×

خطأ

COM_CWTRAFFIC_MSG_MISSING

كتاب تنزيه الله أن تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات


الثلاثاء, 11 آب/أغسطس 2015 20:59

هذه الرسالة تتناول تنزيه الله تعالى عن أن تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات ، وهي تتمة للرسالة السابقة : ( تقديس الله تعالى عن المكان فلا يحويه مكان وهو خالق المكان ، وتقديس الله تعالى عن الزمان فلا يجري عليه زمان ، وهو خالق الزمان ) ، وقد حوت هذه الرسالة – بحمد الله تعالى – على أدلة من الكتاب والسنّة تدل على تنزيهه سبحانه عن الجهة والمكان ، وحوت على ما يزيد على الثلاثمائة  نقل من نقول علماء أهل السنّة والجماعة الثقات في تنزيه الله تعالى عن الجهة والمكان ، وأسأل الله عز وجل أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم وأن ينفع بها إخواني من طلاب العلم الذين يصبرون لطلبه ويتواضعون لمدارسته ابتغاء وجه الله ، وإن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب ،

***

خطوط عريضة لأهم موضوعات الرسالة :  حوت الرسالة بحمد الله تعالى على مقدمة ومدخل وأربعة أبواب وخاتمة ، وتتمثل في :  مقدمة : مقدمة على تنزيه الله عن الحيز والمكان والجهة ،

الباب الأول : غاية البيان في تنزيه الله عن الجهة والمكان ،

الباب الثاني :  الرد التفصيلي على مثبت الجهة مستدلاً بظواهر بعض الآيات دون فقهها ، 

الباب الثالث  : ردود علماء الأصول من أهل السنّة والجماعة على مثبتي الجهة من أهل الحشو والتجسيم  ،

الباب الرابع :  قواعد التقديس الثلاثون التي تمنع من الحشو والتجسيم في ذات الله تعالى وصفاته ، الفهارس ،

***

تمهيد : تنزيه الله عن الحيز والمكان والجهة :  المكان عند أهل اللغة بالعربية هو الموضع الحاوي للشيء ، وهو الفراغ الذي يشغله الجسم ، وهو الفراغ الذي يحُلُّ فيه الجسم ، والجهة هي نفس المكان باعتبار إضافة جسم ءاخر إليه ، ومعنى كون الجسم في جهة أنه متمكّن في مكان يلي تلك الجهة ، وبالتالي فإنّ الجهة هي عبارة عن نفس المكان باعتبار إضافة ما ، والجهة عند الأصوليين اسم لمنتهى مأخذ الإشارة ومقصد المتحرك فلا تناسب إلا الجسم المادي المتمكن في المكان ، وإذا كان أهل الأصول من علماء أهل السنّة والجماعة أجمعوا على تنزيه الله تعالى عن المكان ، وأنّ نسبة المكان إلى الله تعالى مستحيلة ، فكذلك الجهة على المعنى الحسي الذي يُقاس بالمسافة ، فإنهم أجمعوا كذلك على تنزيه الله تعالى عن الجهة ،  لأنّها عبارة عن نفس المكان باعتبار إضافة من فيها إليها ، ( قلت ) : قد تقدم في كتاب التقديس السابق : ( كتاب تقديس الله تعالى أن يحويه مكان أو يجري عليه زمان ) بيان الأدلة على تنزيه الله تعالى عن المكان من الكتاب والسنّة والإجماع وأقوال علماء الأصول المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة ، وكل ما صلح الاستدلال به على تنزيه الله تعالى عن المكان يصلح للاستدلال به على تنزيه الله تعالى عن سائر الجهات لأنّها أجزاء من المكان فإن تنزه الباري عن المكان كله ، كان تنزهه عن الجهات من باب الأولى ،  والله تعالى منزه عن المكان والجهة لأنّه سبحانه : { ليس كمثله شيء } لا يشبه ذوات المخلوقين لا من حيث الوجود ولا من حيث حقيقة الذات والصفات والأفعال ، فوجود الله تعالى وجود كامل لم يسبق بعدم ولا يدركه فناء ، فهو الأول بلا ابتداء ، وليس قبله شيء، كما أنه الآخر بلا انتهاء ، وليس بعده شيء ، كما أنّه الظاهر فليس فوقه شيء ، والباطن فليس دونه شيء ، الرحمن على العرش استوى ، وهو قريب من كل شيء ، ومحيط بكل شيء ، وقاهر لكل شيء  ، وهو الكبير المتعال ، وهو العلي العظيم ، وهو الواحد القهار ، وهو الأحد الصمد ، وهو الحي القيوم ، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ، ولما كانت هذه الذات بالحال التي ذكرنا,

فإن العقل البشري يستحيل عليه إدراك كنه هذه الذات, لأنه لا يتصور إلا الأشياء التي تدركها حواسه المحددة ، فذات الله تعالى تقدس عن أن تدركه البصائر النافذة فضلا عن الأبصار ، وعظم عن أن تتوهمه الظنون أو تتصوره الأفكار ، و( الحواس) مختصة بمعرفة ما هو في دائرة عالم المادة فقط ، عاجزة عن معرفة ما عداها ، ولهذا فهي لا تدرك حتى الروح التي لا تفارق جسد الإنسان ، كما قال تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } [ الإسراء : 85 ] ، والله تعالى منزه عن المكاتن والجهات ، لأنّه سبحانه خالق الجهات ، وهو القائل سبحانه { ليس كمثلِه شيء } [سورة الشورى: 11]، وفي هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه ، فلا يشبه وجوده وجود شيء من خلقه ، وإذا كان كل مخلوق يلزم وجوده في مكان او جهة فإنّ الله تعالى ليس كمثله شيء منزه عن ذلك ، وقال تعالى :{ وللهِ المثَلُ الأعلى } [سورة النحل: 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، والوجود الذي لا يشبه وجود المخلوقين ، وقال تعالى :{ فلا تضربوا للهِ الأمثال } [سورة النحل: 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له ، لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه ، وقال الله تعالى :{ هل تعلمُ لهُ سميًّا } [سورة مريم: 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فوجوده سبحانه لا يشبه وجود خلقه وذاتُه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ ، وقوله تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سورة الاخلاص ]

من أعظم الدلائل على تنزيه الله تعالى عن الجهة ، فقد اشتهر في  التفسير أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ماهية ربه وعن نعته وصفته ؟ فأنزل الله تعالى هذه السورة  ،  وإذا عرفت هذا فنقول هذه السورة يجب أن تكون من المحكمات ، لا من المتشابهات لأنه تعالى جعلها جواباً عن سؤال السائل وأنزلها عند الحاجة وذلك يقتضي كونها من المحكمات لا من المتشابهات وإذا ثبت هذا وجب الجزم بأن كل مذهب يخالف هذه السورة يكون باطلا ، وقوله تعالى { أَحَدٌ } يدل على نفى الجسمية ونفى الحيز ولا جهة أما دلالته على أنه تعالى ليس بجسم فذلك لأن الجسم أقله أنه يكون مركباً من جوهرين وذلك ينافى الوحدة ولما كان قوله { أَحَدٌ } مبالغة في الواحدية كان قوله { أَحَدٌ } منافي للجسمية ، وأما دلالته على أنه ليس بجوهر فبيانه أن الأحد كما يراد به نفي التركيب والتأليف في الذات فقد يراد به أيضاً به نفى الضد والند فلو كان تعالى جوهراً فرداً لكان كل جوهر فرد مثلاً له وذلك ينفى كونه أحدا ثم أكدوا هذا الوجه بقوله تعالى { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } ولو كان جوهراً لكان كل جوهر فرد كفوا له فدلت هذه السورة من الوجه أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر وإذا ثبت أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر وجب أن لا يكون في شيء من الأحياز والجهات لأن كل ما كان مختصاً لحيز وجهة فإن كان منقسماً كان جسماً وقد بينا إبطال ذلك وإن لم يكن منقسماً كان جوهراً فرداً وقد بينا أنه باطل ولما بطل القسمان ثبت : أنه يمتنع أن يكون في جهة أصلاً فثبت أن قوله تعالى { أَحَدٌ } يدل دلالة قطعية على أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر ولا في حيز وجهة أصلاً ، وأعلم أنه تعالى كما نص على أنه تعالى واحد فقد نص أيضاً على البرهان الذى لأجله يجب الحكم بأنه أحد وذلك أنه قال هو الله أحد وكونه اله يقتضى كونه غنياً عما سواه ، وكل مركب فإنه مفتقر الى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكونه إله يمنع من كونه مفتقر إلى غيره وذلك يجب القطع بكونه أحداً وكونه أحداً يوجب القطع بأنه ليس بحسم ولا بجوهر ولا في حيز وجهة فثبت أنه قوله تعالى { هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} برهان قاطع على ثبوت هذه المطالب ،

وأما قوله تعالى { اللَّهُ الصَّمَدُ} فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس بجسم وعلى أنه غير مختص بالحيز والجهة ، أما بيان دلالته على نفي الجسمية فمن وجوه : ( الأول ) : أن كل جسم فهو مركب ، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا ( إليه ) فلم يكن صمداً مطلقاً  ، و ( الثاني ) : لو كان مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً ، وأما بيان دلالته على أنه تعالى منزه عن الحيز والجهة : فهو أنه سبحانه وتعالى لو كان مختصاً بالحيز والجهة لكان ذاته تعالى مفتقراً في الوجود والتحقق الى ذلك الحيز المعين وذلك الحيز المعين يكون غنياً عن ذاته المخصوص لأن لو فرضنا عدم حصول ذات الله تعالى في ذلك الحيز المعين لم يبطل ذلك الحيز أصلاً وعلى هذا التقدير يكون تعالى محتاجاً إلى ذلك الحيز فلا يكون صمداً على الإطلاق ، وأما قوله تعالى {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} فهذا أيضاً يدل على أنه ليس بجسم ولا بجوهر لأن الجواهر متماثلة فلو كان تعالى جوهراً لكان مثلاُ لجميع الجواهر فكان كل واحد من الجواهر كفؤاً له ولو كان جسماً لكان مؤلفاً من الجواهر لأن الجسم يكون كذلك وحينئذ يعود الإلزام المذكور فثبت أن هذه السورة من أظهر الدلائل على أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر ولا حاصل في مكان حيز  وقوله تعالى :{ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } : أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه ،

وقال الله تعالى : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [سورة الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا ، وقال الله تعالى : { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [سورة طه: 110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما ، وقال تعالى : { فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون } والند هو العدل والمثل  والنظير والشبيه ، وعلى ذلك فالله تعالى لا يقاس بأحد ، لأنّه لا مثيل له ولا شبيه ، وليس كمثله شيء ، فلهذا يستحيل على الكون في المكان ، ورحم الله الطحاوي حيث يقول : (" فإنَّ ربّنا جلَّ وعلا موصوفٌ بصفات الوَحدانية، منعوتٌ بنُعُوتِ الفَرْدانية، ليس في معناهُ أحدٌ من البَرِيَّة ،  وتعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات " أهــ  ، فالله تعالى فوق الحدود ، لا نهاية لكمالاته ، ولا نهاية لذاته ، ولا نهاية لصفاته ، إذ النهايات دليل على المخلوقات لانّ الله تعالى قهرها بالنهايات ، أما الواحد القهار ، الكبير المتعال تنزه عن الحد والنهاية ، وتعالى على الحدود والنهايات ، ومن كان هذا حاله تنزه عن الجهة والمكان ، يعجز العقل المخلوق المحدود عن معرفة كنه ذاته ، ولا الإحاطة بصفاته فضلا عن ذاته سبحانه ، لا تحيط به الأفكار، ولا تقدّره العقول، ولا تقع عليه الأوهام، فكلّ ما قدّره عقل فهو محدود ، والله تبارك وتعالى أجلّ وأعظم واكبر من أن تحيط بصفته العقول ، وتعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات ، جاء في مقدمة أساس التقديس للإمام الرازي رحمه الله - مختصرا - : ( وقوله تعالى { وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد: 38] دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو وجب اختصاصه بالجهة لكان محتاجاً إلى الجهة وذلك يقدح في كونه غنياً على الإطلاق ، وقوله تعالى { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ }[البقرة: 255] والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه ، وكونه مقوماً لغيره : عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه ،

فلو كان جسماً لكان هو مفتقراً الى غيره وهو جزؤه ،  ولكان غيره غنياً عنه وهو جزئه وحينئذ لا يكون قيوماً وأيضاً لو وجب حصوله في شيء من الجهات لكان مفتقراً محتاجاً الى تلك الجهة ، فلن يكون قيوماً على الإطلاق ، وقوله تعالى { هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ }[الحشر: 24] وجه الاستدلال به : أن الخالق في اللغة هو المقدر ، ولو كان تعالى جسماً لكان متناهياً ولو كان متناهياً لكان مخصوصاً ، بمقدار معين ، ولما وصف نفسه بكونه خالقاً وجب أن يكون تعالى هو المقدر لجميع المقدرات بمقاديرها المخصوصة وإذا كان هو مقدراً في ذاته بمقدار مخصوص لزم كونه مقدراً لنفسه وذلك محال ، وأيضاً : لو كان جسماً لكان متناهياً وكل متناه فإنه محيط به حد واحد أو حدود مختلفة وكل ما كان كذلك فهو مشكل وكل مشكل فله صورة فلو كان جسماً لكان له صورة ثم إنه تعالى وصف نفسه بكونه مصوراً ، فيلزم كونه مصوراً لنفسه وذلك محال فيلزم أن يكون منزهاً عن الصورة والجسمية حتى لا يلزم هذا المحال ، ويلزم منه التنزيه عن المكان لأن المكان مخلوق وكل مخلوق محدود فالمكان محدود والله تعالى لا حد له ، ويستحيل وجود اللا محدود في المحدود إلا على سبيل المجاز ، وقوله تعالى { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ } [الحديد: 3] ، { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ } فهو يقتضى أن يكون ذاته متقدماً في الوجود على كل ما سواه وأن يكون متأخراً في الوجود غن كل ما سواه وذلك يقتضى أنه كان موجوداً قبل الحيز والجهة ويكون موجوداً بعد فناء الحيز والجهة ، { وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ } 

قال المفسرون : أنه ظاهر بحسب الدلائل باطن بحسب أنه لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال ، ولو كان جسماً لما أمكن وصفه بانه لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال ، وقوله تعالى { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [طه: 110] وقوله تعالى { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ }[الانعام: 103] وذلك يدل على كونه تعالى منزهاً عن المقدار والشكل والصورة وإلا لكان الإدراك والعلم محيطين به وذلك على خلاف هذين النصين فإن قيل : لما لا يجوز أن يقال أنه وإن كان جسماً لكنه جسماً كبير فلهذا المعنى لا يحيط به الإدراك والعلم ؟ قلنا : لو كان الأمر كذلك لصح أن يقال بأن علوم الخلق وأبصارهم لا تحيط بالسماوات ولا بالجبال ولا بالبحار ولا بالمفاوز فإن هذه الأشياء أجسام كبيرة والأبصار لا تحيط بأطرافها والعلو لا تصل الى تمام أجزائها ولو كان الأمر كذلك لما كان في تخصيص ذات الله تعالى بهذا الوصف فائدة ، وقوله تعالى { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }[البقرة: 186] وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية  ،  ولو كان تعالى في السماء أو في العرش لما صح القول بأنه تعالى قريب من عباده ، ولو كان تعالى في جهة فوق لكان سماء ولو كان سماء لكان مخلوقا لنفسه وذلك محال فكونه في جهة فوق محال وإنما قلنا أنه تعالى لو كان في جهة فوق لكان سماء لوجهين :

( الأول ) : إن السماء مشتاق من السمو فكل شيء سماك فهو سماء بدليل أنهم ذكروا في تفسير قوله تعالى { وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ }[النور: 43] أنه السحاب قالوا وتسمية السحاب بالسماء جائز لأنه حصل فيه معنى السمو وذكروا أيضاً في تفسير قوله تعالى { وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } [الفرقان: 48]أنه من السحاب فثبت أن الاشتقاق اللغوي والعرف القرآني متطابقان على تسمية كل ما كان موصوفا بالعلو والسمو بأنه سماء  ، 

( الثاني ) : أنه تعالى لو كان فوق العرش لكان من جلس في العرش ونظر الى فوق لم يرى إلا نهاية ذات الله تعالى فكانت نسبة نهاية السطح الأخير من ذات الله تعالى الى سكان العرش كنسبة السطح الأخير من السماوات إلى سكان الأرض وذلك يقتضي القطع بأنه لو كان فوق العرش لكان ذاته كالسماء لسكان العرش فثبت أنه تعالى لو كان مختصاً بجهة فوق لكان ذاته سماء وإنما قلنا أنه لو كان ذاته سماء لكان ذاته مخلوقاً لقوله تعالى { تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى }[طه: 4] ولفظة السماوات لفظة جمع مقرونة بالألف واللام وهذا يقتضي كون كل السماوات مخلوقة لله تعالى فلو كان هو تعالى سماء لزم كونه خالقاً لنفسه وكذلك أيضاً قوله تعالى { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } [الاعراف: 54] يدل على ما ذكرناه فثبت أنه تعالى لو كان مختصاً بجهة فوق لكان سماء ولو كان سماء لكان مخلوقا لنفسه وهذا محال فوجب أن لا يكون مختصاً بجهة فوق ، وقوله تعالى { قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ } [الانعام: 12] مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملكاً لله تعالى وقوله : { وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } [الانعام: 13] يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى ومجموع الآيتين يدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات  كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنزيهه عن المكان والمكان ،

وقوله تعالى : { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ } [الحاقة: 17] ولو كان الخالق في العرش لكان حامل العرش حاملاً لمن في العرش فيلزم احتياج الخالق الى المخلوق ويقرب منه قوله تعالى { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ } [غافر: 7] ، وقوله تعالى { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ } [القصص: 88] ظاهر الآية يقتضى فناء العرش وفناء جميع الأحياز والجهات وحينئذ يبقى الحق سبحانه وتعالى منزه عن الحيز والجهات وإذا ثبت ذلك امتنع أن يكون الآن في جهة المحيز وإلا لزم وقوع التغير في الذات فإن قيل : الحيز والجهة ليس شيء موجوداً حتى يصير هالكاً فانياً قلنا : الأحياز والجهات أمور متخالفة بحقائقها متباينة بماهياتها بدليل أنكم قلتم أنه يجب حصول ذات الله تعالى في جهة فوق ويمتنع حصول ذاته في سائر الجهات فلولا أن جهة فوق مخالفة بالماهية لسائر الجهات وإلا لما كانت جهة فوق مخالفة لسائر الجهات في هذه الخاصة وهذا الحكم أيضاً فلأنا نقول هذا الجسم حصل في هذا الحيز بعد أن كان حاصلاً في حيز أخر فهذه الأحياز معدودة متباينة متعاقبة والعدم المحض لا يكون كذلك فثبت أن هذه الأحياز أمور متخالفة بالحقائق متباينة بالعدد وكل ما كان كذلك إمتنع أن يكون عدماً محضاً فكان أمراً موجوداً وإذا ثبت هذا دخل تحت قوله تعالى { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ } وإذا هلك الحيز والجهة بقى ذات الله تعالى منزهاً عن الحيز والجهة وبقية الكلام  قد تقدمت ،

وقوله تعالى { وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ } [العلق: 19] ولو كان في جهة الفوق لكانت السجدة تفيد البعد من الله تعالى لا القرب منه وذلك خلاف الاصل ، والحديث المشهور وهو ما روى أن عمران ابن الحصين قال يا رسول الله أخبرنا عن أول هذا الامر فقال ((كان الله ولم يكن معه شيء )) لو كان الله تعالى مختصا بالحيز والجهة لكان ذلك الحيز شئا موجوداً معه وذلك على نقيض هذا النص ) انتهى من أساس التقديس للإمام الرازي ، ( قلت ) ومما يدل على تنـزيه الله تعالى عن المكان والجهة من السنّة النبوية المشرفة  ، قوله صلى الله عليه وسلم : (( كان الله ولم يكن شىءٌ غيره )) [ أخرجه البخاري ] ،  ومعناه أن الله لم يزل موجودًا في الأزل ليس معه غيرُه ، فهو تعالى موجودٌ قبل المكان بلا مكان، وهو الذي خلق المكان فليس بحاجة إليه ، ومن تنزه عن المكان تنزه عن الجهة التي هي بمعنى الكون في مكان دون مكان ، وقوله صلى الله عليه وسلم:  (( اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء )) [ أخرجه مسلم ] ، قال الحافظ البيهقي :  " استدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه ـ أي عن الله ـ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء )) ، وإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان" اهـ  كلام البيهقي ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( أقربُ ما يكونُ العبدُ مِن ربّه وهو ساجد، فأكثروا الدُّعاء )) [ أخرجه مسلم ] ، قال الحافظ جلال الدين السيوطي : " قال البدر بن الصاحب في تذكرته : في الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى" أهـ

عدد الزيارات 456

دار الإصلاح والتجديد

نبذة تعريفية                 دروس مرئية
رؤيتنا                       دروس صوتية
رسالتنا                      مقالات وابحاث
أهدافنا                       مكتبة الموقع 
شعارتنا                      المنتدي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.          سلسلة الإصلاح والتجديد

 
 
 

تواصل معنا