إلى السماء ) أو ( يوم يكشف عن ساق  ) ، أو قول رسول الله ‘  ( يضحك ربنا )  أو  ( ينزل ربنا )  أو  ( يعجب ربنا )  الخ، ثم لا يفهمون من كل ذلك أي معنى، كما هو الحال مع الحروف التي في فواتح السور، كلا، فإن هذه الألفاظ لها في لغة العرب معانٍ مجازيةٌ معروفةٌ ومشهورةٌ لا شك أن السلف فهموها إجمالاً، ولكنهم لفرط تقواهم وخشيتهم لله تعالى وتهيبهم لذلك المقام الأقدس أحجموا عن التعيين والتصريح، واكتفوا بهذا الفهم الإجمالي لها ، ومما سبق يتبين أنّ المذهب الأول والأساس للسلف في المتشابهات التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث هو تفويض المعنى إلى الله تعالى مع التقديس والتنزيه ونفي المثل والكفء والشبيه ، وكما ذكرنا فإنّه ليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة ، - حاش لله من هذا الظن السيئ بهم - بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله ، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه ، وهم أعلم الناس بمعنى قوله تعالى : { ولم يكن له كفوا أحد } ، وقوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ، وقوله تعالى : {  هل تعلم له سميا } ، وقوله تعالى : { ولا يحيطون به علما } ، وما فيها من التنزيه ونفي الكفء والمثيل والسمي ، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس ،

[ المذهب الثاني للسلف في المتشابهات التأويل ]   : والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة ، فهذا تأويل شرعي صحيح ، ورد عن السلف الكرام بضوابط حكيمة ، وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة ، وهذا ( تعطيل ) وليس تأويل ، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة ، وهذا ( التعطيل ) لا يختلف على منعه وحرمته اثنان من علماء أهل السنة والجماعة ، أما ( التأويل الصحيح بضوابطه ) ،  فهذا قد ورد عن السلف الكرام ، وسارت به الركبان من علماء أهل السنة والجماعة بما لا مجال لدفعه البتة أبدا  ،  قال الإمام الزركشي : " وقد اختلف الناس في الوارد منها - يعني المتشابهات - في الآيات والأحاديث على ثلاث فرق : أحدها : أنه لا مدخل للتأويل فيها، بل تجرى على ظاهرها، ولا نؤول شيئاً منها، وهم المشبهة ، الثانية : أن لها تأويلاً ولكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن الشبه، والتعطيل، ونقول لا يعلمه إلا الله وهو قول السلف ، والثالثة : أنها مؤولة وأولوها على ما يليق به ، والأول باطل - يعني مذهب المشبهة - والأخيران منقولان عن الصحابة" اهـ. [البرهان في علوم القرآن 2  :  207] ،  وقال الإمام النووي في سياق شرحه لحديث من أحاديث الصفات : " هذا حديث من أحاديث الصفات وفيه مذهبان مشهوران للعلماء... أحدهما وهو مذهب السلف... والثاني مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف وهو محكي عن مالك والأوزاعي أنها تتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها )  اهـ. [ شرح مسلم للنووي : 6  :   36 ] ، وقال العلامة الشوكاني : " الفصل الثاني : فيما يدخله التأويل، وهو قسمان، أحدهما، أغلب الفروع، ولا خلاف في ذلك. والثاني، الأصول كالعقائد وأصول الديانات وصفات الباري عز وجل، وقد اختلفوا في هذا القسم على ثلاثة مذاهب : الأول : أنه لا مدخل للتأويل فيها، بل تجرى على ظاهرها ولا يؤوَّل شيء منها، وهذا قول المشبهة ، والثاني : أن لها تأويلاً ولكنا نمسك عنه، مع تنزيه اعتقادنا عن التشبيه والتعطيل لقوله تعالى ( وما يعلم تأويله إلا الله  ) ، قال ابن برهان وهذا قول السلف... ، والمذهب الثالث : أنها مؤولة. قال ابن برهان، والأول من هذه المذاهب باطل، والآخران منقـولان عن الصحابة، ونقل هذا المذهب الثالث عن علي وابن مسعود وابن عباس وأم سلمة )  اهـ. [ إرشاد الفحول 176] ، وهذه أقوال صريحة للعلماء  بإثبات جواز التأويل عند السلف الصالح ، وتصديق هذا ما سبق نقله عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، وعن عدد من التابعين وتابعيهم عن تأويل بعض النصوص المتشابهات ما يدعم المعنى العام الذي سيقت له الآيات ،

ومن ذلك تأويل حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه للكرسي في قوله تعالى ( وسع كرسيه السموات والأرض ) بعلم الله [تفسير الطبري  ( 3  :  7 )  ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ  ( الأعين )  في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا ) قال رضي الله عنه : ( بمرأى منا ) [ تفسير البغوي 2  :  322 ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الأيد )  في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه : ( بقوّة وقدرة ) [ القرطبي17  :  52 ] ، تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي [ تفسير الطبري  ( 18 : 135 )  ] ، وتأويله رضي الله عنه للفظ  ( الساق )  في قوله تعالى ( يوم يُكشف عن ساق ) بالكرب شديـد [ الطبري 29  :  38، القرطبي 18  :  249] ، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله :  ( اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل )  ، ومن تأويلات التابعين : تأويل مجاهد والسدي للفظ  ( الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله ) قال مجاهد : في أمر الله، وقال السدي : على ما تركت من أمر الله. [ تفسير الطبري  ( 24  :  19 )  ] ، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ  ( الساق )  قال الضحاك : هو أمر شديد، وقال قتادة : أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد : شدة الأمر.[ تفسير الطبري  ( 29  :  38 – 39 )  ] ، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ  ( الوجه )  ، في قوله تعالى ( فأينما تولُّوا فثم وجه الله ) بقبلة الله [   ( الطبري 1  :  402 ] ، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى  ( كلُّ شيء هالك إلا وجهه ) : أي إلا هو [ دفع شبه التشبيه ص  :  113] وتأويل الحسن البصري ( المجيء ) في قوله تعالى : ( وجاء ربك ) : بمجيء أمره وقضاؤه [ تفسير البغوي 4  :  454 ] ، وتأويله ( الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) قال : في طاعة الله. [ روح المعاني تفسير الآية 56 من سورة الزمر ] ، ومن تأويلات تابعي التابعين ، تأويل سفيان الثوري للاستواء في قوله تعالى ( ثم استوي إلى السماء ) بالقصد إليها [ مرقاة المفاتيح 2  :  137 ] ، وتأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول ، بقوله :   ( ينزل أمره - تعالى - كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو )  اهـ [ التمهيد 7  :  143، سير أعلام النبلاء 8  :  105 ، الرسالة الوافية لأبي عمرو الداني ص : 136، شرح النووي على صحيح مسلم 6  :  37، الإنصاف لابن السيد البطليوسي ص  :  82] ، وقد تأول الإمام أحمد مجيء الله تعالى ، في قوله تعالى ( وجاء ربك ) أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي : وهذا إسناد لا غبار عليه [البداية والنهاية لابن كثير 10  :  361  ] ، ونقل الحافظ ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى عن الإمام أحمد في قولـه تعالـى : ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ) أنه قال : المراد به قدرته وأمره. قال : وقد بيّنه في قوله تعالى ( أو يأتى أمر ربك ) ومثل هذا في القرآن ( وجاء ربك )  قال : إنما هو قدرته. [ دفع شبه التشبيه ص :  141 ] ، وقد تأول الإمام البخاري  ( الوجه )  في قوله تعالى ( كلّ شـئ هالك إلا وجهه ) ( إلا ملكه ) [ صحيـح  البخاري كتـاب التفسيـر سـورة القصص، فتح البـاري 8  :  364] ، وقد تأول الإمام الطبري ( العين ) في قوله تعالى ( ولتصنع على عيني ) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة [ تفسير الطبري  ( 16  :  123 )  ] ، وتأول ( الاستواء ) بقوله  ( علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته....علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال )  [ تفسير الطبري :  ( 1  :  192 )  ] ، ( قلت ) ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان ، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه ، الأول تفويض المعنى والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز ،

 

***

( 10  )

نسب ابن تيمية إلى السلف اثبات المعنى الظاهر لجميع الصفات مع أنّه متعذر في  المتشابهات 

 

هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله ، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى وصفاته القديمة الكاملة ، لأنّ علم الله تعالى قديم ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } ،  وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، لأن الله تعالى يعلم الأشياء قبل كونها قطعا لامحالة قال تعالى ،  وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء ، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ } [ الرحمن : 31 ] ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، والمعنى : { سنفرغ لكم } أي سنحاسبكم ، ( ج ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته ، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء ، واعتقاد هذا الظاهر كفر ، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء ، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء ، ولا شيء أثقل عليه من شيء ، ومن هذه الآيات ، قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم : 27 ] ، وهذا الظاهر محال على الله تعالى ، والمعنى : أن هذا مثل ضربه الله تعالى لعباده يقول  إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم أهون عليه من الإنشاء ،  ( خ ) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته ، واعتقاد هذا الظاهر ضلال ، لأنّ الله تعالى منزه عن الاتحاد أو الحلول بخلقه ، ومنزه عن القرب الحسي بالذات ، ومن هذه الآيات قوله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } [ البقرة : ] ، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } [ الواقعة : 85 ] ، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة ، وقرب الملائكة ، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات ،   ( د ) وهناك آيات ظاهرها - لمن جهل قواعد التقديس - أنّ الله تعالى مستوٍ على عرشه بذاته ، يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته ، وأنّ العرش مكان الرحمن واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال ، لأنّ العرش خلق من خلق الله ، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه ، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار ، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن ، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء ، وأنه الواحد القهار ، وأنّه الكبير المتعال ، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره ، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله ،  وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها كما ذكرناها في الحلقة السابقة  : بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم ، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت ، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء ، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته ، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته ، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث  ، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً  ، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن ،  

 

***

( 11  )

ابن تيمية يشنّ حرباً على التأويل مع أنّه لا مناص منه عند التعارض

 

[  1  ] : ما يدل على جواز التأويل المقبول أنه ورد عن السلف الكرام وأنّ الهدف منه حمل المتشابه على أمه وأصله من المحكم  : قال تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } ، دلت الآية على أنّ المحكم هو أصل الكتاب وهم بمثابة الأم للمتشابه ، وينبغي رد المتشابه إلى أصله وأمّه ، والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة ، فهذا تأويل شرعي صحيح ، ورد عن السلف الكرام بضوابط حكيمة ، وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة ، وهذا ( تعطيل ) وليس تأويل ، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة ، وهذا ( التعطيل ) لا يختلف على منعه وحرمته اثنان من علماء أهل السنة والجماعة ، أما ( التأويل الصحيح بضوابطه ) ،  فهذا قد ورد عن السلف الكرام ، وسارت به الركبان من علماء أهل السنة والجماعة بما لا مجال لدفعه البتة أبدا  ، قال الإمام الزركشي : " وقد اختلف الناس في الوارد منها - يعني المتشابهات - في الآيات والأحاديث على ثلاث فرق : أحدها : أنه لا مدخل للتأويل فيها، بل تجرى على ظاهرها، ولا نؤول شيئاً منها، وهم المشبهة ، الثانية : أن لها تأويلاً ولكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن الشبه، والتعطيل، ونقول لا يعلمه إلا الله وهو قول السلف ، والثالثة : أنها مؤولة وأولوها على ما يليق به ، والأول باطل - يعني مذهب المشبهة - والأخيران منقولان عن الصحابة" اهـ. [البرهان في علوم القرآن 2  :  207] ، وقال الإمام النووي في سياق شرحه لحديث من أحاديث الصفات : " هذا حديث من أحاديث الصفات وفيه مذهبان مشهوران للعلماء... أحدهما وهو مذهب السلف... والثاني مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف وهو محكي عن مالك والأوزاعي أنها تتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها )  اهـ. [ شرح مسلم للنووي : 6  :   36 ] ، وقال العلامة الشوكاني : " الفصل الثاني : فيما يدخله التأويل، وهو قسمان، أحدهما، أغلب الفروع، ولا خلاف في ذلك. والثاني، الأصول كالعقائد وأصول الديانات وصفات الباري عز وجل، وقد اختلفوا في هذا القسم على ثلاثة مذاهب : الأول : أنه لا مدخل للتأويل فيها، بل تجرى على ظاهرها ولا يؤوَّل شيء منها، وهذا قول المشبهة ، والثاني : أن لها تأويلاً ولكنا نمسك عنه، مع تنزيه اعتقادنا عن التشبيه والتعطيل لقوله تعالى ( وما يعلم تأويله إلا الله  ) ، قال ابن برهان وهذا قول السلف... ، والمذهب الثالث : أنها مؤولة. قال ابن برهان، والأول من هذه المذاهب باطل، والآخران منقـولان عن الصحابة، ونقل هذا المذهب الثالث عن علي وابن مسعود وابن عباس وأم سلمة )  اهـ. [ إرشاد الفحول 176] ، وهذه أقوال صريحة للعلماء  بإثبات جواز التأويل عند السلف الصالح ، وتصديق هذا ما سبق نقله عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، وعن عدد من التابعين وتابعيهم عن تأويل بعض النصوص المتشابهات ما يدعم المعنى العام الذي سيقت له الآيات  ،

[  2  ] : ما يدل على جواز التأويل المقبول أنّ التمسك بظواهر جميع النصوص متعذر : إنّ الدعوة إلى التمسك بظاهر النصوص متعذر ، ولا يمكن الثبات على التمسك بجميع الظواهر، ولا بد أن يستسيغ التأويل في بعض المواضع ، كما أننا مجبرون على التأويل في مواضع عديدة وإلا أصبحنا في تهافتٍ وتناقضٍ واضطرابٍ عجيب ، وذلك كقوله تعالى : {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص : 88 ]  ، وظاهر الآية هلاك الذات إلا الوجه ، ولا مناص من تأويل الوجه بالذات لأنّه يستحيل أن يهلك الذات إلا الوجه ، وقوله تعالى : { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } [الطور : 48 ]   ، والمعنى بمرأى منا ولا تغيب عنا وليس المراد أنك بداخل أعيننا ، ولكن ظاهر الآية يدل على وجود النبي داخل العيون ، ، وقوله تعالى : { فإني قريب }[ البقرة : 186 ]  ، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق : 16 ] ، وقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } [ الواقعة : 85 ] ،  وظاهر  الآيات يدل على قرب الله تعالى بذاته ، والمراد قربه بالعلم والسمع والبصر والقدرة ، وقوله تعالى : { وهو معكم أينما كنتم } [الحديد  : 4 ] ، وقوله تعالى : { لا تحزن إن الله معنا } [ التوبة : 40 ] ، وظاهر  الآيات يدل على أن الله تعالى معنا بذاته ، والمراد معيته بالعلم والسمع والبصر والقدرة ، وقوله تعالى : { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ فصلت : 54 ] ، وقوله تعالى : { وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ } [ البروج : 20 ] ، وقوله تعالى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } [ النساء : 126 ] ، وظاهر  الآيات يدل على أن الله تعالى محيط بذاته بكل شيء ، والمراد احاطته بالعلم والسمع والبصر والقدرة ، ، وقوله تعالى : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [ طه : 5 ] ، وقوله تعالى : { الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } [ الفرقان : 59 ] ، وظاهر  الآيات يدل على أن الله تعالى على العرش بذاته ، وليس تأويل آيات القرب والمعية والإحاطة بأولى من تأويل الاستواء ،  لا سيما وآيات القرب والمعية والإحاطة أكثر عددا ، والمراد استواؤه بالقدرة والربوبية والهيمنة ، إذ التمدح لا يكون بالجلوس ، وإنما بالهيمنة والقدرة ،  ، وقوله تعالى : { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } [ المائدة : 64 ] ،  قوله تعالى : { بل يداه مبسوطتان } يدل ظاهرها على البسط وعدم القبض وهذه حالة المتشنج ، والمعنى الذي أراده اليهود بعيد عن ذلك ، أرادوا بقولهم يد الله مغلولة أنه بخيل فكذبهم الله في ذلك وبين أنه جواد لا يبخل فأخبر أن يديه مبسوطتان كما قال : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسورا } [ الإسراء : 29 ] ،  فبسط اليدين المراد به الجواد والعطاء، ليس المراد ما توهموه من بسط مجرد ولما كان العطاء باليد يكون ببسطها صار من المعروف في اللغة التعبير ببسط اليد عن العطاء ، وقوله تعالى : { يد الله فوق أيديهم } [ الفتح : 10 ] ، وظاهر الآية وجود اليد فوق الأيادي بمحاذاتها ، والمراد الكناية عن الرضا عن البيعة وقبولها ، وقوله تعالى : { نسوا الله فنسيهم } [ التوبة : 67 ] ، وظاهر الآية جواز النسيان على الله ، ولكن هذا الظاهر ليس هو المراد ، وإنما المعنى المراد هو تركهم في النار ،  ، وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ } [ الأحزاب : 57 ] وظاهر الآية جواز إيذاء الله تعالى ، وهو محال والمقصود أولياء الله والمؤمنين بالله ، وأتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } [ آل عمران : 142 ] ، وظاهر الآية نفي علم الله تعالى القديم ، وهو محال ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( ( اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته ، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس  فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء ) )  [ أخرجه مسلم 4  : 2084 ( 2713 )  وهو في سنن الترمذي 5 : 518 ( 3481 )  وسنن أبي داود 4 : 312 ( 5051 )  ] ، ففي هذا الحديث مقابلة بين وصف الله عز وجل بأنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء وبين وصفِه تعالى بأنه الباطن الذي ليس دونه شيء ،  فلا ينبغي أن نختار  في الوصف الأول ( الظاهر فليس فوقه شيء ) المسلك الظاهر ( اثبات العلو الحسي ) وفي الوصف الآخر  ( الباطن فليس دونك شيء )  مسلك التأويل والمجاز ( الكناية عن القرب والإحاطة بالعلم والسمع والبصر ) ، قال ابن عثيمين : ( الظاهر من الظهور وهو العلو… الباطن كناية عن إحاطته بكل شيء ولكن المعنى أنه مع علوه فهو باطن فعلوه لا ينافي قربه عز وجل فالباطن قريب من معنى القريب ) أهـ [ المحاضرات السنية لابن عثيمين 1 : 142 ]  ، فجعل الوصف الأول على ظاهره ، وجعل الوصف الثاني كناية ومجازا ، وإنما ألجئه إلى ذلك علمه بأن الله تعالى لا يصح وصفه بالسفل الحسي ، وعلماء الأصول المتخصصون في العقيدة ، يعلمون بسبب تخصصهم في هذا العلم ، أنّه يجب اثبات صفة العلو لله تعالى ، ولكن على سبيل علو المكانة لا المكان ، ويعلمون أنّه يستحيل وصف الله تعالى بالعلو المكاني ولا بالسفل المكاني لأنّ كل الأماكن عند الله تعالى سواء ، هو القريب من كل شيء ، فليس شيء منها بعيد عن الله ، وهو المحيط بكل شيء وهو القاهر لكل شيء ، ويعلمون أنّ المعنى المقصود من الحديث  ( وأنت الظاهر فليس  فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء ) هو الإشارة إلى تنزهه تعالى عن الوجود المكاني ، لأن الظاهر الذي لا يكون شيءٌ فوقه إذا كان هو الباطن الذي لا شيءَ دونه فلا يُعقل أن يكون مختصاً بالمكان ، وغير هذا الفهم تحكم بغير دليل ، أما اثبات الظاهر في شطر الحديث ، واثبات المجاز ( الكناية ) في الشطر الآخر فهذا هو التناقض ، وهذا هو التحكم بغير دليل  ،

[  3  ] : ما يدل على جواز التأويل المقبول أنّه تأويل ناشئ عن ضرورة : الأصل هو مذهب السلف الحقيقي الصحيح ، والمتمثل في الإيمان بما ورد به الكتاب والسنة من المتشابه على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، دون التعرض لتأويله مع اعتقاد التقديس وأن الله عز وجل لا يشبه شـيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها، وأن كل ما تمثل في الوهم فهو مُقدِّرُه قطعاً وخالقُهُ ، ولكن قد يلجأ علماء الأصول إلى التأويل : لضرورة الرد على أهل البدع من المجسمة والمشبهة والحشوية الجاهلين بقواعد التقديس ، أو عند انتشار التشبيه والتمثيل بين العامة الذين لا يفهمون البلاغة والمجاز في القرآن والسنّة ، بل يحملون الألفاظ على معانيها الظاهرة ، فآنذاك يكون التأويل مطلوباً لقطع دابر البدع والمحدثات ، قال الإمام عدي بن مسافر الشامي : " ونؤمن بما ورد به الكتاب والسنة ولا نتعرض للتأويل بعد أن نعلم أن الله عز وجل لا يشبه شـيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها، فإن كل ما تمثل في الوهم فهو مُقدِّرُه قطعاً وخالقُهُ، وهذا الذي درج عليه السلف قبل ظهور الأهواء وتشعب الآراء، فلما ظهرت البدع وانتشر في الناس التشبيه والتعطيل فزع أهل الحق إلى التأويل ) " اهـ. [ اعتقاد أهل السنة والجماعة ص : 26 ] ، وقال العلامة ملا على القاري : " ولم يريدوا بذلك - أي التأويل - مخالفة السلف الصالح - معاذ الله أن يظن بهم ذلك - وإنما دعت الضرورة في أزمنتهم لذلك، لكثرة المجسمة والجهمية وغيرها من فرق الضلال، واستيلائهم على عقول العامة، فقصدوا بذلك ردعهم وبطلان قولهم، ومن ثم اعتذر كثير منهم وقالوا : لو كنا على ما كان عليه السلف الصالح من صفاء العقائد وعدم المبطلين في زمنهم لم نخض في تأويل شيء من ذلك )  اهـ. [ مرقاة المفاتيح 2  :  136 ] وقال الحافظ بن حجر : " أكثر السلف لعدم ظهور أهل البدع في أزمنتهم يفوضون علمها – آيات الصفات – إلى الله تعالى مع تنزيهه سبحانه عن ظاهرها الذي لا يليق بجلال ذاته، وأكثر الخلف يؤولونها بحملها على محامل تليق بذلك الجلال الأقدس والكمال الأنفس، لاضطرارهم إلى ذلك لكثرة أهل الزيغ والبدع في أزمنتهم )  اهـ. [ مرقاة المفاتيح 1 : 134 ] ، وقال الإمام النووي : "  ( فإن دعت الحاجة إلى التأويل لرد مبتدع ونحوه تأوّلوا حينئذ، وعلى هذا يحمل ما جاء عن العلماء في هذا - أي التأويل - "  اهـ. [ المجموع 1  :  25 ] ، وقال العلامة ملا علي القاري : " اتـفـق السلف والخلف على تنـزيه الله تعالى عن ظواهر المتشابهات المستحيلة على الله تعالى... وخاض أكثر الخلف في التأويل لكن غير جازمين بأن هذا هو مراد الله تعالى من تلك النصوص، وإنما قصدوا بذلك صرف العامة عن اعتقاد ظواهر المتشابه، والرد على المبتدعة المتمسكين بأكثر تلك الظواهر" اهـ. [ مرقاة المفاتيح 1 :  189] ، وقال الإمام العز بن عبد السلام : " وليس الكلام في هذا - يعني التأويل - بدعة قبيحة، وإنما الكلام فيه بدعة حسنة واجبة لَمَّا ظهرت الشبهة، وإنما سكت السلف عن الكلام فيه إذ لم يكن في عصرهم من يحمل كلام الله وكلام رسوله على ما لا يجوز حمله عليه، ولو ظهرت في عصرهم شبهة لكذبوهم وأنكروا عليهم غاية الإنكار، فقد رد الصحابة والسلف على القدرية لما أظهروا بدعتهم، ولم يكونوا قبل ظهورهم يتكلمون في ذلك" اهـ. [ فتاوى العز بن عبد السلام ص  :  22 ] ، وعلى ذلك فالأشاعرة و مثلهم الماتريدية  لم يخالفوا السلف في الاعتقاد وإنما ألجأهم إلى التأويل ضرورة الرد على أهل البدع وصرف أذهان العامة عن التشبيه والتجسيم ،

[  4  ] : ما يدل على جواز التأويل المقبول أنّه ليس تأويل بالهوى كما يفعل أهل البدع ، بل هو تأويل له ضوابط دقيقة تضبطه : المقصود بالتأويل الصحيح هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لاعتضاده بدليل يدل على أن مراد المتكلم بكلامه ذلك الاحتمال المرجوح ، وللتأويل عندهم أقسام ثلاثة : الأول التأويل الصحيح وهو التأويل الذي يصار إليه بدليل مع استيفاء شروطه ، والثاني : التأويل الفاسد : وهو التأويل الذي يصار إليه بما يظنه المؤوِّل باعتقاده دليلاً، وهو ليس كذلك في الواقع ونفس الأمر ، والثالث : التأويل الباطل المردود : وهو التأويل الذي يصار إليه بلا دليل، بل هو لعب، وعبث، وتحكم ، وهو ما جنح إليه أصحاب الأهواء والاعتزال ، ولو فتح باب هذا التأويل الباطل لأدى ذلك إلى ضياع الشريعة ، أما شروط التأويل الصحيح التي يجب مراعاتها حتى يصح عندهم تتمثل في : ( أ ) أن يكون التأويل موافقاً لوضع اللغة العربية ، أو عرف الاستعمال ، وكل تأويل خرج عن هذا فليس بصحيح، ( ب ) وأن يستند التأويل إلى دليل صحيح يصرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره ، فإذا انعدم الدليل بطل التأويل ، ( ت ) وأن يكون اللفظ المراد تأويله قابلاً للتأويل وأن يحتمل اللفظ المعنى الذي أول إليه وإلاَّ كان التأويل فاسدًا ، ( ث ) وأن يكون هذا الدليل أقوى من الظاهر، وإلا فإن الأصل الأخذ بالظاهر ، ( ج ) أن يستحيل حمل اللفظ على ظاهره ، وإلا أدى إلى وقوع الخلل والخطأ ، ( ح ) أهلية الناظر للتأويل ، وذلك بأن يكون متخصصاً صاحب دراية بالأصول والقواعد الأصولية والفقهية ، وله ملكة فقهية تؤهله للنظر، و إلاَّ كان قائلاً على الله تعالى بلا علم ، وبعد فتلك ضوابط التأويل عندهم ، ولابد من اجتماعها جميعاً لجواز التأويل ، وإن انتفى شرط واحد منها ، لم يقبل التأويل ، وهي كما ترى قمة الضبط في العقيدة والفقه في الدين ، والاحتراز من التقول على الدين بغير علم ، فأين هذا التأويل من تأويل أهل البدع الذين تجري الأهواء  في نفوسهم كمجرى الدم في العروق ،

 

***

( 12 )

تبني ابن تيمية لأقوال شاذة جدا تضر بالعقيدة 

ومن ذلك

(  أ  ) إنكاره المجاز في القرآن

( ب ) ومخالفته لجمهور الأصوليين والفقهاء في الحكم على خبر الآحاد

 

(  أولا  ) :  إنكاره المجاز في القرآن

[  1  ]  المجاز واقع في لغة العرب وواقع في القرآن الكريم  : القرآن كتاب عربي مبين نزل بلسان عربي مبين ، قال تعالى : { لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ } [ النحل : 103 ] ، وقال تعالى : { وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [ الشعراء : 192 إلى  195] ،  وقال تعالى : { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } [ فصلت : 44 ] ، ما كان من استعمالات العربية من أساليب البلاغة والبيان ، فهو لاشك يسري على القرآن لأنه نزل بلسان عربي مبين ، ولما كانت البلاغة هو ذروة البيان العربي ، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم ، ولما كان المجاز هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال ، كان القرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز ، وهذا ما دعا عبد القاهر أن يقول : ( ومن قدح في المجاز ، وهم أن يصفه بغير الصدق ، فقد خبط خبطا عظيما ) أهـ [ أسرار البلاغة : صـ ٣٦١ ] ، وقال الزركشي : ( ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد والحذف وتثنية القصص وغيره ، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن ) [ البرهان في علوم القرآن : ٢ : ٢٥٥ ] ، وقال السيوطي : ( ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة ولو وجب خلو القرآن من المجاز وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتثنية القصص وغيرها ) أهـ [الإتقان ج : 2 ص : 97 ] ، وقال الشوكاني : ( المجاز واقع في لغة العرب عند جمهور أهل العلم وخالف في ذلك أبو إسحاق الإسفرائيني  ، وخلافه هذا يدل أبلغ دلالة على عدم اطلاعه على لغة العرب وينادي بأعلى صوت بأن سبب هذا الخلاف تفريطه في الاطلاع على ما ينبغي الاطلاع عليه من هذه اللغة الشريفة وما اشتملت عليه من الحقائق والمجازات التي لا تخفى على من له أدنى معرفة بها وقد استدل بما هو أوهن من بيت العنكبوت ، ..  وكما أن المجاز واقع في لغة العرب فهو أيضا واقع في الكتاب العزيز عند الجماهير وقوعا كثيرا بحيث لا يخفى إلا على من لا يفرق بين الحقيقة والمجاز وقد روي عن الظاهرية نفيه في الكتاب العزيز وما هذا بأول مسائلهم التي جمدوا فيها جمودا يأباه الإنصاف وينكره الفهم ويجحده العقل وأما ما استدل به لهم من أن المجاز كذب لأنه ينفي فيصدق نفيه وهو باطل لأن الصادق إنما هو نفي الحقيقة فلا ينافي صدق إثبات المجاز وليس في المقام من الخلاف ما يقتضي ذكر بعض المجازات الواقعة في القرآن والأمر أوضح من ذلك وكما أن المجاز واقع في الكتاب العزيز وقوعا كثيرا فهو أيضا واقع في السنة وقوعا كثيرا والإنكار لهذا الوقوع مباهتة لا يستحق المجاوبة ) [ إرشاد الفحول : 50 ، 51 ] ، وقال الجرجاني في دلائل الاعجاز في علم المعاني : ( ثم إِنه اتّفاقٌ منَ العقلاء أن الوصف الذي به تَنَاهى القرآنُ إِلى حَدٍّ عَجِزَ عنه المخلوقون هو الفصاحةُ والبلاغة ،  .. ودَعْ هذا وهَبْ أنه لا يلزمُ شيءٌ منه ،  فإِنه يكفي في الدَّلالة على سقوطهِ وقلَّةِ تمييز القائل به أن يقتضيَ إِسقاطَ الكناية والاستعارة والتمثيل والمجاز والإيجاز جملة واطِّراحَ جميعها رأساً مع أنها الأقطابُ التي تَدورُ البلاغةُ عليها والأَعضادُ التي تستند الفصاحةُ إِليها والطِّلبةُ التي يتَنازعها المُحسِنون والرِّهان الذي تجرَّب فيه الجياد والنِّضال الذي تُعرفُ به الأيدي الشِّداد وهي التي نَوّه بذكرها البُلغاءُ ورفعَ من أقدارها العَلماءُ وصنَّفوا فيها الكتب ووكَّلوا بها الهِمَم وصرَفوا إِليها الخَواطرَ حتّى صارَ الكلامُ فيها نوعاً من العلم مُفرداً وصناعةً على حِدَة ولم يتعاطَ أحدٌ من الناس القولَ في الإِعجاز إِلاّ ذكرَها وجعلَها العُمُدَ والأركانَ فيما يوجب الفضلَ والمزية وخصوصاً الاستعارة والإِيجاز ،  فإِنكَ تراهم يجعلونَهما عنوانَ ما يذكرون وأولَ ما يُوردون وتراهم يذكرونَ من الاستعارة قولَه عزَّ وجل : { واشْتَعَلَ الرأْسُ شيباً } وقولَه : { وأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِم العِجْلَ } وقولَه عز و جل : { وآيةٌ لَهُمْ اللّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَار} وقوله عز و جل : { فاصْدَعْ بِمَا تُؤمَرُ } وقولَه : { فلما اسْتَيأسوا منه خَلَصوا نَجيَّاً } وقولَه تعالى : { حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا ؤ وقولَه : { فَما رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ } ، ومن الإيجاز قولَه تعالى : { وإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قومٍ خِيانةً فانْبذْ إِليهم عَلى سَوَاءٍ } وقولَه تعالى : { ولا يُنْبِئُك مِثْلُ خَبِيرٍ } وقولَه : { فشرِّدْ بِهم مِنْ خَلْفَهُمْ } ، وتراهم على لسانٍ واحدٍ في أن المجازَ والإِيجازَ من الأركانِ في أمرِ الإِعجاز ) أهـ [ دلائل الإعجاز : ج 1 ، صـ 378 ، 379 ] ، والقرآن الكريم يمتلئ بالمجاز الذي هو ذروة اللغة وسنام بلاغتها ، ومن ذلك :  التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات ، كما في قوله تعالى : { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة : 257 ] ، وقوله تعالى : { الـر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } [ ابراهيم : 1 ] ، وقوله تعالى : { رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } [ الطلاق : 11 ] ، والتعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة ، كما في قوله تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] ، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية ، كما في قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ الشورى : 52 ] ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا } [ النساء : 174 ] ، والتعبير عن المؤمن بالحي الذي يسمع ويبصر فيستفيد بما يسمع ويبصر ، وعن الكافر بالميت الذي لا يسمع ولا يبصر لأنّه لا يستفيد بهما ، وهذا كما في قوله تعالى : { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ } [ النمل : 80 ، 81 ] ، فسياق الآية يتناول الكفار الذين لا يهتدون ، وقوله تعالى : { وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا } [ الإسراء : 72 ] ، ومعلوم أنّ المقصود بالعمى هو عمى القلب عن سماع الحق ورؤية الحقيقة ، وإلا فإنّ الآية لو أخذت على الحقيقة لا المجاز - كما ينكره من به عمى عن رؤية بلاغة اللغة العربية ومجازها - فإنّ كل أعمى البصر في الدنيا فإنه سيكون أعمى في الآخرة وأضل سبيلا ، وهذا لا يقول به عاقل ، فالآية عبّرت عن الكافر بالأعمى لأنّه لا يرى الهداية ولا يميزها عن الكفر والضلال ، والتعبير عن الكفر الموجب لدخول النار بشفا الحفرة ، كما في قوله تعالى : { وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا } [ آل عمران : 103 ] ، وشفا الجرف الهار ، كما في قوله تعالى : { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ التوبة : 109 ] ، والتعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح ، كما في قوله تعالى : { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء : 24 ] ، وقوله تعالى : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 215 ] ، ومعلوم أنّه ليس للمؤمن جناح يخفضه عند والديه ، ولا للرسول صلى الله عليه وسلم جناح يخفضه للمؤمنين ، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب ، كما يعبر عن التواضع باللين ، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } [ آل عمران : 159 ] ، والتعبير بالأخذ تارة عن الهلاك ، وتارة عن القبول والرضا ، وتارة عن الجد والاجتهاد في التمسك ، فمن التعبير عن الأخذ بالهلاك  كما في قوله تعالى : { فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً } [ الحاقة : 10 ] ، وقوله تعالى : { فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ آل عمران : 11 ] ، ، وقوله تعالى : { وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ } [ غافر : 5 ] ، ومن التعبير بالأخذ عن الجد والاجتهاد في التمسك ، قوله تعالى : { يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ } [ مريم : 12 ] ، وقوله تعالى : { خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ البقرة : 63 ] ، ومن التعبير بالأخذ عن القبول والرضا قوله تعالى : { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [ التوبة : 104 ] ، وقوله تعالى : { فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ } [ الأعراف : 144 ] ، والتعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ  ( 67 } [ التوبة : 67 ] ، والتعبير بالبسط تارة عن العدوان ، كما في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ } [ المائدة : 11 ] ، وتارة عن الغنى كما في قوله تعالى : { اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } [ الرعد : 26 ] ، كما يعبر بالقبض والبسط عن الغنى والفقر ، كما في قوله تعالى : { وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  ( 245 } [ البقرة : 245 ] ، وقمة البلاغة والمجاز التعبير عن التوسط بالإنفاق في قوله تعالى : { وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا } [ الإسراء : 29 ] ، والتعبير عن غاية الكرم والسخاء ببسط اليد كما في قوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } [ المائدة : 64 ] ، فاليهود قصدوا بالغل وصف الله تعالى بالبخل { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أي غاية السخاء والكرم { يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } ، والتعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين ، كما في قوله تعالى : { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ } [ هود : 37 ] ، وقوله تعالى : { فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا } [ المؤمنون : 27 ] ، وقوله تعالى : { وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } [ القمر : 13 ، 14 ] ، والسفينة لا تجري في أعين الله ، تعالى الله ، وإنما هو تعبير مجازي عن رعاية الله تعالى وحفظه لأهل السفينة ، وقوله تعالى : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } [ طه : 39 ] ، وقوله تعالى : { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } [ الطور : 48 ] ، ومعلوم أنّ موسى عليه السلام لم يصنع على عين الله تعالى ، { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } ، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في عين الله ، { فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا  } ، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة  ، والتعبير عن القهر والقدرة والغلبة والملك بلفظ اليد ، كما في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى } [ الأنفال : 70 ] ، أي في قهركم واستيلائكم ، لأنّ الكفار لم يكونوا في أيديهم ، وقوله تعالى : {  وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } [ المؤمنون : 5 ، 6 ] ، ومعلوم أنّ ملكة اليمين ليسن في اليمين ولكنه تعبير مجازي عن ما يملكه الإنسان ،  ومنه قوله تعالى : { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ الملك : 1 ] ، أي له القدرة التامة والقهر على عباده وخلقه ، والتعبير عن الذات باليد ، كما في قوله تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [ الروم : 41 ] ، وقوله تعالى : { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } [ الشورى : 30 ] ، والمقصود به مطلق ذنوب الناس لا ذنوب اليدين فقط ، كما في قوله تعالى : {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } [ الحج : 10 ] ، والتعبير عن الذات بالوجه ، كما في قوله تعالى : { إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ‘ 27 ] ، ولا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه ، سبحان الله وتعالى عما يصفون ، تنزه عن الأجزاء والأبعاض والجوارح ، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ،

[  2  ]  : إثبات مجاز القرآن ، وبيان خطأ الحشوية في نفي المجاز وهو أجمل البلاغة  :  القرآن هو المعجزة التي جاءت في زمن الفصاحة والبيان ، تحدى بها الله تعالى بلغاء العرب وفصحائهم ، فعجزا عن الإتيان بمثل سورة واحدة من سوره الكريمة ،  مع أنّه نزل بلغتهم جاء على طرائقهم في البيان والكلام ، قال تعالى : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [ يوسف : 2 ] ، وقال تعالى : { كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } [ فصلت : 3 ] ، وقال تعالى : { قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [ الزمر : 28 ] ، وكل ما اشتملت عليه اللغة من البلاغة والفصاحة فقد جاء القرآن بأعلى ما اللغة من جمال وبيان ، ومن ذلك ( المجاز ) الذي هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال ، والقرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز ، وهذا ما دعا عبد القاهر أن يقول : ( ومن قدح في المجاز ، وهم أن يصفه بغير الصدق ، فقد خبط خبطا عظيما ) أهـ [ أسرار البلاغة : صـ ٣٦١ ] ، وقال الزركشي : ( ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد والحذف وتثنية القصص وغيره ، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن ) [ البرهان في علوم القرآن : ٢ : ٢٥٥ ] ، وقال السيوطي :  ( ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة ولو وجب خلو القرآن من المجاز وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتثنية القصص وغيرها ) أهـ [ الإتقان ج : 2 ص : 97 ] ، وقال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط : ( والمجاز في كلام العرب أكثر من رمل يبرين ونهر فلسطين ) أهـ  [ تفسير البحر المحيط ، سورة البقرة ، آية 115 ] ، وقال الشوكاني : ( وكما أن المجاز واقع في لغة العرب فهو أيضا واقع في الكتاب العزيز عند الجماهير وقوعا كثيرا بحيث لا يخفى إلا على من لا يفرق بين الحقيقة والمجاز وقد روي عن الظاهرية نفيه في الكتاب العزيز وما هذا بأول مسائلهم التي جمدوا فيها جمودا يأباه الإنصاف وينكره الفهم ويجحده العقل وأما ما استدل به لهم من أن المجاز كذب لأنه ينفي فيصدق نفيه وهو باطل لأن الصادق إنما هو نفي الحقيقة فلا ينافي صدق إثبات المجاز وليس في المقام من الخلاف ما يقتضي ذكر بعض المجازات الواقعة في القرآن والأمر أوضح من ذلك وكما أن المجاز واقع في الكتاب العزيز وقوعا كثيرا فهو أيضا واقع في السنة وقوعا كثيرا والإنكار لهذا الوقوع مباهتة لا يستحق المجاوبة ) [ إرشاد الفحول : 50 ، 51 ] ، 

[  3  ] : أنواع المجاز في القرآن  : ( المجاز ) هو اللفظُ المستعملُ في غير ما وضعَ له في اصطلاحِ التخاطَب لعلاقةٍ ، مع قرينةٍ مانعةٍ من إرادة ِ المعنى الوضعيِّ  ، والعلاقةُ بينهما هي المناسبةُ بين المعنَى الحقيقيِّ والمعنى المجازيِّ ، قد تكونُ ( المشابهةَ ) بين المعنيينِ ، وقد تكونُ غيرَها ،فإذا كانتِ العلاقةُ ( المشابهةَ ) فالمجازُ ( استعارةٌ ) ، وإلا فهو ( مجازٌ مرسلٌ ) ، والقرينةُ : هي المانعةُ من إرادة المعنى الحقيقيِّ ، و المجاز المرسل قسمان : القسم الأول : المجاز في التركيب ، ويسمّى المجاز العقلي ، أو مجاز الإسناد لأنّه يجري في الإسنادِ ، بمعنى أن يكونَ الإسنادُ إلى غير من هوَ لهُ ، ومنه الإسنادُ إلى المكانِ ، نحو قوله تعالى  : { وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ } ، فقد أسندَ الجريَ إلى الأنهار ، وهي أمكنةٌ للمياهِ ، وليستْ جاريةً بل الجاري ماؤُها وعلاقته الملابسة ، ونحو ، { ياهامان ابنِ لي } ، ( والبناء فعل العمال ) ، ونحو { وأخرجت الأرض أثقالها } ، ونحو { فما ربحت تجارتهم } ، والتجارة لا تربح فلما كان الربح فيها نسب الفعل إليها ، ونحو { أم أنزلنا عليهم سلطانا } ، أي برهاناً ؛ ونحو قوله تعالى ‏{‏وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا‏}‏ نسبت الزيادة وهي فعل الله إلى الآيات لكونها سببًا لها ، وكقوله تعالى : ‏{‏وأحلوا قومهم دار البوار‏}‏ نسب الإحلال إليهم لتسببهم في كفرهم بأمرهم إياهم به‏ ، وكقوله تعالى ‏{‏يومًا يجعل الولدان شيبًا‏}‏ نسب الفعل إلى الظرف لوقوعه فيه ، وكقوله ‏تعالى {‏حتى تضع الحرب أوزارها‏}‏ ‏، وكقوله تعالى {‏تؤتي أكلها كل حين‏}‏ ‏، وكقوله تعالى {‏فأمه هاوية‏}‏ فاسم الأم الهاوية مجاز‏ :‏ أي كما أن الأم كافلة لولدها وملجأ له كذلك النار للكافرين كافلة ومأوى ومرجع‏ ، والقسم الثاني : المجاز في المفرد، ويسمّى المجاز اللغوي وهو استعمال اللفظ في ما وُضع لـه أولاً ، وأنواعه كثيرة ، منها : إطلاق اسم الكل على الجزء نحو { يجعلون أصابعهم في آذانهم } ، أي أناملهم ، ونحو {  وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } ، أي وجوههم ؛ ونحو { من شهد منكم الشهر فليصمه } ، أي أول الشهر ، وإطلاق الجزء على الكل نحو { ويبقى وجه ربك } ، أي ذاته ، وإطلاق اسم الخاص على العام نحو { إنا رسول رب العالمين } ، أي رسولاه ، وإطلاق اسم العام على الخاص نحو { ويستغفرون لمن في الأرض } ، أي للمؤمنين ! ، وإطلاق اسم اللازم على الملزوم نحو { هل يستطيع ربك أن ينزّل علينا مائدة } ، أي هل يفعل؟ أطلق الاستطاعة على الفعل لأنها لازمة له ، وإطلاق المسبّب على السبب نحو { ينزل لكم من السماء رزقاً  } ، أي مطراً يتسبب عنه الرزق ، وإطلاق السبب على المسبّب نحو { ما كانوا يستطيعون السمع } ، أي القبول والعمل ، وتسمية الشيء باسم ما كان عليه نحو  { وآتوا اليتامى أموالهم } ، أي الذين كانوا يتامى ، وتسمية الشيء باسم ما يؤول إليه { إني أراني أعصر خمراً  } ، أي عنباً يؤول إلى الخمرية ، وإطلاق اسم الحالّ على المحل نحو  { ففي رحمة الله هم فيها خالدون } ، أي في الجنة محل الرحمة ، وإطلاق اسم المحل على الحالّ نحو { فليدع ناديه } ، أي أهل ناديه. ومنه التعبير باليد عن القدرة { بِيَدِهِ الْمُلْكُ  } ، وتسمية الشيء باسم آلته نحو { واجعل لي لسان صدق } ، أي ثناءً لأن اللسان آلته ، وتسمية الشيء باسم ضده نحو { فبشرهم بعذاب أليم } ، والبشارة للخبر السار ، وإضافة الفعل إلى ما لا يصح منه، تشبيهاً نحو { جداراً يريد أن ينقض } ، وإطلاق الفعل والمراد مشارفته وإرادته { وإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن } ، أي قاربن البلوغ ، و { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا } ، أي أردتم القيام ؛ { وإذا قرأت القرآن فاستعذْ } ، أي أردت القراءة ، ومنه قلب الإسناد نحو { ما إنَّ مفاتحه لتنؤ بالعصبة } ، أي لتنوء العصبة بها ،  ومنه إقامة صيغة مقام أخرى ، منها ما هو إطلاق المصدر على الفاعل نحو {  فإنهم عدو لي } ، أو إطلاق المصدر على المفعول نحو { ولا يحيطون بشيء من علم } ، أي معلومه ، ومنها إطلاق الفاعل والمفعول على المصدر نحو { ليس لوقعتها كاذبة } ، أي تكذيب ، ومنها إطلاق فاعل على مفعول نحو { ماء دافق } ، أي مدفوق؛ { حجاباً مستورا } ، أي ساتراً ، ومنها إطلاق فعيل بمعنى مفعول نحو { وكان الكافر على ربه ظهيراً } ، ومنها إطلاق واحد من الفرد والمثنى والجمع على آخر نحو { والله ورسوله أحق أن يُرضوه } ، أي يرضوهما؛ ونحو { إنَّ الإنسان لفي خسر } ، أي الأناسي؛ ونحو { القيا في جهنم } ، أي القِ. ومنه كل فعل نُسب لشيئين وهو لأحدهما فقط نحو { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } ، أي من الملح دون العذب؛ ونحو { جعل القمر فيهن نوراً } ، أي في إحداهن. ومثال إطلاق الجمع على المفرد { قال رب ارجعون } ، أي ارجعني! ومثال اطلاقه على المثنى { قالتا أتينا طائعين } ، ! { فقد صفت قلوبكما } ، أي قلباكما! { وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ... وكنا لحكمهم شاهدين } ، ‍‍ ومنها إطلاق الماضي على المستقبل لتحقق وقوعه نحو { أتى أمر الله } ، أي الساعة. وعكسه لإفادة الدوام والاستمرار فكأنه وقع واستمر نحو { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } ، ؛ ونحو { فلِمَ تقتلون أنبياء الله } ، أي قتلتم ، ومنها إطلاق الخبر على الطلب أمراً أو نهياً أو دعاء مبالغة في الحث عليه حتى كأنه وقع، نحو { والوالدات يرضعن. والمطلقات يتربصن } ، الأمر بمعنى الخبر أبلغ من الخبر لتضمّنه اللزوم ، ومنها وضع النداء موضع التعجّب نحو { ياحسرة على العباد! } ، أي فيا لها حسرة ، والحسرة لا تنادى وإنما يُنادى الأشخاص ، ومنها وضع جَمْع القلة موضع الكثرة نحو { وهم في الغرفات آمنون } ، ! وغرف الجنة لا تحصى؛ ونحو { هم درجات عند الله } ، ورتب الناس عند الله أكثر من العشرة ، ومنها تذكير المؤنث على تأويله بمذكر نحو { فمن جاءَه موعظة من ربه } ، أي وعظ ! ونحو { وأحيينا به بلدةً ميتاً } ، ! على تأويل المكان؛ ونحو { فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي } ، أي الشمس! ونحو { إن رحمة الله قريب من المحسنين } ، ذكر الرحمة على معنى الإحسان! ونحو { ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } ، أي لتلك الرحمة! ، ومنها التغليب وهو إعطاء الشيء حكم غيره نحو { وكانت من القانتين } ، والأصل القانتات ؛ ونحو { إلا امرأته كانت من الغابرين } ، والأصل من الغابرات ، فعدّت الأنثى من المذكر بحكم التغليب ، ونحو  { ياليت بيني وبينك بعد المشرقين } ، أي المشرق والمغرب! وغلب المشرق لأنه أشهر الجهتين! ونحو { مرج البحرين } ، أي الملح والعذب، والبحر خاص بالملح فغلب لكونه أعظم ؛ ونحو و { ولكلٍّ درجات مما عملوا } أي من المؤمنين والكفار ، فالدرجات للعلو، والدركات للسفل فاستعمل الدرجات من باب التغليب ،  وإنما التغليب من باب المجاز لأن اللفظ لم يُستعمل في ما وُضع له ، وهناك من المجاز : ( الاستعارة ) : هي استعمالُ اللفظُ في غير ما وضعَ له لعلاقةِ ( المشابهةِ ) بين المعنَى المنقولِ عنه والمعنِى المستعملِ فيهِ ، مع ( قرينةٍ ) صارفةٍ عن إرادةِ المعنَى الأصليِّ  ، وكلُّ مجازٍ يبنَى على التشبيهِ ( يسمَّى استعارةً ) ، وللاستعارةِ أجملُ وقعٍ في البلاغة ، لأنها تمنحُ الكلامَ قوةً ، وتكسوهُ حسناً ورونقاً ، وقرينةُ الاستعارةِ :  هي الأمرُ الذي ينصِّبُه المتكلمُ دليلاً على أنه أراد باللفظِ غيرَ معناهُ الحقيقيِّ  ، ويمكن تقسيمُ الاستعارة إلى تصريحية وإلى مكنية : فالاستعارةُ التصريحيةُ  : هي ما صُرَّحَ فيها بلَفظِ المشبَّه بهِ ، كقوله تعالى  : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }  ، والصراطُ الطريقُ  ،فقد شبَّه الدينَ بالصراطِ بجامعِ التوصيل إلى الهدفِ في كلٍّ منهما وحذفَ المشبَّه وهو الإسلامُ وأبقى المشبَّهَ بهِ  ، وقوله تعالى  : { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } ، فقد شبَّه الكفرَ بالظلماتِ  والإيمانَ بالنورِ وحذفَ المشبَّه وأبقى المشبَّهَ به ، والاستعارةُ المكنيَّةُ  : هي ما حُذِفَ فيها المشَبَّهَ بهِ ورُمِزَ لهُ بشيء مِنْ لوازمه ،  كقوله تعالى  : { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } ، فقد شبَّه الذلَّ بالطائرِ  ، وحذف المشبَّه به ولكنْ رمزَ إليه بشيءٍ من لوازمهِ وهو الجناحُ  ، فلم يذكر من أركانِ التشبيه إلا الذلَّ وهو المشبَّهُ ، وكقول الرسول صلى الله عليه وسلم  : ( ( بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ ) )   ، فقد شبَّه الإسلامَ بالبيتِ ،  ولكن حذف المشبَّهَ به وهو البيتُ وأبقى بعضاً من لوازمهِ الجوهريةِ وهو البناءُ ، وهناك من المجاز ( الكناية ) ، ومن أنواع الكناية : الكنايةٌ عن موصوفٍ :  كقوله تعالى  : {  وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ  } كناية عن السفينةِ والدسر هي المسامير ، والكناية عن الصفة ومنه قوله تعالى  : { وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ } كناية علن الهيمنة والقدرة ، وقوله تعالى  : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى  } ، كنايةٌ عن الربوبية والقهر وتمام القدرةِ ، وقوةِ التمكُّنِ والاستيلاءِ  ، وقوله تعالى  : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } [ النحل : 112 ] ، فهل القرية يأتيها رزقها أم أهل القرية ، وهل للجوع لباس ، وهل للخوف مذاق ، أم أنّها بلاغة المجاز في تصوير حال الكافرين عندما أبدلهم الله تعالى الرزق والرغد بالجوع والأمن بالخوف ، وقوله تعالى  : { فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [ الزمر : 26 ] ، فهل يستطيع أحد ان يخبرنا بطعم المخزي ومزاق الخزي في قوله تعالى : { فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ } ، أم أنّه المجاز على بيان عاقبة التكذيب ، ولو ذهبا نستطرد في ذكر المجاز في القرآن الكريم لما أسعفتنا  المجلدات ، ومن السخف والجهل باللغة والبلاغة والبيان إنكار المجاز من القرآن ،

[  4  ] : قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام في كتابه الإمام في بيان أدلة الأحكام في الفصل التاسع من كتابه ( فصل في ضروب من المجاز )  : [[ يعبر عن الأجسام والأعراض والنسب تارة بالحقيقة وتارة بالمجاز ..كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مآثر الجاهلية ( ( إنها موضوعة تحت قدميه ) )  استهانة بالمآثر المخالفة للشرع ، ويتجوز بلفظ النور في الجلال والجمال وكذلك يعبر بلفظ العرض عن عرض آخر على ما سنصفه إن شاء الله تعالى  بألفاظ الأجسام عن المعاني ، [ اليد ] : فيد القديم سبحانه وتعالى ويمينه عبارة عن قدرته وبطشه وقوته { بيده الملك } أي في قدرته { مما عملت أيدينا } أي مما أحدثته قدرتنا ، { لما خلقت بيدي } أي لما كونته بقدرتي ، { لأخذنا منه باليمين } ، أي بالقوة والبطش ، { كنتم تأتوننا عن اليمين } أي بسبب قوتكم وقدرتكم علينا ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الصدقة : ( ( إلا أخذها الرحمن بيمينه ) )  فعبارة عن حسن القبول لأن الأخذ باليمين مسبب عنه ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( ( إن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن ) )  عبر بذلك عن تكريمهم تقديرهم بمعنى أنه يعاملهم في الإكرام معاملة عظيم أجلس إنسانا على كرسي عن يمينه ، ويعبر ب [ العين ] عن إدراك المبصرات لأنها محل الإدراك كما يعبر باللسان عن الكلام وبالقلب عن العقل  فقوله : { فإنك بأعيننا } أي بمرأى منا وكذلك قوله : { تجري بأعيننا } ، وبالمجيء والإتيان عن التعريف بعد الجهالة والهداية بعد الضلالة تشبيها لما غاب عن البصيرة بما غاب عن البصر فإن البعد والعزوب سبب للغيبة عن الإدراك لمنعها منه والقرب والحضور سبب الإدراك والمشاهدة  ، وكذلك الوقوف قد يعبر به عن التعريف في قولك وقفته على كذا إذ عرفته به لأن الواقف على الشيء مدرك لما وقف عليه ومنه قوله تعالى : { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } ، أي عرفوه فعرفوه ، وكذلك يعبر بالمحبة والكراهة والسخط والرضى والقرب والبعد والإقبال والإعراض عن آثارها ولوازمها وكذلك التردد في مساءة المؤمن ذكر عبارة عن منزلته ثم ربه فإن من عز عليك وكانت له مصلحة في طي مساءة فإنك تتردد في ذلك لمنزلته لديك بخلاف من هان عليك فإنه يسهل عليك مساءة ولا تبالي بما ناله .. : { فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا  } ،أي لا يعز عليه ولا يصعب ، وقد تستعمل بعض أفعالنا المضافة إلى الله سبحانه المتعلقة به على نوع من هذا المجاز كقربنا إليه وبعدنا منه وإعراضنا عنه وإقبالنا إليه وذهابنا إليه كقوله : { إني ذاهب إلى ربي } ، { إلا من أتى الله بقلب سليم } ، { فسحقا لأصحاب السعير } ، أي فبعدا لهم : {  فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم } ، { فأعرض فأعرض الله عنه } ، {  ومن أعرض عن ذكري } ، وأمثلة هذا وشواهده لا تحصى كثرة  ، وسأذكر شيئا من ضروب المجاز يستدل بما ذكرته على ما تركته ، فمن ذلك اليد وحقيقتها العضو اليد يعبر بها عن القهر والاستيلاء كقوله : { قل لمن في أيديكم من الأسرى } ، أي في قهركم واستيلائكم ويعبر بها عن القدرة وقد ذكرناه ، ومن ذلك الأخذ ويعبر به عن القهر والهلاك كقوله : { فأخذهم الله بذنوبهم  } ، { فأخذهم أخذة رابية } ، {  وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه } ، ويعبر عن الجد في التمسك ومعناه كقوله : { خذوا ما آتيناكم بقوة } ، {  خذ الكتاب بقوة } ، ويعبر به عن القبول كقوله : { ويأخذ الصدقات } ، وقوله عليه السلام : {  إلا أخذها الرحمن بيمينه } ، ويعبر به عن الأسر كقوله : {  خذوه فغلوه } ، {  وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد } ، ويعبر به عن الرضى كقوله : { فخذ ما آتيناك وكن من الشاكرين } ، { آخذين ما آتاهم ربهم } ،  ومن ذلك القبض ويعبر به عن تقتير الرزق والله يقبض ويبسط ويعبر به عن البخل : { ويقبضون أيديهم  } ،     ومن ذلك البسط ويعبر به عن الإغناء : { والله يقبض ويبسط } ،وعن كثرة البذل : { ولا تبسطها كل البسط } ، {  بل يداه مبسوطتان } ، ومن ذلك السعة ويعبر بها عن فلهذا كقوله : { والله واسع عليم  } ، { لينفق ذو سعة من سعته } ، وعن كثرة التعلق كقوله : { ربنا وسعت كل رحمة وعلما } ، {  وسع ربنا كل شيء علما } ، {  إن ربك واسع المغفرة } ،  ومن ذلك الضيق ويعبر به عن مشقة تحمل ما تكرهه النفوس من الفقر وسائر المكاره كقوله : { يجعل صدره ضيقا حرجا  } ، { ولا تك في ضيق مما يمكرون } ، { وضائق به صدرك  } ، ومن ذلك وصف الزمان والمكان بوصف ما يقع فيهما : { بلدا آمنا } ، {  قرية كانت ظالمة } ، {  من قريتك التي أخرجتك } ، {  قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان } ، الآية : { بلدة طيبة } ، { القرية التي كانت تعمل الخبائث } ، أمرت بقرية تأكل القرى : { وهذا البلد الأمين } ، { إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } ، { عذاب يوم عظيم  } ، { ويذرون وراءهم يوما ثقيلا } ، { وذلك يوم مشهود  } ، { يأكلن ما قدمتم لهن : { يوم عصيب } ، { يوم عقيم  } ، {  أيام نحسات } ، {  الشهر الحرام بالشهر الحرام  } ، ومن ذلك الغل ويعبر به عن البخل كقوله : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } ، {  وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم } ، ويعبر به عن التكاليف الشاقة ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم وعن موانع الانقياد وموانع الإيمان إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا   ، ومن ذلك التعبير  عن الشيء بمحله أو بما قارب محله كقوله : { فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو أذان يسمعون } ، بها عبر بالقلب عن العقل والأذن فإنك بأعيننا تجري بأعيننا : { ولتصنع على عيني } ، {  إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب } ، {  نزل به الروح الأمين على قلبك لما خلقت بيدي } ، {  مما عملت أيدينا أنعاما } ، {  السموات مطويات بيمينه } ، {  لأخذنا منه باليمين } ، { ونأى بجانبه } ، أي بنفسه ، ومن ذلك التعبير باللسان عن اللغة كقوله : { بلسان قومه } ، {  بلسان عربي مبين } ، { واختلاف ألسنتكم وألوانكم } ، وعن الثناء : { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } ، { وجعلنا لهم لسان صدق عليا  } ، ومن ذلك التمسك ويعبر به عن ملازمة الفعل والاعتماد عليه كقوله : { فاستمسك بالذي أوحي إليك } ، { والذين يمسكون الكتاب } ، { فقد استمسك بالعروة الوثقى } ، ومن ذلك الاستقامة ويعبر بها عن تعاطي الأفعال الحسنة ، ومن ذلك الكفر والرين والغين والحجاب والغطاء والأكنة والغلف والأقفال والختم والطبع والغشاوة والغمرة ويعبر بذلك كله عن موانع المعرفة والإيمان وسواير البصيرة عن العرفان ، فالموانع هي الجهل والشك وفساد الاعتقاد لأن الشكوك والجهالة تحول بين البصيرة وبين إدراك المعقولات كما أن الأجسام الكثيفة حائلة بين البصر وبين إدراك المبصرات فصار المعنى الساتر للبصيرة كالجسم الساكر للبصر : { إن الذين كفروا } ، {  ألا إن ثمودا كفروا ربهم } ، { بل ران على قلوبهم  } ، { إنه ليغان على قلبي } ، {  حجابا مستورا } ، { ومن بيننا وبينك حجاب } ، { فكشفنا عنك غطاءك } ، { وجعلنا على قلوبهم أكنة } ، {  قلوبنا غلف } ، {  أم على قلوب أقفالها } ، { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة  } ، { وطبع على قلوبهم } ، {  وجعل على بصره غشاوة } ، {  فأغشيناهم فهم لا يبصرون } ، { بل قلوبهم في غمرة من هذا } ، { وختم على سمعه وبصره وجعل على بصره غشاوة } ، عبر عن مانع فهم ما يسمعه أو يتعقله بالختم وعن مانع الاعتبار بما يشاهده بعينيه بالغشاوة ، ومن ذلك الصدق ويعبر به عن الحسن كقوله : { قدم صدق } ، و : { مقعد صدق } ، و : { لسان صدق } ، ومن ذلك خفض الجناح ويعبر به عن التواضع ولين الجانب : { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } ، { اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } ، ومن ذلك اللين ويعبر به عن حسن التأني وسرعة الانقياد : { فبما رحمة من الله لنت لهم } ، المؤمنون هينون لينون ، ومن ذلك الانقلاب على الوجه وعلى العقب أصل انقلب على وجهه رجع على طريقه الذي جاء منه ويعبر به عن الرجوع إلى مثل ما كان عليه من الفعل والاعتقاد انقلب على وجهه رجع إلى دينه وأصل الانقلاب على العقب الرجوع إلى جهة العقب ويعبر به أيضا عما يعبر منه بالإنقلاب على الوجه : { انقلبتم على أعقابكم  } ، { يردوكم على أعقابكم } ، { ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا } ، ومن ذلك العروة الوثقى و يتجوز بها عن الدين العاصم من العذاب ، ومن ذلك الحبل يتجوز به عن العهد : { واعتصموا بحبل الله جميعا  } ، {  إلا بحبل من الله وحبل من الناس } ،     إني بحبلك واصل حبلي    وبريش نبلك رائش نبلي ، ومن ذلك البناء و يعبر به عن تأليف الأجسام وأحكام تأليفها وإتقانه : { والسماء بنيناها بأيد } ، { والسماء وما بناها  } ، { كيف بنيناها وزيناها } ، ويعبر به عن أحكام الأمر والمكر وإبرامه : { فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم } ، عبر بذلك عن رجوع وبال مكرهم عليهم ، ومن ذلك  الشفا ويعبر به عن كفرهم الموجب لسقوطهم في النار : { وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها } ، وكذلك قوله : { على شفا جرف هار } ، عبر به عن نفاقهم الموجب لسقوطهم في النار وكذلك قوله : { فانهار به في نار جهنم  } ، ومن ذلك الشراء والبيع ويعبر سيما عن التكليف بشرط الثواب وعن البيع بالتزام التكليف : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } ، أي بذل أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة : { فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به } ، {  إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } ، {  لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } ، {  ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله } ، ومن ذلك بين اليدين ويعبر به عن التقدم والسبق : { فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } ، { ومصدقا لما بين يديه من الكتاب } ، {  بين يدي عذاب شديد  } ، { لا تقدموا بين يدي الله ورسوله اتقوا ما بين أيديكم } ، ومن ذلك النبذ والترك وراء الظهر ويعبر بهما عن الاستهانة والإعراض : { فنبذوه وراء ظهورهم  } ، { ويذرون وراءهم يوما ثقيلا  } ، { واتخذتموه وراءكم ظهريا  } ، { نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم  } ، ويعبر بالثقل عن المشقة كقوله : { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } ، ويعبر به عن الشرف في قوله صلى الله عليه وسلم الثقلين ومنه الثقلان الجن والإنس لشرفهما بالعقل ، ومن ذلك فتح الباب ويعبر به عن النقل من الشدة إلى الرخاء ومن النعمة إلى البلاء : {  فتحنا عليهم أبواب كل شيء } ، أي من النعم : { حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد } ، ويعبر بالفتح أيضا عن المعرفة بعد الجهالة في قوله : { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } ، على قول بعضهم وعن الحكم لأنه يفتح ما انغلق عن الخصمين : { قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم } ، {  ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين } ، وعن إفادة الرزق : { لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } ، ومن ذلك التعبير ببعض الشيء عن جملته ، يعبر عن الصلاة بالقرآن في قوله وقرآن الفجر وبالقيام في قوله : {  لا تقم فيه أبدا  } ، { من قام رمضان إيمانا واحتسابا  } ،وبالتسبيح في قوله : {  فسبح باسم ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } ، وبالذكر في قوله : { واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا } ، وبالسجود في قوله : { ومن الليل فاسجد له } ، وقوله : { فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم } ، وقوله : { يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون } ، وبالركوع في قوله : { واركعوا مع الراكعين } ،  ويعبر باليد عن الجملة في قوله : { وذلك بما قدمت يداك } ،  : { فبما كسبت أيديكم  } ، {  مما ملكت أيمانكم  } ،  ، ويعبر بالعضد عن الجملة : { سنشد عضدك بأخيك } ، وقد يعبر بالعضد عن الناصر : { وما كنت متخذ المضلين عضدا  } ، ومن ذلك  الأخذ بالناصية ويعبر به عن القهر والاستيلاء كقوله : { ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها } ،   ومن ذلك وصف الشيء بصفة بعضه قد يوصف الشيء بصفة بعضه كقوله تعالى : { بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم } ، فإن جميع آياته لا تشتمل على البشارة ولا على النذارة ، ومن ذلك وصف الشيء بما كان عليه وبما يؤول إليه : { وآتوا اليتامى أموالهم } ، {  إنك ميت وإنهم ميتون } ، {  أعصر خمرا } ، ومن ذلك النسب المجازية : { إنهن أضللن كثيرا من الناس  } ، {  فأخرجهما مما كانا فيه } ، { هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق } ، {  أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم } ، {  ولما سكت عن موسى الغضب } ، ومن ذلك العلو والفوقية والدرجة والرفعة يعبر بها عن المجد والشرف : { وهو العلي العظيم } ، ويعبر بالعلو عن الغلبة : { وأنتم الأعلون } ، {  والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } ، { نرفع درجات من نشاء } ، { وفوق كل ذي علم عليم } ، { رفيع الدرجات } ، { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات } ، { وهو القاهر فوق عباده } ، ومن ذلك الانسلاخ ويعبر به عن ترك العمل بعد التثبث به فانسلخ منها  ، ومن ذلك الكذب ويعبر به عن بطلان الدلالة وإبهامها : { وجاءوا على قميصه بدم كذب } ، ومن ذلك العلم ويعبر به عن الظن : { فإن علمتموهن مؤمنات } ، ويعبر بالظن عن العلم : { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم  } ، وكذلك الريب والقلق ومنه ريب المنون قال أمن المنون وريبها تتوجع ويعبر به عن الشك لأن القلق يلزمه  وكذلك الطيب اللذيذ والخبيث المستكره ويعبر بالطيب عن الحلال وعن ما حسن من الأقوال والأعمال وبالخبيث عن الحرام وعما قبح من الفعل والمقال كلمة طيبة : { ومثل كلمة خبيثة  } ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : { دعوها فإنها منتنة } ، {  طبت وطاب ممشاك  } ، { الخبيثات للخبيثين والطيبات للطيبين  } ، { كانت تعمل الخبائث  } ، الأرجاس والأنجاس أعيان مستقذرة ويعبر بهما عن الأوصاف المستقبحة ليذهب عنكم الرجس إنما المشركون نجس وقال النبي صلى الله عليه وسلم دعوها فإنها منتنة ، ومن ذلك   الطهارة إزالة الأنجاس ويعبر بها عن إزالة الأوصاف المستقبحة شرعا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ذلكم أزكى لكم وأطهر ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ويطهركم تطهيرا يتلوا صحفا مطهرة معناه من الباطل والكذب والزور ، ومن ذلك   الكتابة ويعبر بها عن الإثبات وعن دوام الحفظ كتب في قلوبهم الإيمان  سنكتب ما قالوا سنكتب ما يقول : النور والضياء ويعبر بهما عن الإبانة والمعرفة وضياء وذكرا للمتقين { قد جاءكم من الله نور } ، ويعبر أيضا بالسراج عن المعرف المظهر وسراجا منيرا ، ومن ذلك   الموت والظلمة ويعبر بهما عن الجهل أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات صم وبكم في الظلمات ، ويعبر بالظلمات عن الشدة قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ، ومن المجاز  مجيء ما لا يصح مجيئه بنفسه يعبر بالمجيء والإتيان والقدوم والحضور عن آثارها من حصول المعرفة وجاء ربك والملك صفا صفا يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه وقد يعبر بذلك عن مجيء بحله جاءتكم موعظة من ربكم جاءتهم البينات ، وكذلك يعبر بالصعود والنزول عن صعود المحل ونزوله وأنزلنا إليك الذكر وأنزلنا إليكم نورا مبينا ونزلناه تنزيلا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ، ومن ذلك الغمرة و يعبر بها عن الجهل وعن الشدة بل قلوبهم في غمرة من هذا ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت أي في شدائده الغامرة ، ومن ذلك العبرة فعلة من العبور وهو الانتقال من حيز إلى حيز ويعبر بها عن حسن الانتقال من الاغترار إلى الاتعاظ وعن الدلالة الناقلة من الجهل إلى العرفان إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ، ومن ذلك السكر ويعبر به عن شدة الخوف { وترى الناس سكارى وما هم بسكارى } ، ومن ذلك  العنت وإرهاق الصعود ويعبر بهما عن المشقة الشديدة لأن أصل العنت انكسار العظم بعد انجباره والصعود العقبة الشاقة { ذلك لمن خشي العنت منكم } ، { ولو شاء الله لأعنتكم } ، { سأرهقه صعودا  } ، ومن ذلك الشرعة والطريق والسبيل والصراط والشاكلة والمنهاج بمعنى واحد وهي الطرق ويعبر بها عن كل عمل أدى إلى خير أو شر لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ويصدون عن سبيل الله اهدنا الصراط المستقيم قل كل يعمل على شاكلته أي على طريقته ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ولتستبين سبيل المجرمين واتبع سبيل من أناب إلي صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض لنهدينهم سبلنا ، ومن ذلك الإخبار بالشيء عن ضده تهكما  إنك لأنت الحليم الرشيد ذق إنك أنت العزيز الكريم يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله ، ومن ذلك التحميل والتحمل ويعبر بالتحميل عن التكليف وبالتحمل عن القبول والالتزام : { مثل الذين حملوا التوراة أي حملوا أحكام التوراة ثم لم يحملوها } أي لم يلتزموها ، { فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم } ، ومن ذلك المرض والشفاء ويعبر بالمرض عن سوء الاعتقاد وبالشفاء عن الاهتداء { في قلوبهم مرض } ، و { قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور } ، ومن ذلك   الابتلاء والاختبار ويعبر به عن آثاره من العلم والمعرفة : { يوم تبلى السرائر } ، { تبلوا كل نفس ما أسلفت } ، أي تعلم كقوله علمت نفس ما أحضرت ونبلوا أخباركم أي نعلمها ، ويعبر بالابتلاء والفتنة عن كل فعل تصور بصورتهما من المعاملة بالنعم والنقم : { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } ، { إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة } ، { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } ، { وإن كنا لمبتلين } ، { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا } ، وقوله : { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } : يحتمل الأمرين وكل بلاء حسن أبلانا ، ومن ذلك العثور ويعبر به عن الظن والعرفان : {فإن عثر على أنهما استحقا إثما  } ، ويعبر بالربط والختم عن الصبر : { وربطنا على قلوبهم } ، { لولا أن ربطنا على قلبها } ، { فإن يشأ الله يختم على قلبك }  أي يصبرك ، ويعبر بالشهوة والهوى عن المهوى والمشتهى : { زين للناس حب الشهوات } ، { من اتخذ إلهه هواه } ، { ونهى النفس عن الهوى } أي عن المهوى فإن الميل الطبيعي لا يمكن الانتهاء عنه بل ينهى عن اتباعه وقد صرح بذلك في قوله : { ولا تتبع الهوى } ، ومن ذلك الذوق إدراك المطعوم ويعبر به عن وجدان الآلام : { فذوقوا العذاب } ، { فذوقوا ما كنتم تكنزون } أي جزاءه ، { فأذاقهم الله الخزي } ، { فأذاقها الله لباس الجوع والخوف } ، ويعبر بالكبير والعظيم والغليظ عن شدة العذاب : { عذاب يوم كبير } ، { عذاب عظيم } ، { عذاب غليظ } ، ويعبر بالعريض عن الكثير : { فذو دعاء عريض } ، ويعبر بالإرادة عن الأمر للزومها له غالبا : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون } أي لأمرهم بعبادتي على قول بعضهم ، { والله يريد الآخرة } أي يريد سعي الأخرة بمعنى فأمرهم بسعي الآخرة فحذف السعي وعبر بالإرادة عن الأمر  وقد يعبر بالإرادة عن المقاربة فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض أي قارب الانقضاض ، ويعبر بالدخول والخروج عن تبدل الأوصاف والتنقل عنها إلى غيرها : { يخرجكم من الظلمات إلى النور } ، { يخرجونهم من النور إلى الظلمات } ، { يدخلون في دين الله أفواجا   } ، ويعبر بالسماء عن المطر : { يرسل السماء عليكم مدرارا } ، وبالحنف عن الانتقال من الجهل إلى المعرفة : { حنيفا مسلما } أي عارفا بالله مائلا إليه بعد الجهل به ، ويعبر بعض اليد وتقليب الكف عن الندم : { فأصبح يقلب كفيه } ، { ويوم يعض الظالم على يديه } ، ويعبر بالمجالسة والمصاحبة عن آثارهما من الإحسان والرفق : ( ( أنا جليس من ذكرني ) )  ، ( ( اللهم أصحبنا في سفرنا ) )  ، ( ( اللهم أنت الصاحب في السفر ) )  ، ( ( ربنا صاحبنا في سفرنا فأفضل علينا  ) )  ، ويعبر بالسقوط عن ملابسة ما لا ينبغي : { ألا في الفتنة سقطوا  } ، ويتجوز ب على عن الوجوب لأن الواجب كشيء اعتلى فتقول على دين وصلاة وزكاة وصوم وحج وعمرة وشهادة ، وتستعمل من وعن في التعليل تجوزا لأن ابتداء صدور المعلول من علته وعن علته : { مما خطيئاتهم أغرقوا } ، { وما تتلوا فيه من قرآن } أي لأجله ، { وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك } ، { وما ينطق عن الهوى } ، { يؤفك عنه من أفك } ، { رضي الله عنهم } متضمن معنى عفا وتجاوز فذلك عدى ب ( عن ) التي للمجاوزة ، ولما كان متعلق الأوصاف المتعلقة بمثابة المكان والمحل لتعلق المتعلق استعملت في ذلك أداة الظرفية وهي في ومن ذلك قوله تعالى : { وجاهدوا في الله حق جهاده } ، أي في طاعة الله جعلت الطاعة كالمحل للجهاد وكذلك قولك رغبت في زيد ورغبت في العلم كأنك جعلته محلا لرغبتك دون ما عداه وكذلك المودة في قوله : { إلا المودة في القربى } : جعل القربى محلا للمودة بمعنى أنها متعلق المودة ولذلك صح أن تستعمل في السببية في قوله : { لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم } للتعلق الذي بين السبب والمسبب وكذلك قوله : { وهو الله في السموات وفي الأرض } لما تعلقت قدرته وإرادته وعلمه وسمعه وبصره بهما وصارتا محلا لذلك التعلق ب في لما ذكرناه  ، والباء تستعمل في الإلصاق المعنوي والحقيقي ، فالمعنوي كالتعلق الذي بين السبب والمسبب فإن المسبب ملصق بسببه من جهة المعنى وكذلك قولك ( استعنت بالله ) لتعلق الاستعانة به وابتدأت بذكر الله ، وأنواع المجاز كثيرة في الحروف والظروف والاسماء والأفعال ، والتعبير عن الماضي بالمستقبل وعكسه وعن الخبر بالأمر وعكسه والنظر في كل نوع من هذه الأنواع على حياله وبيان العلاقة التي بين محل التجوز ومحل الحقيقة على التفضيل مما المطلوب ذكره ) أهـ [ الإمام في بيان أدلة الأحكام : ج : 1 ص :  235 إلى 273 ] ،

[  5  ]  : خصائص المجاز : لاشك أن اللغة العربية الفصحى تتمتع بخصائص أدبية وبيانية وبلاغية منفردة عمّا سواها من اللغات مما أهلها لأنّ تحمل كلام الله تعالى لفظاً ومعنى  ، والمجاز قمة البلاغة والأدب والبيان  ،  ويدخل فيه بالضرورة : التشبيه ، والاستعارة ، الكناية ، وتلك هي أدوات تفوق لغة العرب على غيرها من اللغات ، وهي كذلك أدوات الإعجاز في بلاغة القرآن ، وكل تلك الفنون من علوم المجاز ، ولذلك فالمجاز يحتل الصدارة في إطار هذه الفنون ، حتى سماها بعض الأدباء " اللغة العربية لغة المجاز " وذلك لأنها تجاوزت بتعبيرات المجاز حدود الصور المحسوسة الى المعاني ، فيستمع العربي الى التشبيه فلا يشغل ذهنه بأشكاله المحسوسة إلا ريثما ينتقل منها الى المقصود من معناه  ، لهذا كثر استعمال المجاز في لغة العرب شعرا ونثرا وصناعة ، وكان المجاز هو بلاغة اللغة التي يتبارى في اتقانها الشعراء والأدباء والفصحاء ، ونزل القرآن يتحداهم فيما أتقنوه وعرفوه ، فجاءهم بما أعجزهم وأخذ بألبابهم وتحداهم فأعجزهم ، قال تعالى : { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } [ البقرة : 23 ، 24 ] ، فإن فقدت اللغة مجازها فقد فقدت شطرها الحسن ، وإن منعنا القرآن مجازه فقد نادينا على أنفسنا بالجهل والغباء ، لأنّ أركان البلاغة جميعا قائمة على المجاز ، والقرآن قمة البلاغة وغاية البيان ،

[  6  ]  : الرد على من انكر المجاز : هناك من أنكر المجاز في القرآن ، وقد جاء هذا الرفض بحجة أن المجاز أخو الكذب ، والقرآن منزّه عنه ، فإن المتكلم لا يعدل اليه الا اذا ضاقت به الحقيقة فيستعير ، وذلك محال على الله تعالى ، وهذا من الجهل باللغة ، فإنّ " من قدح في المجاز ، وهم أن يصفه بغير الصدق ، فقد خبط خبطا عظيما ، ويهدف لما لا يخفى " [ عبد القاهر ، أسرار البلاغة : ٣٦١ ] ،  والمجاز هو علم البيان بأجمعه ، وهو أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة ؛ لأن العبارة المجازية تنقل السامع عن خلقه الطبيعي في بعض الأحوال حتى أنه ليسمح بها البخيل ويشجع الجبان ، ومجاز القرآن في الذروة من البيان العربي ، فالقرآن كتاب العربية الأكبر ، وقد كان إعجازه البياني موردا متأصلا من موارد إعجازه الكلي ، وتفوقه البلاغي حقيقة ناصعة من تفوقه في الفن القولي ، وقد وقف العرب عاجزين أمام حسّه المجازي ، وبعده التشبيهي ، ورصده الاستعاري ، وتهذيبه الكنائي ، وكل ما سبق من مفردات المجاز ، ولو خلا منه القرآن لكان مجردا عن هذه الإضافات البيانية الاصيلة ، وليس الأمر كذلك ، ولذا قال الزركشي ( ت : ٧٩٤ هـ ) : - في رده على القول بمنع استعمال المجاز القرآني بقوله : « وهذا باطل ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد والحذف وتثنية القصص وغيره ، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن ) [ الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : ٢ :  ٢٥٥ ] فاستعمال المجاز في القرآن نابع من الحاجة اليه في بيان محسنات القرآن البلاغية ، فهو والحقيقة يتقاسمان شطري الحسن في الذائقة البيانية كما أشار الزركشي ، 

[ جاء في مقال - وقفات فيها لفتات مع من أنكر المجاز  - للشيخ عبد الله الغالبي في ملتقى اهل الحديث ] :  (( ما كان ينبغي أن يخالف في وجود المجاز ووقوعه سواءً أكان في اللغة أم في القرآن الكريم ، فإن شهرة المجاز أشهر من نار على علم ، ووضوحه أبين من وضوح الشمس في رابعة النهار ، قال الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابه اسرار البلاغة  : " ومن قدح في المجاز ، وهمَّ أن يصفه بغير الصدق فقد خبط خبطاً عظيماً ، وتهدف لما لا يخفى". أ هـ  ، وقد اتفق جمهور أهل العلم على أنَّ المجاز واقع في اللغة وفي القرآن الكريم ، وفي سنة النبي – عليه أفضل الصلاة والسلام – ، وقد قال به علماء كُثر في مختلف تخصصاتهم وتعدد الفنون التي برعوا فيها ، منهم اللغويون والنحويون والمفسرون والمحدثون والأصوليون والأدباء والنقاد وأهل المنطق وعلماء البلاغة ، وتداولته ألسنة وأقلام الكتاب قديماً وحديثاً ، واستعملته العرب خلفاً عن سلف ، وكان الفضل في اتساع البحث في المجاز يرجع إلى اللغويين والنحاة والأدباء والنقاد والاعجازيين أما مسائله وقضاياه ودقائقه فلم يحرر القول فيها إلا في مباحث البلاغيين بدءاً من الإمام عبد القاهر الجرجاني إلى الخطيب القزويني ومن كان بينهما ، وإنكار المجاز – بعد التحقيق – لا يكاد يوجد ، لأن من قال بإنكاره في القرآن لم يمنع وقوعه في اللغة ،  ، وثلاثة من العلماء أنكروه مطلقاً وهم الإمام أبو اسحق الاسفرائيني والإمام ابن تيمية وابن القيم الجوزية ،رحم الله الجميع وهم وإن أنكروه من جهة فقد أقرّوا به من جهات في كثير من كلامهم ولهذا يقال  : إنَّ إنكار المجاز لا يكاد يوجد ، ولكن في الحقيقة أن الاسفرائيني ثبت أنه لم ينكر المجاز ونسبة إنكار المجاز إلى أبي إسحاق وإن ورد ذكرها في كثير من كتب الأصول وغيرها فإنها لم تسلم من القدح والتشكيك ، فقد تعقب بعض العلماء هذه النسبة واستبعدوا صدورها من أبي إسحاق منهم إمام الحرمين أبو المعالي وحجة الإسلام الغزالي ، ويؤيد رأي هؤلاء العلماء ذلك النص الذي حكاه الأمام ابن القيم عن الأستاذ في مسألة " العام إذا خصص هل يكون حقيقة فيما بقى أم مجازاً ؟" وفيه اعتراف صريح من الأستاذ الاسفرائيني بالمجاز ، ونقل عنه إمام الحرمين أبو المعالي نصاً آخر في " البرهان" حول مسألة أصولية كذلك وهي : ما المراد بالظاهر عند علماء الأصول وفي ذلك يقول إمام الحرمين : " وقال الأستاذ أبو إسحق : الظاهر لفظ معقول يبتدر إلى فهم البصير بجهة الفهم منه معنى  ، وله عنده وجه التأويل مسوغ ، لا يبتدره الظن والفهم ، ويخرج على هذا ما يظهر في جهة الحقيقة ويؤول في جهة المجاز" فهذا كلام من يقر بالمجاز لا من ينكره. فلم يبق منكراً له مطلقاً إلا ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، وقد ألّف الدكتور عبد العظيم المطعني كتاب ( المجاز في اللغة والقرآن الكريم ) وهو بحث ممتع في جزئين في حوالي ألف ومائة وسبعين صفحة أقام الأدلة القاطعة على وجود المجاز في اللغة وفي القرآن ( الناشر مكتبة وهبة ) ، وقد عقد الشيخ الدكتور إبراهيم عبد الرحمن فصلا في كتابه  ( المحكم والمتشابه )  ج2 ص 522 للرد على إنكار الإمام ابن تيمية للمجاز  ، وكذا رد عليه الدكتور على العماري بكتاب  ( المجاز )  وكذا فضيلة الشيخ :  محمد العزازي كتب رداً عليه في ذلك وكذا في كتاب للشيخ منصور عويس. أما الدكتور :  عبد العظيم المطعني فكتابه المذكور موسوعة شاملة أثبت فيه أن المجاز هو مذهب الكثرة الكاثرة التي لا تحصى عدداً من علماء الأمة في كل التخصصات أي أنه يكاد أن يكون إجماعاً أو هو كذلك بالفعل ، وأن المنكرين- بما فيهم ابن تيمية وابن القيم- لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين مع الشك الكبير في ثبوت هذا الإنكار عن بعضهم ، يقول الدكتور المطعني  : " ومن خلال قراءات متكررة ومتأنية للفصل الذي كتبه الإمام ابن تيمية بخصوص المجاز في كتابه " الإيمان " وجدناه قد اعتمد في إنكار المجاز في اللغة بعامة ، وفي القرآن الكريم بخاصة على ما يأتي : ( 1 ) أن سلف الأمة لم يقولوا به مثل الخليل ومالك والشافعي وغيرهم من اللغويين والأصوليين وسائر الأئمة ، فهو إذن قول حادث؟! ، ( 2 ) إنكار أن يكون للغة وضع أول تفرع عنه المجاز باستعمال اللفظ في غير ما وضع له كما يقول مجوزوا المجاز ؟! ( 3 ) إنكار التجريد والإطلاق في اللغة. حتى يقال أن الحقيقة ما دلت على معناها عند الإطلاق والخلو من القرائن ، والمجاز ما دل على معناه بمعونة القيود والقرائن ، ( 4 )  مناقشة النصوص التي استدل بها مجوزو المجاز على وقوع المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم " أهـ [  ( المجاز )  ج2 ص 644 ] ، ثم ذكر الدكتور المطعني أن ابن تيمية له شبه أخرى ولكنها جزئيات تندرج تحت هذه الركائز الأربع ، وسنذكر هذه الركائز مع الإشارة إلى ما يبطلها وغالبه من كلام د. المطعني ،  [ الشبهة الأولى لابن تيمية ] : وحاصـلها : النـفي البـات أن يكـون أحد من السلف قد قال بالمجاز إلا الإمام أحمد بن حنبل تقسيم الألفاظ إلى حقائق ومجازات لم يحدث إلا بعد المائة الثالثة – محط الإنكار هو على وجود لفظ  ( المجاز )  دون معناه … واعترف خلال ذلك بأن أبا يعلى وابن عقيل وأبا الخطاب الحنابلة قائلون بالمجاز تبعا لإمامهم ، هذا نص كلامه يقول  : كما في كتاب "الإيمان" : ( ( وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة ، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك والثوري والأوزاعي ، وأبي حنيفة والشافعي ، بل أئمة اللغة والنحو ، كالخليل وسيبوية وعمرو بن العلاء وغيرهم ) )  ، ودعوى بأن المجاز لم يعرف بمعناه الاصطلاحي  ، إلا بعد انقضاء القرون الثلاثة مردودة ، فلقد ثبت أن أول من ذكر المجاز أبو زيد القرشي الذي توفي عام 170 هجرية ، ووقفنا على كلمات تؤدي معنى كلمة المجاز ، فسيبويه ــ مثلا ــ وهو إمام النحاة يستعمل كلمة  ( التوسع )  ففي الكتاب لسيبويه : ( ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى : { واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي اقبلنا فيها } ، إنما يريد أهل القرية فاختصر وعمل الفعل في القرية كما كان عاملا في الأهل لو كان هنا ، ومثله { بل مكر الليل والنهار } ، وإنما المعنى : بل مكركم في الليل والنهار والأول سماه المتأخرون المجاز بالحذف ، والثاني جعلوه نوعا من المجاز العقلي ، وغير سيبويه من رواة اللغة كالأصمعي وأبي عمرو وأبي زيد الذين كانوا يسمون المجاز بالبديع كما نص على ذلك الجاحظ في البيان والتبيين ، ونواصل كلام المطعني والرد على ذلك من كلام المطعني : ( 1 ) لفظ ( المجاز ) مجرد مصطلح والمصطلحات غالبا ما تتأخر في الظهور عن موضوع الفن نفسه وخاصة في عصور تدوين العلوم ، وخير مثال على ذلك مصطلحات علمي النحو والصرف بل مصطلحات العلوم الشرعية نفسها من فقه وأصول فقه وحديث ومصطلح حديث وغير ذلك ، ( 2 ) أن التأويل المجازي يصرف اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر تدل عليه القرينة وله علاقة بالمعنى الظاهر ، قد عرف منذ القرن الأول وكثر تطبيقه على آيات الذكر الحكيم عند الثقات من علماء الأمة وعلى رأسهم الصحابة - على وابن مسعود وابن عباس وغيرهم - والتابعون وقبلهم جميعاً المعلم الأكبر صلى الله عليه وسلم ، ومن تأويلاته المجازية : تأويله الخيطين الأبيض والأسود بالنهار والليل ، ( 3 ) أن سلف الأمة يفهمون معنى المجاز ويستعملونه وإن لم يذكر بعضهم اسمه المصطلح  ( المجاز )  لعدم انتشاره في البداية بل كان بعضهم يطلق عليه  ( الاتساع في اللغة )  كما ورد عن سيبويه  ( ت قبل 190 هـ )  والشافعي  ( ت 205هـ )  وها هو الإمام الشافعي يقول في  ( الرسالة )  عن ألفاظ القرآن : » وظاهراً يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره « فهو بذلك قد عرّف المجاز وبين نوعي القرينة : اللفظية التي لها ذكر في الكلام ، والمعنوية التي تفهم من الأحوال وليس لها صورة في الكلام ، ( 4 ) ذكر بعض السلف ممن عاشوا في القرنين الثاني والثالث  ( المجاز )  بمعناه الفني الاصطلاحي بلفظه وبمعناه وكذا  ( الاستعارة )  وهي أظهر أنواع المجاز. نقل ذلك عنهم من النصف الأول للقرن الثاني الهجري. وإليك ستة نماذج لذلك :  ( الأول ) : أبو عمر زبان بن العلاء  ( ت 154 هـ )  أحد القراء السبعة ، ذكر  ( الاستعارة )  نصاً على ما هو استعارة فعلاً ، ( الثاني ) : أبو زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي  ( ت 170هـ )  ذكر مصطلح  ( المجاز )  وشرحه ونصَّ على وجوده في اللغة وفي القرآن الكريم وضرب لذلك أمثله من القرآن ومن أشعار العرب كامرئ القيس وغيره ، ( الثالث ) : أبو عبيدة معمر بن المثنى  ( ت 209هـ )  ذكر تخريجات مجازية عديدة في كتابه  ( مجاز القرآن )  وهذه الصور المجازية لا تنطبق إلا على المجاز الذي هو قسيم الحقيقة ، كما نقل عنه القول بالاستعارة في التعليق على شعر جرير ورد ذلك في كتاب  ( النقائض بين جرير والفردق ) ، ( الرابع ) : أبو عبد الله بن زياد ابن الأعرابي  ( ت 231هـ )  شرح الاستعارة الموجودة في بيت شعر ونقل ذلك ابن رشيق في كتابه  ( العمدة ) ، ( الخامس ) : أحمد بن يحيى المعروف بـ  ( ثعلب )   ( ت 291هـ )  أكثر من ذكر الاستعارة في كتابه  ( قواعد الشعر )  محللا لها ومشيراً إلى المعنى الأصلي الخارجة عنه ، ( السادس ) : أبو تمام حبيب بن أوس الطائي  ( ت 231 هـ )  الشاعر المشهور قال : لقد تركتني كأسها وحقيقيتي مجاز وصبح من يقيني كالظن ، قال الدكتور العماري تعليقا على هذا البيت : » وأستطيع أن أؤكد أن هذا الاصطلاح :  ( المجاز )  كان معروفا من زمن بعيد ، ذلك أن الشعراء ليسوا من أرباب وضع المصطلحات ، كما لا يمكن أن يقولوا ما ليس معروفا عند الناس ، فلابد أن تكون كلمة  ( مجاز )  المقابلة للحقيقة معروفة مشهورة حتى يستعملها شاعر لم يعرف عنه أنه عني بالدراسات النحوية التي كانت سائدة في عصره " أهـ  ( المجاز )  للدكتور العماري ص 25 ،  ( المجاز )  للدكتور المطعني ص 714 ، يقول د. المطعني بعد أن بين خطأ الركيزة الأولى لابن تيمية : » ها نحن أولاء قد فرغنا من الرد على الإمام ابن تيمية في الشبهة الأولى من مجموع الشبه التي بني عليها رأيه في نفي المجاز عن اللغة ، وعن القرآن الكريم ، وهي : أن أحداً من سلف الأمة لم يقل به؟ قد واجهناه بنقيض دعواه. وبينا أن ثلاثة من الأئمة الفقهاء ، وهم الإمام الشافعي ، والإمام أبو حنيفة ، ومعه صاحباه ، والإمام أحمد ابن حنبل قد روى الرواة الثقات أنهم قالوا بالمجاز ، وتكرر ذلك منهم ، والإمام ابن تيمية يعترف بما ورد عن الإمام أحمد ، ولكنه سلك فيه مسلكين : ( أحدهما ) : تضعيف الرواية القوية ، وتقوية الرواية الضعيفة الموافقة لمذهبه ، و ( الثاني ) : تأويل قول الإمام بما يخرجه عن الاحتجاج به عليه على فرض صحته عنده ، كما رأينا كثيراً من اللغويين والنحاة والأدباء والنقاد والبلاغيين والإعجازيين ،والمفسرين والمحدثين ، والأصوليين والفقهاء قد قالوا بالمجاز ، وتوسع بعضهم فيه ، ونقلنا عن أبي عبيدة ، وابن الأعرابي وأبي عمرو بن العلاء وثعلب نصوصا صريحة تدفع دعواه هو في نفي المجاز « أهـ  ( المجاز )  ص 715 ، [  الشبهة الثانية للإمام ابن تيمية ] : أنكر ابن تيمية أن يكون للألفاظ وضع أول يدل على معنى معين لكل منها ثم استعملت الألفـاظ في معانيــها بعد ذلك ويذهب إلى أن كـل لفظ قـد استعمل ابتداء فما أريد منه دون أن يتقدم وضع سابق ثم حاول أن يقدم تفسيراً مقنعا لذلك فقال : أن أصل اللغة إلهام من الله سبحانه ثم كان النطق بالألفاظ مباشرة مستعملة فيما أريد منها ، كل ذلك لأنه رأى مجوزي المجاز يقولون : إن المجاز ما نقلت فيه الكلمة من المعنى الوضعي فاستعملت في المعنى غير الوضعي وهذا النقل هو أهم ركن من أركان المجاز ، والرد على ذلك : ( 1 ) أطبق علماء الأمة في كل زمان ومكان وفي كل فرع من فروع علم اللغة : قواعد وتطبيقات على أن جميع الألفاظ لكل منها وضع أول ويدل على معنى معين. وفكرة المعاجم اللغوية – كما يقول د. المطعني - إنما نشأت لجمع الألفاظ اللغوية والوقوف على مدلولاتها التي كان عليها الحال عند العرب الخلص … وهذه المفردات اللغوية ومعناها العام المتعارف هو ما عرف بالدلالة الوضعية ، ( 2 ) أن البحث العلمي الحديث قد ضعّف تفسير نشأة اللغة بالإلهام ولم يوافق عليه. بل صفوة القول في ذلك أن هناك ثلاث نظريات تفسر نشأة اللغة : ( أ ) التوقيف من الله سبحانه ، واحتجوا بقوله سبحانه : { وعلّم آدم الأسماء كلها { .، ( ب ) الاصطلاح والمواضعة ، وفسروا الآية السابقة على أن الله أقدر آدم عليه السلام على وضع الأسماء ، ( ج ) المحاكاة والتقليد يقول السيوطي " وذهب قوم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوى الريح وجنين الرعد وخرير الماء وشجيج الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونزيب الظبي ونحو ذلك ، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد " ، ويعلق ابن جنى على هذا المذهب فيقول : " وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل "  انظر المجاز للدكتور المطعني ص 735 ، قلت : وفي قصة ابني آدم التي حكاها القرآن ما يشير إلى اعتماد هذا الطريق في التعليم  { فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخية } [ الآية 31 من سورة المائدة ] ، وهذه النظرية هي التي يكاد يجزم بصحتها الباحثون المعاصرون في علوم اللغة. وانظر ما ذكره د. علي عبد الواحد وافي في كتابيه :  ( علم اللغة )  ،  ( نشأة اللغة عند الإنسان والطفل ) ، ( 3 ) الوضع والاستعمال متلازمان : يقول د. المطعني تحت هذا العنوان : " وما يوهن دعوى الإمام ابن تيمية أن قوله بالإلهام لا يؤدي إلى إنكار الوضع ، وأن قوله بالاستعمال لا ينافي الوضع ، بل أن الوضع ملازم لكل مذهب قيل به في أصل اللغات. لأن المراد بالوضع هو النطق أول مرة باللفظة دالا على معناه سواء كان مصدره الإلهام أو المحاكاة أو التوقيف ، والخروج عن الدلالة الأولى للألفاظ مستساغ ومعقول. فبعد أن يستقر استعمال الكلمة في معناها الذي كانت هي من أجله يقع فيها التصرف باستعمالها في دلالة أخرى هي الدلالة المجازية. فسواء كان مصدر نشأة اللغة توقيفا كما يقول ابن فارس وغيره ، أو مواضعة كما يرى ابن جنى وآخرون أو إلهاما كما يؤكد ابن تيمية أو محاكاة كما يرى قوم أو غريزة زود بها النوع الإنساني كما يذهب بعض المحدثين فإن الوضع ملازم لهذه الفروض كلها ، لأن الوضع هو ورود اللفظ لأول مرة دالا على المراد منه ، وتلازم الوضع للاستعمال مثل تلازم الحياة للحي. ويستحيل استعمال لفظ بمعزل عن اللفظ نفسه ، كما يستحيل وضع لفظ بمعزل عن الاستعمال لأن الواضع يضع اللفظ ويعينه للدلالة على معنى. وتصور وضع لفظ دون أن تكون حقيقة معناه ومسماه ماثلة في ذهن الواضع مستحيل مستحيل ، فابن تيمية- مثلا- يرى أن أصل اللغة إلهام واستعمال لا وضع متقدم على الاستعمال. فحين ألهم الله الإنسان أن يستعمل كلمة  ( بحر )  فلابد من أحد أمرين لصحة هذا الاستعمال؟ ( أحدهما ) : رؤية مجتمع الماء عيانا حين الاستعمال ، و ( الثاني ) : تخيل تلك الصورة إذا لم تكن حاضرة مرئية. وفي كلتا الحالتين فكلمة بحر اخترعت مقرونة بالاستعمال إما حسا وإما معنى. ومستحيل أن تخترع كلمة  ( بحر )  أو توضع وليس في ذهن الواضع أو المخترع تصور لمسماها ، وهذا المثال صالح للتطبيق على كل النظريات المفروضة في أصل اللغات. فلا مناص من التسليم بالوضع إذن. فالوضع ملازم لكل نظرية ، وللاستعمال. لأن اللغة مظهر خارجي وليست فعلا من أفعال النفس يظل مكتوما بين طواياها ، فليكن الاستعمال ولا وضع كما يرى ابن تيمية. ولكن المجاز جائز ومستساغ حتى مع نفي الوضع وفرض الاستعمال ، فالكلمة في أول استعمال لها حقيقة. وحين تستعمل استعمالا ثانيا بينه وبين الاستعمال الأول صلة معتبرة ، ووجدت في السياق قرينة ترجح أو توجب الأخذ بمعنى الاستعمال الثاني دون الأول كان المجاز لا محالة"  أهـ [ المجاز ص 742- 743 ] ، [ الشبهة الثالثة للإمام ابن تيمية ] : نفى أثر الإضافة في تحقيق المجاز فقال غفر الله له  : ( 1 ) أن كل الألفاظ في اللغة لم ترد إلا مقيدة بقيود وقرائن توضح المعنى المراد منها. فادعاء علماء اللغة ورود الألفاظ مجردة أو أنها بدون أية قرائن أو قيود تفيد معنى وبالتالي يكون المجرد منها حقيقة والمقيد بالقرائن مجاز هو خطأ غير معلوم من اللغة بل هو محال ، ( 2 ) التسوية بين الإضافات المختلفة لأي لفظ ، وقال بأنه ليس هناك إضافة لما حق اللفظ أن يضاف إليه وإضافة إلى ما ليس حق اللفظ أن يضاف إليه ، وهو في الحالتين ينكر رحمه الله ظاهرة تبادر المعنى الحقيقي للألفاظ عند سماعها مجردة من القرائن الصارفة عن هذا المعنى ، والرد على ذلك : ( 1 ) إنكاره ـ رحمه الله ـ للتجريد في الألفاظ يخالف نص القرآن الكريم :  { وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين } [ الآية 31 من سورة البقرة ] ، ويخالف ما قرره العلماء والباحثون في أصول اللغة قديماً وحديثاً من أن أسماء الذوات وهي الألفاظ الدالة على الأشياء مثل : أرض-سماء-بحر- فرس- إنسان.. إلخ هي بداية تعلم اللغة وحين نطق الإنسان الأول بهذه الأسماء فمن المؤكد أنه نطق بها مجردة قاصدا بها الدلالة على الصورة المتكاملة – سمعية بصرية حسية- كما هي مختزنة في خياله على ما شرحه د. أحمد عكاشة ، ولم يكن في الوقت توصل إلى إطلاق الألفاظ الدالة على الأفعال ثم الحروف ثم الضمائر في فترات لاحقة كما أوضحه د. على عبد الواحد وافي من قبل ، ( 2 ) مدلول كلامه أن اللفظ إذا ذكر بمفرده خال من أية قيود أو إضافات لا ينتج المعنى المقصود منه وبطلان هذا الرأي من البدهيات وها هي معاجم اللغة تذكر الألفاظ ومعناها مجردة من أي قيد أو إضافة وقد ضرب د. المطعني نماذج لذلك من معاجم اللغة وقال في موضع آخر : وكذلك لما نزل قوله تعالى  : { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن } [ الآية 45 من سورة المائدة ] ، لم يفهم المسلمون من العين إلا العضو الباصر ولا من الأنف إلا العضو الشامّ ، ولا من الأذن إلا العضو السامع ، ولا من السن إلا الجارحة القاطعة. مع أن هذه الألفاظ لم تضف إلى ما حقها أن تضاف إليه ، ولكنها عرفت تعريفا يؤدي نفس المعنى الذي تؤديه الإضافة. ولم ينصرف ذهن السامع إلى معنى آخر غير ما هو مراد في أصل اللغة. لأن هذه الألفاظ تخلو من القيود المؤذنة بصرفها عن الظاهر" أهـ [  ( المجاز )  ص 756- 757.] ، يقول الإمام تاج الدين : وأما من أنكر المجاز في اللغة مطلقا فليس مراده أن العرب لم تنطق بمثل قولك للشجاع أنه  ( أسد )  فإن ذلك مكابرة وعناد ولكن هو دائر بين أمرين : ( أ ) أحدهما أن يدعي أن جميع الألفاظ حقائق ويكتفي في كونها حقائق بالاستعمال في جميعها وهذا مسلّم ويرجع البحث لفظيا ( أي خلاف لفظياً  ) فإنه حينئذ يطلق الحقيقة على المستعمل وإن لم يكن أصل الوضع ونحن لا نطلق ذلك ، ( ب ) وإن أراد بذلك استواء الكُلّ في أصل الوضع : فقال القاضي في مختصر التقريب  ( فهذه مراغمة لحقائق فإنا نفهم أن العرب ما وضعت اسم  ( الحمار )  للبليد ، ولو قيل للبليد : حمار على الحقيقة كالدابة المعهودة وأن تناول الاسم لها متساو في الوضع ، فهذا دنو من جحد الضرورة ) ، وكذلك من زعم أن الجدار له إرادة حقيقة تمسكا بقوله تعالى : { جدارًا يريد أن ينقض } عد ذلك من مستشنع الكلام " أهـ [ انظر الإبهاج في شرح المنهاج 1 : 298 ، حاشية البناني على جمع الجوامع 1 : 385 بألفاظ متقاربة ] ، ( 3 ) إذا قيل لماذا لا يحمل تعدد المعاني على أنه من المشترك اللفظي بدلا من القول بالمجاز؟ وهو أن اللفظ الواحد يستخدم للتعبير عن أكثر من معنى وعند إطلاقه بدون قرينة لا يتبادر إلى الذهن معنى واحد منهم بل الجميع على قدم المساواة أو كما عرفه الإمام الأصولي ابن الجزري هو الموضوع لحقيقتين فأكثر وضعا واحداً ، مثاله : كلمة  ( قرء )  مشتركة بين الطهر والحيض ، وكلمة  ( جون )  مشتركة بين السواد والبياض ، وكلمة  ( عسعس )  مشتركة بين الإقبال والإدبار. قلنا : أولاً : المشترك خلاف الأصل ، لأنه لو كان المشترك هو الأصل لكان اللفظ عند إطلاقه بدون القرينة مجملا لا يعلم المراد منه ولما لم يكن كذلك بل تبادر إلى الذهن أحد هذه المعاني بمفرده فهذا يدل على أن الانفراد هو الأصل ، وأيضاً لو كان الاشتراك هو الأصل لما أمكن الاستدلال بالنصوص على حكم من الأحكام ، ثانياً : أن الاشتراك أقل من الانفراد واستقراء اللغة يدل على ذلك ، والقلة دليل المرجوحية ، ثالثاً : أن الوضع يتبع المصلحة والاشتراك فيه مفسدة بالنسبة للسامع وللمتكلم. للسامع لصعوبة الفهم إلا بالقرائن وللمتكلم لصعوبة التعبير واحتياجه إلى إضافة ما يحدد مقصوده وهذه المفسدة وإن كانت لا تمنع وجود المشترك فلا أقل من أن تقتضي كونه مرجوحا ، رابعاً : أن المجاز كثير جداً في اللغة وذلك ثابت بالاستقراء وعند تردد الأمر بين الاشتراك والمجاز فحمله على المجاز أولى من حمله على الحقيقة المؤدي إلى الاشتراك لأن المجاز أغلب من المشترك بالاستقراء والحمل على الأغلب أولى وكما يقول العلامة الإسنوي ( والكثرة تفيد الظن في محل الشك ) ، خامساً أن اللفظ يحمل على المعنى المجازي عند وجود القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي وعند عدم هذه القرينة فحمله على المعنى الحقيقي المتبادر للفهم الموضوع له ، بخلاف الاشتراك فإنه بدون القرينة يجب التوقف وإهمال اللفظ ، سادساً في حمل اللفظ على المعنى المجازي إثبات للعلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المنقول إليه اللفظ وذلك أقرب إلى مراعاة قصد المتكلم ، سابعاً : في المجاز صور بلاغية رائعة سيتم إهمالها حين الأخذ بالاشتراك ، ويمكن الرجوع في هذه النقطة  ( المقارنة بين الاشتراك والمجاز )  إلى كتاب ( المحكم والمتشابه )  للدكتور إبراهيم عبد الرحمن ص 539 فما بعدها وكذا إلى كتب أصول الفقه ، ( 4 ) أن إثبات المجاز في اللغة لم يستند إلى التجرد المحض في الألفاظ يقول الدكتور المطعني : فمن قال بوقوع المجاز في اللغة لم يذهب إلى التجرد المحض في الألفاظ حتى يكون المقيد منها مجازاً والمجرد حقيقة ، وإنما أراد بالتجرد : التجرد من قيود خاصة إذا وجدت وجد المجاز وإذا خلا الكلام منها كان الكلام حقيقة  ، يشير العلامة بذلك إلى القرينة الدالة على المجاز وكذا العلاقة. وهذه القرينة عند علماء البيان مانعة قطعاً من إرادة المعنى الحقيقي ، مثل ( رأيت أسداً يرمى بالنشاب ) فإن الحيوان المعروف لا يرمى بالنشاب ، ومثل : ومن عجب أن الصوارم والقنا تحيض بأيدي القوم وهي ذكور فإن  ( الحيض )  لغة لم يستعمل إلا في الدم السائل من أرحام النساء ، فهذا التعبير استعارة ومجاز والعلاقة إما اللون وإما مطلق السيلان ، وهذه القرائن منها لفظية لها صورا في الكلام ، ومنها حالية معنوية ليس لها صورة في الكلام بل تدرك من الأحوال التي عليها المتكلم ، ومصادر القرينة هي اللغة أو الشرع أو العقل أو العادة والعرف أو الحس والمشاهدة ، وقد توسع العلامة د. المطعني في شرح القرائن الدالة على المجاز وكذا الإضافات وضرب أمثلة قاطعة منها : قـــد رابـــني وهن المنى وانقــابضها وبسط جديد اليأس كفيه في صدري ، يقول د. المطعني :  وقد جعل الشاعر لليأس كفين وجعله ممسكا به يكاد يخنق أنفاسه ويحطم عظام صدره ، وكما نعلم فاليأس ليس له كفان ولا هو جسم من الأجسام ولكنه كما يقول الإمام عبد القاهر الجرجاني  :  لما أراد له ذلك جعل لليأس كفين واستعارهما له ، فهل يستطيع الإمام ابن تيمية أن يقول أن إضافة الكفين إلى اليأس حقيقة! وهل هي نفس الإضافة في الأثر الذي رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع ، فأخرج كفاً له ضخمة كأنها كف بعير  ، [ حديث  ( 973 )  الأدب المفرد ] ، فهل إضافة الكف إلى سلمة أو إلى البعير في هذا الخبر كإضافة الكفين إلى اليأس؟! أم أن الشاعر قد صور المعنى الذي يريد نقله في أقصر عبارة بحيث يجذب السامع ويلفت انتباهه؟ يقول أبو هلال العسكري :  ( وفضل هذه الاستعارة وما شاكلها على الحقيقة أنها تفعل في نفس السامع مالا تفعل الحقيقة ) أهـ [ المجاز 269 للدكتور المطعني. ] ، وأنواع المجاز أربعة : 1- العقلي. 2- المرسل. 3- الاستعارة المفردة. 4- الاستعارة التركيبية ، وأركان المجاز أربعة أيضاً :1- المعنى الأصلي  ( الحقيقي )  للفظ ، 2- المعنى الثاني  ( المجازي )  للفظ ، 3- القرينة الدالة على منع إرادة المعنى الأصلي  ( الحقيقي ) ، 4- العلاقة المعتبرة بين المعنى الأصلي  ( الحقيقي )  والمعنى الثاني  ( المجازي ) ، ولكن هل المعنى المجازي لأي لفظ يجب أن يكون منقولا عن العرب؟ يقول الإمام عبد الوهاب السبكي  ، فإن قلت إنما يكون من اللغة المجاز الذي تكلمت به العرب. قلت : تقدم أنه لا يشترط النقل في الآحاد وأن استعمال العرب لأصل العلاقة كاف في نسبة المجاز لها " [ كتاب رفع الحاجب 1 : 411 ] ، وذلك لأن الصور المجازية هي من إبداع خيال الشعراء والبلغاء وغير مقيدة بأن يكون غيرهم قد سبقهم إلى استخدام نفس هذا اللفظ في هذه الصورة وإلا لم يكن هناك إبداع. بل ما نقلته الأمة كلها عن العرب الخلّص هو استخدام اللفظ في هذا الموضع بغير قيود وفي موضع آخر يصنعون قيداً  ( قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي )  في وجود علاقة بين المعنى الحقيقي وبين المعنى الجديد  ( المجازي ) ، مثال ذلك إذا قال أحدهم :  ( رأيت أسداً كبيراً )  وقال آخر  ( رأيت أسداً يرمى بالنشاب )  فلا يشك السامع أن الأول رأى الحيوان المعروف لعدم وجود صارف عن ذلك وأن الآخر رأى رجلا شجاعاً يرمي بالنشاب ، ويقول العلامة صدر الشريعة الحنفي  : واعلم أنه يعتبر السماع في أنواع العلاقات لا في أفرادها فإن إبداع الاستعارات اللطيفة من فنون البلاغة ، يقول الإمام سعد الدين التفتازاني شارحا ذلك : يعني أن المعتبر في المجاز وجود العلاقة المعلوم اعتبار نوعها في استعمالات العرب ، ولا يشترط اعتبارها بشخصها حتى يلزم في آحاد المجازات أن تنقل بأعيانها عن أهل اللغة ، وذلك لإجماعهم على أن اختراع الاستعارات الغريبة البديعة التي لم تُسمَعْ بأعيانها من أهل اللغة هو من طرق البلاغة وشعبها التي بها ترتفع طبقة الكلام ، فلو لم يصح لما كان كذلك ولهذا لم يدونوا المجازات تدوينهم للحقائق أ.هـ. انظر  ( شرح التلويح على التوضيح ) [ جـ1 ص 152-153 ] ، [ الشبهة الرابعة للإمام ابن تيمية ]  :  ( قوله ببطلان أدلة جمهور الأمة على إثبات المجاز )  وهي : الدليل الأول : قوله تعالى : { جداراً يريد أن ينقض } ، يقول رحمه الله  : فكل لفظ موجود في كتاب الله وسنة رسوله فإنه مقيد بما يبين معناه. فليس في شيء من ذلك مجاز بل حقيقة. ولهذا لما ادّعى كثير من المتأخرين أن في القرآن مجازاً وذكروا ما يشهد لهم ، رد عليهم المنازعون جميع ما ذكروه. فمن أشهر ما ذكروه قوله تعالى : }جداراً يريد أن ينقض{ قالوا : والجدار ليس بحيوان ، والإرادة إنما تكون للحيوان فاستعمالها في ميل الجدار مجاز ، فقيل لهم لفظ الإرادة قد استعمل في الميل الذي يكون معه شعور وهو ميل الحي وفي الميل الذي لا شعور فيه وهو ميل الجماد. وهو من مشهور اللغة : يقال  ( هذا السقف يريد أن يقع )  ، و  ( هذه الأرض تريد أن تحرث )  ، و ( هذا الزرع يريد أن يسقى )   أهـ [  ( الإيمان )  ص 102-103.  ] ، والرد على ذلك : نقول : ( 1 ) سبق إبطال كلامه في إنكاره التجريد والإطلاق في الألفاظ ، ( 2 ) قوله  ( لفظ الإرادة قد استعمل في الميل الذي يكون معه شعور وهو ميل الحي ، وفي الميل الذي لا شعور فيه وهو ميل الجماد )  وضربه أمثله لذلك ، ليس فيه دليل على تساوي استعمال اللفظ في الحالتين بل هو دليل على أن العرب قد نطقت بالحقائق وبالمجازات ، يقول الدكتور المطعني : ولو كانت إرادة الحيوانات والجمادات مثل إرادة الإنسان لما أهدر الشرع الأضرار التي تقع على الإنسان من العجماوات ولما قال عليه السلام  ( جرح العجماوات جبار )  يعني لا تبعه عليها فيه ، ولكان القصاص من الحيوانات إذا رفصت إنساناً فمات ولم يقل بهذا أحداً ، وإذا كان جرح العجماوات هدراً وهي أرقى من الجمادات لما ركب فيها من إحساس وإدراك فإن جرح الجمادات أولى بعدم الإكثرات وليس بعد هذا الفرق من كلام أو نزاع " أهـ [  ( المجاز ص 800 ) ] ، الدليل الثاني : قوله تعالى : ( فأذاقها الله لباس الجوع والخوف } [ الآية 112 من سورة النحل ] ، يقول الإمام ابن تيمية : فإن من الناس من يقول : الذوق حقيقة في الذوق بالفم واللباس بما يلبس في البدن وإنما استعير هذا وهذا وليس كذلك. بل قال الخليل : الذوق في لغة العرب هو وجود طعم الشيء والاستعمال يدل على ذلك أهـ [  ( الإيمان ص 104 ) ] ، والرد على ذلك : نقول : وهل يوجد الطعم في غير الفم ؟! يقول د. المطعني فكلمة طعم هذه خاصة بما يؤكل أو يشرب والطعام هو المأكول والطعم أثره في اللسان من حلاوة ومرارة ومزازة … فالخليل إذا لما قال : وجود طعم الشيء اكتفى بذكر  ( طعم )  عن ذكر اللسان فأجمل إجمالا لا يخل بالفهم… نقول : إن عبارة الخليل لا تفيد الإمام ابن تيمية فهى حجة عليه وليست له " أهـ [  ( المجاز ص 803- 804 ] ، الدليل الثالث : ذكر الأصوليون وبعض اللغويين من أدلة المجاز : قوله تعالى : { ومكروا مكراً ومكرنا مكراً } [ الآية 50 من سورة النمل ] ، قوله : {فيسخرون منهم ، سخر الله منهم } [  الآية 180 من سورة التوبة ] ، يقول الإمام ابن تيمية : " وليس كذلك بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق كانت ظلماً له ، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلاً " أهـ [ الإيمان ص 107 ] ، والرد على ذلك : أن هذه الأمثلة كما يقول د. المطعني من باب المشاكلة وهي تسمية الشيء باسم غيره لوقوعه في صحبته لفظاً أو تقديراً ، ولا يتوقف تحقيقها على المجاز ، وإن وقع فيها مجاز فذلك ليس من شرطها ، وهنا نصوص أخرى من المشاكلة لا يستطيع نفي المجاز فيها ، من هذه النصوص ما يتعلق بالله سبحانه مثل : {وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا } [ الآية 34 ، من سورة الجاثية ] ، { فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم } [ الآية 14 من سورة السجدة ] ، { نسوا الله فنسيهم } [ الآية 67 ، من سورة التوبة ] ، ونحن لا نناقش هل الكفار يستحقون ذلك أم لا ، أو أن نسيان الله سبحانه وتعالى لهم عدل أم لا؟ لكننا نسأل هل يجوز إسناد النسيان إلى الله سبحانه وتعالى على وجه الحقيقة التي يعلمها الناطقون باللغة العربية وهي صفة نقص في المسندة إليه أم أن ذلك تعبير عن حرمانهم من فضله وإحسانه في ذلك اليوم فهو بذلك مجاز؟ وهناك نصوص أخرى من المشاكلة فيها المجاز جاءت في غير الله سبحانه فمنها قوله تعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } [ الآية 194 من سورة البقرة ] ، { وجزاء سيئة سيئة مثلها } [ الآية 40 من سورة الشورى ] ، { ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن  ، قل أذن خير لكم } [ الآية 61 من سورة المائدة ] ، وقد شرح د. المطعني وجه المجاز في كل آية ، الدليل الرابع : وهو أشهر الأدلة التي يستدل بها جمهور الأمة وأعلامها يقول إمامنا الشافعي في  ( الرسالة )  تحت عنوان :  ( الصنف الذي يبين سياقه معناه )  : قال الله تبارك وتعالى : { واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ، كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون } [ الآية 163 من سورة الأعراف ] ، فابتدأ جل ثناؤه ذكر الأمر بمسألتهم عن القرية الحاضرة البحر فلما قال : { إذ يعدون في السبت } ، دل على أنه إنما أراد أهل القرية لأن القرية لا تكون عادية ولا فاسقة بالعدوان في السبت ولا غيره ، وأنه إنما أراد بالعدوان أهل القرية الذين بلاهم بما كانوا يفسقون ، ثم قال : وقال تعالى : { وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين. فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون } [  ( الآيتان 11 ،12 من سورة الأنبياء )  ] وهذه الآية مثل الآية قبلها فذكر قصم القرية فلما ذكر أنها ظالمة بان للسامع أن الظالم إنما هم أهلها دون منازلها التي لا تظلم. ولما ذكر القوم المنشئين بعدها وذكر إحساسهم البأس عند القصم أحاط العلم أنه إنما أحس البأس من يعرف البأس من الآدميين [ الرسالة ص 62-63 ] ، ومعلوم أن الإمام الشافعي حجة في اللغة  ، يقول العلامة د. المطعني :  وأكاد أجزم أنه أراد بالسياق ما فيه من قرينة دالة على التجوز وهي كما قال : إن القرية باعتبارها مكانا لا تكون فاسقة ولا عادية ولا تكون ظالمة ولا تحس ألم البأس وغير خاف أن الإمام الشافعي يحمل المطلق  ( القرية باعتبار المكان )  على المقيد  ( القرية بمعنى من فيها من الأهل )  وهذا غير ما ذهب إليه الإمام ابن تيمية من إبقاء القرية على ظاهرها حين يتحدث عنها وقد بالغ في هذا حيث قال :  ( ونظير ذلك لفظ الإنسان يتناول الجسد والروح ثم الأحكام تتناول هذا تارة وهذا تارة لتلازمها ، فكذلك القرية إذا عذب أهلها خربت وإذا خربت كان عذابا لأهلها فما يصيب أحدهما من الشر ينال الآخر كما ينال الجسد والروح ما يصيب أحدهما )  فهل يا ترى يذهب الإمام ابن تيمية إلى القول بأن الخراب الواقع على القرية هو عقاب لها من حيث أنها قرية ومنازل ؟ أهـ [ المجاز ص 816- 817 ] ، قلت كان الأولى بابن تيمية في هذا النص أن يقول : فكذلك القرية إذا عذب أهلها عذبت وإذا خربت خرب جسد كل فرد من أهلها! وقد سبق له في كتاب الإيمان أن قال : فقيل لهم : لفظ القرية والمدينة والنهر والميزاب وأمثال هذه الأمور التي فيها الحال وكلاهما داخل في الاسم ثم قد يعود الحكم على الحالّ وهو السكان وتارة على المحل وهو المكان وكذلك في النهر يقال حفرت النهر وهو المحل وجرى النهر وهو الماء ووضعت الميزاب وهو المحل وجرى الميزاب وهو الماء " أهـ [ الإيمان 108 ] ، كل هذا كما قيل في الدليل الأول يثبت أن العرب كما قلنا نطقت بالحقيقة وبالمجاز واستعملت هذا وذاك من أساليبها وها هو يثبت في كلامه اعتبار العلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي المنقول إليه عندما شبه القرية وسكانها بجسد الإنسان وروحه وهو يعترف بالقرائن الدالة على إرادة المعنى المجازي والصارفة عن المعنى الحقيقي فماذا لايقر بالمجاز لفظا ومعنى كباقي الأمة ؟ وانظر إلى كلام الإمام الشافعي يشير بلفظ  ( السياق )  إلى القرينة اللفظية الموجودة في الكلام ثم ذكر النوع الآخر للقرينة وهي القرينة الحالية المعنوية فيقول تحت عنوان ( الصنف الذي يدل لفظه على باطنه دون ظاهره )  :  قال الله تبارك وتعالى وهو يحكي قول أخوة يوسف لأبيهم : { ما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين * واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون} [ الآيتان 81 ، 82 من سورة يوسف ] ، فهذه الآية في مثل معنى الآية التي قبلها لا تختلف عند أهل العلم باللسان أنهم إنما يخاطبون أباهم بمساءلة أهل القرية وأهل العير ، لأن القرية والعير لا ينبئان عن صدقهم" [ الرسالة ص 64 ] ، والقرينة الحالية المعنوية هنا كما يقول الإمام  ( لأن القرية والعير لا ينبئان عن صدقهم )  فهورحمه الله يؤول لفظ القرية بأهلها ولفظ العير بأهلها أيضاً ولا يبقي اللفظ على ظاهره كما يفعل الإمام ابن تيمية ، ونحن نسأل لو قال قائل  ( ذهبت إلى قرية كذا )  أو  ( ذهبت إلى العير )  بدون أية قرينة أو إضافة أليس المتبادر إلى ذهن السامع أنه ذهب إلى القرية التي هي مكان وأبنية وأن الآخر ذهب إلى العير التي هي الجمال  ( الحيوانات )  المعروفة؟ فكلام الإمام الشافعي والأمة كلها معه – يبين أن هذا هو المفهوم من اللفظ حيث إنه لا توجد قرينة تنفي هذا المفهوم ، أما على طريقة تقرير ابن تيمية فيجوز أنه ذهب إلى القرية التي هي مكان وأبنية ويجوز أنه ذهب إلى أهلها حتى وإن كانوا خارجها ! ، ومن ذهب إلى العير يجوز أنه ذهب إلى الحيوانات المعروفة ويجوز أنه ذهب إلى أصحابها في منازلهم بعيداً عن الحيوانات! وهل الإمام الشافعي القرشي الذي هو بإجماع أهل العلم حجة في اللغة العربية ، والمولود سنة مائة وخمسين من الهجرة وأدرك أتباع التابعين كالإمام مالك رضي الله عنه فبينه وبين الصحابة جيلين فقط ونشأ في مكة المكرمة وسط قريش أفصح العرب وتعلم لغة العرب من مصادرها النقية ، أقول هل هذا الإمام الفذ لا يعرف أساليب العرب في التعبير ولا يدرك ما اكتشفه الإمام ابن تيمة في القرن الثامن من أن الألفاظ السابقة ونظائرها حقائق على ظاهرها في جميع الاستعمالات؟ وكذا أبو عبيدة معمر بن المثني ومن قبله أبو زيد القرشي وأبو عمر بن العلاء وأبو حنيفة الذي عاصر أربعة من الصحابة وصاحباه وغيرهم مما يكاد أن يكون إجماعا من الأمة في ذلك العصر ، بل هو كذلك بالفعل فلم يكن الشافعي معبراً عن رأيه هو بل عن فكر الأمة كلها فهل كل هؤلاء أخطأوا ونقلوا لنا العربية بصورة غير صحيحة ؟! هل كان الإمام ابن تيمية يعتقد صحة كلامه في بطلان المجاز ؟ يلاحظ أن ابن تيمية مر بثلاث فترات كان له فيها موقف مختلف في موضوع المجاز.
 ( الفترة الأولى ) : في نشأة حياته العلمية : وألف فيها  ( رفع الملام عن الأئمة الأعلام )  الذي أطراه وأثنى عليه كمال الدين بن الزملكاني ، واستخدم المجاز في الدفاع عن أئمة المذاهب في موضعين أشار إليهما د. المطعني ، ويبدو أنه ألف فيها أيضاً رسالة  ( الحقيقة والمجاز في صفات الله )  ردا على سؤال لشيخ سماه  ( شمس الدين )  ونشرها محمد عبد الرازق حمزة ، عقب الفتوى الحموية مباشرة وفيها يقر بالمجاز بدون تحفظ ، ( الفترة الثانية ) : وهي التي ألف فيها الفتوى الحموية وبدأ يتحفظ فيها في الكلام على المجاز وإن كان ظاهر كلامه الإقرار به في اللغة ومنع تطبيقه في مسائل صفات الله لما رأى تصادم آرائه في العقيدة مع إباحته للمجاز وفي خلال هذه الفترة تصاعدت خلافاته مع علماء عصره  ، ( الفترة الثالثة ) : إنكاره للمجاز مطلقاً في اللغة والقرآن والسنة وعلى نفس طريقته سار تلميذه ابن قيم الجوزية بعد وفاة ابن تيمية إذا ناقش موضوعات الصفات والنصوص التي يوهم ظاهرها التشبيه تراه يسرع في إنكار المجاز وإبطاله بكل ما أوتي من قوة حتى يؤكد اسلوب تقرير العقيدة اللذي قرره الإمام ابن تيمية فإذا ناقش أفكاراً أخرى تحتاج جزماً إلى التأويل فيجنح إلى المجاز ، أورد الدكتور المطعني في كتابه تحت عنوان :  ( التأويل المجازي في أعمال ابن تيمية )  حوالي سبعة عشر مثالا تغطى كل أنواع المجاز ومنها خمسة نماذج في صفات الله عز وجل منها تأويل  ( الرؤية والسمع )  انظر ص 834 ، ثم ذكر ورود المجاز صريحاً في أعمال ابن تيمية فأورد عشرة أمثلة ذكر فيها المجاز نصا واعترف به ، فلا وجه لمتابعة الإمام ابن تيمية في هذا الخطأ فإنه تقليد خاطئ وتعصب مذموم لا يرضاه الإمام رحمه الله وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه  ] انتهى من مقال للشيخ عبد الله الغالبي في ملتقى اهل الحديث   ،

[  7  ] : ما هي بواعث ابن تيمية لإنكار المجاز ؟ : قال الشيخ عبد الواحد مصطفى عند تحقيقه لكتاب دفع شبه من شبه وتمرد ، ونسب ذلك إلى السيد الجليل الامام احمد ، تصنيف الإمام تقي الدين أبي بكر الحصني - عند مبحث : نفي ابن تيمية للمجاز - : قال تقي الدين الحصني :  ( ونفى المجاز في القرآن ، ، وهو من الجهل أيضاً فإن القرآن معجز ومحشو بالمجازات والاستعارات حتى إن أول حرف فيه ، فيه أنواع هذا المجاز ) ،  قال المحقق الشيخ عبد الواحد مصطفى : " بواعث ابن تيمية لإنكار المجاز : ( أولاً ) مناصرته لعقيدة التجسيم تعالى الله عما يقول : فهو بإنكاره المجاز يريد أن يقول : إنه لا يقصد التجسيم ولا يريده ولكن ما حيلته والنصوص تفيد ذلك ؟ ثم يخرج من ذلك إلى أن جمهور الأمة المنزهين لله سبحانه ملاحدة أتباع ابن سينا وأرسطو ولا يؤمنون بالقرآن ولا بالسنة ! ( ثانياً ) : زعمه قيام الحوادث بالذات الإلهية المقدسة تعالى الله عما يقول ، وهذا كسابقه فهو ينكر المجاز المفضي إلى صحة التأويل الذي ينزه الله عن النقص ، ( ثالثاً ) : زعمه القدم النوعي للعالم : فبإنكاره المجاز يصوِّر جمهور الأمة المنكرين لعقيدة قدم العالم بأنهم ينكرون أن الله خالقٌ ! وقد سبق تفصيل ذلك ، ( رابعاً ) : تفرقته بين حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ووفاته في صحة التوسل به : كما سبق في  ( قدم العالم )  فإن اشتقاق الأسماء من الصفات التي ستوجد في المستقبل أو تحققت في الماضي – كوصفه صلى الله عليه وسلم بـ  ( الرسول )  – يكون على صورة المجاز ، فابن تيمية بنفيه المجاز ينفي رسالته صلى الله عليه وسلم بعد الوفاة وما يترتب على رسالته من جاهه ومكانته صلى الله عليه وسلم عند ربه بينما يثبت ابن تيمة ذلك له صلى الله عليه وسلم في حياته كما سيأتي في كلام المصنف ، ( خامساً ) : إنكاره عصمة الأنبياء : ينكر ابن تيمية عصمة الأنبياء سواء قبل النبوة أو بعدها من الخطأ أو الذنوب والمعاصي بما فيها الكفر والشرك بل فقط يعترف بأنهم يسارعون في التوبة ولا يستمرون في الذنب حتى العصمة في إبلاغ الرسالة تحفظ عليها وجعلها مشروطة بجواز وقوع الخطأ في إبلاغ الوحي عن الله مع عدم الاستقرار في ذلك الخطأ، وضرب مثــالا لذلك حـديث الغرانيق-  الذي طعن فيه محققوا العلماء- زاعما أنه منقول نقلا ثابتاً لا يمكن القدح فيه ، لذا عارض ابن تيمية بشدة واستنكار وحدّة كل تأويل للنصوص التي يفيد ظاهرها وقوع الذنب أو الخطيئة من الأنبياء عليهم السلام قال ابن تيمية :  " .. والرادُّون لذلك تأولوا ذلك بمثل تأويلات الجهمية والقدرية والدهرية لنصوص الأسماء والصفات ونصوص القدر ونصوص المعاد وهي من جنس تأويلات القرامطة والباطنية التي يعلم بالاضطرار أنها باطلة وأنها من باب تحريف الكلم عن مواضعه .. "  إلخ انظر مجموع الفتاوى 2 : 284 وانظر الباب الثالث من كتاب  ( ابن تيمية ليس سلفيا )  ، ومن هنا كان نفيه الجازم لمسألة وقوع المجاز في اللغة أو في القرآن أو السنة وصولا إلى نفي تأويل هذه النصوص وإدانة الأنبياء عليهم السلام الذين هم صفوة الخلق ووسيلتنا إلى معرفة الله سبحانه وتعالى ، [ هل كان ابن تيمية يعتقد صحة كلامه في بطلان المجاز  ؟ ] : يلاحظ أن ابن تيمية مر بثلاث فترات كان له فيها موقف مختلف في موضوع المجاز ، الفترة الأولى : في نشأة حياته العلمية : وألف فيها  ( رفع الملام عن الأئمة الأعلام )  الذي أطراه وأثنى عليه كمال الدين بن الزملكاني، واستخدم المجاز في الدفاع عن أئمة المذاهب في موضعين أشار إليهما د. المطعني، ويبدو أنه ألف فيها أيضاً رسالة  ( الحقيقة والمجاز في صفات الله )  ردا على سؤال لشيخ سماه  ( شمس الدين )  ونشرها محمد عبد الرازق حمزة، عقب الفتوى الحموية مباشرة وفيها يقر بالمجاز بدون تحفظ ، الفترة الثانية : وهي التي بدأ فيها مشاغباته في موضوعات العقيدة، وألف فيها الفتوى الحموية وبدأ يتحفظ فيها في الكلام على المجاز وإن كان ظاهر كلامه الإقرار به في اللغة ومنع تطبيقه في مسائل صفات الله لما رأى تصادم آرائه في العقيدة مع إباحته للمجاز وفي خلال هذه الفترة تصاعدت خلافاته مع علماء عصره وجدرت المناظرات التي كان أولها بسبب الفتوى الحموية وأفحمه العلماء في كل مرة ، الفترة الثالثة : وهنا فزع إلى إظهار إنكاره للمجاز وتلفيق الأسباب لهذا الإنكار حتى لو كان إنكار الضرورات العقلية التي لا يجحدها عاقل لو اتهم بالجنون، ولكي ينقل خلافه مع العلماء المناظرين له من مجال النصوص الشرعية التي تضعه في موقف، إما الاعتراف بالخطأ أو الاعتراف بكفره – إلى مجال الخلافات اللغوية وهو في نفسه يعلم أن المجاز حق بلا ريب ويظهر ذلك من سقطات كلامه حتى أثناء هجومه على المجاز في كتاب  ( الإيمان )  و  ( الفتاوى )  مما يؤكد أن إنكاره للمجاز واعـترافه به بل واستعماله- في تفســير النصـوص وتأويلها- بالمعنى وباللفـظ الصريح قد ترافقا في نفس الفترة الزمنية، وعلى نفس طريقته سار تلميذه ابن قيم الجوزية بعد وفاة ابن تيمية إذا ناقش موضوعات الصفات والنصوص التي يوهم ظاهرها التشبيه تراه يسرع في إنكار المجاز وإبطاله بكل ما أوتي من قوة حتى يؤكد فكرة التشبيه والتجسيم فإذا ناقش أفكاراً أخرى تحتاج جزماً إلى التأويل فيجنح إلى المجاز فهما قد جحدا بالمجاز، واستيقنت صحته نفساهما ، وهذا ينفي أي احتمال لسوء الفهم في العقائد التي خالفا فيها جمهور الأمة أو إن شئت قلت إجماع الأمة بل هي مخالفة مع سبق الإصرار والترصد، وليس إنكار المجاز إلا ستاراً للدفاع عن عقائدهم الباطلة ، أورد الدكتور المطعني في كتابه تحت عنوان :  ( التأويل المجازي في أعمال ابن تيمية )  حوالي سبعة عشر مثالا تغطى كل أنواع المجاز ومنها خمسة نماذج في صفات الله عز وجل منها تأويل  ( الرؤية والسمع )  انظر ص 834 ، ثم ذكر ورود المجاز صريحاً في أعمال ابن تيمية فأورد عشرة أمثلة ذكر فيها المجاز نصا واعترف به ، إذا كان كذلك فمن هو سلف ابن تيمية في إنكار المجاز ؟  لا يقال إن سلفه في ذلك هو داود الظاهري أو غيره من علماء الأمة الذين لم يقصدوا سوى تحرير المسائل اللغوية أو الشرعية ولم يعتنقوا عقائد وأراء رتبت سلفا وأحضر لها إنكار المجاز كغطاء فقط بل من سبق إلى هذا السلوك المشين هم اليهود فهم الذين فسروا نصوص التوراة من قبل تحريفها على ظواهرها جنوحا إلى نسبة النقائص إلى الذات الإلهية المقدسة، بل وحاولوا ذلك في آيات القرآن الكريم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، لما نزلت الآية الكريمة  { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافاً كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون } } الآية 255 من سورة البقرة { ذهب سيدنا أبو بكر إلى فنحاص وهو من كبار أحبار اليهود فدعاه للإيمان وقال  " اتق الله وآمن وصدق وأقرض الله قرضا حسنا "  فقال فنحاص  " يا أبا بكر تزعم أن ربنا فقير يستقرضنا أموالنا وما يستقرض إلا الفقير من الغنيّ إن كان ما تقول حقا فإن الله إذا فقير "  فأنزل الله تعالى { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ، سكنتب ما قالوا .. } إلى آخر الآية 181 من سورة آل عمران، روى ابن جرير الطبري هذا الخبر من طرق عند تفسيره للآية 181 من سورة آل عمران وكذا غيره فهو ثابت بمجموع طرقه ، فهذا اليهودي الذي ولد وعاش بين قبائل العرب لا يجهل أساليبهم في التعبير لكنه تمسك بظواهر النصوص مدعيا الجهل باللغة حتى يبيح لنفسه الخطأ في الذات الإلهية متهما القرآن وأهله بذلك كيف وقد استدل ابن تيمية نفسه- في الفتوى الحموية – على فكرة التشبيه والتجسيم باعتناق طائفتين لهذه العقيدة زاعما أن القرآن لم يعارضهما في ذلك بل عارض الأولى  ( مشركي العرب )  في إنكارهم المعاد فقط وعارض الثانية  ( اليهود )  في تحريفهم للتوراة وليس فيما عابه عليهم -حسب زعمه- التجسيم والتشبيه وبذلك يكون التجسيم والتشبيه هما عقيدة الرسول وهو ما أتى به القرآن ، ثم ختم عبارته بلفتة خطيرة صرح بها نصاً وهو أن ما يتفق القرآن والتوراة على ذكره وإقراره أصح وأشد ثبوتا وتأكيداً مما انفرد به القرآن وحده ! وهذا تصريح واضح بأن ما أتى به القرآن عنده لا يصل إلى درجة الثبوت القطعي اليقيني الكامل وإلا لما زاد ثبوته بانضمام التوراة أو غيرها له! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وإليك نص كلامه  " وأهل السنة يقولون لهؤلاء : ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد ويقولون لهم : معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد. وقد أنكروه على الرسول وناظروه عليه بخلاف الصفات، فإنه لم يكن العرب تنكرها، فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به ؟  ( وأيضاً )  فقد علم أنه صلى الله عليه وسلم قد ذم أهل الكتاب على ما حرفوه وبدلوه، ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات، فلو كان هذا مما بُدّل وحرّف لكان إنكار ذلك عليهم أولى، فكيف ؟، وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات ضحك تعجباً وتصديقاً لها، ولم يعبهم قط بما تعيب النفاة لأهل الإثبات على لفظ التجسيم والتشبيه ونحو ذلك،  بل عابهم بقولهم { يد الله مغلولة } سورة المائدة : 64 ، وقولهم : { إن الله فقير ونحن أغنياء } سورة آل عمران : 181 ، وقولهم : إنه استراح لما خلق السموات والأرض فقال تعالى : { لقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب } سورة ق : 38 ، والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة  " صفات المذكورة في القرآن والحديث وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن. فإذا جاز أن تتأول الصفات التي وافق عليها الكتابان. فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى، والثاني مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول بأنه باطل. فالأول أولى بالبطلان "  أهـ الفتوى الحموية ص 38،39 ويتضح بذلك أن إنكار المجاز كما قلنا لم يكن إلا ستاراً يخفي وراءه عقائده التي ساير فيها أساتذته من اليهود كما سايرهم في أسلوب المغالطة والسلوكيات وسبق الإشارة إلى ذلك ، انتهى ،

 

***

( ب )

مخالفة ابن تيمية لجمهور الأصوليين والفقهاء

في زعمه بأنّ خبر الآحاد يفيد اليقين وليس يفيده بحال

 

[  1  ] : الاعتقاد هو التصديق الجازم الذي لا يقبل التشكيك ، والعقيدة الصحيحة لا تقوم إلا على اليقين ، ولا مدخل للظنون إلى العقائد ، وإنّ من أهم شروط الاعتقاد الصحيح أن يكون قائما على اليقين الجازم ، لا على الظن والتخمين ، ولهذا قرر علماء الأصول أنّ الاعتقاد الصحيح يجب أن يُسلَك فيه مسالك اليقين ، ولا يؤْخَذ إلا من دليل قطعي ، ولا يجوز أن تُؤْخَذ من دليل ظني ، فغير الدليل القطعي لا يصح بناء العقيدة عليه، بل يستحيل عقلا؛ لأن الاعتقاد جَزْم لا يقبل التردد، فإذا بُنِي على ما يحتمل الخطأ مهما قلّ الاحتمال لم يكن اعتقاداً أصلا، فبين الأمرين تناقض تام؛ قال الله تعالى: {إِنَّمَا الـمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات: 15] ،

[  2  ] : هناك فارق كبير بين الأمور العقائدية والأمور العملية ، فالأمور العملية قد تصح بناء على دليل ظني ، ولهذا قرر علماء الأصول بجواز العمل بالحديث الضعيف وخصه أكثرهم بفضائل الأعمال ، لا في مجال التحليل والتحريم ، أمّا أمور العقائد التي يكون الخلاف فيها بين حق وضلال وبين سنّة وبدعة فالأمر مختلف ، فلا يُقبل لبناء العقيدة إلا الدليل القطعي سواء من جهة الثبوت أو من جهة الدلالة ، ولهذا فمن أعظم الحشو والزلل في أمور العقيدة أن تُبنى على دليل ظني سواء من جهة الثبوت أو من جهة الدلالة ،

[  3  ] : تختلف الأدلة في قوة ورودها إلينا باختلاف طرق نقلها ، وتشتمل قسمين رئيسين : الأول : ( المتواتر ) ، وهو : الخبر الذي يرويه جمع ، يؤمن من تواطئهم على الكذب عن مثلهم من أول السند إلى منتهاه ، ويفيد هذا الخبر العلم الضروري الذي يضطر الإنسان إلى التصديق به والعمل به من غير بحث عن رجاله مطلقا ، وهو نوعان الخبر المتواتر اللفظي ، والخبر المتواتر المعنوي ، وكلاهما يفيد القطع بوروده من طريق لا يتطرق إليه الشك، وهو ما يعبر عنه عند علماء الأصول بقطعي الورود ، والخبر المتواتر اللفظي : هو الخبر الذي تواتر لفظه ومعناه بأن رواه جمع يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب مطلقا ، فالقرآن لا يقبل من غير التواتر اللفظي ، والحديث فيه من المتواتر اللفظي، وفيه من المتواتر المعنوي وفيه أيضاً خبر الآحاد ، والحديث المتواتر اللفظي ومثاله (( من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار )) فهذا الحديث رواه جمع من الصحابة باللفظ، وعنهم جماعة من التابعين ، وعنهم جماعة من تابعي تابعهم باللفظ والمعنى كليهما ، وهناك الخبر المتواتر المعنوي : وهو الحديث الذي تواتر معناه دون لفظه بأن روى معناه جمع يستحيل تواطؤهم في العادة على الكذب ، ومنه أحاديث المسح على الخفين مثلا ، فقد ورد في جواز ذلك من الأخبار الواردة عن الصحابة نحو سبعين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول وفعل ، والتواتر اللفظي تُفيد ألفاظه التواتر ، ويمكن الاستدلال بها كألفاظ ، والتواتر المعنوي يُفيد بمعناه العام لا بألفاظه التواتر ، والتواتر بنوعيه اللفظي والمعنوي يفيد دليلا قطعي الورود كل بحسب نوع تواتره ، والقسم الثاني : (  خبر الآحاد ) : وهو ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واحد أو اثنان ما لم يبلغ حد التواتر وروى عن ذلك الراوي مثله وهكذا حتى وصلنا بسند طبقات آحاد لا جموع التواتر ، وهو ظني الورود لأنّه يمكن للشكوك أن تحوم حول طرق ورود خبر الآحاد، وما احتمل الشكوك فهو ظني الورود ،

[  4  ] : خبر الآحاد ظني الثبوت لأنّ الواحد لا يؤمن عليه الخطأ ولا الوهم ولا النسيان ، هذا إن ضمنا صدقه وعدالته وضبطه وحفظه ، فربما روى بالمعنى وربما اختلط عليه لفظ ، وليس هناك في الأمة أصدق من الصحابة ولا أحفظ منهم ولا أفهم منهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك رد بعضهم على بعض فيما يروونه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك رد عمر رضي الله عنه حديث فاطمة بنت قيس في نفقة المبتوتة بقوله : ((  لا ندع كتاب ربنا و سنة نبينا بقول امرأة لا ندري صدقت أم كذبت حفظت أم نسيت )) [ أخرجه مسلم ] ، وقد ثبت في الصحيح خلاف عمر وعائشة رضي الله عنهما في حديث ( إنّ الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ) ، وما أكثر ما اختلف الرواة في الفاظ الحديث الواحد والواقعة الواحدة والدارسون لعلم متن الحديث يعلمون ذلك جيدا ، وذلك لأنّ الكثير من ديوان السنّة روي بالمعنى ، وهذا ما حدا بأهل النحو بمنع الاستدلال على وجوه الإعراب من الحديث لأنّ فيه ما أصابه الوهم والخطأ والنسيان ، وفيه ما روي بالمعنى ، نعم لقد حفظ الله تعالى السنّة ، ولكنّها درجات ، فمنها الصحيح ومنها الحسن ومنها الضعيف ، ومنها ما هو متواتر لفظا ومعنى ، ومنه ما هو متواتر لفظا ، ومنه ما هو حديث آحاد لا يبلغ حد التواتر ، والمستدل به على العقائد لا ينبغي أن يكون إلا متواترا ، لأنّ الآحاد مهما بلغت قوته فهو ظني الثبوت ، والعقائد لا تُبنى إلا على القطعي الثبوت والقطعي الدلالة ، 

[  5  ] لا ينبغي لأي قضية عقائدية أن تقوم على دليل ظني كخبر الآحاد منفردا ، وهذا التدقيق وهذا الفقه في دين الله تعالى ، ليس معناه التشكيك في خبر الآحاد ، وليس معناه الحط من قيمته العلمية ، وإنما هو الميزان العدل الذي يعطي كل شيء قدره دون زيادة ولا نقصان ، وهو هو القول الرصين الراسخ في العلم والذي يثبت العقيدة ويحميها من كل تناقض أو خلل ، وينقيها من كل حشو أو بدعة أو ضلالة ، ويجعلها في مأمن من الانحراف والزلل ، ومن فضل الله تعالى على أهل السنّة والجماعة أنّه لا توجد قضايا عقدية أساسية انفرد الدليل الظني بإثباتها وليس لها أصلٌ في القرآن الكريم أو السنة المتواترة ، سواء أكان تواترًا لفظيًّا أم معنويًّا ، فإذا ثبت أصلُ القضية العقدية بالقرآن الكريم أو السنة المتواترة فتقبل أخبار الآحاد الصحيحة في تفاصيلها وفروعها ، 

[  6  ] : عدم الأخذ بخبر الواحد في إثبات العقيدة منفرداً ، ليس معناه إنكاره ، أو عدم العمل به ، وإنما يعني عدم القطع والجزم به في إثبات قضايا العقائد لاسيما التي ظهر فيها الخلاف ، فما بالنا بما يُخالف منها العقل الصريح الذي دل على صحته محكم الكتاب ، فهذه لا ينبغي أن يكون الدليل الظني ومنه خبر الآحاد دليلا قطعيا في المسألة إذ الظني محال أن يدل بمفرده على القطع في قضية معينه ،

[  7  ] : تنبيه : يتمثل في أنّ الدلائل المستقلة على العقائد لابد وأن تكون قطعية الثبوت وقطعية الدلالة ، وعلى ذلك فلا يكفي في الاستدلال أن يكون الدليل متواترا من جهة الثبوت ، ولكن ينبغي أيضاً أن يكون قطعيا في دلالته على المقصود ، فإن كان خبر الآحاد وهو ظني الثبوت ليس قطعيا في دلالته ، بمعنى أنّه قد يحتمل التأويل إلى عدَّة معان مثلا ، ولم نتمكن مِن ترجيح بعضها على بعض بدليل قاطع ، فيتم الترجيح بالظن الغالب ، وبالتالي فلا يفيد القطع ، ولا يفيد العلمَ اليقينيَّ الجازمَ ، ومنه نعلم أنّ الخبر الذي صار ظني الثبوت وظني الدلالة لا يصلح البتة في إثبات شيء من العقيدة منفرداً ، لأنّ ظنيته صارت من الجهتين ، بمعنى أنّه لا يجوز تكفير او تبديع مخالفه ، ومنه نعلم دقة علماء العقيدة والاصول على منهاج أهل السنّة والجماعة في تقرير العقائد

[  8  ] : أخبار الآحاد تخضع للاجتهاد من قبل المتخصصين في علم الحديث في الحكم عليها من حيث الصحة والضعف ، وهذه الأمور الاجتهادية تخضع للاتفاق والاختلاف وعلماء الحديث يختلفون في التصحيح و التضعيف بناء على اختلافهم في الشروط التي يضعونها للحكم بصحة الحديث ، وبناء على اختلافهم في الحكم على رجال الحديث ، كما أنّ منهم المتشددين ومنهم من عُرف بالتساهل ، وكذلك فإنه قد يختلف علماء الحديث في الحكم باتصال السند ، وفي الحكم بالشذوذ أو النكارة على بعض نصوص الحديث ، بل يختلف حكم العالم الواحد فيُجِّرح مَن سبق منه تعديله أو يعكس ، وعلى ذلك فإننا نرى العلماء كثيرا ما يحكمون على بعض الأحاديث بالصحة لتوافر شروط الصحة فيها عندهم ، ثم يجدون بعض العلل التي تقدح في صحة ذلك الحديث فيحكمون عليه بما تقتضيه تلك العلة القادحة ، وقد يُضعفَّون بعض الأحاديث لعدم توافر شروط الصحة فيها ، ثم يجدون ما يقويها ، فيحكمون بصحتها وهكذا ، وإذا كان الحكم بتصحيح أي حديث من الآحاد أمرا اجتهاديا ، ويحتمل أن يكون بخلاف ذلك ، فلا يجوز القطع بدلالة ما دل عليه ، ومن ادعى غير ذلك فهو معاند للواقع ، [ انظر الاستدلال بخبر الواحد في العقيدة للشيخ مصطفى عبد الله عبد الحميد ] ،

[  9  ] : مما سبق نعلم خطأ أهل الحشو والمتفيقهين  الجسيم في توسعهم في اثبات أصول العقيدة بخبر الآحاد دون التنبه إلى  خطر ذلك في حشو العقيدة بكل ما لا يليق بها مما ملئوا به كتبهم من أصول عقائدهم الباطلة ، قال إمام الحرمين : "ذهبت الحشوية من الحنابلة وكتبة الحديث إلى أن خبر الواحد العدل يوجب العلم ، وهذا خزي لا يخفَى مدركه على ذي لب ، فنقول لهؤلاء : أتجوزون أن يزلَّ العدل الذي وصفتموه ويخطيء ؟ فإن قالوا : لا؛ كان بهتاً وهتكاً وخرقاً لحجاب الهيبة ، ولا حاجة إلى مزيد البيان فيه ، والقول القريب فيه أنه قد زلَّ من الرواة والأثبات جمعٌ لا يعدون كثرة ، ولو لم يكن الغلط متصوَّرًا لما رجع راوٍ عن روايته ، والأمر بخلاف ما تخيَّلوه ، فإذا تبيَّن إمكان الخطأ فالقطع بالصدق مع ذلك محال ، ثم هذا في العدل في علم الله تعالى ، ونحن لا نقطع بعدالة واحد ، بل يجوز أن يُضْمِر خلاف ما يظهر ، ولا متعلق لهم إلا ظنهم أن خبر الواحد يوجب العمل ، وقد تكلمنا عليه بما فيه مقنع" [  انظر: البرهان (1/329) ] ، وقال الإمام النووي : "فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمَن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع يلزم العمل بها ، ويفيد الظن ولا يفيد العلم ، وأن وجوب العمل به عرفناه بالشرع لا بالعقل" ، إلى أن قال :"وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنه يوجب العلم ، وقال بعضهم : يوجب العلم الظاهر دون الباطن ، وذهب بعض المحدثين إلى أن الآحاد التي في صحيح البخاري أو صحيح مسلم تفيد العلم دون غيرها من الآحاد ، وقد قدمنا هذا القول وإبطاله في الفصول ، وهذه الأقاويل كلها سوى قول الجمهور باطلة" ، إلى أن قال : "وأما مَن قال يوجب العلم ، فهو مكابر للحس ، وكيف يحصل العلم واحتمال الغلط والوهم والكذب وغير ذلك متطرق إليه؟ والله أعلم" [  انظر: شرح النووي على مسلم (1/131- 132) ] ،

 

***

 

( 13  )

ابن تيمية يفني عمره في الرد على أهل الحق الأشاعرة

 

[  1  ] : الأشاعرة والماتريدية هم حملة لواء عقيدة أهل السنة والجماعة ، والواقفون على ثغور الدفاع عن عقائد الإسلام أمام الفرق الضالة جميعها ، وهم يمثلون أغلبية علماء أهل السنة على مر عصور الإسلام ، لا يعرف قدرهم إلا عالم بالله وبدين الله ولا ينتقصهم إلا جاهل بأمرهم وقدرهم في دين الله تعالى أو مبتدع ضال ، أو جاهل بقواعد التقديس والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ، ثم كيف يعقل أن لا يكونوا ضمن إطار أهل السنة ، وهم من بينوا إطاره ، ووضحوا أسسه وقواعده ، فإلى الله المشتكى من جهل هؤلاء الذين تكلموا في حقهم وهم يجهلون موقعهم من دين الله ،

[  2  ] :الأشاعرة والماتريدية هم المتخصصون في باب العقيدة على منهاج  أهل السنة والجماعة  : على مر عصور الإسلام وقرونه المتتالية كان مصطلح ( أهل السنة والجماعة ) إذا أطلق فالمراد بهم أصحاب الحديث ( أهل الأثر ) ، والأشاعرة ، والماتريدية ، ومجموعهم هم سواد الأمة الذين لا يجتمعون على ضلالة كما جاء في الحديث المشهور  ( لا تجتمع أمتـي علـى الضلالة )   [قال الحافظ السخاوي بعد أن عدّد طرق الحديث وأسانيده :  ( وبالجملة فهو حديث مشهور المتن، ذو أسانيد كثير وشواهد متعددة في المرفوع وغيره )  المقاصد الحسنة حديث رقم 1288. ] ، قال العلامة السفاريني الحنبلي : " أهل السنة والجماعة ثلاث فرق : ( الأثرية  ) ، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، و ( الأشعرية ) ، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله ، و ( الماتريدية ) ، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى " اهـ. [ لوامع الأنوار البهية 1  :  73 ] ، وقال العلامة المواهبي الحنبلي : " طوائف أهل السنة ثلاثة : أشاعرة، وحنابلة، وماتريدية، بدليل عطف العلماء الحنابلة على الأشاعرة في كثير من الكتب الكلامية وجميع كتب الحنابلة"  اهـ.[ العين والأثر ص : 53] ، وقال العـلامة ابن الشطي الحنبلي : " أهل السنة والجماعة ثلاث فرق، ( الأثرية ) وإمامهم الإمام أحمد رضي الله عنه ، و ( الأشعرية ) وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى ، و ( الماتريدية ) وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى"  اهـ. [ تبصير القانع في الجمع بين شرحي ابن شطي وابن مانع على العقيدة السفارينية  ،  الصفحة  :  73 ] ، وقال الإمام تاج الدين السبكي : " اعلم أن أهل السنة والجماعة .. بالاستقراء ثلاث طوائف : الأولى : أهل الحديث ومعتمد مباديهم الأدلة السمعية، أعني الكتاب والسنة والإجماع ، الثانية : أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية، وهم الأشعرية والحنفية، وشيخ الأشعرية أبو الحسن الأشعري، وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي...، الثالثة : أهل الوجدان والكشف، وهم الصوفية، ومباديهم مبادئ أهل النظر والحديث في البداية، والكشف والإلهام في النهاية )  اهـ. [ إتحاف السادة المتقين 2 : 6 ] ، وقال الإمام المرتضى الزبيدي : " والمراد بأهل السنة هم الفرق الأربعة، المحدثون والصوفية والأشاعرة والماتريدية " اهـ. [ إتحاف السادة المتقين : 2  :  86 ] ، وعلى ذلك فإنه إذا أطلقت كلمة أهل السنة والجماعة في كتب العلم- على اختلاف أنواعها- فإن المراد بها هذه الطوائف الثلاث  ، ( الأثرية  ) ، وإمامهم أحمد بن حنبل رحمه الله ، و ( الأشعرية ) ، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله ، و ( الماتريدية ) ، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله ، وأهل الفقه يدخلون بالضرورة ضمن تلك الطوائف ، فالمالكية أشاعرة ، والشافعية أشاعرة ، والحنفية ماتريدية ، والحنابلة أثرية  ولا خلاف بينهم في شيء من الأصول إلا من مال إلى الاعتزال أو مال إلى الحشو والتجسيم ،

[  3  ] : جهود الأشاعرة والماتريدية في بيان قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه هي عصمة المسلم من التمثيل والتشبيه والتكييف : جعل الأشاعرة والماتريدية الطريق إلى معرفة الله تعالى العلم الواسع بأسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلا لأنه العلم الراسخ نحو المعرفة بالله ومن ثم توحيده ، وجعلوا الحاجز الذي يمنع من التشبيه والتجسيم والتمثيل ، ومن ثم يؤدي إلى التقديس والتنزيه هو معرفة ما يستحيل في حق الله تعالى لأنّه في حقيقة أمره نقص ولكن لا يدرك ذلك إلا المتخصصون ، وهذا المستحيل وصف الله تعالى به هو ما يُعرف بقواعد التقديس المتعلقة بالذات والتي تمنع من التمثيل والتشبيه ، وقد استخرجتها من كتبهم وأقوالهم حتى صارت علما بالتقديس والتنزيه لا يصح الكلام فيما يتعلق بذات الله سبحانه إلا بعد الإلمام به ، وإلاّ صار الحديث أقرب إلى الحشو منه إلى التقديس ، وهكذا المتخصصون ، فلم يجيزوا على مر التاريخ لأحد أن يتكلم فيما يخص الذات إلا بعد معرفة ما يجب وما يجوز وما يستحيل اضافته إلى الله لأنّه نقص تنزه القدوس عنه سبحانه ، ومن آثار تلك القواعد الربانية التي دل عليها الكتاب والسنة والعقل الصحيح ، أنّها تمنع من تشبيه الله تعالى في ذاته أو صفاته أو أفعاله بأحد من خلقه ، بل ترسخ التقديس والتنزيه والتسبيح في عقل المسلم ووجدانه ، وتمنعه من أي تمثيل لله تعالى بشيء من خلقه لأنّه ليس كمثله شيء ، تعالى عن الند والشبيه والمثيل والكفء والشريك والمعين والوزير والصاحبة والولد ، ومن أهم فوائد تلك القواعد التي تقدس لله وتنزه له ، أنها تقطع الطمع تماماً في إدراك ذات الله { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } ، { ولا يحيطون به علما } ، وأنها تصفي الذهن تماماً من شوائب التجسيم والتشبيه ، حتى تجعل معتقدها كانه يعيش مع الملائكة في تنزيه الله تعالى وتسبيحه كما في قوله تعالى - على لسان الملائكة - { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  }، أو يتمثل الكائنات من السموات والأرض والجبال وهي تتجاوب مع التقديس وتتألم لدعاوى التشبيه والتمثيل  من عالم البشر في حق الله تعالى كما في قوله تعالى : { لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا } [ مريم : 89 إلى 93 ]  ، وقواعد التوحيد والتقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة ، والفقه في التوحيد والتقديس ، وهذا هو الفقه الذي لا يصح لمسلم أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به ، بل يمكننا القول بأنّ المقصود من دراسة توحيد الذات هو وضع قواعد التقديس التي تمنع من الخوض في ذات الله ، ومن قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه المتعلقة بذات الله تعالى والتي ركز الأشاعرة والماتريدية على تأصيلها : القاعدة الأولى : تنزيه ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الثانية : تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان ، القاعدة الثالثة : تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء ، القاعدة الرابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن  أي مثيل أو كفء أو شبيه ، القاعدة الخامسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ، القاعدة السادسة : تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة السابعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الثامنة : تنزيه ذات الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق ، القاعدة التاسعة : تنزيه ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق ، القاعدة العاشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق ، القاعدة الحادية عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق  ، القاعدة الثانية عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الوالد والولد والصاحبة ، القاعدة الثالثة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الند والشبيه والكف والمثيل ، القاعدة الرابعة عشرة : تنزيه ذات الله تعالى عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره ، القاعدة الخامسة عشرة : رؤية الله تعالى في الآخرة ، القاعدة السادسة عشرة : لماذا يجب تدريس وفهم قواعد التنزيه ، القاعدة السابعة عشرة : ما يجب وما يجوز وما يستحيل على ذات الله تعالى ، القاعدة الثامنة عشرة : رد المتشابهات إلى المحكمات فيما يتعلق بقواعد تنزيه ذات الله عن مماثلة الذوات ، القاعدة التاسعة عشرة : خطأ اعتماد ظواهر النصوص في فهم علم التقديس والتنزيه ، القاعدة العشرون : دراسة بلاغة القرآن فقه عظيم وفتح مبين لعلم التقديس والتنزيه ، و انظر تفضلاً كتاب التجديد الأول " تجديد علم التقديس " وهو من أفضل ما كتبت في هذا الباب ، وفيه - بحمد الله تعالى - بيان وافٍ شافٍ عن تلك القواعد التي تجعلك من علمها الراسخ في عداد المسبحين والمقدسين والموحدين والمنزهين لله تعالى عن كل شبيه أو كفء أو ند أو مثيل ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ،

[  4  ] : على مذهب الأشاعرة والماتريدية العقائدي غالب علماء أمة الإسلام  :  مذهب الأشاعرة والماتريدية هو المذهب العقائدي الذي عليه سواد الأمة وأكابر أهل الفضل فيها :  فأكابر مفسري الأمة من الأشاعرة والماتريدية ، منهم على سبيل المثال : الإمام العلامة القرطبي رحمه الله تعالى، صاحب تفسير الجامع لأحكام القرآن، والإمام الحافظ المفسر أبو الفداء إسماعيل بن كثير رحمه الله تعالى، صاحب التفسير العظيم والبداية والنهاية وغيرها، ، والإمام المفسر الكبير قدوة المفسرين ابن عطية الأندلسي رحمه الله تعالى صاحب تفسير المحرر الوجيز، والإمام أبو حيان الأندلسي رحمه الله تعالى صاحب البحر المحيط والإمام المقدم فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى صاحب تفسير مفاتيح الغيب، والإمام المفسر الحافظ البغوي محي السنة رحمه الله تعالى صاحب كتاب شرح السنة، والإمام المفسر أبو الليث السمرقندي رحمه الله تعالى، صاحب تفسير بحر العلوم، والإمام المفسر الواحدي أبو الحسن على النيسابوري أستاذ عصره في النحو والتفسير، له كتاب أسباب النزول، وهو من أشهر الكتب في بابه ، والإمام المفسر شهاب الدين الآلوسي رحمه الله تعالى، خاتمة المفسريـن ونخبة المحدثيـن ، والإمام الحافظ المفسر جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، والإمام الخطيب الشربينى رحمه الله تعالى صاحب تفسير السراج المنير ، وغير هؤلاء ممن لو أطلنا النفس بذكرهم لخرجنا عن المقصود، كلهم كانوا من أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ، وأكابر محدثي الأمة وحفاظها من الأشاعرة والماتريدية ، منهم على سبيل المثال : الإمام الحافظ أبو الحسن الدارقطني رحمه الله تعالى إمام وقته ، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى، صاحب حلية الأولياء، والحافظ أبو ذر الهروي عبد بن أحمد رحمه الله تعالى، والحافظ أبو طاهر السلفي رحمه الله تعالى، والحافظ الحاكم النيسابوري رحمه الله تعالى صاحب المستدرك على الصحيحين، وإمام أهل الحديث في عصره، والحافظ ابن حبان البستي رحمه الله تعالى صاحب الصحيح وكتاب الثقات وغيرها، والحافظ أبو سعد ابن السمعاني رحمه الله تعالى، صاحب كتاب الأنساب ، والإمام الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله تعالى صاحب التصانيف التي طار صيتها في الدنيا والمؤلفات المرضية عند المؤيدين والمخالفين، والإمام الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى صاحب كتاب تاريخ مدينة دمشق ، والإمام الحافظ الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى، والإمام الحافظ محي الدين يحيى بن شرف النووي محي الدين رحمه الله تعالى، صاحب المؤلفات النافعة التي كتب الله لها القبول في الأرض وبين الناس، مثل كتاب رياض الصالحين والأذكار وشرح صحيح مسلم وغيرها ، والإمام المحقق بقية الحفاظ صلاح الدين خليل بن كيكلدى العلائي الذي لم يخلف بعده في الحديث مثله ، ولم يكن في عصره من يدانيه في علم الحديث ، والإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى ، والإمام الحافظ ابن أبي جمرة الأندلسي مسند أهل المغرب رحمه الله تعالى ، والإمام الحافظ الكرماني شمس الدين محمد بن يوسف رحمه الله ورضي عنه، صاحب الشرح المشهور على صحيح البخاري ، والإمام الحافظ المنذري رحمه الله تعالى صاحب الترغيب والترهيب ، والإمام الحافظ الأبي رحمه الله تعالى شارح صحيح مسلم ، والإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى صاحب فتح الباري ، والإمام الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى ، والإمام الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى ، والإمام القسطلاني رحمه الله تعالى شارح الصحيح ، والإمام الحافظ المناوي رحمه الله تعالى ، وغيرهم وغيرهم من أئمة الحديث وحفاظ الأمة، كانوا من أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ، وأكابر فقهاء الأمة من الأشاعرة والماتريدية ، قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى : " وأكثر العلماء في جميع الأقطار عليه – يعني مذهب الأشعري – وأئمة الأمصار في سائر الأعصار يدعون إليه... وهل من الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية إلا موافق له أو منتسب إليه أو راضٍ بحميد سعيه في دين الله أو مثنٍ بكثرة العلم عليه "  اهـ. [ تبيين كذب المفتري ص :  410] ، وقال الإمام ابن السبكي رحمه الله تعالى : " وقد ذكر شيخ الإسلام عز الدين ابن عبد السلام أن عقيدته - يعني الأشعري - اجتمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة، ووافقه على ذلك من أهل عصره شيخ المالكية في زمانه أبو عمرو بن الحاجب، وشيخ الحنفية جمال الدين الحصيري"  اهـ. [الطبقات 3 : 365] ، كما أن أكثر كتّاب سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم من الأشاعرة والماتريدية ، منهم على سبيل المثال : الإمام البيهقي رحمه الله تعالى صاحب دلائل النبوة ، والإمام أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى صاحب دلائل النبوة أيضاً ، والقاضي عياض رحمه الله تعالى صاحب الشفا في شمائل وأحوال المصطفى ، والإمام الحلبي رحمه الله تعالى صاحب السيرة الحلبية المسماة بإنسان العيون ، والإمام السهيلي رحمه الله تعالى صاحب الروض الأنف ، والإمام القسطلاني رحمه الله تعالى صاحب المواهب اللدنية ، والإمام الصالحي الدمشقي رحمه الله تعالى صاحب سبل الهدى والرشاد ، والإمام المؤرخ المقريزي رحمه الله تعالى صاحب كتاب إمتاع الأسماع ، والصروح الشامخة والمراكز العلمية التي كانت تنشر علوم الإسلام في بلاد المسلمين كانت تدرس المذهبين الأشعري والماتريدي ، مثل الجامع الأزهر في مصر، وجامع القرويين في المغرب، وجامع الزيتونة في تونس، والجامع الأموي في دمشق، وندوة العلماء في الهند، وغيرها من منارات العلوم المبثوثة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، كلها كانت تتبنى إما مذهب الأشاعرة أو الماتريدية،

[  5  ] : الأشاعرة والماتريدية  علماء متخصصون في العقيدة على منهاج الفرقة الناجية :  الأشاعرة والماتريدية  هم العلماء المتخصصون في العقيدة على منهاج الفرقة الناجية ( أهل السنّة والجماعة ) ، وهم يمثلون مع الأثرية الامتداد الصحيح للسلف الصالح في كل أبواب العقيدة ، إن مذهب الأشاعرة والماتريدية في المتشابه : يقوم على ضوابط ربانية عظيمة تمنع من الزلل والإفراط والتفريط ، وتجعل طريقهم عدلاً وسطا بين المشبهة والمجسمة ، وبين الجهمية والمعتزلة ، إنها ضوابط العلم الراسخ التي تقوم على : التقديس ثم التصديق ثم الاعتراف بالعجز ثم السكوت ثم الإمساك ثم الكف ثم التسليم ، أما التقديس : فهو تنزيه الله تعالى عن التشبيه والتمثيل والتجسيم ولوازمها ، وعن النقص والعجز والعيب ولوازمها ، وأما التصديق : فهو الإيمان بما قاله الله تعالى ، وبما صح من قول رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن ما جاء في الكتاب والسنة من المتشابه حق وصدق ، إلا أنه على مراد الله تعالى وعلى مراد رسوله صلى الله عليه وسلم ،  وأما الاعتراف بالعجز : فهو الإقرار بأن معرفة مراد المتشابه ليست على قدر طاقته ، وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته ، وأما السكوت : فهو عدم السؤال عن معناه وعدم الخوض فيه ، ويعلم أن سؤاله عنه بدعة، وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينه، وأنه يوشك أن يكفر لو خاض فيه من حيث لا يشعر ، وأما الإمساك : فإن معناه عدم التصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى، والزيادة فيه والنقصان منه والجمع والتفريق، بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ وعلى ذلك الوجه من الإيراد والإعراب والتصريف والصيغة ، وأما الكف : فإن معناه أن يكف باطنه عن البحث عنه والتفكر فيه لأنه لا يقدره قدره ولا يعلم محاذير التصرف فيه ، وهذا كله حذرا من إتباع المتشابه الذي يؤدي إلى الفتنة كما في قوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } ، ثم لما كان الوقف - في الآية - محتملاً على لفظ الجلالة ( الله ) أو على قوله تعالى ( والراسخون في العلم ) ، ولا سبيل للجزم بأيهما لأنه اجتهاد ، اتسع إطار أهل السنة والجماعة - لحكمة من الله تعالى ورحمة - ليسع الراسخين في العلم الذين يعلمون من قواعد التقديس والتنزيه القائمة على الكتاب والسنة ما يمنع من ولوجهم في الزيغ والزلل ، فيحملون الآيات المتشابهات على المعاني المحكمة التي تقبلها قواعد اللغة العربية ( لغة القرآن ) لصرف العوام عن التشبيه والتمثيل ، وللرد على طوائف المبتدعة الذين أوجب الله تعالى على أهل العلم الرد عليهم  ، دون الجزم بالمراد من المتشابه لأنه لا يعلم حقيقته إلا الله ،

 

***

( 14  )

ابن تيمية يفني عمره في نصرة أقوال أهل الحشو التشبيه

 

[  1  ] : الحشوية طائفة موجودة معروفة ولا سبيل إلى إنكار وجودها : الحشوية بتسكين الشين وفتحها  :  لقب أطلق على طائفة من المبتدعة من أصحاب الحديث الذين اعتقدوا بصحة الأحاديث الموضوعة والضعيفة المسرفة في التجسيم من غير نقد ، ثم أخذوا بظاهر لفظها ، ثم تحزبوا عليها ، وامتحنوا الناس على أساسها ، والفرق بينهم وبين المجسمة ، أنّ المجسمة ينصون على التجسيم ، ولا يرون به بأساً في ذات الله تعالى ، أمّا الحشوية ،  فهم يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم ، وإن كانوا يتحفظون في التجسيم بقولهم " بلا كيف "  ، ولذا يراهم البعض أهون بدعة من المجسمة ، ولكني أراهم أكبر خطراً من المجسمة وذلك لأنّهم ينتسبون إلى السلف ( زورا وبهتانا والسلف من زيغ عقائدهم براء ) ، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة ، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين ، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي ، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه ، وهم أبعد الناس عن السلفية والسلف ، وهل كان السلف إلا منزهة ومقدسة لذات الباري سبحانه ، وهل خاضت السلفية فيما يخوض فيه أولئك الحشوية  من الحشو والجهل فيما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية ، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم  ، ويمتحن الناس باعتقادها ، هل هذه سلفية ، أم حشوية ، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية ، خوفا من تتبع المتشابهات ، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها ، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم ، ثم ينسب ذلك إلى السلف ، وقد كان السلف الأوائل يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى ، ما أشد حاجة السلفية المعاصرة من تنقيتها من أدران الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتشريك والتبديع ، والله الهادي إلى سواء السبيل ،

[  2  ] أبرز صفات الحشوية   :  الحشوية لهم مواصفات معينة ، أبرزها أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه ، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى ، ينسبون إلى الله تعالى الجوارح والأجزاء والأبعاض ، ويعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان ، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود ، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث ،   يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه ، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما ، وهم قوم رعاع أوباش لا يحترمون تخصص العلماء ، ويهجمون على كل أبواب العلم ، لا سيما الأصول ، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء ، يشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه ، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه ، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون  في فهم المراد من النصوص ، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل ، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص ،  ومن أهم مشاكل هؤلاء ، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة ، وعلومهم القاصرة ، نسبوه إلى السلف ، وتحصنوا بهذه النسبة ، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف ، والمروق من الدين ، لا يستوعبون قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من فقه الكتاب والسنّة ، وأدى ذلك إلى الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد ، وإلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه ، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين ، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ،  وإلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس ، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك ، والغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة ، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها ، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر ، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة ، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم ، على أنهم مشركون شركهم أكبر من شرك المشركين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإلى الغلو في التكفير وعدم فهم بعض مسائل الإيمان فهماً معتدلا والميل فيها عن جهل إلى قريب من مذهب المعتزلة والخوارج ، فأدى ذلك إلى تكفير الكثير من المسلمين ، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر ، وإلى الغلو في التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها ، وتبديع طوائف برمتها ، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة ، ويرغب أنصاف المتعلمين منهم في طردهم منها ، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها ، والغلو في مسائل عدم الإعذار بالجهل والتأويل ونصرة المعتزلة في بعض هذه المسائل ، وغلو في مسائل الحكم بغير ما أنزل الله ، وفي مسائل الولاء والبراء بما يولج معتقدها في مذاهب الحرورية والخوارج ، وإهمال دراسة قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد ، واعتبارها من علوم اليونان ، وهم لا يعلمون  :  لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان ، وعدم الدقة في تحديد دائرة المتشابه الصحيحة ، وما آل إليه ذلك من تتبع المتشابه والخوض فيه ، ووقوعهم بذلك تحت خطر الوعيد القرآني المتمثل في تهديد الذين يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم ، وذلك في قوله تعالى  :  { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ }  [  آل عمران  :  7  ]  ، وهم ينتسبون إلى السلف ، والسلف برآء منهم ، وهم يذهلون عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى ، واعتقاد أن مذهبهم إثبات العلم ونفي الكيفية ، ولنا أن نتساءل كيف يكون متشابها ثم يتصف بالعلم ، وهل كان متشابها إلا لمحاذير إثبات العلم به ولكنهم لا يعلمون تلك المحاذير ، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة - وهم أهل السلف الحقيقيون - بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع ، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم ، وبعد فتلك بعض مفردات مذهب الحشوية ، والتي يسعى الحشوية في كل زمان إلى نسبتها إلى مذهب السلف وإلى أهل الحديث ، وجعلها بديل لكافة التخصصات العلمية ، وهم أهل الجفاء والغلظة والخيلاء ، والقسوة وغمط المسلمين والجفاء عند معاملتهم ، وافتراض سوء القصد في أقوالهم وأفعالهم التي قد تنشأ عن غير قصد غالبا ، تراهم دوماً في حروب وهمية مع من يظنونهم مبتدعون مارقون عن مذهب السلف الذي صنعوه بأيديهم ونسبوه إلى السلف ، ويدافعون عنه ضد كل من تسول له نفسه مخالفة ، ديدنهم الوقيعة في أهل التنزيه والأصول من أكابر أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ومحاولة التشكيك في انتسابهم إلى أهل السنة والجماعة  ، مع إهمال قيمة التخصص العلمي لديهم وتلميع أهل التعدي على أكابرهم بغيا وظلما بغير وجه حق ، يشنون حروبا لا داعي لها - بين الحين والآخر - على المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة ، بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع أن أصحابها بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع ، وقام أصحابهم على ضبط أقوالهم ، وصقلت مدارسهم الفقهية  على مر عصور الإسلام  كل ما يتعلق بالفقه ومسائله ، فأيهما أجدى البناء على ما بنوه فيرتفع البناء عاليا ، أم هدمه والتشكيك فيه ، مع استحالة إتقان ما أتقنوه ، واستيعاب ما استوعبوه ، وبناء ما بنوه ، ويشنون حروبا لا داعي لها على التصوف برمته ، صالحه وطالحه ، ويدّعون أن له أصل من اليهودية أو النصرانية أو البوذية ، ويتّهمون رجاله بعقائد مكفرة وأفكار منحرفة ضالة ويتهمون أكابره بالزندقة والانحلال ، وهم لا يفرقون في ذلك بين الصوفية الصادقين والأدعياء ، مع أنه قد مرت عصور كاملة ، وقرون تامة ، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمنهج صوفي للتزكية ، وطريقة صوفية تأخذ بيده نحو رضا الله ، فهل جميع أولئك على ضلالة ، وأين خيرية هذه الأمة إن كانوا جميعا كذلك ، والإنصاف هو اعتماد الصحيح من مناهج أكابرهم في التزكية ، مع إصلاح الأخطاء التي يكون منشؤها من الجهل والخرافة ، وأخطر ما في هذه الفرقة أنّ آثارها السيّئة ، كانت ولا زالت تهدم تخصصات الإسلام ، وتنخرُ القلاع العلمية الحصينة ، التي أسّسها الاسلام ، وبناها علماء المسلمين طوال القرون ، ولذلك فهم من شر الفرق ، وذلك لأنّهم يتدثرون بلباس السلف ، ويهدمون بمعاولهم دين الإسلام بزعم اتباع الكتاب والسنّة وباسم السلف ،

[  3  ] : تاريخ تسلسل ظهور الحشوية والإشارة إلى بعض أعلام ومصنفات الحشوية : لقد ظلت عقائد التجسيم والتشبيه والحشو متناثرة هنا وهناك، في أقوال المحدثين ورواياتهم ، حتى ظهر مقاتل بن سليمان ( المتوفي سنة 150 ه‍ )  حيث ملأ تفسيره حشوا من الإسرائيليات ،  وأخذ من علم اليهود والنصارى ما يوافقه لتدعيم مذهبه في التجسيم والتشبيه ، أخرج الخطيب البغدادي بسنده عن أحمد بن سيار  [  هو أحمد بن سيار أبو الحسن المروزي إمام المحدثين في بلده انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ للذهبي 1 : 254 وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي 2 : 193 ] أنه قال :  ( مقاتل متروك الحديث كان يتكلم في الصفات بما لا تحل الرواية عنه )  [ تاريخ بغداد 13 : 162و انظر نحوه في المنتظم لابن الجوزي 8 : 126 ] ، وأخرج بسنده عن الإمام أحمد أنه قال  :  مقاتل بن سليمان كانت له كتب ينظر فيها [ تاريخ بغداد 13 :  162 ] ، وقال ابن حبان :  ( كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم وكان مشبهاً يشبه الرب بالمخلوقين وكان يكذب مع ذلك في الحديث )  [ المجروحون 2 : 15 وانظر نحوه في التعديل والتجريح للباجي 1 : 197 والضعفاء لابن الجوزي 1 : 136 ووفيات الأعيان لابن خلكان 5 : 255 ] ،  لقد أصبح التجسيم والتشبيه بعد هذا المفسر الضال المبتدع مدرسة متكاملة اعتنق أفكارها بعض ممن جاء بعده  من جهلاء المفسرين والمحدثين ، وساهم بموضوعاته في ظهور الحشوية ، قال الإمام الأشعري :  ( حكي عن أصحاب مقاتل أن الله جسم وأن له جثةً وأنه على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم وجوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس وعينين مصمت وهو مع ذلك لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره )  [ مقالات الإسلاميين 152و209 وانظر نحوه في الفصل لابن حزم 4 : 155 والبدء والتاريخ للمقدسي 5 : 141 ] ، وحكى عنه الشهرستاني أنه قال قد ورد في الخبر أن الله خلق آدم على صورة الرحمن فلا بد من تصديقه [ الملل والنحل178 ] ومن مرويات مقاتل في التجسيم ما أخرجه الذهبي بسنده عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال :  ( إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين حبيب الله  ؟ فيتخطى صفوف الملائكة حتى يصير إلى العرش حتى يجلسه معه على العرش حتى يمس ركبته )  [ ميزان الاعتدال 4 : 174 وهو خبر موضوع كما نبه عليه الذهبي وانظر تاريخ بغداد للخطيب 13 :  162 ] ،  ثم ظهر محمد بن كرام السجزي ( ت 255 هـ ) ، وأتباعه هم الكرامية ، تمكنوا بتدثرهم بلباس الزهد أن يسربوا بدعهم إلى المصنفات التي تنتسب إلى العقيدة السلفية ، ويقول الشهرستاني :  ( نبغ رجل متنمس بالزهد من سجستان …قليل العلم قد قمش من كل مذهب ضعثاً وأثبته في كتابه وروجه على سواد بلاد خراسان ،  فانتظم ناموسه وصار ذلك مذهباً )  [ الملل والنحل107 ] ويقول ابن السبكي :  ( وكان من خبر ابن كرام هذا وهو شيخ سجستاني مجسم أنه سمع يسيراً من الحديث ونشأ بسجستان ثم دخل خراسان  ..  وعاد إلى نيسابور وباح بالتجسيم ، وكان من إظهار التنسك والتأله والتعبد والتقشف على جانب عظيم فافترق الناس فيه على قولين، منهم المعتقد ومنهم المنتقد  ..  قال الحاكم :  لقد بلغني أنه كان معه جماعة من الفقراء وكان لباسه مسك ضأن مدبوغ غير مخيط ،  وعلى رأسه قلنسوة بيضاء، وقد نصب له دكان من لبن وكان يطرح له قطعة فرو فيجلس عليها فيحفظ ويذكر ويحدث قال وأثنى عليه فيما بلغني ابن خزيمة واجتمع به غير مرة .. ) [ طبقات الشافعية لابن السبكي 2 : 35 ]  ، وقال تفي الدين الحصني : ( .. وسمع الحديث الكثير وأظهر التقشف ..  واتخذ قطعة فرو يجلس عليها ويحفظ ويحدث ويتخشع حتى أخذ بقلوب العوام والضعفاء من الطلبة لوعظه وزهده، حتى حصر من تبعه من الناس فإذا هم سبعون ألفاً .. ) [ دفع شبه من شبه 29 ] ،  ولم تمت الكرامية بموت مؤسسها بل تهذبت مقالته في التجسيم وزُيفت حتى كثر أتباعها واستحسنها السلطان واعتنق مذهبها ، وامتُحن بذلك بعضُ الكبار من علماء أهل السنة المنزهين لله عز وجل عن الجسمية ولوازمها ، ومن تلاميذ ابن كرام وأتباعه الذين قاموا بمذهبه إسحاق بن محمشاد الذي صنف في فضائل ابن كرام ،  يقول ابن حجر ( إسحاق بن محمشاد روى عن أبي الفضل التميمي حديثاً هو وضعه بقلة حياء منه :  "يجيء في آخر الزمان رجل يقال له ابن كرام تحيا السنة به" ،  فانظر إلى المادح والممدوح وسند حديثة مجاهيل )  ، ومن تلاميذ ابن كرام وأتباعه الشاعر أبو الفتح علي بن محمد البستي ( ت 402هـ ) الذي اتصل بالملك ناصر الدولة سبكتكين وعمل في خدمته فقربه منه حتى تأثر ملك آل سبكتكين بالكرامية فنصروا المذهب وقسوا على مخالفيه ، ومن أتباع ابن كرام أبو عبد الله محمد بن الهيصم الذي اجتهد في إرمام مقالة ابن كرام حتى ردها من المحال الفاحش إلى نوع يُفهم بين العقلاء، فمن ذلك أنه عدل بإثبات الجسم إلى معنى زعم أنه المراد وهو القائم بالذات، وهذا هو الرأي الذي مال إليه ابن تيمية رحمه الله ،  ومنه أيضاً أنه زعم أن الفوقية بمعنى العلو مع إثبات البينونة غير المتناهية بينه وبين خلقه [ انظر الملل والنحل للشهرستاني111 ] وقال الشهرستاني :  ( قد تخطى بعض الكرامية إلى إثبات الجسمية فقال أعني بها القيام بالنفس، وذلك تلبيس على العقلاء … وإلا فمذهب أستاذهم مع كونه محلاً للحوادث  ..  مستوياً على العرش استقراراً مختصة بجهة فوق مكاناً واستعلاءً فليس ينجيه من هذه المخازي تزويراتُ ابن هيصم فليس يريد بالجسمية القيام بالنفس ..  وإنما هو إصلاح مذهب لا يقبل الإصلاح ،  وكيف يستوي الظل والعود أعوج وكيف استوى المذهب وصاحب المقال أهوج )  [ نهاية الإقدام 122 ، وانظر التجسيم عند المسلمين وهو مذهب الكرامية 89-90 ] ،

[  4  ] : تسرب مقالات التجسيم والحشو إلى كتب السنّة :  قال الدكتور صهيب السقار في كتابه التجسيم في الفكر الإسلامي - تحت عنوان التجسيم في فكر المحدثين -  :  " من المعروف أن أهل الحديث ليس لهم مذهب مستقل لا في الفقه ولا في الاعتقاد ،  وكتب الرجال وبيان حال الرواة ومصنفات المحدثين تشهد بأن في رواة الحديث من الحنابلة والشافعية وسائر المذاهب الفقهية، وفيهم من الحشوية والرافضة والخوارج وغيرها من المذاهب الفكرية من لم يخرجهم مذهبهم الفكري من دائرة المحدثين، وإن حُكم عليهم بالبدعة ومخالفة السنة ،  وحتى المحدثون من أهل السنة فيهم من اختار مذهب الاشاعرة أو الماتريدية، و فيهم أيضا من اختار المذهب الذي يحكيه الشيخ ابن تيمية وغيره عن أهل الحديث على أنه مذهب السلف وأهل السنة ،  والدافع إلى هذا الانتساب إلى الحديث والسلف هو ما في الحديث النبوي والسلف الصالح من القدسية والمكانة عند أهل السنة ،  فكلهم يدعي وصلاً بالحديث والسلف ويطعن في فهم مخالفه لحقيقة مذهبهم ، وقد يستغل بعضُ من أخطأ في فهم مذهبهم مكانةَ الحديث والسلف للتشنيع على مخالفه وتقبيح مذهبه والتنفير عنه برميه بالتنكب عن منهجهم ،  وهذا يوجب أن نحرر مذهب أهل الحديث في مسألتنا خاصة ونضبط من يشمله عموم هذا الانتساب ومن هو الحقيق بشرف إقرار الحديث الشريف له بما ادعاه من الوصال ، فأهل الحديث هم المشتغلون برواية الحديث ودرايته, فكل من صنف في متون الحديث النبوي وكل من اندرج في أسانيده وكل من غلب عليه الاشتغال بعلم مصطلحه استحق أن يعد من أهل الحديث ،  وفي هذه الدائرة يتفاوت هؤلاء في مواقفهم من التجسيم ،  ويمكن إجمال تفاوتهم في موقفين  : ( الأول )  :  موقف من يجاهر بتنزيه الله عز وجل باختيار مذهب التفويض أو التأويل في المتشابه ،  وعلى رأس هؤلاء من المحدثين إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله ،  الذي كان ينهى عن التحديث بالأحاديث التي توهم التشبيه وتشكل في المعنى [ انظر الشفا للقاضي عياض 2 :  542 ]  مثل الحديث الذي جاء في صورة آدم وكان ينكر ذلك إنكاراً شديدا كما في سير أعلام النبلاء للذهبي [ 5 : 449 ]  ، وكان مجرد السؤال عن المتشابه موجباً لغضبه على السائل وطرده من المجلس كما هو مشهور عنه، فأين الإنكار على مجرد التحديث ومجرد السؤال عن التحديث بخلق آدم على صورة وجهه و إثبات الاستواء مع الأطيط ونحو ذلك مما يعدونه مذهباً لأهل الحديث ؟ ، ومن أصحاب هذا الموقف الإمام أحمد بن حنبل الذي ثبت عنه التأويل وتفويض المعنى ولم يثبت عنه غيره ،  كما سبق ،  ومن أصحاب هذا الموقف من حكينا عنهم اختيار التفويض الذي يعده ابن تيمية من شر أقوال أهل البدع كما سبق ، ومنهم أيضا من نص على اختيار وجه من وجوه التأويل في أحد الأحاديث كما سبق فلولا أنه رأى ما يقتضيه الحمل على الظاهر من مخالفة أدلة التنزيه ما اختار التأويل ، وهؤلاء الذين ساروا على نهج الإمام مالك وأحمد بن حنبل هم الجديرون بالانتساب إلى الحديث الشريف ، ( الموقف الثاني )  :  موقف من يثبت بعض الأخبار الواهية المنكرة التي لا تكاد تحتمل التأويل ، ومن هذا الفريق من ألف وجمع من هذه الأحاديث والأخبار التي يسمونها أخبار الصفات ، وعلى هؤلاء العمدة في تقرير ما يسمونه اليوم بعقيدة السلف ،  ولا بد من الإشارة إلى بعض هذه المصنفات مع المرور على بعض ما فيها لندرك البون الشاسع بين أصحاب الموقف الأول وأصحاب هذا الموقف :  ( أولاً ) :  كتاب الرد على الجهمية وكتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد  :  لعثمان بن سعيد الدارمي ( 280 هـ )  [ انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء 13 : 319 ]   :  أما كتاب الجهمية فقد احتج فيه بكثير من الأسانيد الواهية والمتون المنكرة التي تخالف التنزيه وأثبت فيه أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه يسكن معه فيها النبيون والصديقون والشهداء، وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه، وعقد فيه باباً في تكفير الجهمية، وباباً في قتلهم واستتابتهم من الكفر، ولا يخفي أن الجهمية مصطلح تشنيع لا يراد به فرقة انتسبت إلى الجهم بن صفوان لأن الجهم مات وماتت معه أفكاره إلا أن الدارمي ومن تابعه يعنون بالجهمية من خالفهم في صفات الله عز وجل فيدخل في هذا الوصف المعتزلة وأهل السنة من الأشاعرة والماتريدية ، أما كتابه الآخر  [ نقض عثمان بن سعيد على المريسي  ]  فهو مثل سابقه، وزاد فيه إثباتَ الحركة لله عز وجل، وفيه إثباتُ الحد، وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، وغير ذلك مما هو مبسوط في موضعه ، وهذان الكتابان لهما منزلة عظيمة عند ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم وقد أكثرا النقل عن هذين الكتابين ويقول ابن القيم بعد الثناء على الدارمي :  ( وكتاباه من أجل الكتب المصنفة في السنة وأنفعها، وينبغي لكل طالب سنة مراده الوقوف على ما كان عليه الصحابة والتابعون والأئمة أن يقرأ كتابيه ،  وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يوصي بهذين الكتابين أشد الوصية ويعظمهما جداً ،  وفيهما من تقرير التوحيد والأسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما )  [ اجتماع الجيوش 143 ]  ، ومع أن الحافظ الذهبي ينقل عن الدارمي ويثني عليه إلا أنه نبه إلى غلو الدارمي فقال : ( وفي كتابه بحوث عجيبة مع المريسي يبالغ فيها في الإثبات والسكوت عنها أشبه بمنهج السلف في القديم ) [ العلو للعلي الغفار1 :  195 ] ، وهذا التنبيه لا يكفي لأننا نحتاج أن نعلم إلى أي مدى وصل الدارمي في الإثبات ،  ويلاحظ تردد الحافظ الذهبي في الحكم على ما أثبته الدارمي فهو يكتفي بأن ينبه إلى أن السكوت عنه أشبه بمنهج السلف ، فهل يشتبه منهج السلف بإثبات الثقل والحركة والحد والقرب الحسي وغير ذلك من لوازم الجسم التي أثبتها الدارمي بحيث يعد السكوت عن إثباتها أشبه بمنهجهم ؟  ( ثانياً  ) :  كتاب السنة لابن أبي عاصم  :  هذا الكتاب لمؤلفه أبي بكر بن أبي عاصم أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد الشيباني من أهل البصرة ( 287هـ )  وكان مذهبه القول بالظاهر  [ انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء 13 : 430 ]  ،  وأثبت في كتابه من الأخبار المنكرة ما هو مذكور في موضعه ، ومنها أن الله خلق آدم على صورة وجهه، وعلى صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، وأن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش، وأن المؤمنين يجالسون الله عز وجل في الجنة وغير ذلك ،  ( ثالثاً ) :  كتاب السنة المنسوب إلى عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ( 290هـ  ) :  وأخذ هذا الكتاب من نسبته إلى ابن الإمام أحمد مكانة كبيرة عند المنتسبين إلى السلف خاصة في العصر الحديث ،  وسوف نشير إلى مكانته عند المعاصرين في موضعه ،  وقد قطع محققه بنسبة الكتاب إلى مؤلفه وبذل وسعه في الرد على من نزه الإمام أحمد عن أن يخوض ولده الذي تربى في كنفه في كل ما خاض فيه المؤلف ،  ولم يأت المحقق بشيء علمي بل اجتهد في كلام خطابي لا يدفع ما ذكره هو نفسه من الاعتراف بوجود مجهولين في طبقتين من طبقات إسناد هذا الكتاب إلى مؤلفه ،  والذي يبدو لي أن هذا الكتاب من مؤلفات من يسمونه شيخ الإسلام أبا إسماعيل الهروي صاحب المؤلفات المعروفة في ما يسمونه العقيدة السلفية ،  وهذا الهروي شديد التعصب ربما ركب له إسناداً فرواه عن أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم القراب الهروي  [ هو  إسحاق بن إبراهيم بن محمد أبو يعقوب القراب السرخسي ثم الهروي ،  محدث هراة ربما زاد عدد شيوخه على ألف ومائتي نفس وكان زاهدا مقلا من الدنيا ،  توفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة ،  انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء 17 : 570 وطبقات الشافعية الكبرى 4  : 264 ] عن شيخ مجهول عن شيخ مجهول عن المؤلف ،  وأبو إسماعيل الهروي لا يستبعد منه صدور ما في هذا الكتاب منه ،  كما سوف يتبين في الحديث على مؤلفاته السلفية ،  أما ابن الإمام أحمد فلا نظن به أن يتعدى على الله وعلى رسوله وعلى الإمام أحمد والإمام أبي حنيقة النعمان ،  وقد ذكر المحقق في توثيق الكتاب وصحة نسبته إلى المؤلف نقلَ الحنابلة عنه وأخذَهم منه ،  وكل من ذكر نقلَهم عنه مِن بعد عصر الهروي المذكور، فلا تدفع هذه النقول هذا الشك في نسبة الكتاب إليه ولا الشك في صحة نسبة صحته إلى المؤلف ، واشتمل هذا الكتاب على أكثر من مئة وثمانين نصاً في الطعن في الإمام أبي حنيفة، بل في بعضها تكفيره، وأنه أُخِذ من لحيته كأنه تيس يدار به على الحلق يستتاب من الكفر أكثر من مرة، وأنه أفتى بأكل لحم الخنزير، وفيه نقلٌ عن الإمام مالك أنه ذكره بسوء، وقال :  كاد الدين ومن كاد الدين فليس من الدين ووثق المحقق رجال سند هذه الرواية [ انظر السنة 1 : 199 ]  وغير ذلك من المثالب التي تقشعر منها الأبدان ،  عامل الله بعدله واضعها وغفر لمحققها وناشرها ،  وتخريج هذه الرواية في كتاب صنف لجمع السنة والعقيدة المتوارثة خير مثال على أن الطعن بأكابر المسلمين وعلمائهم ركن من أركان هذه العقيدة التي تصدى لها العلماء، فما من سبيل إلا الطعن بهم ورميهم بالتجهم والتنكب عن منهج السلف ونحو ذلك مما تركوا به الجواب العلمي واستبدلوا به هذا الأسلوب الناجح في فتنة العوام المأخوذين بما يظهره هؤلاء من التزهد الهروي الكرامي، المخدوعين بلافتات الدعوة إلى الكتاب والسنة واتباع السلف ،  ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز وجل وصفُه بالجلوس على العرش، وإثبات صدر له وذراعين، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرس قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه إذا أراد أن يخوف أحداً من عباده أبدى عن بعضه، وأنه قرَّب داودَ عليه السلام حتى مس بعضه وأخذ بقدمه وغير ذلك مما سيكشف عنه البحث ، ومما اشتمل عليه في حق الإمام أحمد أنه نقل عنه تصحيح الأخبار التي تثبت جلوسَه عز وجل على العرش وحصولَ الأطيط من هذا الجلوس، وأنه واضع رجليه على الكرسي وأن الكرسي  موضع قدميه، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قيد أربعة أصابع ،  وغير ذلك مما لم يغب نكارته ولا ضعف سنده على بعضهم، وسكتوا عن نسبة تصحيحه إلى إمامهم وابن إمامهم ،  فحاشا لله أن يصحح الإمام أحمد هذه الأخبار فيخفي عليه ضعف سندها وما في متنها من النكارة ومخالفة عقيدة السلف ثم يأتي المحقق ليكشف عن ذلك ؟ ( رابعاً ) :  كتاب السنة للخلال  :  وهو أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد البغدادي الخلال ( 311هـ )   :  قال الذهبي : ( أخذ الفقه عن خلق كثير من أصحاب الإمام أحمد  ..  ورحل إلى فارس وإلى الشام والجزيرة يتطلب فقه الإمام أحمد وفتاويه وأجوبته وكتبَ عن الكبار والصغار حتى كتب عن تلامذته وجمع فأوعى  ..  ولم يكن قبله للإمام مذهب مستقل حتى تتبع هو نصوص أحمد ودونها وبرهنها بعد الثلاث مئة فرحمه الله تعالى ، قال الخطيب في تاريخه جمع الخلال علوم أحمد وتطلبها وسافر لأجلها وكتبها وصنفها كتباً لم يكن فيمن ينتحل مذهب أحمد أحدٌ أجمع لذلك منه )  [ سير أعلام النبلاء 14 : 297 وانظر تاريخ بغداد للخطيب 5 : 112 وشذرات الذهب لابن العماد 1  : 261 ] ، وفي كتاب السنة أطال الخلال في تقرير قعود النبي صلى الله عليه وسلم مع الباري سبحانه على الفضلة التي تفضل من العرش ، وحشر مع ذلك نقولاً عن بعض المحدثين في تكفير منكره ورميه بالبدعة والتجهم وغير ذلك مما لو قرأه رجل لم يسمع عن الإسلام شيئاً لظن أن هذا الخبر ركن من أركان الإسلام ، وفيه أيضاً الكذب على الإمام أحمد وأنه تلهف لسماع هذا الخبر إذ لم تحصل روايته له من علو ،  [ انظر السنة للخلال 244-255 ]  ، وفيه أن الله عز وجل ينادي :  يا داود اُدن مني فلا يزال يدنيه حتى يمس بعضه ويقول :  كن أمامي فيقول رب ذنبي ذنبي، فيقول الله له كن خلفي خذ بقدمي ، ثم يقول الخلال في آخر كتابه :  ( وبعد هذا أسعدكم الله فلو ذهبنا نكتب حكايات الشيوخ والأسانيد والروايات لطال الكتاب غير أنا نؤمل من الله عز وجل أن يكون في بعض ما كتبنا بلغةٌ لمن أراد الله به فثقوا بالله وبالنصر من عنده على مخالفيكم فإنكم بعين الله بقربه وتحت كنفه )  [ السنة 1 : 265 ]  ، ( خامساً ) :  كتاب التوحيد لا بن خزيمة  :  وهو أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابورى ( 311هـ )   صاحب الصحيح المشهود له بالفقه والرواية  [ انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء للذهبي 14 : 365 ] ولكن العلماء أخذوا عليه خوضه في الكلام ،  ولعله تأثر برأس الكرامية فقد نقل ابن السبكي عن الحاكم أنه ذكر في تاريخه محمد بن كرام فقال : ( .. وقد أثنى عليه فيما بلغني ابن خزيمة واجتمع به غير مرة )  [ طبقات الشافعية الكبرى 3 :  304 ] ، وقد لامه بعض المحدثين على الخوض في ما لا يحسنه ،  فمن ذلك ما أخرجه البيهقي بسنده عن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي أنه قال :  ( ما لأبي بكر والكلام  ؟ إنما الأولى بنا وبه ألا نتكلم فيما لم نتعلمه .. -قال البيهقي - والقصة فيه طويلة وقد رجع محمد بن إسحاق إلى طريقة السلف وتلهف على ما قال والله أعلم )  [ الأسماء والصفات 342 ] ، واعترف ابن خزيمة على نفسه بأنه لا يحسن الكلام فقد نقل البيهقي عنه أنه قال :  ( ما تنكرون على فقيه راوي حديث لا يحسن الكلام )  [ المصدر السابق 340 ] ، وكتاب التوحيد هو جزء من صحيحه على التحقيق لأنه يحيل في أكثر من موضع على أبواب الصلاة وغيرها من أبواب الصحيح ،  وفيه باب بعنوان إثبات الأصابع لله عز وجل، وباب في إثبات القدم، ونحو ذلك ،  ومع أنه اشترط الصحة في ما يذكره إلا أنه لم يلتزم بذلك فأخرج فيه متوناً منكرة وأسانيدَ واهيةً، منها ما جاء في أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته فينتفض تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وأن جنة عدن مسكنه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك مما هو مبسوط في موضعه ، ( سادساً ) :  كتاب الصفات للدارقطني  :  وهو الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الذي انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بالعلل وأسماء الرجال مع الصدق وصحة الاعتقاد ،  [ انظر ترجمته في  العبر في خبر من غبر للذهبي 3 : 30 ]  وهذا الكتاب تشهد حاله الحديثية على براءة الدارقطني البصير بعلل الحديث ورجاله منه ،  وإنما يصلح أن يكون من صنيع من رواه عنه ،  فلا تصح نسبته إلى الدارقطني كما نبه عليه الكوثري  [ انظر تبديد الظلام المخيم 206 ]  لأن في سنده إليه أبا العز بن كادش أحمد بن عبيد الله ( 526هـ )  قال الذهبي في ترجمته :  ( أقر بوضع حديث وتاب وأناب )  [ ميزان الإعتدال 1 : 259 ] ، ولا يخفي أن هذه التوبة لا تعني قبول روايته لأمرين الأول أن من قواعد المحدثين أن التائب من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقبل روايته أبداً وإن حسنت طريقته، حكاه السيوطي عن الإمام أحمد بن حنبل وغيره من المحدثين ،  [ تدريب الراوي1 : 329 وانظرالمنهل الروي لبدر الدين بن جماعة  67 ] ، الثاني :  أنه حتى على مذهب من يقبل توبته لا يلزم قبولُ روايته لأنه ضعيف الرواية قبل الكذب وبعده ،  نقل ابن حجر في ترجمته أنه كان كذاباً لا يحتج بمثله وللأئمة فيه مقال [ لسان الميزان 1 : 218وانظر ترجمته في المغني في الضعفاء للذهبي47 ] ، ويرويه ابن كادش عن محمد بن علي أبي طالب العشاري قال الذهبي في ترجمته :  ( شيخ صدوق معروف لكن أدخلوا عليه أشياء فحدث بها بسلامة باطن منها حديث موضوع في فضل ليلة عاشوراء ومنها عقيدة للشافعي -وذكر بعض الأباطيل عنه ثم قال - فقبح الله من وضعه والعتب إنما هو على محدثي بغداد كيف تركوا العشاري يروي هذه الأباطيل )  [ ميزان الإعتدال6 :  267وانظر ترجمته في لسان الميزان 5 : 302 ] ، وفي هذا الكتاب باب في إثبات القدمين، وفيه أن الكرسي موضع القدمين، وفيه الأطيط وخلق آدم على صورة الرحمن ونحو ذلك ، ( سابعاً  ) : كتاب التوحيد لابن مندة  :  وهو أبو عبد الله محمد بن إسحاق " ابن مندة " ( 395هـ )   [ انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء 17 : 38 ]  وله أيضا كتاب الرد على الجهمية وفيه أن الله يكشف يوم القيامة عن ساقيه، وعزاه إلى البخاري ومسلم، مع أنه ليس في أحدهما  [ الرد على الجهمية 1 : 16 ] وفيه أن الله خلق الملائكة من نور الصدر والذراعين، وأن الكرسي موضع قدمه، ونحو ذلك من الأخبار ، ( ثامنا ) :  كتاب العرش وما روي فيه  :  لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة ( 297هـ )   وحال الكتاب من حال مؤلفه الذي نقل الذهبي تضعيفه عن الجمهور وتكذيبَه عن عبد الله بن أحمد بن حنبل ، وعن غيره الاتهام بالوضع  [ انظر العبر في خبر من غبر 2 :  114 و سير أعلام النبلاء 14 : 21 وشذرات الذهب لابن العماد 1 : 226 ] ، وفي هذا الكتاب أن أقرب الخلق إلى الله جبريل وميكائيل وإسرافيل، بينهم وبين ربهم مسيرة خمسمائة عام، وأن السماء منفطرة من ثقل الله، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في روضة خضراء ونحو ذلك مما هو مبسوط في موضعه ، ( تاسعا ) :  كتاب الأربعين في دلائل التوحيد لأبي إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي ( ت 481 هـ )  :  والهروي هو الذي كان المجسمة بهراة يلقبونه شيخ الإسلام نكاية بمن سمى به الحافظ أبا عثمان الصابوني، قال ابن السبكي : ( وأما المجسمة بمدينة هراة فلما ثارت نفوسهم من هذا اللقب عمدوا إلى أبي إسماعيل عبد الله الأنصاري صاحب كتاب ذم الكلام فلقبوه بشيخ الإسلام ، وكان الأنصاري المشار إليه رجلاً كثير العبادة محدثاً إلا أنه يتظاهر بالتجسيم والتشبيه وينال من أهل السنة وقد بالغ في كتابه ذم الكلام حتى ذكر أن ذبائح الأشعرية لا تحل  ..  وكان أهل هراة في عصره فئتين فئة تعتقده وتبالغ فيه لما عنده من التقشف والتعبد وفئة تكفره لما يظهره من التشبيه ، ومن مصنفاته التي فوقت نحوه سهام أهل الإسلام كتاب ذم الكلام وكتاب الفاروق في الصفات وكتاب الأربعين، وهذه الكتب الثلاثة أبان فيها عن اعتقاد التشبيه وأفصح ..   وكان شديد التعصب للفرق الحنبلية بحيث كان ينشد على المنبر على ما حكى عنه تلميذه محمد بن طاهر   :  " أنا حنبلي ما حييت وإن أمت  ..  ،  فوصيتي للناس أن يتحنبلوا " ، وترك الرواية عن شيخه القاضي أبي بكر الحيري لكونه أشعرياً وكل هذا تعصب زائد برأنا الله من الأهواء )  [ طبقات الشافعية الكبرى 4 :  272-273 ] ،   وفي كتاب الأربعين أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة ،  وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين، وباب في إثبات الهرولة، ومن عناوينها يتبين ما تحتها من الأخبار ... وبما سبق يتبين شيء من حال هذه المصنفات وسوف يكشف في ثنايا البحث عن تفصيل هذا الإجمال ،  ولكن لا بد أن نبين هنا غلط هؤلاء المصنفين على سبيل الإجمال أيضاً ،  غلط هؤلاء المصنفين على وجه الإجمال  : ( أولاً )  :  أنهم جمعوا فيها أخباراً متفرقة فأحدث هذا الجمع في دلالتها تقوية لظاهرها الموهم كما سبق في الكلام على التفويض ، ( ثانياً )  :  أنهم لم يفرقوا فيها بين النصوص التي تتفاوت دلالة وثبوتاً فمثلاً جعلوا قوله تعالى :  ( الرحمن على العرش استوى )  [ الآية ( 5 )  من سورة طه ]  مع الأخبار المنكرة التي تتحدث عن القعود على العرش وأطيط العرش من ثقل الجبار فوقه، وجعلوا هذين المتفاوتين من أدلة الاستواء على العرش ،  وبقية الأمثلة مبسوطة في الشبه السمعية ، ( ثالثاً )  :  أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع وبين حديث موقوف على صحابي أو تابعي، فأثبتوا بهذا ما أثبتوا بهذا ،  بل ربما عارضوا ما هو مشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرويات عن أحد التابعين ،  ومثال ذلك تفسير المقام المحمود بالإقعاد على العرش ،  بل لم يفرقوا بين حديث نبوي وخبر إسرائيلي، فربما جعلوا ما لقول الرسول صلى الله عليه وسلم من القدسية والمكانة ثابتاً لقول أهل الكتاب ،  ومثال ذلك ما ذكروه في الاستلقاء على العرش ووضع إحدى رجليه على الأخرى وغير ذلك مما هو مبسوط في الشبه السمعية ، ( رابعاً )  :  أنهم لم يفرقوا بين منقول بالتواتر من الكتاب والسنة وخبر لم يصح سنده فأثبتوا بالثاني ما أثبتوه بالأول ] ، انتهى من كتاب التجسيم في الفكر الإسلامي ،

[  5  ] محاولة ابن تيمية بعث الحشوية من مرقدها وإلصاقها بالمذهب الحنبلي :  اشتهر انتساب الحَشْويّة إلى مذهب أحمد بن حنبل ( ت241هـ )  ، ولا ريبَ أنّ الامامَ أحمد إمامٌ عظيمُ القدر ، ومن أكبر أئمّة الاسلام ، لكن قد انتسب إليه هؤلاء هو منهم بريء ، وهذا الإمام ابن الجوزي ، الذي لم يأت في الحنابلة بعد الإمام أحمد مثله ، يُخاطب ابن حامد وابن الزاغوني والقاضي أبي يعلى القاضي وهم من كُبراء الحنابلة ، بقوله  :  " ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح ، وانتدب للتصنيف ثلاثة :  أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضيوابن الزاغوني فصنفوا كتباً شانوا بها المذهب ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس ،  فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته، فأثبتوا له صورة ووجهاً زائداً على الذات، وعينين وفماً ولهواتٍ وأضراساً  ..  ويدين وأصابعَ وكفاً وخنصراً وإبهاماً وصدراً وفخذاً وساقين ورجلين ،  وقالوا :  ما سمعنا بذكر الرأس ،  وقالوا  :  يجوز أن يُمس وَيمس، ويدني العبد من ذاته ،  وقال بعضهم :  ويتنفس ،  ثم يرضون العوام بقولهم :  لا كما يعقل  ثم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون  :  نحن أهل السنة، وكلامهم صريح في التشبيه ،  وقد تبعهم خلق من العوام ،  فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم :  يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل وإمامكم الاكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط : " كيف أقول ما لم يقل" ،  فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه ، فلو أنكم قلتم :  نقرأ الأحاديث ونسكت ما أنكر عليكم أحد، إنما حمْلكم إياها على الظاهر قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس منه ،  ولقد كسيتم هذا المذهب شيناً قبيحاً حتى صار لا يقال حنبلي إلا مجسم .. ) [ دفع شبه التشبيه لابن الجوزي 30-33 ] ، وقال العفيف اليافعي في كتاب ( مَرْهَم العلل المُعْضلة في دفع الشبه والردّ على المعتزلة )  في الجزء الثالث منه  :  ومتأخّرو الحنابلة غَلَوا في دينهم غُلُوّاً فاحشاً ، وتَسَفّهُوا سَفَهاً عظيماً ، وجَسَّموا تجسيماً قبيحاً ، وشبّهوا الله بخلقه تشبيهاً شنيعاً ، وجعلوا له من عباده أمثالاً كثيرةً ، حتّى قال أبو بكر بن العربي في ( العواصم )   :  أخبرني من أثقُ به من مشيختي  :  أنّ القاضي أبا يَعْلى الحنبلي كان إذا ذكر الله سبحانه يقول في ما ورد من هذه الظواهر في صفاته تعالى  :  ألْزِمُوني ما شئتُمْ ، فإنّي ألتزمُهُ إلّا اللحية والعورة ، قال بعض أئمّة أهل الحقّ  :  وهذا كفرٌ قبيحٌ ، واستهزاءٌ بالله تعالى شنيعٌ ، وقائله جاهلٌ به تعالى لا يُقْتدى به ولا يُلتفتُ إليه ولا مُتّبِعٌ لامامه الذي ينتسبُ إليه" أهـ  [ نقله عنه السبكي في السيف الصقيل ( ص130 )   ]   ، وقال العلّامة الكوثري  :  وبعض الحنابلة على مسلك السَلَف في التفويض ، و بعضهم انحاز إلى المعتزلة ، وكان غالبُهم ـ على تعاقُب القُرُون ـ حشويةً على الطريقة السالميّة والكراميّة ، إلى أن جعل الظاهر بيبرس قضاء القُضاة في المذاهب الأربعة لأوّل مرّة ، فأخذت تزول أمراضُهم البِدْعيّة ، وكادَ أن لا يبقى بينهم حشويّ لولا جالية ( حرّان )  بعد نكبة بغداد ، حطَّوا رحلَهم بالشام ، ونَبَغَ من بينهم رجلٌ  ..  فإذا هو يجري على خُطّةٍ مدبّرةٍ في إحلال المذهب الحشوي تحت ستار مذهب السَلَف ، محلّ مذهب أهل السنّة " أهـ  [ مقدّمة تبيين كذب المفتري ( ص17 )    ]  ، وقال الشيخ الكوثري  :  بعنوان  :  محاولة ابن تَيْمِيَّة بعث الحَشْويّة عن مرقدها  :  قد استمرّت فتن المخدوعين من الرواة على طول القرون مجلبة لسخط الله تعالى ولاستخفاف العقلاء من غير أن يخطر ببال عاقل أن يناضل عن سخافات هؤلاء ، إلى أن نبغ في أواخر القرن السابع بدمشق حرّانيٌّ تجرّد للدعوة إلى مذهب هؤلاء الحَشْويّة السخفاء ، متظاهراً بالجمع بين العقل والنقل على حسب فهمه من الكتب ، من دون أستاذٍ يُرشده في مواطن الزلل ، وحاشا العقل الناهض ، والنقل الصحيح أن يتضافرا في الدفاع عن تخريف السخفاء ، إلّا إذا كان العقل عقل صابئٍ ، والنقل نقل صبيٍ ، وكم انخدع بخزعبلاته أُناس ليسوا من التأمّل للجمع بين الرواية والدراية في شي ء ، وله مع خلطائه هؤلاء موقف في يوم القيامة لا يُغبط عليه ، ومَنْ درس حياته يجدها كلّها فتناً لا يُثيرها حاظٍ بعقله غيرُ مصابٍ في دينه " أهـ  [  السيف الصقيل في الردّ على ابن زفيل ( ص6 )   ] ،  

كان هذا ما تيسر بحمد الله تعالى في تقييم علم الإمام ابن تيمية في باب العقيدة وأصول الدين ، وأسأل الله عز وجل أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وقد تناولت الرسالة : [ أولا ]  مدخل : في بيان مجمل أخطاء ابن تيمية  ، و  [ ثانيا ]  الرد المفصل على أخطاء ابن تيمية في باب العقيدة ، وقد اشتمل على تلك المباحث : ( 1 ) ذهول ابن تيمية عن علم التقديس وجهله العميق بعلم توحيد الذات ، ( 2 ) إسناده  المكان والجهة إلى الله تعالى ونسبة الفوقية الحسية إلى الله  ،  ( 3 ) تورط في نسبة الحد إلى الله ، ( 4 ) كلامه في مسألة الجسم وقوله بالجسمية ، ( 5 ) قوله بحوادث لا أوّل لها لم تزل مع الله ، ( 6 ) قوله بقيام الحوادث بذات الله تعالى ، ( 7 ) زعمه أن الله يتكلم بحرفٍ وصوتٍ وأنه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء ، ( 8 ) عدم قدرته على تحديد دائرة المتشابه بسبب ذهوله عن علم التقديس الذي لم يدرسه على يد متخصص ،  ( 9 ) الخطأ في نسبة اثبات المعنى الظاهر للمتشابهات إلى مذهب السلف وقد كان مذهبهم فيه تفويض المعنى ،  ( 10 ) نسب إلى السلف اثبات المعنى الظاهر للصفات مع أنّه متعذر في كل الصفات ،  ( 11 ) شنّ حرباً على التأويل مع أنّه لا مناص منه عند التعارض ، ( 12 ) نصرته لأقوال شاذة تضر بالعقيدة   ، مثال : ( أ  ) إنكاره المجاز ، ( ب ) زعمه بأنّ خبر الآحاد يفيد اليقين   ( 13 ) ابن تيمية يفني عمره في الرد على أهل الحق الأشاعرة ، ( 14 ) ابن تيمية يفني عمره في نصرة أقوال أهل الحشو التشبيه ، هذا ما تيسر والله تعالى من وراء القصد وهو يهدي السبيل ،

***

 

كتاب ميثاق الإصلاح بين طوائف وفرق المسلمين جمــع وإعـداد مجــدي محمــد علـي

[ مقدمة ]  بسم الله الرحمن الرحيم  ،  إنِّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }[ آل عمران : 102 ] ، { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا }  [ النساء : 1 ] ، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } [ الأحزاب :70 ، 71 ] ، أما بعد :  فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ، ثم أما بعد ، فإنّ السعي نحو إصلاح حال المسلمين ، مبتغى كل المسلمين ،  وقد قال تعالى { وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ }[ الأعراف :170] ،  وقد حوى هذا الكتيب على مائة بند ، وعلى اثني عشر فصلا ، ترسم الصورة الواضحة إن شاء الله تعالى للإصلاح بين المسلمين ،  ( الفصل الاول ) : دين الإسلام هو الدين المعتبر عند الله تعالى ، ( الفصل الثاني ) :  أمة الإسلام هي خير أمة أخرجت للناس كافة ، ( الفصل الثالث ) : أهل السنة والجماعة الناجية سواد المسلمين الاعظم وهم اولى الناس بحمل راية الإصلاح ، ( الفصل الرابع ) : الفرق الخارجة عن إطار اهل السنة والجماعة وأصول الضلال لديها والدليل إلى علاج تلك الضلالات ، ( الفصل الخامس ) : الإصلاح في الجانب الفكري ، ( الفصل السادس ) : الإصلاح في الجانب العلمي ، ( الفصل السابع ) : الإصلاح في الجانب العملي ، ( الفصل الثامن ) :  الإصلاح في الجانب الأخلاقي ،  ( الفصل التاسع ) : الإصلاح في الجانب السياسي ، ( الفصل العاشر ) : أبرز الفرق المعاصرة التي يتبغى الحذر من غلوائها لأنها تعرقل مساعي الإصلاح ، ( الفصل الحادي عشر ) : ترشيد عمل الجماعات القائمة على ثغور الإسلام ، ( الفصل الثاني عشر ) : بيان الطريق الأمثل إلى الإصلاح ،

***

 

الفصل الاول : دين الإسلام هو الدين الأوحد  المعتبر عند الله تعالى

[  البند الأول ] : دين الإسلام هو الدين الأوحد  المعتبر عند الله تعالى  ، قال الله تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } [  آل عمران : 19 ]  ، وقال الله تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [ آل عمران : 85 ] ، وهذا الدين يُطالب به بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة الناسُ كافة ، ،  وكل من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به ويتبع دين الإسلام الذي جاء به من عند الله فهو كافر بالله تعالى الكفر الأكبر ، وهو من أهل النار وبئس المصير ، هذا وإن أمن بجميع الأنبياء والمرسلين قبله ، لم ينفعه ذلك الإيمان مثقال ذره حتى يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتبعه على دينه الذي جاء به من عند الله ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } [ النساء : 150 ، 151 ] ،  وقال تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [ النساء : 115]  ،ـ وقال صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار )) [ أخرجه مسلم ] ، 

[  البند الثاني ] : المسلم  : هو كل من قال ( لا إله إلا الله - محمد رسول الله ) : مقرا لها بلسانه ، معتقدا لها بقلبه ، والاعتقاد القلبي له ركنان ، ( قول القلب وهو التصديق القلبي للشهادة ، وعمل القلب ، وهو الانقياد والاذعان والقبول القلبي لها ) ،  هذا المسلم : لا نكفره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، ولما كان حال القلب لا يطلع عليه إلا الله ، فإن المسلم عندنا هو كل من قال (( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمد رسول الله )) ،  مقرا بها منقادا لها بلسانه ، فمن نطق بهما بلسانه مستيقنا بهما فإنه يحكم بإسلامه الظاهـر والله يتـولى السرائـر ، ومن مات عليهما استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ، ومن أقر بهما فإنه لا يخرج من الإسلام إلا بناقض ينقضهما ،  وأوجز تعريف للمسلم ،  هو ما عرفه النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي أُوتي جوامع الكلم  ، قال صلى الله عليه وسلم : (( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته )) [ أخرجه البخاري ، ح : 384 ] ، ولا يصح تفريغ الحديث من معناه ، فمن صلى صلاة المسلمين واستقبل قبلتهم وأكل ذبيحتهم فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين ، وعليه ما على المسلمين ، وفي هذا المسلم قال صلى الله عليه وسلم : ((  كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ أخرجه مسلم ] ، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على أي مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ،

[  البند الثالث ] : مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر لما أخرجه مسلم عن المقداد رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ منى بشجرة فلمّا أهويت لأقتله قال لا إله إلاّ الله ، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال )) [ أخرجه مسلم ] ، صورة الحديث تدل يقيناً على أنّ هذا الرجل ما قال ( لا إله إلا الله ) إلاّ تقية وهرباً من القتل ، ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم  المقداد رضي الله عنه أن لا يقتله بل وأخبر بأنه إن قتله فقد قتل مسلماً ، وأخرج مسلم عن أسامه بن زيد رضي الله عنهما  قال : (( بعثنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم إلى الحُرقة من جهينة . فصبّحنا القوم. فهزمناهم  ، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ، فلمّا غشيناهُ قال : لا إله إلاّ الله . فكفّ عنه الأنصاري . وطعنته برمحي حتى قتلته . قال فلمّا قدمنا . بلغ ذلك النبي  صلى الله عليه وسلم فقال لي (( يا أسامة ! أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله ؟ )) قال قلت : يا رسول الله ! إنما كان متعوذاً  ، قال ، فقال : (( أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله ؟ )) قال فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليـوم ))  [ صحيح مسلم ] ، وفي رواية أخرى عند مسلم : قال رسول الله   صلى الله عليه وسلم  : أقتلته ؟ قال : نعم ، قال : فكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ، قال : يا رسول الله ! استغفر لي ، قال : وكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟  قال : فجعل لا يزيده على أن يقول (كيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ ) [ صحيح مسلم ] ،  وقوله صلى الله عليه وسلم  قال (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله )) [ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( من قال لا إله إلاّ الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله )) [ صحيح مسلم ] ، فهذه الأحاديث جميعها تدل على أنّ باب الإسلام مدخله هو الشهادتان فمن قال لا إله إلاّ الله دخل في الإسلام وعصم بالإسلام الظاهر نفسه وماله من القتل على سبيل الكفر وحساب الباطن على  الله ،  ليس معنى ذلك أنّ كل من نطق بالشهادتين ، أنه يفعل ما يشاء ،  فقد جعلت الشريعة الحكيمة اعتقادات وأقوال وأفعال ناقضه للإسلام ومن أتى بها عالماً بها ، مختاراً لها ، قاصداً لفعلها فقد ارتد عن الإسلام ،

[  البند الرابع ] : من مات على الإسلام استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد ،  لما جاء في حديث الشفاعة ، وفيه : (( ثم أعود في الرابعة فأحمده بتلك ثم أخِرّ له ساجداً فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يُسمع وسل تُعط واشفع تشفع فأقول يا رب إئذن لي فيمن قال لا إله إلاّ الله فيقول : وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله )) [ متفق عليه ]  ، ولقوله صلى الله عليه وسلم  (( يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن بره من إيمان ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن ذره من إيمان )) [ أخرجه البخاري ] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم  (( أشهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلاّ دخل الجنة ))[ أخرجه مسلم ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم  (( من شهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمد رسول الله حرّم الله عليه النار )) [ أخرجه مسلم ] ، أي الخلود الأبدي في النار ، للجمع بين الأحاديث ، وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر  رضي الله عنه: (( ما من عبد قال لا إله إلاّ الله ثم مات على ذلك إلاّ دخل الجنة ، فقال أبو ذر : وإن زنى وإن سرق ؟ قال وإن زنى وإن سرق ، قلت وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سـرق ، ثلاثاً ثم قال في الرابعة ( على رغم أنف أبى ذر ) [ أخرجه مسلم ] ،

[  البند الخامس ] : خطـورة تكفـير المسلـم ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه ، إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله ، فكذلك التكفير ، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ،  ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ،

[  البند السادس ] : لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره ، والأمـور المحتملة للكفـر وغيـره : هي تلك الأقوال والأفعال التي لا تدل على الكفر صراحة ، ولكنها تحتمل الكفر وغيره ، ومثال ذلك السجود فإنه قد يكون بقصد العبادة لمن يعتقد فيه صفات الربوبية والإلهية ، وهذا صرفه لله وحده عبادة وتوحيد وصرفه لغير الله كفر وشرك أكبر ، وقد يكون السجود بقصد التكريم والتعظيم كالسجود للأنبياء والملوك والعلماء ، وهذا كان جائزاً في شرع من قبلنا ثم حرّم في شرعنا فمن أتى به فقد أتى بمعصية ولم يأت بما هو كفر أكبر مخرج من الملة ، وهذه الأمور المحتملة لا يجوز تكفير فاعلها حتى نتبين قصد فاعلها ، ومـن الأدلـة على صحـة هـذه القاعـدة : ما أخرجه أحمد وابن ماجة : (( لمّا قدم معاذ من الشام سجد للنبي  صلى الله عليه وسلم ، قال ما هذا يا معاذ ؟ قال أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك فقال النبي  صلى الله عليه وسلم  : فلا تفعلوا ، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها )) [ أخرجه أحمد وابن ماجة وابن حبان وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة ] ، ولمـا أخرجـه البخـاري ومسلـم في قصة حاطب رضي الله عنه ومكاتبته لقريش بأمر مسير النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إليهم لفتح مكة ، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم  (( ما هذا يا حاطب ؟ قال لا تعجل عليّ يا رسول الله ، إني كنت امرأً من قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن اصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي ، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم   إنه قد صدقكم فقال عمر دعني يا رسول الله فأضرب عنقه فقال ( إنه شهد بدراً وما يدريك لعلّ الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال اعملـوا مـا شئتـم فقـد غفـرت لكـم ) " [ البخاري ح (4890) ] ، فموالاة الكافرين : يحتمل أن تكون موالاة باطنة على الدين ويحتمل أن تكون موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة ، ولوجود هذا الاحتمال لم يحكم النبي   صلى الله عليه وسلم عليه بالكفر حتى تبين قصده بالسؤال ، فلمّا علم أنها موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة دلّهم على أنّ صنيعه هذا ذنب من الذنوب وكبيرة من الكبائر التي تدخل ضمن إطار الذنوب التي تكفرها الحسنات ،

[  البند السابع ] : العذر بالجهل يمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر ، إذ جعلت الشريعة أعذارا شرعية تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر ، من أهمها العذر بالجهل ، فإنه إذا كانت رحمة الله تعالى اقتضت أنّ الكفار لا يُحاسبون على كفرهم ما لم تقع عليهم الحُجة الرسالية بأن تأتيهم نذارة أو يسمعوا برسول ، لقوله تعالى { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } [ الإسراء : 15 ] ، وقوله تعالى { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } [ النساء : 165 ] ، فإنه من باب الأولى إعذار المسلم الذي وقع في مسألة من مسائل الكفر عن جهل ، إذ لم يسمع بالدليل ، والدليل على عذره  : قوله تعالى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ التوبة : 115 ] ، والمعنى : أنه لا يضل قوماً بعد إبلاغ الرسالة إليهم حتى يكونوا قد قامت عليهم الحُجة بالبيان ، وقوله تعالى { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا }[ النساء : 115 ] ، أي خالف الرسول من بعد المعرفة والبيان  ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلـك بعـث المبشريـن والمنذريـن )) [ البخاري ح/7416 ] ، والأدلة على العذر بالجهل كثيرة جداً لا فرق في ذلك بين أصول وفروع ولا بين اعتقادات وعمليات ، فكل مؤمن لم تبلغه الحُجة الرسالية في أمر ما فتلبس بالكفر فيه فلا يوصف بالكفر الأكبر ، وليس معنى ذلك أنه قد سقط عنه الإثم أو العقوبة فالعذر بالجهل يمنع فقط من تكفيره ، ولكن إذا ثبت تقصيره في طلب العلم وكان العلم ميسراً عنده بحيث كان متمكناً من طلبه ، فهذا يأثم ويعّذر ، ولكن لا يوصف بالكفر المخرج من الملة حتى تقوم عليه الحُجة الرسالية بالعلم وتستوفي كافة شروطها الشرعية التي قررها علماء الشرع الحنيف ، وهذا في أحكام الظاهر ، أمّا أحكام الباطن والتي اختص الله تعالى بعلمها فإن كان يقصد الكفر ويدعي جهله به فهذا كافر في الباطن وهو من المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون ،

[  البند الثامن ] :  العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبر ، بشرط ان يكون منشأه من القصور في فهم الأدلة دون تعمد المخالفة الشرعية ، وكان القصد منه موافقة الشريعة لا تكذيبها ولا تعطيلها ، وكان له وجه مستساغ وإن كان فهمه خطأ فهذا يُعذر صاحبه إن تلبس بالكفر فلا يكفر حتى تُقام عليه الحُجة التي يكفر تاركها ومثالها غالب الفرق الضالة الداخلة في إطار أمة الإسلام دون الغلاة منهم ، أما إن كان قصد المتأول التلاعب بالشريعة  ، وليس له وجه مستساغ في الشرع فهذا لا يُعذر به صاحبه البتة ، ومثاله تأويل القرامطة والباطنية أصحاب الأقوال المكفرة التي لا وجه مستساغ لها في الشرع ، والعذر إنما يكون في التأويل المستساغ ،  وقد تضافرت الأدلة على عذر المتأول من كتاب الله عز وجل ومن سنّة النبي   صلى الله عليه وسلم  ، ومن ذلك قوله تعالى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } [ الأحزاب : 5 ] ، وقوله تعالى وهو يأمر المؤمنين بهذا الدعاء { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }[ البقرة : 286 ]  وجاء في صحيح مسلم في تفسير الآية أن الله تعالى قال ( قد فعلت ) [ صحيح مسلم ] ، فهذه الرحمة تتناول إن شاء الله تعالى أهل التأويل لأنهم داخلون في الخطأ وعدم تعمد المخالفة ، وحديث مسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عندما لحق رجلاً من المشركين ـ كان قد أثخن على المسلمين فلما تمكن منه  قال ( لا إله إلاّ الله ) ، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (( يا أسامه أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله )) [ أخرجه مسلم ] ، وفي الحديث عذر النبي صلى الله عليه وسلم  أسامه رضي الله عنه بتأويله ، أنه ما قالها إلاّ متعوذاً من القتل وإلا لأقام عليه الحد لقتله مسلما متعمدا ، والنبي يعذر حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه بالتأويل عندما كاتب المشركين بمكة يخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة  ، والحديث أخرجه البخاري ،  ولذلك فإن جماهير أهل الفقه والأصول على الاعذار بالتأويل ، ويستدلون لذلك بالأدلة السابقة ، وأدلة أخرى منها : ( أ ) عدم تكفير الصحابة ومن بعدهم للخوارج الذين هم أكثر من تأول النصوص واستحلوا أشد المحرمات القطعية وهو قتل المسلمين وذلك بتأويل منهم ، ومع ذلك لم يكفرهم المسلمون ، حتى إن الإمام علي رضي الله عنه قاتلهم لبغيهم ولم يحكم عليهم بالكفر ولم يعاملهم معاملة الكفار أو المرتدين المحاربين وإنما دفع بغيهم ، ( ب )  عدم تكفير عبد الرحمن بن ملجم مستحل قتل الإمام علي رضي الله عنه وقاتله ، فقد أوصى رضي الله عنه بالقصاص منه ولم يتحدث عن ردته أو قتله لكفره  ، ( ت )  عدم تكفير قدامة بن مظعون وأبو جندل بن سهيل وضرار بن الخطاب ، وهم من الصحابة قد شربوا الخمر مستحلين لها بتأويل ، لذلك أقام عليهم عمر عقوبة الشرب ولم يحكم عليهم بالردة  ،

[  البند التاسع ] :  العذر بالإكراه عذر شرعي مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبر ، قال تعالى { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ..}  [ النحل : 16 ] ، وعلى ذلك فإن العذر بالجهل والعذر بالتأويل والعذر بالإكراه جميعها أعذار شرعية تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الأكبر ، فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الشرعية بذلك ،

[  البند العاشر ] : لا يجوز التكفير بلازم المذهب :  فلا يحكم على اصحاب المذاهب بالكفر بناء على ما يلزم عن كلامهم ويترتب عليه لا سيما إن كانوا ينفونه ، فلا يجوز تكفير المجسمة لأنهم عبدوا جسماً ، وهو غير الله فهم عابدون لغير الله ، ومن عبد غير الله كفر ، ولا يجوز تكفير المعتزلة لأنهم وإن اعترفوا بأحكام الصفات فقد أنكروا الصفات ويلزم من إنكار الصفات إنكار أحكامها ، ومن أنكر أحكامها فهو كافر ،  فإننا لو عاملنا كل مبتدع بلازم قوله كفرنا كل مبتدع ، وفي هذا من الغلو ما فيه ، والصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من علماء المسلمين لم يكفروا الخوارج الذين قتلوا المسلمين وانتهكوا محارمهم ، مع ان لازم قولهم استحلال قتل المسلمين ، ومن استحل المحرمات كفر ، ومع ذلك لم يكفرهم المسلمون ، حتى إن علياً رضي الله عنه الذي قاتلهم لبغيهم لم يحكم عليهم بالكفر ولهذا لم يعاملهم معاملة الكفار أو المرتدين المحاربين إنما اكتفى بدفع بغيهم ،

[  البند الحادي عشر ] : المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة ، وعلماء أهل السنّة والجماعة متفقون على أن المسلم إذا وقع في الكفر أو الشرك لا يكفر حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بالكفر ، أمّا قبل إقامة الحُجة فإنه لا يُحكم عليه بالكفر الاكبر والخروج من الملة ، ولا يُخالف في هذه القاعدة إلاّ الخوارج والمعتزلة والحشوية أهل الغلو في مسائل التكفير ، قال تعالى  { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ }[ التوبة : 115 ] ، والآية تدل على أنّ الله لا يُؤاخذ عباده حتى يُبين لهم ما يأتون وما يذرون ، وتقوم عليهم الحجة بذلك ، وقد ثبت أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلاً لها ، فأقام عليه عمر الحدّ ولم يكفره ، وكذلك أبو جندل بن سهيل وجماعة معه شربوا الخمر بالشام مستحلين لها مستدلين بقول الله عز وجل { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا }[ المائدة : 93 ] ، فلم يكفروا وعرفوا تحريمها فتابوا وأقيم عليهم الحدّ ، وكذلك كل جاهل بشيء لا يُحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك ، ولأهل العلم في ضبط هذه القاعدة ثلاث ضوابط لا يسع جهلها وإلاّ آل الأمر إلى التعجل في تكفير أهل القبلة ، وهذه الضوابط الثلاث تتمثل في : ( الضابط الأول ) : الحُجة لا تكون معتبرة شرعاً حتى تستوفي كافة شروطها من جهات ثلاث ، جهة صفة الحُجة ، وجهة صفة من يُقيم الحُجة وجهة صفة إقامة الحُجة  ، فالحُجة نفسها التي تصلح لأن تكون حُجة لتكفير المسلم إما أن تكون قرآناً صريحاً أو تكون سنّة متواترة صريحة أو إجماع أهل العلم ، أمّا غير ذلك فأدلة محتملة لا تصلح لتكفير مسلم علمنا إسلامه بيقين ، وأمّا صفة من يُقيم الحُجة فلا تقوم الحُجة الشرعية إلاّ بمسلم عالم عدل معروفاً عند من يُخاطبه بالعلم والعدالة لقوله تعالى { فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [ التوبة : 122 ] فمن لم يكن موصوفاً بالعلم معروفاً به في مكان ما لم تقم به الحُجة الشرعية ، وأما صفة إقامة الحُجة فيشترط فيها أن تصل إلى المُخاطب بلغته التي يفهمها لقوله تعالى {  وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ }  [ ابراهيم : 4 ] ، وأن تكون مفصلة مبينة ترد على شبهات المخاطب حتى ينقطع أمامها فلا يجد حُجة تدحضها ، لقوله تعالى { فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } [ المائدة : 92 ] ، وقوله تعالى {  وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ }[ التوبة : 115 ] ، و ( الضابط الثاني ) : لا يكفر المسلم حتى تتوفر شروط تكفيره وتنتفي موانعه ، وشروط تكفيره تنقسم إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول : شروط في الفاعل نفسه وهي أن يكون بالغاً ، عاقلاً ، عالماً بأن فعله مكفر ، متعمداً قاصداً لفعله ، مختاراً له بإرادته ، والقسم الثاني : شروط في الفعل نفسه ( الذي هو سبب الكفر ) بأن يكون هذا الفعل مكفراً الكفر الأكبر بلا شبهة فلا يصح التكفير بمسائل مختلف فيها بين فقهاء أهل السنّة والجماعة ، لأن من دخل الإسلام بيقين ( أي الإقرار بالشهادتين ) لا يخرج منه إلاّ بيقين ، وأن يكون صريح الدلالة على الكفر فلا يجوز التكفير بدليل محتمل الدلالة على الكفر وغيره ، و القسم ( الثالث ) : شروط في إثبات الكفر على صاحبه ، فلا يُحكم على مسلم بالكفر حتى يقوم الدليل الشرعي المكتمل على تكفيره فلا يكفر في حكم الظاهر كمثل المنافقين على عهد رسول الله  صلى الله عليه وسلم لم يقتلهم الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب كفرهم رغم علمه يقيناً بكفر اعيان منهم لأنه لم يثبت الكفر على أحدهم بطريق شرعي صحيح كأن يشهد عليه مسلمان بالكفر فيستتيبه الرسول صلى الله عليه وسلم  من الكفر وإلاّ قتله ، فهذه هي شروط تكفير المسلم المتلبس بالكفر الأكبر ، أمّا موانع تكفيره التي يُشترط انتفاؤها للحكم على معين بالكفر تتمثل في : موانع في المعين منها الصغر والجنون والخطأ والجهل والتأويل والإكراه فلا يُحكم عليه بالكفر حتى تنتفي تلك الموانع ، و ( الضابط الثالث ) : فإنه عند الاختلاف وتعارض الأدلة على تكفير المسلم يُرجح الجانب الذي فيه صالح المسلم لما فيه من السلامة والاحتياط والبعد عن خطر التكفير : وهذا الضابط هو من أهم ما يميز هل السنّة والجماعة الذين لا يكفرون أحداً من أهل القبلة إلاّ من ثبت على تكفيره دليل صريح صحيح لا معارض له ، فإن اختلفت فيه الأقوال فالأولى عدم تكفيره ، لان الخطأ في ترك ألف كافر في الحياة خير من الخطأ في سفك دم مسلم واحد ،

[  البند الثاني عشر ] : لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة من أهل القبلة بإطلاق ، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم ،  إذ التكفير حكم شرعي ، مرده إلى الله ورسوله ، فلا يكفي فيه الشبهة والظن ، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة ، من استحلال الدماء والأموال والأعراض ، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير ، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ،  وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر  ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((  أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) [ متفق عليه ] ، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بعد استيفاء شروط التكفير ، وانتفاء موانعه ، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها علماء اهل السنة والجماعة ، وليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (( كلها في النار إلا واحدة ))   أن نحكم عليها بأنها في النار ، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه ،  وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار ، وهي إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد ، والإيمان المجمل بالإسلام  ، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق ، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة ، وقد حبى الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر ، فأهل البدع مسلمون لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ،

[  البند الثالث عشر ] : أهل الفرق الضالة مسلمون ، لهم مسمى الإيمان بما أتوه من أصل الإيمان ، فلا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم ، وجميعهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من بين البشر للإسلام ، لان أهل الإسلام ثلاثة أصناف ، فمنهم ظالم لنفسه ببدعته أو بغيه أو فسوقه او عصيانه ومنهم مقتصد يؤدي الواجبات ويكف عن المحرمات ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ، وجميعهم داخلون في الاصطفاء وهم أهل الإسلام ، وهم أهل النجاة من الخلود الأبدي في النار ، وهم أهل الجنة في نهاية المطاف ، وينبغي التنبه إلى خطورة الغلط ، أو الغلو في تكفير المسلمين أو اتهامهم بالكفر أو بالشرك أو البدعة بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، فقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم وحرم انتهاكها ، وكان من آخر ما بلغ به النبي صلى الله عليه وسلم أمته فقال في خطبة حجة الوداع :  (( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ،  ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد )) [ متفق عليه ] ، وقال صلى الله علية وسلم : (( كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه )) [ أخرجه مسلم ] ،  وقتل المسلم أهون من تكفيره ، وقد توعد الله سبحانه من قتل نفسا معصومة بأشد الوعيد فقال تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } [ النساء : 93 ] ،  ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط يعلمها العلماء منها : أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة ، وأن تتوفر فيه كافة شروط التكفير وتنتفي كافة موانعه ، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها المذاهب الأربعة المتخصصة في علم الفقه على منهاج اهل السنة ، وعند الخلاف نرجح ما هو في مصلحة المسلم احتياطا لحرمة دينه ودمه ، ولا يجوز موالاة الكفار على فرق الإسلام الضالة لأنهم وإن كانوا على بدعة ضلالة فإنهم مسلمون مؤمنون لهم اسم الإيمان وحكمه ، والله تعالى يقول : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [ الحجرات : 10 ] ، ونهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكافرين على المؤمنين ، قال تعالى :  { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ  دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } [ آل عمران : 28 ] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } [ النساء : 144 ] ،  وأمر سبحانه بالولاء العام لكل مؤمن ، فقال تعالى : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } [ التوبة : 71 ] ، وقال تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] ، وقال تعالى : { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال : 46 ] ، والخطاب في الآيات للمسلمين ويفيد أنّ المسلمين بعضهم أولياء بعض من دون الناس ،  وأنهم أمة واحدة من دون الأمم ،  يجب أن يعم الإخاء والوفاق بينهم جميعا لعموم النصوص في ذلك  ،

[  البند الرابع عشر ] : الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة هدي رباني رشيد ، إذ ليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (( كلها في النار إلا واحدة ))   كون الفرق الضالة في النار ، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه ،  وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار ، وهي إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد ، والإيمان المجمل بالإسلام  ، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق ، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة ، وقد حبى الله تعالى أهل العلم بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر ، فأهل البدع مسلمون لهم الولاء العام في الإسلام لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، وأهم رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل أهل السنّة والجماعة الناجية : بدعة الخروج ، وبدعة التشيع ، وبدعة الاعتزال ، وبدعة الحشو ، ومع ذلك فإنهم مسلمون لهم ما للمسلمين من حقوق وواجبات ، ولا يجوز استحلال شيء من حرماتهم لأجل بدعتهم ،  ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، والأصل في كل مسلم حرمة دمه فلا يجوز قتله ، وصاحب البدعة مسلم ، نحبه لإسلامه , ونبغض ما تلبس به من أمر البدعة , نحبه بقدر ما بقي معه من الإسلام والإيمان ، ونبغضه بقدر بدعته ومخالفته للشرع , و ( المبتدعة ) ندعو لهم بالهداية ، احتراما لشهادة التوحيد التي يحملونها والتي لا يثقل معها شيء في الميزان ، والتي بفضلها يدخلون الجنة وإن استحقوا الوعيد بالنار فقد يغفر الله لهم وقد يعذبهم بقدر بدعتهم ولكنهم لا يخلدون في النار خلود الكافرين

****

الفصل الثاني

أمة الإسلام هي خير أمة أخرجت للناس كافة

 

[ البند الاول ] : أمة الإسلام خير الأمم وأكرمها على الله عز وجل ، قال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } [ آل عمران : 110 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( أنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلى اللَّهِ )) [ أخرجه الترمذي وقال حديث حسن ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ )) [ أخرجه أحمد ] ،  ، وإنّ أهم شروط الإصلاح أن يعلم المسلمون ( كل المسلمين بكافة طوائفهم ) أنهم أمة واحدة من دون الأمم ، وأنهم هم المؤمنون بالله ورسوله ، وبقية الامم والاجناس كافرون بالله جاحدون لنبوة نبيه صلى الله عليه وسلم ، لذا يجب فيما بينهم الولاء العام على الإسلام ، والاجتماع على أركانه وأصوله ، والمحبة العامة على الإسلام ، كما يجب عليهم التآلف والتكامل فيما بينهم ، وأن يكون ولاؤهم فيما بينهم تجمعهم وحدة الإسلام والقرآن ، وأن يكونوا أمة واحدة من دون الناس جميعا ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ] ، فالفتنة في الأرض والفساد الكبير هما آثار فرقة المسلمين وعدم وجود الولاء العام فيما بين جميع المسلمين ،

[ البند الثاني ] : المسلمون أمة واحدة من دون الأمم ، والمسلمون هم المؤمنون بالله ورسوله ومن عداهم كفار بالله جاحدون لنبوة رسوله صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [ النساء : 150 إلى 152 ] ، نزلت الآية في أهل الكتاب الذين جحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ، والناس كما أخبر القرآن قسمان مؤمن وكافر ، قال تعالى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [ التغابن : 2 ] ، وأدنى الكفار هم أهل الكتاب ، لأنهم أهل كتاب ، وهم كفار لجحدهم نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته ، وهم كفار لزعمهم أن الله هو المسح ابن مريم ، قال تعالى: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ } [المائدة : 72 ] ، وهم كفار لقولهم بأن الله تعالى ثالث ثلاثة ، قال تعالى : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ } [المائدة : 73 ] ، وهم كفار لنسبتهم الولد إلى الله ، قال تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } [ التوبة : 30 ] ، وكفرهم لا تتحمله السموات ولا الأرض ولا الجبال ، قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا *  تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } ،  والكفار والمشركون هم شر البرية ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ } [ البينة : 6 ] ،

[ البند الثالث ] : الكفر ملة واحدة ، وأهل الكفر يوالى بعضهم بعضا على المسلمين ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الأنفال : 73 ] ، وقال تعالى : {  وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ } [ البقرة : 120 ] ، وعداوة الكافرين للمسلمين تتفاوت أشدها عداوة اليهود والمشركين ، وأقربهم مودة الذين قالوا إنا النصارى : قال تعالى : { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ } [ المائدة : 82 ] ، وليس معنى قرب المودة أن نواليهم على أي طائفة من أهل الإسلام مهما بلغ ضلالها ، فالمسلمون أمة واحدة من دون الأمم جميعا ، والولاء العام في الإسلام لكافة المسلمين فرض لازم ،

[ البند الرابع ] : نهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكافرين من دون المؤمنين : قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } [ النساء : 144 ] ، وقال تعالى : { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ  دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً } ، والاستثناء محدود جدا ولهذا ختمت الآية بقوله تعالى : { وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } [ آل عمران : 28 ] ، تحذير رباني من التمادي في هذا الأمر الخطير ، فولاء المسلمين للمسلمين ، قال تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، قال تعالى : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } [ التوبة : 71 ] ، وقال تعالى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] ، وقال تعالى : { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال : 46 ] ، والخطاب في الآيات للمسلمين ويفيد أنّ المسلمين بعضهم أولياء بعض من دون الناس ،  وأنهم أمة واحدة من دون الأمم ،

[ البند الخامس ] : افتراق المسلمين لا يؤثر على الولاء العام للإسلام : صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ناجية ، أخرج الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة )) [ أخرجه أبو داود ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3 / 869 ] ،  وهذا الحديث يفهمه أهل البدع والضلال فهما على عكس مراده ، فليس المراد ان نعادي المسلمين ونستحل دماءهم ومحارمهم ، وإنما المراد السعي الجاد في تصحيح معتقدات المسلمين وهداية الفرق الضالة إلى سبيل النجاة ، وإذا كان جدال أهل الكتاب والكافرين لا يكون إلا بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، قال تعالى : { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [ العنكبوت : 46 ] ، وقال تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [  النحل : 125 ] ، فكيف بجدال أهل الإسلام والقرآن ،

[ البند السادس ] : لا يجوز موالاة الكفار على فرق الإسلام الضالة لأنهم وإن كانوا على بدعة ضلالة فإنهم مسلمون مؤمنون لهم اسم الإيمان وحكمه ، والله تعالى يقول : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [ الحجرات : 10 ] ، ونهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكافرين على المؤمنين ، قال تعالى :  { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ  دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } [ آل عمران : 28 ] ، وأمر سبحانه بالولاء العام لكل مؤمن ، فقال تعالى : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } [ المائدة : 55-56 ] , وقال تعالى – محذرا من موالاة الكفار على المؤمنين : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الانفال : 73 ] ،

[ البند السابع ] : وجوب الأخوة والوفاق بين عموم المسلمين ، يجب أن يعم الإخاء والوفاق بين عموم المسلمين لعموم النصوص في ذلك  ، قال تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الحجرات : 10 ] ، والرحمة لا تكون إلا مع الوفاق ، لقوله تعالى : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } [ هود : 118 ، 119 ] ، كما قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 102 ، 103 ] ، فبعد أمر الله عز وجل للمؤمنين بتقواه حق تقاته وأن لا يموتوا إلاّ على الاسلام أمرهم بعد ذلك بالوحدة والجماعة { واعتصموا بحبل الله جميعا }ونهاهم عن الفرقة والاختلاف { ولا تفرقوا } ، و قال تعالى :  { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } [ الشورى : 13 ] ، أمر الله تعالى المسلمين بإقامة الدين وعدم التفرق فيه ووضح لهم أن ذلك هو شرعه الذي وصى به أولى العزم من الرسل صلوات الله عليهم أجمعين ، ثم أمرهم بالجماعة ونهاهم عن  الاختلاف والفرقة ، وقال  تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال : 46 ] ، أمر الله تعالى المسلمين بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ونهاهم عن التنازع والاختلاف فيما بينهم وبين عز وجل أن ذلك يؤدي إلى الفشل والضعف وذهاب الهيبة والقوة ، ثم امرهم بالصبر حرصا على الوحدة والوفاق ،  وقال تعالى :  { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ المائدة : 2 ] ، تعاون المسلمين على البر والتقوى فريضة ، يأمر الله تعالى المسلمين بالتعاون فيما بينهم على البر والتقوى وينهاهم عن الفرقة والاختلاف لأنها تعاون على الاثم والعدوان ، وقال تعالى :  { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ الأنفال : 1 ] : فإصلاح ذات بين المسلمين من شروط الإيمان  ، وقال تعالي : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } [ الأنفال : 60 ] ، والوحدة قوة والتآلف قوة والوفاق بين المسلمين قوة ، ويؤيده قوله تعالى { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا }  ،  وقال صلى الله عليه وسلم (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا )) [ متفق عليه ] ،  وقال صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ))  [ متفق عليه ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة ) [ أخرجه أبو داوود والترمذي وقال حديث صحيح ] ، ففساد ذات بين المسلمين يحلق الدين لما يورثه من البغضاء والتحاسد والتباغض ، إذن لا بديل عن وجوب الأخوة والوفاق بين عموم المسلمين ، وإن أراد المسلمون الإصلاح ، فلا بديل عن الولاء العام لكل المسلمين من دون الكافرين ، لأنّ أعداء المسلمين كثيرون ، منهم من نعلمهم ، ومنهم من لا نعلمهم ، ولابد من الإعداد لمواجهتهم ،  قال تعالى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ  } [ الأنفال : 60 ]  ، وأقوى الإعداد الوحدة والوفاق بين المسلمين ، وأخوف ما يخاف منه أعداء الاسلام هو وحدة المسلمين ووفاقهم وتآلفهم ، ومن تلك الاقوال التي سجلت عليهم وهي تبين مدى تخوفهم الشديد من وحدة المسلمين ، يقول توينبي وهو مستشرق حاقد خبيث : ( إن هذه الامكانية المدمرة للإسلام لا تظهر الآن حتمية الوقوع لأن الكلمة المؤثرة " الوحدة الاسلامية " بدأت مؤخرا تفقد سيطرتها التي كانت لها على عقول المسلمين ، صحيح أن الوحدة الاسلامية غير قائمة ولكن يجب أن نضع في حسابنا أن النائم قد يستيقظ ) [ محاضراته عن الاسلام والغرب والمستقبل ] ، ويقول جب - وهو أحد المتآمرين على الاسلام وأهله - : ( هل يمكن أن تقع يوما تحت وطأة الخطر الاسلامي ؟ ثم أجاب باستبعاد هذا الخطر أو توقعه في الوقت الحاضر وعلل ذلك بقوله :  ( إنهم اليوم ضعاف متفرقون ولا نرى عند ذوي الوجاهة والرأي فيهم أنهم يستطيعون الجلوس معا جلسة جدية يتحدثون فيها عن مشاكلهم فضلا عن أن يتمكنوا من حلها ) ، وقال القس سيمون  : ( إن الوحدة الإسلامية تجمع آمال الشعوب الإسلامية ، ويجب أن نحوّل بين المسلمين وبين الوحدة الإسلامية ) ، والشاهد من تلك الاقوال للحاقدين على الاسلام وأهله : هو بيان مدى هلعهم وخوفهم الشديد من الوحدة الاسلامية ، وذلك لما يعرفون من المخاطر التي سيتعرضون لها عند وحدة أهل الإسلام ووفاقهم ، إنّ أهم ما يؤهل المسلمين لمواجهة أعدائهم هو وفاقهم وتآلفهم وإعلان الولاء العام لكل مسلم ، وقد  تكفل الله تعالى لأمة الإسلام النصر على أعدائها إن وحدت صفوفها ، وارتضى الله تعالى فهمها للدين وعملها به وعملها من اجله  : قال تعالى : { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } [الروم : 47 ] ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } [ محمد : 7  ] ، وقال تعالى : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ النور : 55 ] ،

[  البند الثامن ] : الوحدة الإسلامية فريضة وضرورة  : قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [ الأنبياء: 92 ] ، وقال تعالى : {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا } وقال تعالى : {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [ آل عمران: 105 ] ، وقال تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [ الأنعام: 159 ]، وقال تعالى : {وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ* مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [ الروم: 31- 32 ] ، فالتفريق بين المؤمنين سبيل الشيطان: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُم مُّنتَهُونَ} [ المائدة: 91 ]، لقد رسخ الإسلام هذه الأخوَّة : قال تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [ الحجرات: 10 ]، وأقرَّ للمسلم في عنُق أخيه حقوقًا : قال صلى الله عليه وسلم : (( مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ ، مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى )) [ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ] ، وقَالَ صلى الله عليه وسلم : (( المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ ، وَلاَ يُسْلمُهُ . مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه ، كَانَ اللهُ في حَاجَته ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً ، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ )) [ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ )) [ رواه مسلم ] ، وقَالَ صلى الله عليه وسلم : (( من نفَّس عن مؤمن كُرْبة من كُرَب الدُّنيا ، نفَّس الله عنه كُرْبة من كُرَب الآخرة ، ومن سَتَر على مسلم ، سَتَره الله في الدُّنيا والآخرة ، والله في عون العبد ، ما كان العبد في عون أخيه )) [ أخرجه مسلم ، ح ( 2699 ) ] ،

[  البند التاسع ] : نقاط الالتقاء والتفاهم بين الفرق الإسلامية فضلا عن المذاهب الإسلامية كثيرة جدا وهي أصول لا غنى عنها ، ونقاط الخلاف والتباعد قليلة محدودة جدا ، وكل نقاط الخلاف فروع لا تؤثر في الانتماء إلى الإسلام ،  نقاط الالتقاء كثيرة جدا وهي أصول لا غنى عنها ، الدين واحد والإله واحد والرسول واحد والقرآن واحد ، وشهادة الانتساب إلى الدين واحدة : (( شهادة أن لا اله إلا اللّه، وان محمدا رسول اللّه )) ، وأركان الدين واحدة والعبادات واحدة ، العدو المشترك لها واحد ، هذه بعض أصول الوحدة ونقاط الالتقاء ، أما نقاط الخلاف والتباعد قليلة محدودة جدا ، وأكثر نقاط الخلاف فروع لا تؤثر ، وغالبها يقوم على نصوص ظنية الدلالة ، وكل ما هو ظني فإنما يخضع للاجتهاد ، والقاعدة في الاجتهاد هي حديث النبي (( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر  ))  [ متفق عليه ] ، فلا يصح أن يكون مجال الاجتهاد سببا للتفرقة والمبادرة إلى سل سيف التكفير لمن أخطأ ،  تكمن المشكلة في أن الشيطان ينفخ في صدور المغرمين بالفرقة والخلاف والتنازع فيتركون نقاط الاتفاق ، ويتصورون الخلاف قبل الوفاق ، وينسون مواطن‏ الاتفاق ويبتعد عن أذهانهم جوانب الالتقاء مع انها أصول الإسلام ، إنّ الذي تتفق عليه الامة أكبر بكثير مما تختلف عليه ، فينبغي الالتقاء على الأصول التي لا خلاف عليها من أركان الدين ومحكماته ،  وبعد تلك الأصول تبقى جزئيات محل اجتهاد ، والاجتهاد ما كان قائما على شروطه ، فالمجتهد لا يحرم الأجر ، ما كان مؤهلا للاجتهاد صادقا في طلب الحق ،  وأما قضايا ومسائل الخلاف لا تطرح على العوام لأنها تبلبل أفكارهم ولا يستوعبوا أبعادها ، وإنما تطرح على بساط البحث بين العلماء ، في مجالات التخصص العلمي ومؤسساته وجامعاته ، والمدقق في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يجد أنه كان يدعو الناس إلى أصول الدين ومحكماته ، من الالتزام المجمل بدين الله تعالى ، ومن الإيمان بالله وإسلام الوجه لله ، والإحسان في دين الله ، وكان يكتفي من المسلم بالشهادتين والتزام ما تقتضيانه عقيدة وعملاً  ، ولم يكن يشغل الصحابة وهم أنصع الناس فطرة بأي من المسائل الخلافية التي تشغل عن العمل وتعطل عن الانطلاق لنصرة دين الله تعالى ،

[  البند العاشر ] : لابد من أجل تقنين الاختلاف ، أن يمتنع التكفير والتبديع والتضليل إلا وفق ضوابط دقيقة ، لا يقوم بها إلا العلماء ،  مع تفادى التجريح ، والالتزام بأدب الإسلام في معاملة المسلم ، وتبني مناهج معتدلة تدعو إلى الوحدة والوئام ، والولاء العام لكل المسلمين ، ويجب طي صفحة الماضي في تاريخ الأمُة ،  بحيث لا تنبش الفتن التي نجمت في القرن الأول مهما تأتى ذلك ، فإن الماضي لا يدرك ، وقد مضى فلا معنى لاجترار أحداثه ، وهل يورث ذلك إلا تعميق الجراح وتنفير القلوب وإيغار الصدور ؟ وقد أرشدنا إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى : { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ البقرة : ١٣٤  ] ، وقال تعالى : { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [ الحشر : 10 ] ، والحاضر والمستقبل للأمة يحمل تحديات تفوق الوصف ، فلا مجال ولا وقت لاجترار أحداث الماضي ، وإن دعت الضرورة لبحث ذلك الماضي فإنه يجب أن يكون في مجالس البحث العلمي المتخصصة ، بطريقة منصفة عادلة لا تخضع لما عند طائفة من المواريث الفكرية ، وإنما يحكم فيها القرآن لأنه محل إجماع الجميع ،

[  البند الحادي عشر ] : الحذر من تنزيل الأدلة الظنية ( سواء أكانت ظنية الثبوت أو الدلالة ) ، مكان الأدلة القطعية ( قطعية الثبوت والدلالة معا ) فإن البون شاسع بين هذين النوعين من الأدلة، فمن خالف الدليل القطعي ثبوتا ودلالة هلك ، أما الظني فلا يهلك من خالفه إن كان في خلافه غير متبع لهواه، وإنما ترجح عنده دليل آخر تصوره أقوى منه ، وأهل العلم بالأصول قالوا : في العام بأنه:  ظني الدلالة وإن كان قطعي المتن وذلك لكثرة ما يرد عليه من التخصيص ، وجميع الأحكام والقضايا التي لم تثبت بالنص القطعي ثبوتا ودلالة لا يصح أن تجعل مفصالا بين الحق والباطل ، بل يتسع فيها الإعذار ، ولا يجوز أن يبنى عليها تكفير ولا استحلال محارم ،  لأن مخالفة القطعي ثبوتا ودلالة فقط هو الموجب للكفر المخرج من الملة ، ولا يوجد مثل ذلك إلا في المعلوم من الدين بالضرورة ، وهذا يتفق عليه جميع المسلمين ،  ثم حتى لو حدث ذلك فهناك موجبات درء التكفير بشبهات الجهل والتأويل ، ومن تدبر الأمر وجد سعة لا سيما في القضايا الظنية وهي أكثر قضايا الخلاف في الأمة ، وهذا يعني ضرورة التسامح بين الأُمة فيما اختلفوا فيه من الأمور الفرعية التي ثبتت بالأدلة الظنية ، سواء من جهة الثبوت او الدلالة ، ونستفيد من ذلك أنّه لا يجوز تكفير أهل الفرق الضالة من أهل القبلة ، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر ، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار ، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم ، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بعد استيفاء شروط التكفير ، وانتفاء موانعه ، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها علماء اهل السنة والجماعة ، وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار ، وهي إلى مشيئة الله ، إن شاء غفر ، وإن شاء عذب ، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد ، والإيمان المجمل بالإسلام  ، ولا يجوز تكفير تلك الفرق ، وهم مسلمون لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر أحدهم معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها ، كما لا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة ،

[  البند الثاني عشر  ] : المسلمون خير الأمم للناس كافة : وتتمثل خيريتهم في حق الناس أنهم يدعون الناس إلى الخير ، وإلى دين الإسلام ، وإلى الإيمان بالله ، ويأمرون الناس بالمعروف وينهونهم عن المنكر ، يجاهدون في سبيل الله ويضحون بأنفسهم من اجل هداية الناس وإدخالهم في دين الله ، والنجاة من الخلود الابدي في النار ، ولهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الأسوة ، فقد كان أحرص الخلق على هداية الناس إلى دين الله تعالى ،  وقد وصفه الله تعالى بقوله تعالى : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [ التوبة : 128 ] ، وقوله تعالى : { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا } [  الكهف : 6 ] ، وقوله تعالى: { فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } [ فاطر : 8 ] ، وكانت الدعوة مهنته ، قال تعالى : {  يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا } [ الأحزاب : 45 ، 46 ] ، وهي سبيله وسبيل المسلمين من بعده ، قال تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ يوسف : 108 ] ، وقد لخص الصحابي الجليل ربعي بن عامر مهمة المسلمين عندما سأله رستم قائد الفرس ما جاء بكم فقال له : ( الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضِيق الدنيا إلى سعَتَها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإِسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه؛ فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضيَ إلى موعود الله ، قالوا : وما موعودُ الله ؟ قال : الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي ، فقال رستم : لقد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟ قال: نعم، كم أحبُّ إليكم؟ يوماً أو يومين ، قال : لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا ، فقال : ما سنَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخِّر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث ، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل. فقال : أسيِّدهم أنت؟ قال : لا، ولكن المسلمون كالجسد الواحد يُجير أدناهم على أعلاهم )  ، فهذه مهمة المسلمين وبها كان خير الامم واكرمها على الله ،

[  البند الثالث عشر ] : حقيقة علاقة المسلمين بغيرهم من الأمم [ 1 ] الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم من غير المسلمين هو حمل راية الدعوة إلى الله وتبليغ الرسالة ، وهذه مسؤولية عظيمة على أكتافهم ، وذلك لأن الإسلام دين الله تعالى على الأرض ، والله تعالى لا يقبل سواه ، ولا يرضى للخلق غيره ،  وقد أرسل الله تعالى نبيه ورسوله للناس كافة وإلى قيام الساعة ، وخاطبه بقوله تعالى : { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين} [ المائدة :  67 ]  ، والمسلمون هم عباد الله واتباع نبيه صلى الله عليه وسلم ، وهم حملة لواء دينه وهم المسؤولون عن تبليغ الرسالة وأداء الأمانة ، قال تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ  } [ يوسف : 108 ] ، وقال تعالى : { الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا } [ الأحزاب : 39 ] ،  إن الدعوة الإسلامية التي أنزلها الله على نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم دعوة عالمية ، ورسالة خاتمة للرسالات السابقة ، أرادها الله عز وجل أن تكون دعوة موجهة لجميع البشر، لا تخاطب أقواما بعينهم، ولا أجناسا بذاتهم ، قال تعالى : { قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا }[ الأعراف : 158 ] ،  والقرآن الكريم {إن هو إلا ذكر للعالمين} [ التوبة : 27] ، ورسالة الإسلام رسالة موجهة كافة الأمم ، وإلى الأجيال جميعها ، وعلى مر الأزمان ،  [ 2 ] هل الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو الحرب والجهاد أم السلم ؟  الخلاف في المسألة صوري ، فمن نظر إلى اصل العلاقة  ، قال إن الأصل هو السلم ، ومن نظر إلى مآل الأمر على الواقع قال أن الأصل هو : الحرب والجهاد ، وذلك لان هؤلاء نظروا إلى مآل الحال مع الكافرين ، فإنهم لن يرضوا عنا ولن يتركونا ولكن سيقاتلوننا ويكيدون لنا ويتمالؤن علينا ، ولذلك قالوا : الأصل الإعداد الدائم لجهادهم ، وأقول : الاصل هو : ( الدعوة إلى الله وتبليغ الإسلام إلى الناس كافة ) ، والأمة المسلمة هي أمة الدعوة إلى الله ، ثم بعد ذلك تتضح الرؤية ، فمن سالمنا وانقاد لشرع الله بالإسلام أو الجزية فله السلم والأمان ، ومن عادانا فله الحرب والجهاد ، هذا الأصل ومنه نعلم الحلقة المفقودة بين من قال أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم : هو الجهاد ، وبين من قال : إن الأصل هو السلم ،  وعلى ذلك فإنّ الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو حمل راية الدعوة إلى الله وتبليغ الرسالة ، وهذه مسؤولية عظيمة على أكتافهم ، وأمانة يُسأل عنها المسلمون يوم القيامة ، وقد ضمن الإسلام حرية العقيدة ، فلا إكراه في الدين ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، ولكن ضمن قانون الله تعالى في الأرض ، فمن رضي بهذا القانون سالمه المسلمون ، وأما من أبى قانون الله ورفض الانصياع لحلوله ، فلا علاج له إلا الجهاد ، وإنما شُرع الإسلام الجهاد لغاية سامية تتحقق فيها مصلحة البشرية جمعاء من نشر الدين وإزالة كل سلطان يقف حجر عثرة أمام الدعوة إلى الله ، 

[ البند الرابع عشر ] : سماحة الإسلام والنظرة الشرعية إلى أهل الكتاب : [ 1 ] أهل الكتاب هم اليهود والنصارى  وهم أهل التوراة والإنجيل رغم ما حدث لها من تحريف وتبديل   وقد أجاز الإسلام للمسلمين مصاهرتهم وأكل طعامهم وأحل لنا ذبائحهم ولذلك يخطئ في حق الإسلام من لا يعطي أي اعتبار لعقيدة أهل الكتاب ويساويهم بالمشركين والكفار الأصليين وذلك لان القرآن الكريم سماهم بأهل الكتاب وأشار إلى أن إلهنا وإلههم واحد وأمرنا بحسن معاملتهم ودعوتهم إلى الحق بالتي هي أحسن  ويخطئ من يصور علاقة المسلمين بأهل الكتاب على إنها علاقة قائمة أساسا على البغض والكراهية وسوء المعاملة والعداء والقتال وقد قال تعالى : {  وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } ، [ 2 ] من عدل الرحمن أن أشار القرآن الكريم إلى التفريق بين أهل الكتاب وبين الوثنيين في مواضع عديدة منها قوله تعالى : { غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } ، فقد جعل الله تعالى نصر أهل الكتاب على المجوس أمرا يوجب فرح المؤمنين لقد هزم الفرس جيش الروم وأهل فارس كانوا مجوسا ولم يكن لهم كتاب والروم أهل كتاب فبشر القرآن الكريم المسلمين بنصر أهل الكتاب على المجوس لأن أهل الكتاب أقرب إلى المسلمين من المجوس ، [ 3 ] حدد القرآن الكريم العلاقة بين المسلمين وبين أهل الكتاب أتم بيان في مثل قوله تعالى : {  لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ  } ، فالعلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب علاقة قائمة أصلا على التسامح وحسن المعاملة والعدل ،  وهنالك فرق كبير بين التسامح الذي يدعو له الإسلام وبين الموالاة التي ينهى عنها الإسلام  في قوله تعالى : {  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } ، وفي الآية  نهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى بمعنى مصافاتهم ومعاشرتهم معاشرة المؤمنين ومناصرتهم على بعض أهل الإسلام فهذا منهي عنه لأنهم بعضهم أولياء بعض ينصر بعضهم بعضا على المسلمين فمن صرف لهم تلك الموالاة فانه من جملتهم وظالم لإخوانه من أهل الإسلام وظالم لشرع الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين فالموالاة المنهي عنها هي مناصرة أعداء المسلمين ضد المسلمين  وكذلك الموالاة التي تعني الرضى بما هم فيه من الكفر  ، وكذلك فإنه فرق كبير بين أن يكون اليهود أشد الناس عداوة للمسلمين في قوله تعالى لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا وبين إجازة شرع الإسلام للمسلم أن يتزوج من اليهودية وبالتالي يفتح المجال لعلاقات أسرية عريضة جدا فقد تكون أما لأبنائه وقد تكون خالة أو جدة لهم وأن يكون منهم الاخوال لأولاده فالقرآن الكريم أخبر عن حالهم تجاهنا فهم أشد عداوة لنا من المشركين ولكن ليس بالضرورة أن تكون عداوتنا لهم أشد من عداوتنا لعباد الأوثان ، [ 4 ] يمكن تقسيم أهل الكتاب من حيث علاقتهم بالمسلمين إلى أربعة أصناف : (  الصنف الأول )  : أهل الذمة وهم المواطنون الكتابيون الذين يعيشون تحت ظل الدولة الإسلامية  لهم حقوق وعليهم واجبات  وأهم واجباتهم دفع الجزية  ،  وفي مقابل الجزية يحفظ المسلمون لهم أموالهم وأعراضهم وحرياتهم  وقد حذر الرسول عليه السلام من إلحاق الأذى بأهل الذمة حين قال من ظلم معاهدا أو تنقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا خصمه يوم القيامة  والحديث أخرجه أبوداود كما أنّ من القواعد المشهورة في الفقه بخصوص أهل الذمة قاعدة أن لهم ما لنا وعليهم ما علينا فإنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا  ، (  الصنف الثاني ) : أهل الهدنة وهم الذين يربطهم مع المسلمين عقد الهدنة والموادعة ، (  الصنف الثالث   ) : المستأمنون وهم الكتابيون الذين يدخلون الديار الإسلامية لفترة محدودة بإذن من اولياء الامور  بهدف الزيارة أو التعرف على الإسلام أو طلباً للأمان واللجوء  وهؤلاء تسري عليهم أحكام عقد الأمان ويترتب على عقد الأمان حرمة قتالهم ووجوب الحفاظ على أموالهم وأعراضهم ، (  الصنف الرابع  ) : أهل الحرب وهم الذين بينهم وبين المسلمين حرب معلنة يقودها اولياء الامور في بلاد المسلمين  وهؤلاء لا يجوز موالاتهم ولا مساعدتهم ولا التعاون معهم   فإذا كانت هنالك حرب بين المسلمين وبين هؤلاء وجنحوا للسلم  فعلى المسلمين أيضاً أن يقبلوا السلام معهم   فالإسلام دين السلام والأمان ولا يدعو للحرب إلا لضرورة ابتداها الاعداء   ، [ 5 ] لقد أجاز الإسلام للمسلم أن يصاهر أهل الكتاب وأن يتزوج من نسائهم  ومعنى هذا أن زوجة المسلم  وشريكة حياته وأم أولاده يجوز أن تكون كتابية  ومقتضى هذا أن يكون أهلها أصهاره  وهم كذلك أجداد أولاده وجداتهم  وأخوالهم وخالاتهم  وأولاد أخوالهم وخالاتهم  وهؤلاء لهم حقوق أولى الأرحام  وذوي القربى   كما أن الإسلام اعتبر النصارى أقرب مودة للمسلمين من غيرهم  قال تعالى : { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم  في الدنيا والآخرة )) [ متفق عليه ] ، [ 6 ] المسلمون يفرقون في المعاملة فيسالمون من سالمهم ويحاربون من حاربهم ويجاهدون من وقف عائقا دون نشر رسالة الإسلام ، قال تعالى : {  وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ  } [ البقرة : 190 ] ، وأما موقف المسلمين من غير المسلمين في مسألة البغض القلبي فإنه مبني على موقف هؤلاء من الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم  ، والبغض القلبي لا يعني الظلم بأي حال من الأحوال لأن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم فيما يجب عليه من الموقف تجاه أهل الكتاب بقوله تعالى : { وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ  } ، والمسلم لا يجوز له بحال من الأحوال أن يظلم أهل الذمة المسالمين فلا يعتدي علي أحد منهم  ولا يخيفه ولا يرهبه ولا يسرق ماله ولا يبخسه حقه ولا يجحد أمانته ولا يمنعه أجرته  والمسلم إذا سافر إلى بلد غير مسلم  فلا يجوز له أن يفسد فيها ولا أن يخون ولا أن يسرق ولا أن يقتل ولا أن يرتكب عملاً تخريباً  ، [ 7 ] المسلم يجوز له شرعا أن يحسن إلى غير المسلم المسالم سواء بالمساعدة المالية أو الإطعام عند الجوع أو القرض عند الحاجة أو الشفاعة في الأمور المباحة أو اللين في الكلام ورد التحية وهكذا قال الله تعالى : { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } ، [ 8 ]  لا  يمنع الإسلام  المسلمين من التعاون مع غير المسلمين في إحقاق الحق وإبطال الباطل ونصرة المظلوم ورد الأخطار عن البشرية كالتعاون في محاربة الأمراض ونحو ذلك والمسلمون مأمورون بالدعوة إلى الله في الأرض كافة وعليهم أن يقوموا بتبليغ دين الله الحق إلى العالمين ومخاطبة الناس جميعا للدخول في دين الله الحق  ولا مانع من أن يفتح المسلم الباب للمحاورة مع غير المسلمين بالتي هي احسن  ويعرض عليهم الحق  ويتيح لهم الفرصة للنقاش والسماع  ، لقوله تعالى : { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } ،  [ 9 ]  لماذا شرع الإسلام الجهاد ؟ شرع الإسلام الجهاد لنشر الدعوة وحفظ الرسالة ، والفقهاء من أئمة المذاهب الأربعة ، قالوا : بأن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو الجهاد ، لانهم نظروا إلى مآل الحال مع الكافرين ، فإنهم لن يرضوا عنا ولن يتركونا ولكن سيقاتلوننا ويكيدون لنا ويتمالؤن علينا ، كذلك اخبرنا القرآن الكريم ، قال تعالى : {  وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [ الانفال : 73 ] ، ولذلك قالوا : الأصل الإعداد الدائم لجهادهم ، وأما من قال أن الأصل هو السلم ، فقد نظر إلى ابتداء الأمر وهو السلم ، ولكن لابد من ربطه بحمل رسالة الدعوة إلى الله وإلا فلا قيمة لقولهم سوى الخنوع ، لا سيما وأن أهل الكفر لا يتركونا وشاننا ، بل هم في كل الاحوال محاربون لنا ولدعوتنا ، ولابد وأن نفهم الآيات التي تدعو إلى السلم معهم في إطار الدعوة وتبليغ الرسالة ،

[ البند الخامس عشر ] : دور المسلمين في هداية البشرية : يترتب على البند السابق : إنّ من أهم واجبات المسلمين تجاه البشرية : نشر الإسلام ، والإعذار إلى الله تعالى بتبليغ دينه إلى الناس كافة ،  والسعي نحو إخراج الناس من ظلمات الكفر والنار إلى نور الإسلام والجنة ، ولهذا فإن الدعوة إلى الله تعالى وحمل أمانة الدين حتى تعم الأرض فرض كفاية على المسلمين عامة ، قال تعالى – آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي }،  والنبي صلى الله عليه وسلم هو النبي الخاتم ، قال تعالى : { وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ } [ الأحزاب : 40] ، ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة ، قال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ سبأ : 28 ] ، ، ولا يقبل عز وجل من العباد جميعا بعد بعثته صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة دينا سوى الإسلام الذي جاء به من عند الله ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } ، وقال تعالى : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ، ولهذه الأسباب : وجب على المسلمين أتباع النبي صلى الله عليه وسلم تحمل أعباء الدعوة إلى الله حتى تعم الأرض كلها ، وفريضة الدعوة إلى الله عز وجل قائمة على جميع المسلمين ، حتى يقوم بها من يبلغها إلى جميع الأرض وإلى جميع الإنس بما تقوم به الحجة عليهم ، قال تعالى : { ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرع من فروع الدعوة إلى الله ، لأن كل أوامر الشريعة معروف وكل نواهيها منكر ، وقد جعل الله تعالى هذه الأمة خير الأمم لقيامها بحق الرسالة  فقال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [ آل عمران : 110 ] ، 

[ البند السادس عشر ] : المسلمون هم صورة الإسلام وأهمية البصيرة والاستقامة في حياة المسلمين  :  المسلمون هم صورة الإسلام ، وهم أمام البشرية جمعاء حملة لوائه والمعبرون عن مبادئه ،  ولذلك فإنهم على خطر عظيم ، لأنهم ينوبون عن النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ أعظم رسالة في الوجود ، رسالة الإسلام دين الله القيم ، والبصيرة في الدين هي أساس الدعوة إلى الله ، قال الله تعالى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ سورة يوسف ] ، والبصيرة هي الفقه في دين الله والإحاطة بكافة جوانبه بلا إفراط ولا تفريط ، والمسلمون لابد أن يكونوا مؤهلين لحمل أمانة الإسلام إلى البشرية جمعاء ، ولابد لهم من الاستقامة على دين الله تعالى ، لأنهم صورة الإسلام أمام البشرية جمعاء ، وقد قال تعالى مخاطبا النبي صلى الله عليه وسلم وأمته { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ } [ هود : 112 ، 113 ] ، وقال تعالى : { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ } [ فصلت : 6 ] ، والاستقامة تعني سلوك الصراط المستقيم ، وهو الدين القيم ، من غير ميل عنه يمنة ولا يسرة ، والمسلمون مطالبون بالاستقامة الدائمة في أقوالهم واعمالهم وأخلاقهم ، لأنهم صورة الإسلام ، وحملة لوائه والمعبرون عن مبادئه أمام الناس أجمعين فإما أن يكونوا بأخلاقهم وسلوكياتهم مبشرين وإما ان يكونوا منفرين وهم مسؤولون عن الإسلام وتبليغ دعوته أمام الله تعالى ،

[ البند السابع عشر ] : المستقبل للمسلمين ، والمستقبل لهذا الدين مهما بلغت قوة الكافرين ، فقد كتب الله تعالى لدينه الظهور ولو كره الكافرون والمشركون ، قال تعالى : { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ التوبة : 32 ، 33 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم  : (( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر ))   ، [ أخرجه أحمد والحاكم ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ] ، وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم  المسلمين بفتح قسطنطينية وروميه ، أخرج أحمد  والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : (( بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المدينتين تفتح أولاً قسطنطينية أو رومية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مدينة هرقل تفتح أولاً ، يعني قسطنطينية )) ،  وقد فتحت قسطنطينية بعد أكثر من ثمانمائة سنة من إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح ، وسيتحقق الفتح الثاني ولا بد  ،  كما بشر صلى الله عليه وسلم  بالنصر على اليهود ،  قال صلى الله عليه وسلم: (( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه شجر اليهود )) [ سلسلة الأحاديث الصحيحة : 1 : 8 ] ،  ولا تقوم الساعة حتى يظهر المهدي من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وحتى ينزل عيسى عليه السلام حكما عدلا وإماما مقسطا، يدق الصليب ويذبح الخنزير ، ويحكم بشرع الإسلام ، وقد بشر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا يدل على أن المستقبل للإسلام والمسلمين ، ولو كره الكافرون ولو كره المشركون ،

***

 

 

الفصل الثالث

أهل السنة والجماعة هم سواد المسلمين الاعظم  وهم اولى الناس بحمل راية الإصلاح

[ البند الأول ] : تفرق المسلمين إلى فرق عديدة : فقد صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة